في رحاب الحرمين الشريفين

[ منتدى قلم الأعضاء ]


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 39
  1. #1

  2. 8 أعضاء شكروا أ. عمر على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين



    قَصَدْنَا كَعْبَةَ الرَّحْمَنِ عَصْرًا

    فَيَا رَبَّاهُ مَا هَذا البَهَاءُ

    أُلُوفٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ طَافُوا

    حَوَالَيْهَا يَعُمُّهُمُ الضِّيَاءُ

    وَلَمْ أَسْمَعْ سِوَى التَّسْبِيح دَوْمًا

    وأدْعِيَةٍ يُخَالِطُها البُكَاءُ

    هُمُ لَبُّوا النِّدَاءَ لِمَنْ دَعَاهُمْ

    فَيَا لِلهِ ما هذا الدُّعَاءُ

    قُلُوبٌ قَدْ هَوَتْ دَوْمًا إِلَيْهِ

    وحُقَّ لِزَائِرِ البَيْتِ الهَنَاءُ

    ضُيُوفٌ واقِفُونَ بِبَابِ رَبٍّ

    دَعَاهُمْ فَاسْتَجَابَ الأَتْقِيَاءُ

    هُمُ يَرْجُونَ مِنْ رَبٍّ رَحِيْمٍ

    بِأَفْئِدَةٍ مِنَ التَّقْوَى هَوَاءُ

    وَهَلْ سَتَرُدُّ يَا رَبَّاهُ ضَيْفًا

    ولا زَادٌ لَدَيْهِ عَدَا الرَّجَاءُ

    وإِنْ لَمْ تَعْفُ يَا رَبَّاهُ عَنَّا

    يَضِيْقُ بِرَحْبِهِ عَنَّا الفَضَاءُ

    لَقَدْ مَسَّ السَّقَامُ نُفُوسَ قَوْمٍ

    بِبَيْتِ الْلهِ كَانَ لَهُمْ شِفَاءُ


    (د. رياض قزيحة _ في جدة _ نيسان _ 2010م).


  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين



    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    في رحاب الحرمين الشريفين

    رحلاتنا إلى بيت الله الحرام وإلى المسجد النبوي

    نسجلها لكم بما واجهناه فيها من الطرائف ومن الأخطار

    قريبًا بإذن الله تعالى

  5. #4

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الأولى

    إنها تلك الأيام البعيدة!
    إنه صيف العام 2003، وقد أمضينا سنة سابقة بتعاقد وظيفي، وادخرنا مبلغًا لا بأس به...
    ونحن؛ وهذا الأكثر أهمية؛ موعودون بالتعيين الرسمي بملاك التدريس، ليكون لنا راتبنا الشهري، بدءًا من العام الدراسي الذي سينطلق بعد شهر ونصف تقريبًا...
    لذا؛ أسعدنا بحق تلك الإعلانات المتوالية عن رحلات البر إلى السعودية لأداء مناسك العمرة؛ ولكنني، كنت خائفًا وبحق!
    وسبب الخوف يرجع إلى سنوات الطفولة وبدء مرحلة الشباب، وقتها كان أي مشوار طويل بالسيارة، يدفع بي إلى التقيؤ ما لا يقل عن أربع مرات ذهابًا ومثلها إيابًا!

    فماذا عن الآن؟ هل سأحتمل مشوارًا من لبنان إلى السعودية؟ هل زالت تلك العادة التي كانت تتملكني رغمًا عني، أم لا؟

    ولكنني حسمتُ الأمر أخيرًا، وذلك بذهاب أخي قبلي إلى العمرة...
    هذا الأمر جعلني أقرر المخاطرة والذهاب، أيًا كان الأمر...

    هذا، ومن المؤكد أنه يستحيل علينا؛ تلك الفترة؛ أن نفكر برحلة بالطائرة، وذلك لأن تكاليفها ستكون قاسية ماديًا علينا، ولن نستطيع تحملها...

    لذا؛ أسعدنا أن هناك رحلة برية إلى العمرة أعلنت عن تخفيض الأسعار قليلًا، وأن تكلفة الرحلة 200 دولار أمريكي فحسب، تشمل الإقامة والأكل والشرب كذلك!

    باقي الرحلات أقلها كان يطلب 250 دولارًا، وصولًا إلى 300 ربما، ومن دون الأكل والشرب...
    كنا بانتظار التعيين الرسمي، وبعد التعيين سيكون معاشنا الشهري 316 دولارًا فحسب... وذلك لتعلموا فداحة المبلغ بالنسبة إلينا تلك الأيام، خاصة أنه سيكون أمامنا 3 شهور على الأقل من بداية السنة الدراسية من دون معاش، وذلك لــ(فتح ملف لنا) كما يقولون!
    وبالتالي، يجب علينا أن يكون معنا مبلغ من المال نستعين به على الشهور المقبلة...
    ولذا؛ لم نفكر بشكل منطقي آنذاك، كيف يكون الأكل والشرب على حساب القافلة، رغم الأجر (الزهيد) نسبة إلى غيرها من القوافل؟؟

    وليتنا فعلنا ذلك! كنا أدركنا؛ على الأقل؛ أن مثل هذا العرض مستحيل، أو فيه خدعة ما...
    وانطلقت أجهز المستندات اللازمة، وذلك لاستخراج جواز السفر، وهذا أول جواز سفر لي، يا للسعادة ويا للفخر!
    إنه جواز سفر، أستخرجه خصيصًا لأنني أريد السفر إلى السعودية لأداء مناسك العمرة، لا إلى دولة ما للسياحة!

    وباستلامي جواز السفر،بعد أيام، شعرت بمزيد من السعادة والفخر، وذلك لأن إنهاء هذه الخطوة كان يعني إمكانية الالتحاق بركب القافلة التي ستنطلق بنا إلى الديار الطاهرة، لأداء مناسك العمرة، بعد أن كنا نكتفي بالمشاهدة عبر شاشات التلفزيون، والتمني أن نكون مكانهم!
    ولكن، كانت هناك مشكلة أخرى، وهي أننا جميعًا؛ عدا اثنين معنا فحسب؛ لم نكن قد ذهبنا إلى العمرة من قبل قط، وبالتالي لا علم لنا بالمناسك بشكل صحيح، رغم أننا كنا نشاهد عبر التلفزيون...
    وقد تطوع أحدهم بالشرح لنا، ويا له من شرح!
    طلبوا لقاءنا بحجرة صغيرة، وقفنا فيها لا نكاد نجد متنفسًا للهواء، وقام الأخ برسم دوائر بيضاء على اللوح، ودائرة سوداء، ليقول لنا إن الدوائر البيضاء هي البلاط حول الكعبة، والدائرة السوداء هي الكعبة، ثم رسم نقطة سوداء صغيرة، قائلًا لنا إن هذا هو الحجر الأسود!
    وبعد ذلك تحول الرسم إلى ما يشبه (بيت العنكبوت) لكثرة الخطوط الصاعدة والنازلة، المتشابكة بكل الاتجاهات، وأكاد أظن أن علامات الاستفهام كانت تخرج من رؤوسنا!!

    وهنا؛ تلقينا الوعد (القاطع) بأننا سنشاهد فيديو توضيحي، بشرح مفصل من قبل (شيخ) سيكون معنا في القافلة، يشرح كل شيء بالتفصيل الممل، بإذن الله تعالى.

    اطمأنت قلوبنا هنا، وانصرفنا إلى توضيب أغراضنا، ولا أعلم لماذا أصرت والدتي _ رحمها الله_ على أن آخذ معي طعامًا يكفي فريق كرة قدم، شهرًا على الأقل، لا شخصًا واحدًا لمدة تسعة أيام في السعودية، إضافة إلى ما يستلزمه المشوار ذهابًا وإيابًا...
    ولكن، يبدو أنها خافت عليَّ أن أجوع، ولا أجد طعامًا في السعودية كلها!
    رغم أن أخي أكد لها أن المطاعم منتشرة بكل مكان، وأنني أكدت لها أن الأكل والشرب على حساب القافلة لا على حسابنا الشخصي!

    وأخيرًا حان اليوم الموعود، ودَّعت أمي، وكم آلمتني دموعها، وانطلقتُ بالسيارة مع أبي وأخي إلى الطريق العام، لأركب باص القافلة، بعد أن ودعت أبي وأخي، وما كاد يكتمل عددنا في الباص، حتى ارتفع صوت السائق يقول (بسم الله الرحمن الرحيم) ويذكرنا بدعاء السفر...
    ثم أدار محرك الباص...
    وبدأت رحلتنا إلى رحاب الحرمين الشريفين...
    تلك الرحلة التي لم تكن تقليدية كما كنا نتخيل...
    بل حملت إلينا آلامًا كبرى، ورعبًا رهيبًا...
    وبلاحدود.



    تابعوا معنا

    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 13-7-2018 الساعة 02:30 AM

  6. #5

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الثانية

    دار محرك الباص، لينطلق السائق بنا، ونحن نشعر بالسعادة، لأننا في رحلة فريدة من نوعها
    كان الكثير منا لم يذهبوا إلى العمرة من قبل على الإطلاق، لذا كانوا في حالة من النشوة لقرب تحقيق الأمنية الرائعة التي طالما تمنوها من قبل.
    وبسرعة، انطلق السائق بالباص، ومساعده يجلس بجواره، مسترخيًا بقدر استطاعته، وذلك ليستلم القيادة إذا ما تعب السائق الأساسي، ومسؤول شركة العمرة نفسه، يرافقنا في الرحلة، ما جعلنا نشعر بأننا في رحلة مع شركة منظمة ومقتدرة بعملها
    ولكن، كنا مخطئين كثيرًا في ما تصورناه آنذاك!

    وصلنا إلى الحدود السورية، ليبدأ بعض الشباب بتبادل التهاني، بفضل هذا (الإنجاز)، إذ تجاوزنا ثلث مسافة السفر!
    الحدود السورية، فالأردنية، فالسعودية!

    وارتفعت بعض الأصوات السعيدة معبِّرة عن انفعالها لقرب الوصول إلى المدينة المنورة، كما توهم أصحابها آنذاك.

    ولكن السعادة انقلبت حزنًا وخوفًا
    فلقد توقف الباص، وأخذ مسؤول الشركة جوازات السفر منا، وذهب مع بعض الشباب ممن لديهم خبرتهم برحلات العمرة، لختمها
    وأحد هؤلاء الشباب يخبرنا بأن لا نبتعد، لأنهم سيطلبوننا جميعًا لرؤيتنا والتأكد من مطابقة الصور في جوازات السفر مع وجوهنا

    لم نفهم السبب في ذلك!
    ولا أعني سبب طلبهم إيانا وتأكدهم من المطابقة، فهذا حقهم،
    ولكن لم نفهم؛ حقيقة؛ لماذا لم نذهب معهم مباشرة ليرانا مسؤولو الحدود ويتأكدوا من صحة كل جواز سفر؟!

    ولكن الوقت لم يتسع لنا لإلقاء الأسئلة على الإطلاق
    وبينما الشباب الذين في مقتبل عمرهم في غمرة سعادتهم بأنهم كانوا يزورون سوريا، بموجب هوياتنا فحسب، والآن يبرزون جوازات سفر، وذلك لأنهم أصبحوا (رجالًا) بحق... فوجئنا جميعًا بأحد زملائنا عائدًا من مكتب الجوازات إلى الباص، عابسًا متجهمًا، يبدو متوترًا، بل يبدو كأنه نسي الكلام، إذ نظر إلينا صامتًا بعض الوقت، ثم تساءل بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يزعج همسات الليل:
    _ من يكون فلان الفلاني؟

    لم يرد أي شخص!
    كنا من مناطق كثيرة، ومعظم الركاب لا نعرفهم، بل لم نعرف أسماءهم بعد، وحين لم يحصل زميلنا على إجابة، ارتفع صوته هاتفًا بعصبية شديدة:
    _ من يكون؟ إنهم يريدونه، للاعتقال!

    شعرنا كأن صاعقة قاسية قد هوت في الباص، إذ نسمع هذا الخبر الرهيب!
    ولا ننكر مشاعر الخوف التي سيطرت علينا آنذاك، إذ أدركنا أننا مقبلون على موقف عصيب فعلًا...
    ومع حالة السكون التي انتابتنا جميعًا، سمعنا ذلك الصوت الخافت
    صوت الشخير المنبعث من المقاعد الأخيرة في الباص

    نظرنا إلى الشاب النائم هناك، وقد عرفنا أنه هو المقصود بالاعتقال، من دون أن يخبرنا أحد!
    وذلك لأننا مستيقظون، ولم يبق سواه نائمًا، وبالتالي لا بد من أنه هو...

    اتجه زميلنا نحوه، ليوقظه بهزات عنيفة، فنهض الشاب مزعوجًا، ويبدو أنه هَمَّ بالصراخ أو الاعتراض، لولا أن سبقه رفيقنا قائلًا بصوت خافت:
    _ تعال معي، إنهم يريدونك.

    نزل المسكين من الباص، وهو يتثاءب، ومشى خلف رفيقنا، من دون أن يعلم إلى أين يذهب به، ولا لماذا يريدونه، بل من هؤلاء الذين يريدونه...
    أما متى أغفى بهذا العمق فهذا ما لا نعرفه! من لحظات سلَّمنا جوازات سفرنا، فمتى نام هذا الشاب، حتى لم يَعُدْ يسمع صراخ رفيقنا؟!

    دخل المسكين مكتب الجوازات، وارتفع صراخه بغتة، ولم تمضِ ثوان قليلة، حتى رأينا مشهدًا قاسيًا...
    ومخيفًا إلى أقصى حد!

    الجنود يخرجون برفيق رحلة السفر، مقيدًا بالقيود الحديدية في يديه، يدفعونه إلى سيارة عسكرية، انطلقت به مسرعة، وصراخه لما ينخفض بعد...

    واختفت السيارة العسكرية من أمامنا في لحظات...
    ولم يتكلم أحد منا!
    الرهبة والإشفاق والحزن والألم على هذا المسكين، حتى لو أننا لا نعرفه بعد...

