
/
\
في قصة (مريم) وقفاتٌ، منها تفسيرٌ وعظاتٌ، والأخرى قوة معنى، وبلاغة آيات.
حوتْ قصة (مريم) الكثير من العِبَر، ولاشك أن تفصيلها في سور القرآن هو أكمل البلاغة وأوسع البيان، فلا سبيل إلى بسط المعاني إلا لتأكيد إعجاز كتاب الله وإعظام قدره، وإنّا إذ نقفُ وقفاتٍ على تفسير بعض آياتها نهدفُ إلى ما كان مضيئًا في حياة المرأة التي كملتْ بين نساء العالمين مع خديجة وآسية وفاطمة، وقد انتقينا لكم (هــنــا –تفريغ نصي-) و (هــنــا –محاضرات صوتية-) تفسيرًا وبيانًا للقصة بعمومها من شرح الشيخ: صالح بن عواد المغامسي؛ لتزداد قلوبكم حبًّا، وتنهل أفئدتكم نورًا من شذا قصة (مريم).
وفي معاني القصة ما يجعل من الرجل والمرأة المسلمان يعتبران ويتعلمان دروسًا جمّة، هذه شذراتٌ منها، انتقيناها، نظمناها، وأهديناها لكم؛ فاغترفوا:
- حديثٌ عنها: "عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيءَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ وُلِدَتْ لِيَ اللَّيْلَةَ جَارِيَةٌ، فَقَالَ: وَاللَّيْلَةَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ مَرْيَمَ فَسَمِّهَا مَرْيَمَ» (رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّيْلَمَيُّ، وَابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ)" (ابن عاشور، الطاهر. التحرير والتنوير، ج16، ص57).

2. اذْكُر (مَرْيَم): قال تعالى:((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)) [سورة مريم: الآية 16].
الناظرُ إلى ابتداء القصة يَعْجَبُ من لفظِ (اذكُر) في أولها؛ إذ فيه لطيفةٌ تختلفُ عن سائرِ مثيلاتها من قصص القرآن الكريم، فيُجابُ إن "فِي افْتِتَاحِ الْقِصَّةِ بِهَذَا زِيَادَةُ اهْتِمَامٍ بِهَا وَتَشْوِيقٍ لِلسَّامِعِ أَنْ يَتَعَرَّفَهَا وَيَتَدَبَّرَهَا... وَلَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ أَتَى فِيهَا لَفْظُ وَاذْكُرْ فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ " (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16، ص79).
3. (حجابٌ، وبشرٌ سويٌّ!): قال تعالى: ((فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)) [سورة مريم: الآية 17].
أما اتخاذها حجابًا فمعناه: اتخاذ ساتر؛ " لتغتسل...محتجبة بحائط أو بشيء يسترها" (أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، ص575)، وهي لفتةٌ راقيةٌ لكمال سترها حتى عن أهلها.
(بشرٌ سويٌّ): أي: "سوي الخلق كامل البنية لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئًا" (المرجع السابق)، وهنا امتحانٌ واختبارٌ لها ولعفتها، فماذا كان موقفها؟
4. أعوذُ بالرحمن منك!: قال تعالى (على لسان مريم): ((قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)) [سورة مريم: الآية 18].
" كان تمثيله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لابتلائها وسبر عفتها ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه" (المرجع السابق).
5. لم يَمْسسني بشرٌ: قال تعالى: ((قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)) [سورة مريم: الآية 20].
خصّت (مريم) البشر أجمعين بالمس لها، لا الرجال فقط، وذلك "مبالغة في بيان تنزهها من مبادئ الولادة... ولم أكن فاجرة تبغي الرجال... أو بمعنى المفعول أي: يبغيها الرجال؛ للفجور بها" (المرجع السابق، ص576).
وهذا الأمرُ ينطوي عن تمام الستر والعفاف، للمرأة والرجل على حد سواء، وسيأتي تفصيلهُ في المحاور التالية.