    وسمعنا مَن يتمتم بصوت مستنكر:
    _ تصوروا، إنهم يقولون إنه تاجر مخدرات عتيد!

    لم يعقب أحدنا بكلمة واحدة، ولا أعلم هل كان أحدهم يريد التعقيب أم لا...
    إذ برز زميلنا الذي بَشَّر المسكين بالاعتقال، صارخًا بصوت هادر:
    _ انزلوا حالًا.
    وقبل أن نسأله عن السبب، تابع بصرخة أشد هولًا:
    _ إنهم يريدونكم... جميعًا!

    وانهار بعض صغار السن بالبكاء المرير...
    خوفًا مما ينتظرهم من الاستجوابات المخيفة!


    تابعوا معنا

    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 3-7-2018 الساعة 08:03 PM

  7. #6

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الثالثة

    _ إنهم يريدونكم... جميعًا!
    كنت أعلم أنهم يريدوننا جميعًا، ليتأكدوا من أن جوازات السفر تحمل صورنا فعلًا، فقد أخبرنا أحد زملائنا بذلك، قبل دقائق قليلة...
    ولكن كثيرًا من رفاق الرحلة أخذوا بالبكاء!!
    ارتجفت أجسامهم، وامتقعت وجوههم، وقد خافوا أن هذه (الإرادة) لهم، لِيَتِمَّ استجوابهم حول هذا الشخص، ومدى معرفتهم به، وما إلى ذلك...
    وارتفعت بعض الأصوات المرتعدة:
    _
    لا نعرفه، والله لا نعرفه، إن شاء الله يصدقوننا!!

    كنا من مناطق مختلفة متعددة، ولم نكن نعرف الأخ، بل لم نكن قد لحظنا شكله حتى قبل ذلك...
    ولكن...
    ساورني الشك لحظات أن يكونوا يريدوننا فعلًا، ليسألونا عن ذلك الأخ، لما رأيته وسمعته من رفاق الرحلة الشجعان هؤلاء!

    وبعد مدة من الصمت (استيقظ) زميلنا أخيرًا، ليقول لنا مبتسمًا:
    _
    هذه هي العادة هنا، أن يحمل كل واحد جواز سفره بنفسه!

    وارتفعت الهتافات المستبشرة، وركض الشباب إلى إدارة الجوازات يتدافعون من سيدخل أولًا، وقد صمُّوا آذانهم عن سماع ما يريد زميلنا شرحه، من أنهم (يريدوننا) للتأكد من أنه لا يوجد متسلل فيما بيننا، ولكن أحدًا لم يهتم بالسماع، فالمهم أنهم (يريدونهم) لأمر مختلف تمامًا عن (إرادتهم) ذلك الزميل، وكل أمر من بعدها يهون!

    فجأة، عادت المأساة، لكن بشكل آخر...
    ارتفع صوت البكاء، والشهيق، وتمتمات بكلام غير مفهوم، من إحدى الراكبات،
    فقال أحد الرفاق متضايقًا:
    _
    أف من البنات! تستطيع البنت أن تتحول إلى ما يشبه غيمة سوداء أيام الشتاء، من أين يخترعن
    كل هذه الدموع؟!

    ولكن نظرة العتاب القاسية من مسؤول الرحلة، الذي خرج توًا من مكتب الجوازات، أوقفت تساؤلاته المتهكمة هذه...
    وبصوت خافت، تمتم الرجل:
    _
    هذه الأخت، هي أخت زميلكم الذي اعتقلوه منذ لحظات!

    نظرنا إليها بإشفاق شديد، لكن لم يكن بيد أحدنا أي شيء ليفعله، ومن المستحيل أن نذهب إلى رجال الأمن لنتوسط لذلك الراكب، وإلا فإننا سنجد أنفسنا معه في زنزانة واحدة على الأرجح!

    انطلق بنا الباص، مبتعدًا بنا عن الكابوس المرعب الذي مررنا به منذ لحظات، أو هذا ما ظنناه، فلقد توقف السائق فجأة، لنفاجأ بجندي يصعد إلى الباص، مديرًا عينيه في وجوهنا...

    وارتجف الرفاق مجددًا، وسالت دموع عدد منهم، إذ أدركوا أن الكوابيس السابقة ستتحقق بعد قليل!
    وأعتقد بأن الجندي أصيب بالدهشة، لرؤيته هذه (الأشباح)، وهو قد صعد إلى الباص، بإجراء تقليدي، ليتأكد أن كل شخص منا معه جواز سفره، لا أكثر ولا أقل!

    نزل الجندي، وانطلق الباص بنا مجددًا، وابتدأت الكلمات (الشجاعة) فعلًا، فهؤلاء شعروا بالرعب لأنهم نبلاء، يضحون لأجل الآخرين!
    فهذا قد دمعت عيناه (قليلًا جدًا) حزنًا على أمه، لأنها سوف تحزن عليه وتبكي، فحزن على حزنها الذي لم يحدث، وأخذ يبكي لبكائها الذي لم يحدث!!
    وذلك شعر بــ(بعض) الغصة في حلقه، لأنه ظن أنه لن يرى الكعبة، وما إلى تلك البطولات، ما جعلني أظن أن أحدهم لم يشعر بأدنى ذرة من الخوف، بل لو كانوا يريدونهم لاستجوابهم عن هذا الأخ _ كما ظنوا سابقًا _ لتدافعوا بحماسة وتنافسوا من سيجلس في عربة الاعتقال قبل سواه، لما يتمتعون به من الشجاعة النادرة فعلًا!!

    تجاوزنا الحدود السورية، وتوقف الباص مرة أخرى، وارتفعت الأصوات المرتعدة:
    _
    لـ... لـ... لماذا؟ نحن لا نعرفه!
    هتف مسؤول الرحلة دهشًا:
    _
    من هذا؟؟
    صاحوا بصوت واحد:
    _
    هذا!!
    هتف المسؤول ساخرًا:
    _
    ما شاء الله، ما شاء الله، فهمنا!

    كان إيقاف الباص لسبب ديني، فالفتاة لم يعد بإمكانها متابعة السفر وحدها، بعد اعتقال أخيها...
    وبشهامة تامة، وموقف يستحق عليه مسؤول الرحلة كل التقدير، تم إيقاف سيارة أجرة، لينطلق بها هذا المسؤول وأحد زملائنا، وتلك الأخت، عائدين إلى حدود الأراضي اللبنانية، ومن سيارة أجرة إلى أخرى، حتى أوصلاها إلى بيتها، ولم يتركاها تدفع شيئًا من أجرة الطريق، بل تحملاه هما بكل شهامة وعزة نفس...

    أما أنا، فكنتُ أتلقى درسًا قاسيًا للغاية ذلك الوقت...
    فلقد أغرى الطقس ببداية الليل زملاءنا للخروج من الباص والتنزه...
    فخرجوا تباعًا...
    وبخروج آخر دفعة منهم، وقفت لأخرج معهم، إذ لم يكن من المنطقي أن أبقى وحدي في الباص
    مع النساء...
    ولكن، كنت أسمع أن طقس السعودية حار كالجحيم، لذا، لم أضع الجوارب في قدمي، ولم أحضر معي أي سترة يمكن لها أن تقيني البرد...
    لم أحسب أي حساب لما قبل السعودية في رحلة السفر هذه!
    تجمدت ساقاي في الهواء البارد، وارتعد جسمي لشدة البرد، وأحسست بأسناني تصطك ببعضها رغمًا عني، وأخذت أقول لنفسي:
    _
    ليتني أحضرت بعض الجوارب، وسترة سميكة... لا؛ بل ليتني ادعيتُ النوم في الباص، ولم أنزل!!
    فما كنت أستطيع أن أرجع إلى الباص، بعد أن نزلت منه، فكيف أرجع، ولا يوجد سوى البنات؟!

    طالت المعاناة عدة ساعات، ثم عاد مسؤول الرحلة وزميلنا أخيرًا، فأسرعت إلى الباص ملتمسًا بعض الدفء فيه، وأنا أشعر بأنني أمشي على آيس كريم، لا على قدمين!

    وبالكاد تخلصت من بعض البرد، لأرى أننا توقفنا عند حدود الأردن، وقد حان وقت صلاة الفجر،
    ونزلنا لنتوضأ في مغاسل قريبة من الجامع الصغير هناك، و...
    يا أمي! مستحيل أن يكون هذا الذي ينزل من حنفية المغسلة ماء! بل هو سائل ثلجي، يفوق الثلج نفسه برودة وألَمًا!
    آه! لو كنت أضع الجوارب في قدمي، لجاز لي أن أمسح عليها، كما يفعل رفاقي في الرحلة، كنت الوحيد الذي يتوضأ، ويغسل رجليه، وقد سمعت بعض عبارات الانبهار بشجاعتي النادرة، إذ كيف أتحمل برودة الماء الفظيعة هذه، ولم يكن هؤلاء المنبهرون يعلمون ما في قلبي من المشاعر، ولا ما في عظامي من آلام التجمد!!

    وفي المسجد أخذت أحاول أن أحف قدمي بالسجاد، بقدر الإمكان، لأجففهما من هذا الماء المؤلم، ولكن إحساس البرد استمر فترة طويلة، بعد انتهائنا من الصلاة، بل حتى بعد انتهائنا من الحدود الأردنية، والحمد لله لم يكن هناك أي زحام، ربما كان باصنا ثالث باص في قائمة الانتظار، لكنهم كانوا سريعين في إجراءاتهم، ما يستحقون عليه كل الاحترام...

    ومع انطلاق الباص بنا من الحدود الأردنية، فوجئ كثير منا، ببعض الرفاق يصفقون ويهتفون ويكبِّرون، حتى ظننا أنه قد تم نقل الكعبة، بطريقة سحرية، من مكة، إلى ما بعد الحدود الأردنية بقليل...
    ولكني أعذر هؤلاء، إذ ظنوا أنهم تخطوا ثلثي الطريق، الحدود السورية والحدود الأردنية، ولم يبق إلا الحدود السعودية، ثم نرى الحرم المدني أمامنا مباشرة!

    بكل الأحوال، كانت الحدود السعودية بالنسبة إليَّ، وإلى الكثيرين، كابوسًا حقيقيًا...
    إذ إننا سمعنا أن فترة الانتظار قبل أن يحين دورنا بالتفتيش، تصل أحيانًا إلى 11 ساعة!

    ولكن، الحمد لله تعالى، كنا من أوائل الواصلين كذلك، وكانت هناك عدة نقاط للتفتيش...
    فلم ننتظر إطلاقًا، ولكن...
    طلب إلينا مسؤول الرحلة أن ننزل من الباص، لأن هناك نوعًا مختلفًا من التفتيش سيحصل...

    وقفنا قرب الباص، مفكرين ما المقصود بـ(النوع المختلف) من التفتيش؟!
    ثم ارتجفنا رعبًا... وأعترف بأنني ربما كنت أكثر الخائفين هذه المرة...
    المنظر رهيب فعلًا، وتلك الفوبيا القديمة في أعماقي تتحرك، وتدعوني لأركض بأقصى سرعة، لأفرَّ بحياتي مما أراه أمامي!


    تابعوا معنا






    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 19-7-2018 الساعة 08:32 PM

  8. #7
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    4,835
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    Thumbs up رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    وعليكمـ السلامـ ورحمة الله وبركاته~


    جميل أستاذ كالعادة سرد مبهر ما شاء الله
    هلَّا أكملتها!،
    أريد أن أعرف هل وصلتم للحدود السعودية؟!،
    مالذي ينتظركم وماذا ستفعل معكم؟!،
    لا أظن سوءاً
    أحسنت فعلاً^^,
    باركك ربي،
    قل لي هل الشاب فعلاً متورط أم يظلمونه؟!،
    أم لا تعلم؟!،
    الموضوع فعلاً جميل
    هل القصيدة لأخاك؟!،
    انتظر التكملة
    فلا تتأخر^^,
    وفقت
    في حفظ المولى،،

    ~

  9. #8

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Jomoon مشاهدة المشاركة
    وعليكمـ السلامـ ورحمة الله وبركاته~


    جميل أستاذ كالعادة سرد مبهر ما شاء الله
    هلَّا أكملتها!،
    أريد أن أعرف هل وصلتم للحدود السعودية؟!،
    مالذي ينتظركم وماذا ستفعل معكم؟!،
    لا أظن سوءاً
    أحسنت فعلاً^^,
    باركك ربي،
    قل لي هل الشاب فعلاً متورط أم يظلمونه؟!،
    أم لا تعلم؟!،
    الموضوع فعلاً جميل
    هل القصيدة لأخاك؟!،
    انتظر التكملة
    فلا تتأخر^^,
    وفقت
    في حفظ المولى،،

    ~

    سأتابع بإذن الله تعالى
    الشاب كان بريئًا ولم يظلموه، تبينت لهم براءته وأطلقوا سراحه
    القصيدة لوالدي
    بارك الله بكم وحفظكم من كل سوء

  10. #9

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الرابعة

    لم أركض هَربًا مما أراه، خوفًا أن أتعرض لما هو أسوأ من ذلك فيما بعد
    ولكني كنت أرتجف بقوة، لما أعانيه من فوبيا الكلاب من صغري
    طبعًا لم يكن الكلب وحده، بل كان هناك جندي يقوده، ورغم ذلك كان الخوف رهيبًا
    كنت أعلم، ممن ذهبوا قبلنا، أن الكلب سيشم الباص، بحثًا عن مواد ممنوعة، ولكن معرفتي هذه لم تكن لتقدم أو تؤخر شيئًا، فلي مع الكلاب مواقف وتجارب مريرة، جعلتني أخافهم خوفًا شديدًا
    ورغم كل الخوف، لم أتمالك نفسي من الابتسام بسخرية شديدة، مع سماعي بعض التعليقات من زملائنا الشجعان!
    لقد ظنوا أن الكلب سيأتي ليشمهم!!
    رأيت أن وجوههم أشبه ما تكون بوجوه الأشباح، وبعضهم دمعت عيناه (ربما حزنًا على أمه التي ستحزن عليه إذا ما رأته حزينًا)!

    ثم هبطت الشجاعة؛ فجأة؛ فوق رأس أحد هؤلاء، ليقول متحديًا:
    _ إن كان هذا الكلب قادمًا ليشمَّنا، فلن أسمح له بذلك!
    نظرنا إليه، كأنه قد فقد عقله، ورَدَّ أحد الشباب بتهكم لاذع:
    _ لماذا؟ هل تظن نفسك عَظْمَة مشوية، وتخاف أن يأكلك الكلب؟!

    دوت ضحكاتنا الشامتة لهذا الرد، وكانت (ناعمة) فيما يبدو، لأن الجندي الذي يقود الكلب جمد مكانه، وأخذ ينظر إلينا كأنه يشاهد أناسًا فقدوا عقولهم بغتة، وكأني به يفكر من أي كوكب أتى هؤلاء، حتى يبدو منظرهم مثل الذي ينتظر الإعدام في لحظة، وينفجروا ضحكًا في لحظة تالية!

    واصل الجندي سيره بالكلب إلى الباص، وبفخر غريب، هتف ذلك الذي لن يسمح للكلب أن يشمَّه:
    _ ألم أقل لكم؟!

    وارتفعت التعليقات الساخرة:
    _ ماذا قلت لنا؟
    _ أه، أه، صحيح، لقد خاف الكلب منك!
    _ من المؤكد أن الكلب المسكين سيستقيل من مهنته، بعد ما رآك يا سوبرمان!

    اقترب منا؛ هنا؛ أحد الجنود، ليسكت الرفاق، وكأنهم يعتقدون أن الكلام ممنوع مثلًا، ولكن الجندي كان يريد إلقاء التحية فحسب، ومتابعة سيره، ولكنه توقف ينظر في وجه أحد المسافرين معنا، وهو رجل متقدم في السن نسبيًا، وتساءل الجندي:
    _ ماذا تشتغل في وطنك؟

    أجابه زميلنا متفاخرًا:
    _ أستاذ، من فتح مدرسة أقفل سجنًا!

    تمتم الجندي بدهشة:
    _ عفوًا؟

    كرَّر زميلنا باللهجة المتفاخرة ذاتها:
    _ أستاذ، من علمني حرفًا صرت له عبدًا!

    لا أعتقد أن الجندي كان بحاجة لهذه الحكم والأمثال، فغادر من دون أي سؤال إضافي، واتجهنا إلى مسجد صغير قريب، لنمضي به الساعات الإحدى عشرة، المرتقب لنا أن نمضيها على الحدود السعودية، ولكن... لم يمضِ سوى وقت قليل، وأتى مسؤول الرحلة يتساءل مستنكرًا لماذا نحن هنا؟ وكيف سينطلق الباص من دوننا؟

    أجابه أحدهم:
    _ لم تنتهِ ال 11 ساعة بعد!
    ولم يفهم الأخ ما المقصود بال 11 ساعة بادئ الأمر، ثم أغرق بالضحك حينما فهم المقصود، ورَدَّ ساخرًا بأن من يحب هذا الانتظار فليفعل، ثم يلحق بنا وحده، لقد انتهى التفتيش وختم الجوازات، وحان وقت الانطلاق، أما هذه الساعات فربما أمضاها أناس ذهبوا قبلنا، وكان قبلهم عدد كبير من الباصات، أما نحن...

    لم ننتظر سماع المحاضرة كلها، اتجهنا نحو الباص، وما إن انطلق به السائق، حتى انطلقت الهتافات السعيدة:
    _ الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر!

    لم يفهم كثير منا سبب التكبير الآن، ولكن قلنا لعل ذلك فرحًا بأن (كابوس) الانتظار الطويل قد زال عنا، ولكن اتضح السبب لاحقًا، حينما توقف الباص قرب إحدى الاستراحات، ليصرخ أحد الركاب غاضبًا:
    _ هل هذا وقت الاستراحة؟ كم تبقى لنا لنصل إلى الفندق في المدينة؟ ساعة؟ ساعتان؟ لنمشِ؛ إذًا؛ من دون إضاعة وقت!

    صاح مسؤول الرحلة مستنكرًا:
    _ ساعة؟ ساعتان؟ قل إن شاء الله نصل غدًا مساء!

    وكانت صدمة قاسية لهؤلاء الشباب، لقد ظنوا أنهم سيخرجون من الحدود السعودية إلى المدينة مباشرة، ولم يعلموا بأنها تزيد؛ على الأرجح؛ عن المسافة من لبنان إلى الحدود السعودية!

    انطلقنا بعد الاستراحة، ولكم ارتفعت أصوات تعبِّر عن الملل والإحباط بسبب الطريق التي لا تنتهي، ومرَّت الساعات بطيئة مزعجة، رغم أن الباص لم يكن يتوقف تقريبًا، وحينما يتعب السائق يحل محله مسؤول الرحلة نفسه ليواصل قيادة الباص، و...

    يا للجمال النادر!
    مآذن الحرم المدني تبدو أمامنا أخيرًا!

    ظهرت أضواؤها أمامنا تنير الدروب والأبصار والأرواح، وبدأ التصفيق والتكبير والتهليل، وارتفع صوت التهاني المتبادلة، لقد وصلنا أخيرًا إلى المدينة.

    وفي فندق الأشراف نزلنا... فندق ضخم، وبسرعة فائقة تم توزيعنا على الغرف المخصصة لنا، ما يقطع بكفاءة مسؤول الرحلة، لم يقدِّر الكثير منا هذه الكفاءة، ولكني أدركتُها فيما بعد، وصعدنا إلى غرفنا، وما كاد المصعد يتحرك بنا، حتى تمتم أحدنا:
    _ بسم الله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
    هتف شخص ثان:
    _ لماذا؟ هل تظن المصعد بقرة؟!
    رد الأول متضايقًا:
    _ بل وسيلة نقل!
    هتف به الثاني:
    _ نعم، نعم، ولا ينقصه إلا أن يقول (ماء... ماء)!!
    صرخ الأول:
    _ لا داعي لأن يقولها! أنت تقولها! ويكفي...

    هتف بهم أحد الرجال:
    _ اسكتا! ما هذا؟ هل هذه أخلاق من يأتون إلى العمرة؟ عيب! استحوا على دمائكم!

    وفي غرفة الفندق واجهتنا مفاجأة! أو أعتقد أن المفاجأة كانت لإدارة الفندق لا لنا! لقد اتصل بهم أحد الزملاء من هاتف الغرفة، صائحًا بغضب:
    _ ما هذا؟ هل تريدون للأكل أن يفسد؟ ألا تضعون برادًا في الغرفة على الأقل؟! نعم؟ هناك براد؟ أين؟ في السقف مثلًا؟ أم أنه هرب قبل أن نصل؟؟

    وبالفعل كانت إدارة الفندق رائعة، لم ينتهِ الاتصال، إلا وأحدهم يدق باب غرفتنا، ويدخل، ليفتح خزنة صغيرة جدًا في زاوية الغرفة، لنرى أن البراد داخلها!

    ويا له من براد! لا يتسع لمحتوى حقيبة شخص واحد فينا!
    لم نتوقع ذلك طبعًا، بل لم نتوقع حجم هذا البراد الذي لم نَرَ له مثيلًا من قبل قط!
    أصغر براد نراه في المحلات لدينا يفوق هذا البراد بثلاثة أضعاف تقريبًا!

    وكانت المشكلة الحقيقية هنا، لم نستطع وضع سوى أقل كمية ممكنة من الطعام، وتركنا الباقي في حقائبنا، ندعو الله تعالى ألا يفسد...
    قررنا أن نذهب إلى الحرم المدني لنصلي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ولكن أحد الرجال المتقدمين في السن أتى نحونا، يتساءل غاضبًا:
    _ أين الطعام الذي وعدتنا به الشركة؟

    صرخ بوجهه حوالي عشرة أشخاص على الأقل:
    _ وأنت قادم لتؤدي العمرة؟ أم أنك أتيت لتأكل إن شاء الله!

    لا أعلم هل ينبغي أن يتبخر الأخ جوعًا، كي يؤدي العمرة بشكل صحيح أم ماذا!
    ولكن يبدو أنه لم يحضر معه سوى كمية ضئيلة من الطعام استهلكها وعائلته في طريق الذهاب، استنادًا إلى الوعود بأن الطعام على حساب الشركة!

    انطلقنا بسرعة إلى الحرم المدني، والسعادة تنطق على الوجوه، سنصلي في الروضة الشريفة الآن، ولكن؛ لا، الحرم المدني مغلق! يغلق كل ليلة بين الساعة 11 والساعة 3 ليلًا!

    صلينا المغرب والعشاء خلف أحد زملائنا في ساحة المسجد
    ثم تفرق الزملاء، ليرجعوا إلى الفندق، إلا أنا.. قررت البقاء، سأبقى هنا حتى الثالثة فجرًا،
    وإذ يفتح الحرم أبوابه سأدخل وأصلي في الروضة الشريفة، و...

    ولا شيء بعدها!
    غفوتُ من دون أن أشعر، فالإرهاق كان عنيفًا، برحلة طويلة أخوضها أول مرة، وكان للاستيقاظ طعم مختلف فعلًا، لم أمرَّ بمثله من قبل قط...

    طبعًا لم يكن التميز بأنني سأستيقظ، وأنا أظن نفسي في بيتنا، وأجد نفسي في الحرم المدني، والأبواب مفتوحة على مصراعيها، و... فنحن في الواقع لا في عالم الروايات الدرامية!

    ولكن الأمر لم يَخْلُ من الدراما حقيقة، بل من التراجيديا
    وهل هناك أسوأ من أن يستيقظ أحدكم بركلة عنيفة تكاد تمزق أواصر خاصرته من مكانها؟؟

    فتحت عيني بانزعاج، لألمح طرف حذاء يتجه نحو خاصرتي، ولم أستطع فعل شيء، لتكون الضربة الثانية الألعن مما سبقها

    وقفت هنا بسرعة وتوتر، وكدت ألعن الفاعل (نسيت أنني في الحرم هنا) لولا أنني انتبهت في اللحظة الأخيرة...
    لم أنتبه إلى أنني في حرم المدينة فحسب، بل إلى هذا الأخ الذي يركلني...
    لم يكن أحد زملائنا في العمرة، وقد أحب أن يمزح مثلًا، بل كان رجل أمن!

    ما الذي يحدث؟
    أأنا رهن الاعتقال، أم ماذا؟
    ما هذا الذي فعلته يا ترى؟؟

    تابعوا معنا.



    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 19-7-2018 الساعة 08:36 PM

  11. #10

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الخامسة


    ضربتان ناريتان في خاصرتي!
    وأنا أحدق؛ الآن؛ بعيني رجل الأمن، سائلًا نفسي بتوتر:
    ما الذي يحدث؟ أأنا رهن الاعتقال، أم ماذا؟
    ما هذا الذي فعلته يا ترى؟؟
    ثم ألا توجد وسيلة للاعتقال أكثر (نعومة) من هذه الطريقة؟؟
    شعرت بأن الزمان قد تجمد بنا هنا، ورفع رجل الأمن يده، ليشير نحو منطقة بعيدة عن التي نقف بها الآن، هاتفًا:
    _ الصلاة يا رجل، الصلاة!

    قالها، مشيرًا نحو جموع المصلين الذين كانوا في حالة السجود، لأدرك ما حولي، وسبب إيقاظي من قبل الأخ، وإن لم أغفر له الطريقة التي اتبعها، وارتفع صوت الإمام بالتكبير للقيام للركعة الثانية، ليتضاعف غضبي، مرة لإيقاظي بالركل، وأخرى لأنه لم يوقظني قبل ذلك، ما أضاع عليَّ اللحاق بالصلاة الأولى لنا جماعة في الحرم المدني، فوجدتُ نفسي أصرخ بوجه رجل الأمن:
    _ لماذا لم توقظني قبل أن يبدأوا الصلاة؟! هل يؤلمك بطنك لو فعلت؟!

    جمد الرجل مع هذه الصرخة، قبل أن يحتقن وجهه غضبًا، فأسرعتُ أهتف به مشتتًا انتباهه، كي لا أجد نفسي رهن الاعتقال فعلًا :
    _ الصلاة يا رجل، الصلاة!

    وأسرعتُ أنزل السلم الكهربائي المتحرك نحو دورات المياه والمغاسل لأتوضأ، ثم ارتددتُ إلى ساحة الحرم، داعيًا الله ألا أجد رجل الأمن هذا في انتظاري!
    انضممت إلى جموع المصلين، وما كدت أرفع يدي للتكبير والبدء بالصلاة، حتى ابتعدت بسرعة، شاعرًا بالدهشة والاستنكار لما يحصل.
    رجل انضم إلى صفوف المصلين، ليقف بجانبي، وهو يمسك بيد امرأة، أوقفها بجانبه معنا في صف الرجال، ورفع الرجل يده ليكبِّر، لكن أحد رجال الأمن صرخ به:
    _ حجي، الحريم هناك!

    رد الرجل بحزم:
    _ زوجتي! لا أسمح لها أن تفارقني!

    وهنا صاح به رجل الأمن صيحة هادرة، لم أميِّز حروفها، لكنها جمدت الأخ مكانه، ولم أر شخصًا خائفًا مثل ما رأيت في ملامحه، وأسرع الأخ يطلب من زوجته الذهاب إلى مصلى النساء، لأنضم؛ مجددًا؛ إلى الصف ملتحقًا بالمصلين، شاعرًا بالامتنان لرجل الأمن هذا، وحزمه المطلوب بمثل هذا الموقف، الذي كان كفيلًا بإبطال صلاتنا لو لم يتدخل رجل الأمن الرائع.

    رجعت بعد الصلاة إلى الفندق، مؤجلًا البحث عن الروضة الشريفة داخل الحرم، وقبر المصطفى صلى الله عليه وسلم والصديق والفاروق خارج الحرم (كما كنت أظن وقتها)، إذ إنني لم أنَل كفايتي من النوم، ثم إنني كنت أشعر بألم شديد من مواطن الركل في خاصرتي، وشعرتُ بأنني بحاجة إلى نوم عميق، يزيل كل المتاعب والآلام، ولكن حتى النوم لم يكن مريحًا كما توقعت...
    فمرة أخرى أستيقظ بطريقة سخيفة فعلًا!