6. ليتني مِتُّ قبلَ هذا، وكنتُ نسيًا منسيًّا!: قال تعالى: ((فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)) [سورة مريم: الآية 23].
ممَ تخافُ (مريم) الطاهرة؟ أمن حديث الناس عنها؟ أمن تصديقهم؟ أمن آلام المخاض وأوجاعه؟
"قالته مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل -عليه السلام- من الوعد الكريم؛ استحياءً من الناس، وخوفًا من لائمتهم، أو حذارًا من وقوع الناس في المعصية بما تكلموا فيها، أو جريًا على سنن الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم. كما روى عن عمر -رضي الله عنه- أنه أخذ تبنة من الأرض فقال: "يا ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئًا"، وعن بلال أنه قال: "ليت بلال لم تلده أمه" (المرجع السابق، ص 578).
فـ" تَمَنَّتِ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْحُزْنِ تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَقَامِ صَبْرِهَا وَصِدْقِهَا فِي تَلَقِّي الْبَلْوَى الَّتِي ابْتَلَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فَلِذَلِكَ كَانَتْ فِي مَقَامِ الصِّدِّيقِيَّةِ". (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16، ص85).
و"من هذه الآية أخذ بعض أهل العلم جواز تمني الموت عند نزول الفتن، فلقد قال -صلى الله عليه وسلم- في شروط الساعة: (إن الرجل يمر على قبر الرجل يقول: ياليتني مكانك! مما يرى من الفتن)، عافانا الله وإياكم قبل ذلك اليوم" (الشيخ المغامسي، تفسير سورة مريم).
7. لا تحزني!: قال تعالى: ((فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)) [سورة مريم: الآية 24].
كانت الاستجابةُ الفوريةُ، والكرامة الإلهيةُ لها سريعةً، فكان أول كلمةٍ تسريةٌ عنها، فبيّن لها أنّ "حَالَتَكَ حَالَةٌ جَدِيرَةٌ بِالْمَسَرَّةِ دُونَ الْحُزْنِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ الْإِلَهِيَّةِ... فَأَنْتِ فِي بُحْبُوحَةِ عَيْشٍ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16، ص87-89).
8. قَرِّيْ عينًا!: قال تعالى (على لسان عيسى أو جبريل –عليهما السلام-): ((فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)) [سورة مريم: الآية 26].
أي: "طيبي نفسًا، وارفضي عنها ما أحزنك وأهمك؛ فإنه –تعالى- قد نزه ساحتك عما اختلج في صدور المتعبدين بالأحكام العادية؛ بأن أظهر لهم من البسائط العنصرية، والمركبات النباتية، ما يخرق العادات التكوينية، ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك" (أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، ص579). 9. ما كانَ أبوكِ، وما كانت أمُّكِ: قال تعالى (على لسان قوم مريم): ((يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)) [سورة مريم: الآية 28].
فيه "تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش" (المرجع السابق).
/
\
- أربع قدرات، وأربعة أنماط: قال الشيخ المغامسي –حفظه الله-: "في كون المسيح يأتي من غير أب إتمام للحقائق الأربع وهي: أن الله جل وعلا خلق آدم من غير أب ولا أم، هذه واحدة، وخلق حواء من رجل دون أنثى هذه الثانية، وخلق الناس جميعاً من أب وأم هذه الثالثة، وتبقى واحدة وهي أنه يخلق ويوجد عبد من أم دون أب، فكان المسيح بن مريم. لذلك قال الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عليه في تفسيره لهذا الأمر: تمت القدرة الإلهية وأظهر الله جل وعلا عظيم سلطانه وعظيم قدرته في كونه تبارك وتعالى فخلق الخلائق على أربعة قدرات أو على أربعة أنماط" (الشيخ المغامسي، تفسير سورة مريم).