    حينما نمتُ كنتُ وحدي في الغرفة، وحضر أحد رفاقي خلال نومي، فجلس هادئًا يقرأ القرآن بينه وبين نفسه كي لا يوقظني، ثم انضم الزميلان الآخران إلى الغرفة، وأحدهما يصرخ كأنما اكتشف اكتشافًا نوويًا:
    _ تخيل يا... تخيل! إنهم في السعودية يبيعون... يبيعون... يبيعون...
    هتف الرفيق الذي كان في الغرفة، وقد نفد صبره:
    _ يبيعون ماذا؟

    اختنق صوت الأخ من الانفعال، ليتابع زميله بدلًا منه:
    _ يبيعون الفساتين، تخيل!

    دخل زميل خامس هنا، ليس معنا في الغرفة (يبدو أن غرفتنا تحولت موقف الباص، وأنا لا أعلم)، والمنفعل يتجاوز انفعاله ليهتف:
    _ كنا نظن النساء في السعودية يلبسن الجلباب فقط، ولكن... (اكتشفنا) أنهم يبيعون الفساتين في السعودية!

    هتف الزميل الذي انضم إلى الغرفة، محتارًا:
    _ وماذا إن كانوا يبيعون الفساتين؟
    وهتف الزميل الذي كان أولًا، مستنكرًا:
    _ وأنتما، ما الذي ذهب بكما إلى محلات النسوان؟ آه؟

    كنت قد استيقظت في بداية الصراخ هذا، مزعوجًا فعلًا، لمقاطعة نومي مرة ثانية، وأنا لم أكتفِ بعد، وبلغ انزعاجي مبلغه مع هذا الحوار (العميق) (المدهش) الـ... ولم أجد فعلًا ما هو أسخف من هذا (الاكتشاف) وما تلاه من (الانفعال)، فالأنثى هي الأنثى، ومن الطبيعي أن تحب ارتداء الفستان، ماذا في ذلك؟ هل يلزم الأمر هذا الصراخ؟

    والأسخف من ذلك، أن أحد صاحبي هذا (الاكتشاف) نظر نحوي، متسائلًا:
    _ ما رأيك؟
    لو لم نكن قادمين لأداء العمرة، لأخبرته رأيي فعلًا، ليس بما يبيعونه في السعودية، بل بذكائه وألمعيته النادرين، لكني تمالكت أعصابي، لأجيبه بشكل فعلي، بأن أدير له ظهري، وأتابع نومي، أو أحاول ذلك!

    حينما أفقتُ؛ هذه المرة؛ كنت أشعر بكثير من الارتياح والنشاط، توضأت وذهبت إلى الحرم بكل النشاط، وتمكنتُ؛ بفضل الله تعالى؛ من الصلاة في الروضة الشريفة، وبقيتُ فيها حتى أذان الظهر، وبعدها أردتُ (الذهاب) لإلقاء السلام على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، لولا أني لم أكن أعرف مكانه فعليًا، لكن قلتُ لنفسي سأسأل، ومن لا يسأل لا يصل، لكن ظهر أمامي فجأة أحد زملائنا ممن أدوا العمرة سابقًا، وما إن علم بما أريد، حتى أخبرني بأن أمشي بخط مستقيم حتى نهاية الحرم، وهناك قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبجانبه قبر الصديق، وقبر الفاروق، ونصحني الأخ نصيحة مستنكرة فعلًا!

    طلب إليَّ؛ بكل بساطة؛ أن أذهب إلى باب الدخول لآتي بحذائي أولًا، وأحمله بيدي، ثم أتجه للسلام على المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكني استهجنتُ هذه النصيحة المستنكرة، وتلك الفكرة العجيبة، إذ كيف لي أن أمُرَّ بقبر خير المرسلين صلى الله عليه وسلم، لأقرأه السلام، وأنا أحمل بيدي حذائي؟؟

    تجاهلت نصيحته (السخيفة)، وسرت مع السائرين، حتى وصلتُ إلى مبتغاي، فألقيت السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم على الصديق، فالفاروق، واستدرت أريد الرجوع، لكن ذلك كان أمرًا مستحيلًا بكل معنى الكلمة!

    أعتقد أنني كنت أواجه حوالي ألف رجل في تلك اللحظات، ويجب أن أتخطاهم جميعًا لأستطيع الرجوع من حيث أتيت! وانتبهت إلى هتاف أحد رجال الأمن يطلب مني الخروج مباشرة من الباب الذي أمامي، كون الرجوع ممنوعًا، وكأني أستطيع الرجوع لو كان ذلك مسموحًا!

    خرجتُ باستسلام من الباب أمامي، وفي اللحظة التالية شعرتُ بأنني أشم رائحة لحم يتم شَيُّه أسفل قدميَّ، فالبلاط كان ملتهبًا فعلًا في ظهيرة شهر آب (الشهر الثامن)، في السعودية!

    أخذتُ أركض، والحرارة اللاهبة تزداد في قدمي، وتكاد تفقدني وعيي لفرط ما أعانيه من آلامها، ولم أكد أصدق أنني وصلتُ إلى الأبواب الرئيسة، فأسرعتُ أدخل الحرم مجددًا لأطلب الراحة، لكن (الأبخرة) ظلت تتصاعد من قدميَّ (مجازًا طبعًا لا حقيقة، لكن لشدة ما أشعر به من الاحتراق)، فرجعتُ سريعًا إلى الفندق، لأفتح في الحمام حنفية الماء الباردة (لو صح أن نسميها باردة)، وأخذت أغسل قدميَّ (المسكينتين)، وفي ذهني تتردد نصيحة رفيقي التي تجاهلتها، وليتني لم أفعل، لكن (يا ليت) لن تقدم شيئًا ولن تزيل هذه الآلام الفظيعة، للأسف!

    أمضينا يومين في قصر الأشراف، ثم وضبنا أغراضنا، لينطلق بنا الباص نحو مكة، وتوقف بنا الباص في الميقات طبعًا، لنغتسل ونحرم، وأي إحساس رائع أحسسنا به آنذاك! سنؤدي العمرة، أول مرة في حياتنا، يا للروعة! يا للسعادة!
    صلينا في المسجد هناك، وأعلنَّا بعدها نية الإحرام، مضيفين آخرها، كما كنتُ أعلم مسبقًا، وكما أكد لنا الآن مسؤول الرحلة:
    _ فإن حبسني حابس، فَمَحِلِّي حيث حبسني.
    وذلك كي نتمكن من التحلل من الإحرام، فيما لو تعرضنا لما يمنعنا من المتابعة إلى الحرم المكي.

    انطلق بنا الباص إلى مكة، ونحن صامتون لا يتكلم بيننا أحد، ثم أخذ مسؤول الرحلة بالتكبير، ولم نعرف سبب التكبير، فكان التفاعل معه قليلًا، ليتوقف عن التكبير قائلًا لنا إنه سنة للمعتمر، وهكذا ملأ التكبير أرجاء الباص فترة طويلة، وما كاد يتوقف لنلتقط بعض أنفاسنا، حتى هتف أحد رفاقنا، وقد تذكر أمرًا مهمًا:
    _ لكن، ألم تقولوا لنا إنكم ستعرضون لنا فلمًا تسجيليًا يعلمنا كيف نؤدي العمرة، صوتًا وصورة؟
    رَدَّ المسؤول بحزم:
    _ بلى، كله سيأتي في وقته، لا تقلقوا.

    لم أفهم متى سيأتي (وقته) إن لم يكن الآن!
    هل سنشاهد الفلم التعليمي، بعد أن نؤدي العمرة مثلًا؟

    وصلنا إلى مكة مستبشرين، إذ إن الأمنية تقترب أكثر وأكثر، وما كادت مآذن الحرم المكي تلوح لنا، حتى تمتم أحد الزملاء بخيبة أمل:
    _ مآذن الحرم في المدينة أحلى!

    سأله أحد الزملاء متهكمًا:
    _ وحضرتك، قادم لتؤدي العمرة، أم لتتصور مع المآذن؟!

    كنت أتفق معه بهذا الرد، لكني لم أتدخل، رغم ميلي إلى السخرية بمثل هذه المواقف، ولكني أردت الابتعاد عن حوار قد يدخلنا في جدال لا معنى له، يضيع علينا الإحرام، والعمرة بالتالي.

    وصلنا إلى الفندق (لا أذكر اسمه)، ووضعنا أغراضنا في الغرف، مرة أخرى تتجلى لنا كفاءة مسؤول الرحلة بتوزيع أسمائنا من دون إضاعة الوقت، وانطلقنا إلى الحرم مسرعين، سنؤدي العمرة الآن، سنرى الكعبة مباشرة من دون شاشات التلفاز، سنحقق الأمنية، بل الدعاء إلى الله تعالى أن يكتبها لنا...

    ولكنْ... لقد نسينا أمرًا مهمًا فعلًا...
    لنجد أننا أمام مفاجأة (سخيفة)، لم نكن نتصور أننا سنواجهها بمثل هذا الموقف النادر...
    على الإطلاق!


    تابعوا معنا.


  12. #11
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    4,835
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    Thumbs up رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    ضربك أسلوب وحشي
    الحمدلله عدى الموضوع على خير
    أما موضوع الفساتين هذه حكاية مضحكة
    قصة الحذاء تقهر الشعور يبدو مؤلما
    وفقرة المآذن أضحكتني
    بارك ربي بك
    وزادك من فضله
    السرد جميل وممتع

    ماهو الأمر الذي نسيتموه
    متشوقة لمعرفته
    ننتظر التكملة
    بوركت

    في حفظ المولى،،
    ~

  13. #12

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Jomoon مشاهدة المشاركة
    ضربك أسلوب وحشي
    الحمدلله عدى الموضوع على خير
    أما موضوع الفساتين هذه حكاية مضحكة
    قصة الحذاء تقهر الشعور يبدو مؤلما
    وفقرة المآذن أضحكتني
    بارك ربي بك
    وزادك من فضله
    السرد جميل وممتع

    ماهو الأمر الذي نسيتموه
    متشوقة لمعرفته
    ننتظر التكملة
    بوركت

    في حفظ المولى،،
    ~

    الحمد لله لانتهاء موقفي مع رجل الأمن على خير
    تخيلت من صراخي في وجهه أنه لن يسكت لي
    وفعلًا المواقف كان فيها كوميديا مثل هذا الذي (اكتشف) ماذا يبيعون في السعودية
    وذاك الذي لم تعجبه مآذن الحرم المكي...
    أما الركض على البلاط الملتهب، فكان فيه عذاب شديد لي، لم أشعر بمثله في حياتي حتى حينما تعرضت لصعقة كهرباء خفيفة في بيتي بعد ذلك...
    بارك الله بكِ أختي الكريمة، وسأسعى لتقديم حلقة جديدة اليوم إن شاء الله تعالى

  14. #13

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة السادسة


    انطلقنا جميعًا إلى الحرم المكي لنؤدي العمرة، من دون أن نتوقف للاستراحة في الفندق ومسؤول الرحلة يهتف بنا متحمسًا أننا سنلتقي باثنين ممن أدوا العمرة مسبقًا، ويعيشان الآن في السعودية، وذلك تلافيًا لأي أخطاء قد تحصل. ولم يقنعنا هذا الكلام، فبيننا؛ فعلًا؛ من أدى العمرة من قبل، لكن معظمنا لم يكونوا قد فعلوا ذلك، وهذه هي المفاجأة (السخيفة) و(المزعجة) التي لم نكن نتخيل أننا سنواجهها إطلاقًا! فرغم (تأكيدات) مسؤول الرحلة أننا سندخل (جميعنا) من باب السلام، كي لا نتفرق، ونبقى (معًا)، لنعتمر (معًا)، إلا أننا سمعناه يتمتم بعدها بقليل:
    _ باب السلام مغلق، و...

    وتفرق جمعنا السعيد هنا! كل واحد انطلق نحو باب مختلف ليدخل منه! ولن أتكلم عن شعورنا إذ نرى الكعبة أول مرة في حياتنا، ليس لأن هذا الأمر مَرَّ مرور الكرام، بل لأنني لا أستطيع وصفه صراحة، مهما حاولتُ ذلك! يكفي أن أذكر أننا وقفنا نحدق بالكعبة بانبهار تام، ويبدو لنا الناس الذين يطوفون حولنا، كأننا نراهم من بعد آخر، فمنظر الكعبة ملأ أعيننا وكياننا...

    وكما يُقال باللغة العامية (زالت السَّكْرة وأتتِ الفِكْرة)، ماذا سنفعل الآن؟
    سنؤدي العمرة طبعًا، ولكن... كيف؟؟

    الحمد لله أن أخي كان قد أدى العمرة قبلي بأيام قليلة، وقد شرح لي كل شيء، ولو كان الشرح نظريًا إلا أنه أفادني فعلًا، على الأقل بالانطلاق الصحيح، ولكن...

    كثيرًا من رفاقنا وقعوا في فخ قاسٍ فعلًا، إذ رأوا بعض الناس يرفعون أياديهم بمحاذاة الركن اليماني هاتفين (بسم الله، الله أكبر) فظنَّ رفاقنا أن هذا هو الحجر الأسود، فرفعوا أياديهم صارخين بحماسة شديدة (بسم الله، الله أكبر)، وبدأوا أداء مناسك العمرة من هناك، وإذ كانوا يصلون قرب الحجر الأسود، يعتبرون أنفسهم قد أنهوا شوطًا من أشواط العمرة، لأنهم ظنوا أنه الركن اليماني!

    ولكم شعروا بالدهشة؛ آنذاك؛ إذ يصلون إلى الحجر اليماني بسهولة، خلافًا لما سمعوه من قبل، ولكم أفرحهم ذلك! إنهم يلمسون الحجر الأسود _ كما يظنون _ ويقبِّلونه، ويأخذون راحتهم في ذلك، وليس كما كانوا يسمعون أنه يستحيل الوصول إليه، لكن... ما بال الناس حول الكعبة؟ هل اختل توازنهم الفكري جميعًا، ليهجموا على الركن اليماني _ كما يظنون كذلك _ ويتدافعون بكل قواهم لمجرد لمسه؟؟

    ولا أستطيع أن ألومهم فعلًا، فرغم أننا افترقنا عند الأبواب، لكننا التقينا؛ ولو بجماعات صغيرة؛ داخل الحرم أمام الكعبة قبل البدء بالعمرة، ولكن إدراك بعض الزملاء أن الرَّمَل سنة في الأشواط الثلاثة الأولى، وعدم إدراك كثير منهم ذلك، بل عدم فهمهم معنى الكلمة، إذ ربما ظن بعضهم أن الرَّمَل من الرَّمْل، ولم يفهموا كيف يأتون بالرَّمْل هنا، كل ذلك جعل الرفاق يتفرقون مجددًا، ومن أدى العمرة سابقًا، يؤديها الآن وحده، ومن يؤديها أول مرة، ينطلق من الركن اليماني معتبرًا أنه يعتمر بشكل صحيح!

    وهناك ما خدعهم بشكل أقسى، امرأة _ غفر الله لها _ تولول بأعلى صوتها، وتنقض على الرجال تدافعهم لتصل إلى الركن اليماني، وهذا ما عمَّق في أذهان الرفاق أنهم يقفون إزاء الحجر الأسود. لكن (الطرافة) لم تنتهِ هنا! ولا أعني بهذا الوصف مناسك العمرة طبعًا، بل أعني (جمود) رفاقنا بعد انتهائهم من الطواف، لقد صلوا ركعتين خلف المقام، وشربوا من ماء زمزم من الخزانات الموجودة في أرض الحرم، لأن المكان المخصص لذلك يخضع لعمليات الصيانة والتوسعة، ولا يمكن النزول إليه، و... ولكنْ،
    أين الصفا والمروة يا تُرَى؟؟

    قرب مقام إبراهيم عليه السلام، التقى بعض هؤلاء الرفاق، والحيرة تبدو على وجوه عدد منهم، لأنهم لم يحملوا معهم أي نقود، لكن عددًا آخر كان معه نقود، وبالتالي تم (حل) أول (مشكلة)، لا داعي لأن يرجع أحد إلى الفندق ليأتي بنقوده، فالذهاب إلى الصفا والمروة بات ميسَّرًا! خرج هؤلاء من الحرم المكي، باحثين عن سيارات الأجرة، إلى أن وصلوا إلى موقف جدة (صدفة، هم لا يعرفون أنه موقف جدة، لكنه موقف سيارات أجرة، وهذا يكفي)، وبكل حزم استوقف هؤلاء ثلاث سيارات أجرة، وأحدهم يهتف بصرامة:
    _ نريد أن نمشي فورًا، ولا نريد الانتظار إطلاقًا، خذونا؛ الآن وفورًا؛ إلى (جبال) الصفا والمروة، لنتابع أداء العمرة!

    رغم أنني لم أكن حاضرًا هذا المشهد الطريف، إلا أنني أستطيع تخيل صوت ضحكات السائقين هناك لما يسمعونه، والحمد لله أن أحدهم لم يتحمس، ليأخذ رفاقنا إلى بعض الجبال هناك، ليخبروهم بأن هذه هي الجبال الموعودة، خاصة أنهم حاولوا جاهدين إقناع رفاقنا بأن طلبهم مستحيل، فسيارة الأجرة لا يمكنها أن تدخل الحرم المكي، لا مكان لها هناك أصلًا، ورفاقنا لا يفهمون كيف تكون (الجبال) داخل الحرم نفسه، هم كانوا هناك، ولم يَرَوا جبلًا واحدًا!!

    أنا لم أكن أفضل حالًا من هؤلاء، وإن لم أتصرف كما (أبدعوا) باستيقاف سائقي سيارات الأجرة، ولكني لم أكن أعلم أين الصفا والمروة، كل ما أعرفه أنها (قريبة) من الحرم نفسه، ولكن أين؟ أين؟ لا أدري لماذا لم يخطر لي أن أسأل أحدًا آنذاك، ربما بسبب آلام تشتعل في ساقي، لتشنجها المؤلم المباغت، لكني، إذ أمشي في خط موازٍ للطائفين، بعيدًا عن الكعبة، رأيتُ لافتة مكتوبًا عليها (الصفا والمروة)، ولكم أسعدني ذلك!

    أتممتُ مناسك العمرة، وقررتُ الرجوع إلى الفندق لأستريح قليلًا، ولكن... أين الحذاء؟؟ أخذتُ أبحث عن الخزانة التي وضعتُ فيها حذائي، وانتبهتُ؛ أول مرة؛ أن كل خزانة لها رقم، وليتني انتبهتُ إلى ذلك قبل أن أضع الحذاء فيها...
    ولكنْ، ما هذا؟ أذان الفجر يرتفع الآن!
    لم أتخيل أنه قد حان وقته، الحمد لله أني لم أغادر الحرم إذًا!

    ظللتُ في الحرم نفسه حتى أدينا صلاة الفجر، ورجعتُ أبحثُ عن حذائي، حتى وصلتُ إليه بعد فترة مطولة من السير على ساق متشنجة... مددتُ يدي لأحمل حذائي، وإذ بشخص ما يبرز أمامي بغتة، ليحمل الحذاء وينطلق به مسرعًا، وأخذت أعدو خلفه على ساق واحدة، وأنا أهتف به أن يتوقف، لكني أتكلم العربية طبعًا، والآخ يبدو أنه أعجمي، ولا أعلم لم توقف بعدها! ربما بسبب الهتاف المتكرر مني وإن لم يفهمه لكنه أراد أن يعرف ما الصوت الذي ينطلق خلفه...

    ووقفنا متواجهين! كيف أستطيع أن أفهمه أن الحذاء لي؟ أخذت أشير إلى الحذاء تارة وإلى قدمي أنا تارة، والأخ ينظر إليَّ بعينين متسعتين دهشة، ثم وجدتُ أن ملامح وجهه تتغير غضبًا، حتى سألتُ نفسي، ترى؛ هل تمثل هذه الإشارات مني إهانة ما؟ ولكم أدهشني أن أرى الدمع يتلألأ في عيني الأخ، وهو (يحتضن) حذائي، حتى تخيلت أنه سيقبِّل الحذاء ويخبِّئه في رقبته مثلًا!
    (وكله حذاء مما يُلبَس في المنزل، ليس حذاء غالي الثمن، كيف لو كان كذلك إذًا)؟!

    بعد فترة من المواجهة الصامتة هذه، اقتنع الأخ أن يرفع الحذاء وينظر إليه محدقًا به، كأنه يفحص خروفًا ما قبل شرائه، وأخيرًا يهز الأخ برأسه دلالة الفهم، تنفست الصعداء، ولكنْ... يا للحماقة!

    لم يعطني الحذاء، بل انطلق به كأنه صاروخ، وأنا أحاول مجاراته، بكل آلام ساقي، فالأخ (أمين) لدرجة لا تصدق! لقد عاد بحذائي إلى الخزانة التي كان فيها، ليعيده إليها، وأمامها توقف محتارًا، لقد وضع شخص ما حذاءه في الموضع نفسه الذي كان به حذائي، وبالتالي نقصت (أمانة) الأخ، إذ لم يَعُدْ يعلم أين يضع الحذاء، وهنا كنتُ قد وصلتُ إليه، لأنتزع الحذاء من يده غاضبًا، وازداد غضبي، وهو يشير إلى الحذاء الآخر، وأنه لم يستطع إرجاع حذائي إلى مكانه، والحمد لله أنني لم أتهور لأضربه بالحذاء في وجهه، فلقد بَدَت لي فكرة جيدة جدًا آنذاك!

    خرجتُ من الحرم، لأتحلل في أول محل للحلاقة هناك، حالقًا الرأس تمامًا، أول مرة في حياتي، وتخيلت مشهد أمي (رحمها الله)، وهي ترى الرأس هكذا! لكم أوصتني ألا أحلق رأسي تمامًا، والسبب (شكلك ما بيعاد حلو)! ومتى كان (شكلي حلوًا يا ترى)؟! بخطواتي العرجاء الأليمة، تابعت سيري إلى الفندق، ثم توقفت لا أعلم ما أفعل!

    فندقنا هنا، على خط الفنادق الطويل هذا، لكن أي فندق من هذه الفنادق يا ترى؟ لم أضع طبعًا، لكني لم أحفظ اسم الفندق، وهكذا أخذت أدخل كل فندق وأخرج منه، محاولًا أن أحدد؛ من خلال ردهة الاستقبال؛ هل هو فندقنا أم لا!!

    بعد أن بلغ بي الألم مبلغه، تذكرت أنني قد وضعت في حزامي بطاقة من الشركة فيها اسم الفندق وعنوانه، وذلك قبل أن أنطلق من لبنان حتى، فأخرجت البطاقة في لهفة، لأقرأ اسم الفندق، وأتجه إليه بسرعة، وأنا أعد نفسي بأنني سأنام، وأنام، وأنام...

    وبرز؛ هنا؛ شاب، لا أذكر أنني أعرفه أو أنني رأيتُه في حياتي، ليركض نحوي يحتضنني مبتسمًا، وهو يهتف: (وصلت أخيرًا، الحمد لله)...
    طبعًا قالها بتسكين التاء، كما نلفظها بالعامية (وصلتْ)...
    فلم أعلم هل يقصد نفسه بفعل الوصول أم يقصدني أنا!
    لكنْ، في الحالتين، يبقى السؤال قائمًا وبشدة:
    _ من يكون هذا الفتى؟
    ومن أين يعرفني؟؟

    تابعوا معنا

    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 17-7-2018 الساعة 07:18 PM

  15. #14

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة السابعة


    ركض الشاب نحوي يحتضنني، هاتفًا أن قد (وصلتْ) أخيرًا، فلم أعرف
    هل يقصدني أم يقصد نفسه، لكن الطرافة الأجمل في الأمر، أنه أخذ يهتف بحماسة نادرة:
    _ أنا بريء، وقد اكتشفوا ذلك!

    من أنت يا هذا؟ ثم من الذين (اكتشفوا) ذلك؟ وماذا تعني بأنك بريء؟ هل أخبروك أنني اشتريت لك حبل المشنقة مثلًا؟!

    كنت في حالة من الإرهاق، وأريد النوم بأي ثمن، وساقي بالكاد أقف عليها، و...
    وتابع الشاب صياحه (السعيد):
    _ لقد... لقد وقفت تحت الشمس قليلًا، ثم اكتشفوا أن اسم أمي يختلف، وليس مثل اسمها هي، فأطلقوا سراحي!

    اسمها (هي)؟ من (هذه) يا ترى؟
    كدتُ أطلق بعض التعبيرات الساخرة، لكن الأخ تابع ليضيء لي حل اللغز، والحمد لله:
    لقد تأخرت لأنني رجعت إلى لبنان، وأتيت بأختي، قدَّرت أن مسؤول الرحلة لن يتابع السفر بأختي، وهي وحدها، فأعادها من الحدود السورية إلى بيتنا، وهكذا ذهبت لـ...

    هتفت به مقاطعًا:
    _ الحمد لله على سلامتك.

    أخيرًا فهمت من يكون الأخ!
    رغم أنني لا أعرفه من قبل، ولم أكد أراه سوى ثوان قليلة، قبيل إيقافه على الحدود لاعتقاله بحجة أنه تاجر مخدرات...

    تركته يتابع سعادته بوصوله إلينا، واتجهت نحو الفندق، لأباغت بشاب آخر يأتي نحوي مسرعًا، يصافحني بحرارة، ويبارك لي العمرة، ويقول إنه سيذهب ليؤديها الآن!

    ومن أخبره أنني ولي أمره مثلًا، لأمنعه أو أسمح له بذلك؟!

    ولكن... هذا الشاب ملامحه مألوفة فعلًا، آه! إنه من منطقتي، لكن ماذا يفعل هنا؟
    سألته هذا السؤال، ليجيبني بأنه مسافر معنا، لكن تأشيرته تأخرت، فاضطر للبقاء في لبنان حتى وصلت التأشيرة، ليلحق بنا هو وأخته...

    وكانت هذه مشكلة حقيقية!

    لا أقصد بالمشكلة أنه أتى بأخته، بل بزيادة العدد أربعة أشخاص، فتوزيع الغرف في فندق مكة، جعل لزميل لنا وامرأته وابنه غرفة رباعية، ولم يقبل الأخ بالتنازل عنها، ولم يقبل إطلاقًا بأن يبقى فيها مقابل أن تذهب امرأته إلى غرفة أخرى مع بعض النساء، وتكون غرفته له ولابنه ولشابين آخرين، ما اضطر ببعض الزملاء إلى النوم على الأرض، وهم يتمتون غيظًا:
    _ فَلْيَنَم حضرته، وليشبع نومًا!

    ولكن لم تكن هذه هي المشكلة الوحيدة هنا، فلقد عادت مشكلة (الأكل) تبرز أمامنا، ومرة أخرى يعترض هذا الرجل، ليصيح به بعض الشباب، الذين يعاونون مسؤول الرحلة:
    _ هل أنت قادم لتؤدي العمرة، أم أنك قادم لتأكل إن شاء الله؟!

    وانفجر الرجل يصرخ ويسب، رغم أنه في مكة!
    إنه يكاد يتبخر جوعًا، هو وامرأته وابنه، والنقود التي معهم مخصصة لشراء أغراض معينة، وكلما اضطر لإنفاق شيء منها للأكل يتميز غيظًا!

    وبرأيي معه حق في ذلك، فلقد وعدونا أن الأكل على حساب الشركة المنظمة للرحلة، ولم يفوا بوعدهم...
    أزعجنا هذا بداية، ثم قلنا ليتهم بقوا هكذا، لا يفون بوعودهم!

    فلقد كان الأكل (العظيم) يتوزع علينا ما بين ال 24 ساعة وال 36 ساعة! وهو عبارة عن قطعة من الخبز الإفرنجي (السمُّون) فيها قطعة من الموز، وكفى!
    ربما يلزم أن القادمين للعمرة يجب أن يتحولوا كائنات خيالية لا تأكل ولا تشرب!