- (الصمتُ عبادةٌ يومًا ما): في صوم (مريم) عن الكلام إنباهٌ بعبادةٍ سابقة هي الصوم عن الكلام، قال ابن عاشور: " كَانَ الِانْقِطَاعُ عَنِ الْكَلَامِ مِنْ ضُرُوبِ الْعِبَادَةِ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، وَقَدِ اقْتَبَسَهُ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْمَسَ الَّتِي حَجَّتْ مُصْمَتَةً. وَنُسِخَ فِي شَرِيعَة الْإِسْلَام بِالسنةِ" (التحرير والتنوير، ج16، ص90).
هذه إشاراتٌ لجماليات اللفظ، وبراعة المعنى، وسلاسة الأسلوب القرآني في السرد والاختصار والتأثير، حوتها قصة (مريم):
- "سبحان من خلق عيسى من غير أب، وفلق الإصباح والحب" (المغامسي).
2. (مكانٌ شرْقيٌّ): قال تعالى: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)) [سورة مريم: الآية 16].
في تنكير (مكان)، وخصّه بالشرق (شرقي): "نُكِّرَ الْمَكَانُ إِبْهَامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إِذْ لَا يُفِيدُ كَمَالًا فِي الْمَقْصُودِ مِنَ الْقِصَّةِ. وَأَمَّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأَنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَصْلِ اتِّخَاذِ النَّصَارَى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَوَاتِهِمْ إِذْ كَانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسَى فِي مَكَانٍ مِنْ جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأَيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَكاناً شَرْقِيًّا» ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبَالَ لَيْسَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. فَذِكْرُ كَوْنِ الْمَكَانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِنْ تَارِيخِ الشَّرَائِعِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُؤَاخَاةِ الْفَوَاصِلِ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير ج16، ص80).
3. إن كنتَ تقيًّا: قال تعالى (على لسان مريم): ((قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)) [سورة مريم: الآية 18].
إن كنتَ تقيًّا: في الآية لمسةٌ رائعة، لمَ اشترطتْ (مرْيَمُ) تقواه؟ " مَجِيءُ هَذَا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الْمُؤْذِنِ بِالشَّكِّ فِي تَقْوَاهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ، وَكَذَلِكَ اجْتِلَابُ فِعْلِ الْكَوْنِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ التَّقْوَى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وَهَذَا أَبْلَغُ وَعْظٍ وَتَذْكِيرٍ وَحَثٍّ عَلَى الْعَمَلِ بِتَقْوَاهُ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16، ص81). 4. لم أكُ بغيًّا! قال تعالى: ((قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)) [سورة مريم: الآية 20].
استعملتْ (مريم) فعل الكون (أكن) الماضي لوصف حالها، والحال في حكاية القصة أنها تتحدث عن حالها الآني، وفي ذلك لفتةٌ بديعةٌ، هي أنها أرادت أن تقولَ: "مَا كُنْتُ بَغِيًّا فِيمَا مَضَى أَفَأَعِدُ بَغِيًّا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16، ص82).
5. قَرِّيْ عينًا!: قال تعالى (على لسان عيسى أو جبريل –عليهما السلام-): ((فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)) [سورة مريم: الآية 26].
(قرةُ العين) تعبيرٌ مجازيٌّ يحوي معنى أعمق، وهو ممتدٌّ من المعنى الحسي لدمع العين، وتفصيله كما قيل: " قُرَّةُ الْعَيْنِ: كِنَايَةٌ عَنِ السُّرُورِ بِطَرِيقِ الْمُضَادَّةِ، لِقَوْلِهِمْ: سَخَنَتْ عَيْنُهُ إِذَا كَثُرَ بُكَاؤُهُ، فَالْكِنَايَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ عَنِ السُّرُورِ كِنَايَةٌ بِأَرْبَعِ مَرَاتِبَ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16، ص89).
"واشتقاقه من القرار؛ فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القرّ فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال: قرة العين وسخنة العين للمحبوب والمكروه" (أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، ص579).