    وما زاد الأخ غيظًا (نصيحة) بعض الشباب، أن يكتفي بشرب ماء زمزم فحسب، علمًا بأنه رجل متقدم نسبيًا في السن، ولن يحتمل البقاء من دون طعام، وهكذا أخذ الرجل يشتري الطعام، وهو يتميز غيظًا من الشركة ووعودها الكاذبة!

    أما نحن، فكان علينا؛ كذلك؛ أن نسعى للحصول على رزقنا، قبل أن نتبخر، أو نرجع إلى أهلنا هياكل عظمية!

    أخذت أبحث عن مطعم باكستاني، لأتذوق الأرز البخاري، فقد قالوا لنا إنه لذيذ جدًا، وسعر الطبق ثلاثة ريالات فحسب.
    لم أصدق؛ أخيرًا؛ أنني وجدت هذا (الكنز)، فقلت لصاحب المطعم إنني أريد طبق أرز بخاري، وناولته ثمنه، وجلست على الطاولة أنتظر هذا الطعام الخيالي.

    وبعد فترة من الوقت، وضع أحد العمال أمامي طبق الأرز _ لو تجاوزنا وقلنا إنه طبق خيالًا ومجازًا، فلقد كان يكفي عشرة أشخاص، لا شخصًا واحدًا _ وكاد ينصرف الأخ، لكني هتفت به، بدهشة مستنكرة:
    _ وين المعلقة؟
    (هكذا نطقتها، بالعامية اللبنانية، بل إنني نطقت الهمزة بدل القاف في كلمة المعلقة، وفقًا للهجتنا المحكية)، وفوجئت بهتاف الأخ المستنكر:
    _ وش بتقول؟

    وش بقول؟ ربما لم يفهم معنى كلمة (وين)، أعدت قائلًا:
    _ فين المعلقة؟
    مرة أخرى، أنطق الكلمة بالعامية المحكية، ومرة أخرى يهتف الأخ مستنكرًا:
    _ وش بتقول؟

    قلت له بحزم:
    _ أَيْنَ المِلْعَقَةُ؟

    صرخ مستنكرًا مرة أخرى:
    _ ملعقة!!

    تخيلت أن كلمة (ملعقة) لها دلالة أخرى في لغة الأخ، ربما دلالة بذيئة لا سمح الله، وحاولت أن أوضح له الأمر، فسألته بحيرة:
    _ كيف آكل؟

    ابتسم الأخ أول مرة، ثم أجابني مبتسمًا:
    _ مثلما يأكل الناس!

    وقبل أن أعترض، أشار بيديه لأنتبه إلى ما حولي! الجالسون يغمسون أيديهم في الأرز ويأكلون!
    لم أستسغ أن آكل بهذه الطريقة إطلاقًا، رغم أنني لا أعارض الأكل باليد، وأرى أن الطعام باليد ألذ، ولكن يستحيل عليَّ فعلًا أن آكل الأرز بهذه الطريقة! يلزمني معجزة لأفعل ذلك!

    قلت له بعناد شديد إما أن يحضر لي ملعقة أو سأترك له الأكل وأمشي، فأجاب بالإيجاب، وانصرف، ومضى الوقت حتى كدت أغفو مكاني، ثم عاد الأخ أخيرًا، يحمل ملعقة، ويا لها من ملعقة!!

    أعتقد أن الأخ ذهب إلى بيته، وأخذ ابنه الصغير إلى طبيب، ليصف له علبة دواء للسعال، تحتوي ملعقة داخلها! فقد كانت الملعقة التي أحضرها الأخ، ملعقة بلاستيك صغيرة للغاية، لا يُمكِن الأكل بها إطلاقًا، شعرت بالحسرة لما ضاع من الوقت، وألقيت بالملعقة جانبًا، وأخذت آكل (مثلما يأكل الناس) وفق تعبير الأخ! ثم توقفت مشمئزًا! فالبصل يختفي تحت طبقات الأرز، وأنا لا أتحمل أن أراه حتى، فضلًا عن أكله، ويبدو أن هذا مصداق المثل (صام...صام... ثم أفطر على بصلة)!

    جلس بجانبي على الطاولة رجل غريب، انتظرت أن يخبرني أنه (بريء) أو (تأخرت تأشيرته)، كأنني استلمت منصب مختار الرحلة مثلًا! لكنه لم يفعل ذلك، والحمد لله، بل أشار إلى الطعام بإصبعه، وهو ينظر إليه مشتهيًا أن يأكل، وأتى أحد العمال ليصرفه، لكني استوقفته بإشارة من يدي، وقلت للرجل أن يتفضل بالأكل، إلا أنه لم يستجب، وحيَّرني هذا قليلًا، ثم قلت لعله لم يفهم لغتي، فأشرت إليه بيدي، داعيًا إياه أن يأكل، وقمت لأنصرف جائعًا!

    قررت أن آكل بأي ثمن، وأمام أحد المطاعم صغيرة الحجم (نسميها نحن سناك)، وجدت لائحة أسعار مميزة، ومن ذلك صنف (أديم لحم)... أديم لحم؟ ما شاء الله! سآكل حتى أنتفخ إن شاء الله، كدتُ أطلب الأديم اللحمي هذا، ولكن البائع وضع أمامه طبقًا صغيرًا، فيه سائل أحمر اللون، وقطع ملونة _ الله أعلم ما تكون _ تسبح داخل الطبق، قائلًا بحماسة:
    _ أديم لحم... أديم لحم!
    وانقض أحد الناس على الطبق يحمله وينصرف سعيدًا، وأنا أشعر باشمئزاز جعلني أنسى الجوع نهائيًا!

    مضى يومان، وبقي مثلهما لانصرافنا من مكة، لنرجع إلى المدينة مرة أخرى، وفي نفسي تتحرك أمنية قديمة، أمنية من عام 1994، وقت استمعت إلى صوت القارئ شيخ بن أبي بكر الشاطري أول مرة، أريد أن أصلي خلفه مباشرة، أن أجلس لأتحادث معه، أن...

    طلبت جواز سفري من إدارة الفندق، وانطلقت مع أحد رفاقي إلى جدة في سيارة أجرة،
    شقيق أحد رفاقي يسكن هناك، وقد صلى خلف الشاطري في مسجد التقوى، في شارع التحلية، لذا؛ لم أتردد لحظة في الانطلاق إلى جدة...
    الشاطري هناك!

    في موقف مكة في جدة، توقفت السيارة بنا لنفترق أنا وزميل الرحلة، ويأخذ كل منا سيارة أخرى ليصل إلى مبتغاه...
    وكان نصيبي سائق أجنبي، متعدد اللغات إلى حد مدهش فعلًا...
    يتكلم الباكستانية (ربما)، والسعودية المحلية، والعربية الفصحى المكسرة، والإنكليزية، مازجًا ذلك بضحكاته السعيدة، وكل ذلك في جملة واحدة، وليفهم من يستطيع ذلك!!

    انطلقنا بسيارته إلى شارع التحلية، وأنا أشعر بسعادة بالغة، لأنني سأحقق أملًا لم أتخيل يومًا أنه ممكن التحقيق، متجاهلًا (قصص) السائق متعددة اللغات هذه، وتلاشى الأمل ليحل محله الغيظ، فالأخ لا يعرف أين جامع التقوى هذا، حللنا المشكلة باستيقاف بعض المارة وسؤالهم، لكن أحدهم لم يكن قد سمع باسم هذا الجامع، ولا باسم الشاطري!

    قرر السائق الرجوع بعد أن دار في شارع التحلية من أوله لآخره، وبغض النظر عما أشعر به من الغيظ، تابع السائق رواياته الضاحكة، ثم سألني باللغة العربية (الفصحى):
    _ متزوج؟
    أجبته بلا مبالاة:
    _ لا
    هتف بسعادة:
    _ أنا متزوج، وعندي بنت كبير، وبنت صغير، وبنت وسط!

    بنت كبير وبنت صغير وبنت وسط!
    تخيلت أن السائق سيتابع بعد ذلك:
    _ وبنت بسجق، وبنت بخضار، وبنت مع كاتشاب!!
    أخذت أضحك لهذا الخاطر المفاجئ، إذ تخيلت نفسي في فرن للمعجنات، يعرض علينا لائحة أسعار البيتزا وأصنافها، رغم كراهيتي البيتزا وكل ما يتعلق بها، ويبدو أن السائق أحبني فعلًا، إذ انطلق بي مسافة طويلة في جدة، يتنزه بي ما يزيد عن ساعتين ونصف!
    وطبعًا لم تتوقف الحكايات لحظة، بين الإنجليزية والباكستانية والسعودية المحلية مع كلمات عربية مكسرة نادرة، وأنا لا أفهم شيئًا مما يقول!

    وتوقف السائق؛ بعد ذلك؛ مشيرًا إلى أضواء رائعة تلتمع من مسافة بعيدة، قائلًا بحماسة:
    _ سوق ... غولد!

    شعرتُ بتأنيب الضمير لأن السائق يتكلم كل هذه المدة، وأنا لا أجاوبه، رغم أنني لم أكن أفهم شيئًا، لكن هذه الجملة قد فهمتها، ولا بد لي أن أجاريه في الكلام، فهتفت بحماسة مماثلة:
    _ The women is love the gold very well

    لا أعلم هل نطقتها بشكل صحيح أم لا، لكن السائق أخذ يضحك بجنون، حتى شعرت بأن السيارة ترتج بنا لقوة الضحكات!

    أخيرًا عاد بي السائق إلى موقف مكة، لأرجع من هناك إلى مكة، واتجهت إلى أول مكان للاتصالات العمومية، متصلًا بلبنان، طالبًا بيت صديقي، لأنني لا أعرف عنوان أخيه في جدة ولا كيف أتواصل وإياه، ورَدَّت والدته _ حفظها الله _ لتخبرني بأن ابنها ليس عنده هاتف، بل يتصل من محلات عمومية، وأنه؛ الآن؛ في مكة يؤدي العمرة، وذلك إذا (أردتَ أن تراه في الحرم يا عمر)!

    وضعت السماعة مفكرًا بدهشة شديدة، كيف أستطيع أن أجد الأخ في الحرم، بكل هذه الآلاف المؤلفة من البشر هناك!!
    ثم إنني أعرفه بالاسم فحسب، إذ لم يسبق لي أن رأيته قط!

    ولا أعلم لماذا خطر لي أن أذهب؛ اليوم التالي؛ من الصباح، لأنزل في مركز منطقة التحلية، وأنطلق باحثًا سيرًا على الأقدام، حتى أصل إلى مسجد التحلية، ولا أعلم؛ كذلك؛ لماذا لم أفعل ذلك! والحمد لله أنني لم أفعل ذلك، فلقد علمتُ؛ لاحقًا؛ أن الشاطري لم يكن آنذاك في السعودية كلها...

    لا علينا من هذا الآن!
    لقد انتهت إقامتنا في مكة، وذهبنا إلى الحرم نطوف طواف الوداع، وأخذنا نغادر من أبواب الحرم، ونحن نشعر بالحزن الشديد، ثم استدار أحد رفاقنا عائدًا إلى الحرم، لينظر إلى الكعبة وينفجر باكيًا بحرقة شديدة، أصابتنا جميعًا بالوجوم، ولا نلومه على هذا طبعًا...

    ركبنا باص الشركة أخيرًا، سنرجع إلى المدينة، إلى قصر الأشراف، لنمضي فيه يومين آخرين، قبل أن نرجع إلى لبنان...

    ولكنْ، ما هذا؟
    راكب آخر ينضم إلينا، وها هو مسؤول الرحلة يقدِّمه إلينا، قائلًا بفخر:
    _ هل تعلمون من يكون الشيخ؟ إنه فضيلة الشيخ الذي ســ(يعلمكم) كيف تؤدون العمرة بشكل صحيح!
    هتفنا جميعًا باستنكار تام:
    _ هوراااااااااا!!

    احتقن وجه الشيخ، وإن كنا لم نقصد السخرية منه حتمًا، بل من الموقف الذي يُطَبَّق عليه المثل اللبناني (يطعمك حجة والناس راجعة) تقريبًا، لا؛ بل تمامًا، فالأخ أخذ يشرح لنا أن (الحج) أنواع، المفرد والمقرن... لينطلق الإنشاد السعيد من الشباب، خاصة الذين سألوا سائقي سيارات الأجرة أن يأخذوهم إلى (جبال) الصفا والمروة:
    _ (أحمد يا حبيبي سلام عليك يا عون الغريب سلام عليك) و(ودي لي سلامي يا رايح ع الحرم، وادعي لي وسلم لي على هادي الأمم)!

    والشيخ يصرخ بهم غاضبًا:
    _ اسكتوا، اسكت أنت وهو، اسكتوا، اسكتوا!

    كأنما هم أطفال مشاغبون في المدرسة مثلًا! وكان نتيجة هذا الصراخ أن الشيخ غضب، وأعلن صراحة أنه لن يشرح لنا شيئًا، ولنبق جاهلين بما أننا نحب الجهل! فأخذوا يصرخون في وجهه غاضبين بدورهم:
    _ هل أنت نائم أم مستيقظ؟ آه؟ هل نقلوا الكعبة من مكة إلى المدينة؟ نقترح أن تأتينا في رحلة العودة إلى لبنان لتعلمنا! ربما ينقلون الكعبة من مكة إلى لبنان آنذاك! بل ربما نجد الصفا والمروة على شرفة بيتنا هناك! تعلمنا العمرة ونحن قد انتهينا منها؟ ثم العمرة حج مفرد أم حج مقرن؟ وماذا يكون الحج إذًا؟ عمرة لا وصف لها؟

    ومسؤول الرحلة لا يستطيع إيقاف سيل الصراخ المستنكر هذا! والحقيقة أنني كنت مستمتعًا أشد الاستمتاع بذلك! فما مَرَّ به الزملاء المساكين، الذي أدَّوا العمرة بشكل خاطئ تمامًا، ليس هينًا، ومنهم من ذهب بعدها إلى مسجد السيدة عائشة ليحرموا مرة أخرى، ويعيدوا العمرة، ومنهم من لم يفعل لأنه سمع أن مسجدها ليس ميقاتًا صحيحًا لنا، نحن أهل الشام، ومنهم من لم يفعل لأنه ظن أن عمرته قد فسدت، والآن تريدون أن تعلموهم كيف يؤدون العمرة!!

    عدنا إلى قصر الأشراف، ويبدو أن الشركة ستفي بوعدها لنا أخيرًا، سنأكل أكلًا (معتبرًا)، عشاء فخم، كما قالوا! تجمعنا كلنا؛ نحن الشباب؛ في غرفة واحدة، وأمامنا مائدة كبيرة، عبارة عن صنفين فحسب، خيار وجبنة، ولكن...
    ما هذا؟؟
    قل أعوذ برب الفلق!!

    تابعوا معنا


    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 19-7-2018 الساعة 08:45 PM

  16. #15

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الثامنة

    يبدو أننا سنتعشى أخيرًا، ولكن ما هذا؟ خيار وجبنة؟ لسنا نتكبر على الأكل، ولكن قالوا لنا إن الأكل (معتَبَر)، بمعنى على الأقل سيكون هناك أصناف كثيرة، لن نتكلم؛ هنا؛ عن الدجاج واللحوم، ويا للهول! ما هذا؟ جبنة أم أوراق دفاتر؟

    طعم هذه الجبنة كارثي بحق، أشبه بأوراق الدفاتر شكلًا وطعمًا، لا أدري من أين أتوا بها، ربما جاؤوا بها من لبنان وفسدت على الطريق من شدة الحرارة، وتذكروها الآن، فقرروا إطعامنا بها بدلًا من رميها في النفايات، والله أعلم!
    أما الخيار، فكان عديم الطعم واللون والرائحة معًا! لكننا انقضضنا عليه، نتناوله، على الأقل لن يصيبنا بالقرف، إذ لا طعم له، ولكن من المستحيل أن يفكر أحدنا بتذوق لقمة أخرى من هذه الجبنة التعيسة!

    وتأفف صاحب الغرفة التي نجلس بها بصوت مسموع، قبل أن يهتف:
    _ يبدو أن هذه الشركة تنوي أن تتخلص منا هنا، سنموت مختنقين من هذا الأكل العفن! لكن؛ سأحل لكم المشكلة!

    نظرنا إليه بدهشة، متسائلين كيف سَيَحُلُّ لنا المشكلة؟ وهل يمكنها حلُّها؟ وإذ رفع الأخ سماعة هاتف الغرفة، ظننا أنه سيطلب لنا عشاء جيدًا من إدارة الفندق، ولكنه فاجأنا بهتاف آمر:
    _ 13 كباية شاي لو سمحتم!
    صمت الأخ لحظات، هتف بعدها غاضبًا:
    _ نعم؟ نعم؟ حجزنا للنوم فقط ولم نحجز للطعام؟ ضاقت في أعينكم الآن أكواب الشاي؟ فندق مكة كان فيه بوفيه مفتوح لتناول الفطور، لكننا لم نعلم بذلك إلا اليوم الأخير، ماذا يعنيكم في ذلك؟ أود أن أفهم، هل إن مات أحدنا، تستدعون له الإسعاف لنقل جثته، أم ستتركونها تتعفن لديكم إن شاء الله، لأنه لم يحجز؛ مسبقًا؛ سيارة إسعاف وقبرًا؟!

    ضحكنا من كل قلوبنا لهذه الأسئلة والفرضيات، على أننا نعلم أن زميلنا ليس محقًا في ما يطلب، فالشركة حجزت لنا للنوم لا للطعام، وبالتالي ليس لنا أن نطلب من الفندق ولا حتى كوبًا من الماء، إلا إذا دفعنا سعره، لكن بعضنا لم يَعُدْ يفكر بالمنطق، لما يشعر به من الجوع!

    في اليوم التالي، وإذ وصلنا الحرم لنصلي الظهر، فوجئنا بأحد رفاقنا يهتف بنا قبل أن ندخل:
    _ اسمعوا، اسمعوا، بعد الصلاة سنلتقي بجانب باب السلام، وذلك أن الشركة أمنت لنا غداء (معتبرًا)، وفي المطعم هذه المرة، لنأكل ما نشاء من الدجاج!

    أخيرًا!
    يبدو أن الشركة قد استحت على دمها! سنأكل أكلًا يعيد إلينا الحياة، قبل أن ننطلق بطريق العودة إلى بلادنا...

    ولكن الفرحة لا تكتمل فيما يبدو! لقد أخبرنا هذا الزميل، وأخبر زميل آخر عددًا آخر منا، ونحن أخبرنا بعضنا بعد الصلاة، كي يعلم من لا يعلم، لكننا؛ إذ خرجنا؛ انتظرنا طويلًا، ولا يزال أحدنا مفقودًا، وهو نفسه الذي كان يسأل عن الطعام الموعود دائمًا، وبسؤال بعضنا، علمنا أنه قد علم بموعد الغداء، لكن الأخ لم يعد يخرج، حتى تساءلنا:
    _ هل صلى معنا الظهر أم أنه يصلي التراويح الآن؟

    طال الانتظار، ودخل بعض رفاقنا الحرم يبحثون عنه، لكن لم يجدوا له أثرًا، فقررنا الانصراف إلى المطعم، ونحن نشعر بالغضب لهذا التصرف منه، ولكن...
    يا سلام! الأخ يقف خارجًا في السوق! وما إن رآنا حتى صرخ بنا:
    _ ما هذا؟ ألا تستحون على دمائكم؟ كل هذا الوقت سأنتظركم؟ يبدو أن باب السلام قد صار في جبال ددة!
    (ددة منطقة لدينا في لبنان)!

    لم يكن الأخ يعرف ببساطة أين باب السلام هذا! فخرج إلى السوق يبحث عنه، ويبدو أن أحدهم أراد مداعبته، أو ظن أن صاحبنا هو الذي يمزح مزاحًا سمجًا، فأخبره أن باب السلام حيث يقف الآن، وهكذا وقف حضرته ينتظرنا في السوق، ظانًا أنه في باب السلام!

    اتجهنا؛ أخيرًا؛ إلى المطعم، وكان أحد زملائنا هو المسؤول عن هذا الأمر، بالتواصل مع مسؤول الرحلة، وبالتالي جلسنا ننتظر الطعام، وأتى زميلنا ينضم إلينا، قائلًا بحماسة:
    _ أنتم تعلمون أنها ليست المرة الأولى التي آتي بها إلى هنا، وبخبرتي أقول لكم ستأكلون هنا أطيب دجاج ذقتموه في حياتكم كلها، وقد قلتُ لصاحب المطعم إننا نريد الدجاج من دون (بهارات)، ذلك لأنهم؛ في السعودية؛ يأكلون الأكل لاهبًا يكوي الحلوق! وتصوروا! لقد سألني إن كنا نريد الدجاج باردًا أم حارًا! هل هناك من يأكل الدجاج باردًا؟ يبدو أنه لا يجيد عمله، ويجب طرده! لو كنت مالك المطعم لطردته فورًا! لقد قلت له نريد الأكل حارًا بكل تأكيد، وبقدر الإمكان، وذلك لأننا...

    هتف به بعضنا، وقد نفد صبرهم:
    _ هل انتهت قصة حياتك التاريخية هذه؟ أم لا يزال فيها المزيد؟

    سكت الأخ غاضبًا، ولم نبالِ بغضبه هذا حقيقة، وما إن وصل الدجاج حتى انقض عليه بعض الزملاء بهمجية واضحة، أما الآخرون، ومنهم أنا، فكنا هادئين، وذلك لأننا كنا نشتري بعض السندويشات من المحلات ونأكل، لم نترك أنفسنا نجوع بهذه الدرجة الغريبة، ولقد دفعوا الثمن فعلًا! الدجاج كان مليئًا بالمواد الحارة، ما جعل حلوقهم تحترق ألَمًا! نحن نأكل الطعام، وفيه بعض البهارات، لكن ليس إلى هذا الحد الرهيب!

    وانقض بعضنا على زميلنا الذي يتبجح بـــ(خبرته) هذه، يريدون أن يرغموه على تناول هذا الدجاج بأكمله وحده! وتدخل آخرون لمنع هذه المهزلة، وكي لا نصبح فرجة للمتفرجين في المطعم، وأكاد أجزم أنني لم أر أحدًا؛ من قبل؛ يتناول ثلاث علب معدنية من الكولا خلال أقل من دقيقة، ذلك أن كل من تناول الدجاج، كان يضع علبة الكولا في فمه، ولا ينتزعها إلا وقد فرغت تمامًا، ثم يتناول أخرى من أمامنا، نحن من لم نأكل، ولقد تركناها لهم تكرمًا، نظرًا لحالتهم التعيسة هذه، فمن نال علبتين فلا بأس، ومن نال ثلاث علب فوضعه أفضل، والله المستعان!

    رجعنا إلى الفندق نوضب أغراضنا، ثم غادرت ورفيق لي نتناول الطعام بأحد المحلات، وبعد ذلك رجعنا إلى الحرم نصلي العصر، ومن بعدها تجمعنا في الفندق، لنصعد الباص وينطلق بنا السائق الماهر، يتناوب معه مسوؤل الرحلة القيادة، وذلك ليقصرا مسافة السفر والتعب علينا، ثم توقفنا في مصلى صغير نوعًا، وأدينا صلاتي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، واتجهنا؛ بعد ذلك؛ مشيًا إلى مطعم قريب، فلقد أَصَرَّ مسؤول الرحلة أن يعوضنا عما سببه لنا من الجوع، لنأكل في المطعم ما نشاء، ولكن...
    أخبرنا صاحب المطعم أنه لم يبق لصلاة العشاء سوى دقائق قليلة، لذا؛ سيغلق المطعم ويفتحه بعد الصلاة، فرجعنا إلى المصلى نحتمي من النسمات الباردة، وإذ حان وقت الأذان، هجم شابان على الميكروفون يتنازعانه، قبل أن ينتصر أحدهما، ويرفع الأذان بصوت دفع بنا للفرار من المصلى، فلقد توقعنا سماع صوت عذب، خاصة بعد هذا الصراع على الميكروفون! ولكن ما سمعناه، جعل كثيرًا منا يهتفون:
    _ الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا!

    وانتهت مغامرتنا في أرض السعودية، في المطعم!
    المطعم صغير، وليس فيه سوى صنفين من الطعام لا أكثر، إما دجاج مشوي وصحن أرز، وإما شيش طاووق وسلطة...

    ورغم أنني أفضل الشيش طاووق، أردت أن أطلب الدجاج، نظرًا لأن صحن الأرز لوحده يكفيني حتى بعد رجوعي إلى لبنان، وكنت قد رأيت الطاولة التي بجوارنا، وقد نزل عليها صحن فيه دجاجة محترمة (حجمًا)، وصحن أرز عائلي كبير، لكن رفيقي على الطاولة قال لي إنني لم أر شيئًا، فلقد رأى هو الشيش طاووق، عشر قطع، كل قطعة أكبر من قبضة اليدين معًا!

    وهكذا، طلبتُ الشيش طاووق اقتناعًا بكلامه، كما طلب هو كذلك، وما إن وصل الطعام، حتى أمسك هو بقطعة وضعها في فمه، ثم أطلق صرخة ألم، وأمسك بفمه متأوهًا، فسألتُه متعاطفًا:
    _ هل أحرقتَ لسانك؟
    أجابني، والألم يبدو واضحًا في وجهه:
    _ همممممم... نممممممم!!

    همممممم؟؟ نمممممم؟؟
    ما معنى هذا؟ معناه نعم؟ أم معناه لا؟

    وأخيرًا، زال الغموض!
    لقد استرجع المسكين قدرته على الكلام، ليصرخ غاضبًا:
    _ غشاشون! غشاشون! هذه عظام، وليست بشيش طاووق!

    وكانت كارثة حقيقية... كارثة (طعامية) لو صح وصفها بهذا الوصف!
    فتلك القطع الضخمة كانت؛ في معظمها؛ عظامًا بالفعل، وتكاد تكون مغلفة بطبقة رقيقة جدًا من الشيش طاووق!!

    بمعدة شبه خاوية، وبطن جائعة، غادرنا الطاولة، وعدنا إلى الباص مع الزملاء، ليواصل بنا المشوار حتى الوطن، وتوقفنا دقائق قليلة عند الحدود الأردنية، لندفع رسمًا جمركيًا بسيطًا عن البضائع التي معنا، خمسة ريالات سعودية فحسب...

    وإذ اقتربنا من الحدود السورية، هتف أحد الشباب:
    _ هل تشاهدون مسلسل مرايا لياسر العظمة؟
    أجاب بعضنا بالإيجاب، فتابع هذا الزميل بمزاح سمج:
    _ في إحدى الحلقات، يقبضون على الرجل، لتشابه اسمه مع شخص مطلوب لديهم، ويوسعونه ضربًا، ثم يطلقون سراحه لاكتشافهم أن اسم الأم مختلف، ولكن؛ في اليوم التالي يقبض عليه فرع آخر من المخابرات، للسبب ذاته، ويوسعونه ضربًا!

    وتوجَّه بكلامه إلى الزميل الذي اعتقلوه في رحلة الذهاب، متابعًا بسماجة ما بعدها سماجة:
    _ من المؤكد أننا سنجد مسؤولين غير الذين كانوا في رحلة الذهاب، ومن المؤكد أنهم سوف (يشحطونك) إن شاء الله، انبسط يا زلمة!

    وانبسط الزلمة بحق! (الزلمة يعني الرجل، لكنها تستخدم في العامية ولا تدل على احترام أو وضع قيمة للطرف الآخر) والدليل كم السباب الذي خرج من فمه وقتها!

    واقترح عليه بعضهم، بدعابة ثقيلة كذلك، أن يخبئوه، في لعبة دب كبيرة، اشتراها أحدهم من الأردن، لطفلة في عائلته، وذلك بأن يمزقوا اللعبة قليلًا، ليدخلوه فيها، ويتجاوز الحدود، ولا يقبضون عليه مرة أخرى، ولقد بدا المسكين أشبه بشبح ميت لفرط الرعب، لذلك الخاطر الرهيب، أن يتم القبض عليه مرة أخرى!!

    الحمد لله أن ذلك لم يحصل، وعبرنا الحدود بأمان، ومن دون مشاكل تذكر، لتتواصل بنا الرحلة إلى مناطقنا، شاكرين الله عز وجل أن يَسَّر الله لنا زيارة بيته الحرام وأداء مناسك العمرة،
    ولكن... لا زالت رحلتنا في رحاب الحرمين الشريفين مستمرة...

    هذه الرحلة الأولى!
    أما الرحلة الثانية، فكانت رحلة رعب حقيقية...
    واجهتُ فيها خطر الضياع التام، سواء وحدي في السجون السعودية، أم جماعيًا في الصحراء القاحلة!

    تابعوا معنا


  17. #16

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة التاسعة


    مرت أيام السنين سراعًا، وها نحن الآن في صيف عام 2006
    مرت ثلاث سنوات متتالية، منذ أن رجعنا من أرض الحرمين الطاهرة إلى بلادنا
    والحنين والشوق إلى هذه البلاد يراودني، ومآذن الحرم المدني ومآذن الحرم المكي ماثلة في مخيلتي
    أريد أن أراها، وأن أصلي في رحاب الحرمين الشريفين مرة أخرى، ولا أكتفي بمشاهدة المعتمرين والطائفين على شاشات التلفاز فحسب...

    سألتُ بعض رفاقي ممن كانوا معي في الرحلة الماضية، حتى عرفتُ مكان الشركة التي ذهبنا معها آنذاك، المشكلة الوحيدة معهم كانت في الطعام فحسب، لم يستطيعوا أن يفوا بوعدهم لنا آنذاك، ولكنها لم تكن مشكلة بالنسبة لي، فقد حسبت حسابي لذلك جيدًا وقتها، وسأحسب الأمر لنفسي كذلك الآن...
    إذًا، كل الأمور جيدة جدًا! اتجهت إلى مركز الشركة، وأنا لا أعلم أنني ذاهب لأسجل اسمي في رحلة مرعبة، تكاد تودي بي في مهاوي الضياع التام، وبأكثر من اتجاه...

    دخلت مركز الشركة، وإذ بمسؤولها الأول الذي رافقنا الرحلة الماضية، ينهض للترحيب بي، وقد تذكرني _ وإن لم يتذكر الاسم طبعًا _ فصافحته بحرارة، وأخبرته أنني أريد الذهاب معهم إلى العمرة مجددًا، فاستلم الأخ الأوراق مني، جواز السفر، وما إلى ذلك، قائلًا إن هذا شرف كبير له ولشركته، حينما يقصدها من سافر معه قبل ذلك، فهذا دليل نجاح الشركة بعملها...
    لا أعلم _ صراحة _ لماذا شعرتُ هنا بالقلق! إذ أتاني شعور بأن هذه الرحلة ستختلف عن سابقتها اختلافًا شديدًا، ولم أستطع منع نفسي من التفكير في ذلك الأمر!

    وبمنتهى القلق، الذي لا أعرف سببه، سألتُ صاحب الشركة:
    _ ومتى سننطلق إن شاء الله؟
    أجابني متحمسًا:
    _ أنت تعلم أنه لا بد من الحصول على التأشيرة أولًا، وذلك لأنه لا يمكن دخول الأراضي السورية أو الأردنية أو السعودية من دون التأشيرة!
    رددت متحمسًا:
    _ أنا أعلم أنه لا بد من الحصول على التأشيرة أولًا، وذلك لأنه لا يمكن دخول _ ولا الخروج من _ الأراضي السورية أو الأردنية أو السعودية من دون التأشيرة!
    أجاب مبتسمًا:
    _ اتفقنا إذًا!

    اتفقنا؟
    على ماذا يا ترى؟
    قلت له بجدية:
    _ متى الوقت الافتراضي للانطلاق؟ متى سترسلون جوازات السفر لأجل الحصول على التأشيرات اللازمة؟
    فوجئت به يهتف بدهشة كبيرة:
    _ أي جوازات سفر؟
    نظرت إليه متسائلًا بيني وبين نفسي، إن كان يمزح أم لا، لكني لم أره يبتسم، لو كان يمثل هذه المزحة، فهو بارع فعلًا، لكن ماذا لو لم يكن يمزح؟
    سألته بهدوء:
    _ أي جوازات سفر في رأيك؟
    أجابني مباشرة:
    _ لا أعرف!

    لا حول ولا قوة إلا بك يا رب!
    سألته مستفسرًا:
    _ أليست هذه شركة لنقل الركاب إلى العمرة؟ ألا تستلمون منهم جوازات سفرهم؟ ألا ترسلونها إلى السفارات للحصول على التأشيرة؟ أليس...
    قاطعني بضجر:
    _ أعرف كل هذا، وبلى! صحيح! لكن لا يوجد جوازات سفر لنرسلها، أعني لا يوجد ركاب!

    _ لا يوجد ركاب!!
    لم أتمالك نفسي من الابتسام، لما بدا لي من طرافة الأمر!
    هذه العبارة الخالدة (لا يوجد ركاب) التي سمعتها كثيرًا من بعض سائقي سيارات الأجرة، وباصات الأجرة حتى، يقولونها مشتكين يرثون أنفسهم بها، ولو كانت سياراتهم وباصاتهم ممتلئة بالركاب عن آخرها!

    أما أن يقولها مسؤول شركة سياحية كبرى، فتلك مسألة عجيبة فعلًا!
    ولأنه (لا يوجد ركاب)، أخذت الأيام تتوالى بنا، ولا يوجد أدنى فكرة عن توقيت الانطلاق...
    وكلما ارتفع رنين الهاتف الثابت في بيتي، أسرع للرد، متوقعًا أنه اتصال من الشركة، ولكن، لم يُصِب هذا التوقع ولا مرة!
    وحصل اتصالهم مرة واحدة، لم أكن؛ آنذاك؛ في البيت، ولكن لم يحمل اتصالهم الأمل المنشود...
    إذ تركوا لي خبرًا أن التأشيرات المطلوبة قد تم الحصول عليها، لكن موعد الانطلاق غامض كل الغموض!
    (وكأننا في لغز بوليسي مثلًا، ننتظر بطل التحريات ليحل لنا الغموض)!

    اقترب العام الدراسي أكثر وأكثر، وانهار الأمل في أعماقي تمامًا، لن يُكتَب لهذه الرحلة النور على ما يبدو، لذا؛ حسمت أمري أخيرًا؛ واتجهت إلى مقر الشركة لأقوم بإلغاء الحجز، وأسترجع جواز سفري...

    فلقد حسبت الأيام جيدًا، آخر مهلة للانطلاق هي اليوم التالي، وإلا فإن دوامنا كأساتذة في ملاك التعليم الرسمي سيبدأ ونحن في السعودية...
    وبما أن الشركة لم تتصل بعد، فهذا يعني أننا لن ننطلق في الغد، وإذًا، لن نذهب إلى العمرة، هكذا بكل بساطة!

    _ سبحان الله!
    قالها مسؤول الشركة بدهشة، إذ رآني أدخل، ووضع سماعة الهاتف من يده، متابعًا:
    _ لقد رفعتها؛ الآن؛ لأتصل بك!
    سألته، وقد بدا لي تجدد الأمل:
    _ لماذا؟ هل تحدد موعد انطلاقنا إلى العمرة؟

    أجابني مبتسمًا:
    _ نعم، تحدد.
    سألته مبتسمًا بدوري:
    _ متى، غدًا؟ أليس كذلك؟

    قلتها بكل الأمل في نفسي...
    إجابته ستحدد الآن، هل سأحصد ثمار هذا الانتظار الطويل بشكل إيجابي، أم لا؟
    هل سنرحل إلى العمرة أم لن نرحل؟

    أجاب المسؤول مستنكرًا:
    _ في الغد؟ لا؛ أبدًا! ليس في الغد بكل تأكيد!

    كدت أطلب منه أن يعطيني جواز سفري، وهممت بأن أدفع له المبلغ المتفق عليه، ثمن التأشيرات، فيما لو لم نتمكن من الرحيل إلى العمرة، ولكنه فاجأني بالمتابعة:
    _ كان ينبغي أن أتصل بك من يومين، لكني قلت للسكرتيرة أن تتصل، لكنها نسيت، لكن...
    قاطعته مترقبًا ما بعد هذه الرواية السعيدة:
    _ ولماذا؟

    سكت بعض الوقت، وهو يبتسم ابتسامة عريضة، ثم أجابني...
    ويا لها من إجابة غريبة!
    لم يفعل شيئًا سوى أن قال:
    _ سينطلق الباص اليوم، بعد ساعة ونصف فقط، مبارك لك الرحلة إلى العمرة!


    ساعة ونصف! أحتاج ثلثي هذا الوقت، بالتنقل بين سيارات الأجرة من الشركة إلى بيتي، وبالعكس، ولن يبقى معي سوى نصف ساعة فحسب، لتجهيز حقيبة السفر...
    ويبارك لي المسؤول بالرحلة إلى العمرة!
    أي مباركة هذه؟
    هل هذه بشرى لنا أم مصيبة كبرى؟
    وهل سأتمكن من مسابقة ثواني الزمان يا ترى؟؟

    تابعوا معنا







  18. #17

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة العاشرة

    ساعة ونصف، وينطلق الباص بنا إلى العمرة!
    لن ألغي الحجز، والحمد لله، ولكن... أن يكون الانطلاق بعد ساعة ونصف، فهذه مصيبة حقيقية!
    ما هذا الذي يبارك لي به مسؤول الشركة يا ترى؟

    لم أنتظر ثانية واحدة في مركز الشركة، فخرجت مسرعًا أستوقف أول سيارة أجرة، ومن بعدها السيارة الثانية، وما كدت أدخل بيتي حتى أسرعت ألقي ببعض أغراضي الضرورية في حقيبة السفر، كلها فوق بعضها، كيفما اتفق لي.

    واتصلت بأهلي، ليأتوني على وجه السرعة بسيارتهم، لأنطلق معهم، بحقيبة السفر الكبيرة والثقيلة نحو مقر الشركة مرة أخرى، وذلك لأنني نسيت أن أستفهم من أين سينطلق هذا الباص.

    وفي الشركة، كان استقبال مسؤولها لنا استقبالًا مرحبًا، غير أنه طلب إلى أهلي الانصراف إن أرادوا ذلك، إذ إنه سيوصلني بنفسه، بسيارته الخاصة، إلى الباص، ذلك أنه _ ويا للأسف _ لن يسافر معنا هذه المرة كما في الرحلة السابقة.

    انصرف أهلي، وتوجهت إلى الطابق الأول كما طلب مني مسؤول الشركة لأرتاح، وجلستُ على أول كرسي ألتقط أنفاسي المرهقة، بعد هذا الجهد المتواصل خلال الساعة التي انقضت، وأخذت أنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط كل بضع ثوانٍ، متسائلًا لماذا لا يمر الوقت؟

    متى سيأتي مسؤول الشركة ليخبرني أننا سننطلق الآن؟ نزلت إلى ردهة الاستقبال أكثر من مرة لأسأله، وما كنت أجده، وكل مرة تخبرني السكرتيرة أنه انصرف فجأة ولا تعلم متى سيعود، ثم تراني قد أتيتها بعد دقائق قليلة أسألها السؤال نفسه لترد الرد نفسه!

    وأخيرًا؛ بعد انتظار طويل؛ سمعت صوت الخطوات على الدرج، وشعرت بالسعادة...
    وقفت متحمسًا، وأنا أقول لنفسي مؤكدًا:
    _ هذا هو مسؤول الشركة حتمًا، لا يمكن ألا يكون هو، من المؤكد أنه هو!

    ذلك أنه لم يكن أمامنا وقت، دقائق قليلة ويحين موعد الانطلاق، فإن لم ننطلق الآن، فمتى سنفعل ذلك إذًا؟

    كان القادم مسؤول الشركة فعلًا، ولقد نظر إليَّ بنظرات غريبة كأنه يراني أول مرة في حياته، حتى خطر لي أن أسأله بأسلوبي الساخر المعتاد إن كان قد فقد ذاكرته مثلًا، لكني وجدت أن الوقت غير مناسب لذلك، فسألته محاولًا التظاهر بالهدوء:
    _ هل نمشي الآن؟
    أجابني بصوت جاف:
    _ لا!

    أردت أن أعبِّر عن استيائي لهذا التأخير، وأذكره بالوقت، لكنه تابع بلهجة صارمة:
    _ أنت لن تركب في هذا الباص...
    وأضاف بقسوة بعد لحظة صمت:
    _ أبدًا!

    شعرتُ بأنني لم أعُدْ أفهم أي شيء هنا! فكلامه هذا كان مفاجأة حقيقية، أوقعني بِحَيْرَة كبيرة...
    وبصراحة، شعرتُ بأنني أَمُرُّ بمرحلة هذيان، وأن هذا الموقف الذي أمر به الآن ليس حقيقيًا!
    وإلا، فما المانع أن أركب الباص الذي سنذهب به إلى العمرة؟؟

    لا أعلم هل أدرك الأخ شيئًا مما أفكر به، لأنه ابتسم ابتسامة عريضة، قائلًا بهدوء:
    _ ذلك لأنني (أُعِزُّكَ) جدًا، وأريد لك أن تركب الباص الثاني، لأن سائقه (غير شكل)!
    (غير شكل هنا يقصد بها أنه مميز، لكن إطلاق الصفة على الإنسان أمر غريب، من الممكن أن أقول إن طريقته غير شكل أو أسلوبه غير شكل، بمعنى التميز، لكن أن أقول عن إنسان كذلك، فالتعبير غير مستساغ)!

    وتابع مسؤول الشركة ليخبرني بأن الباص الثاني سينطلق بعد ساعة ونصف من الباص الأول، وظننتُ؛ بادئ الأمر؛ أن هذا الإعزاز من مسؤول الشركة لمصلحتي، لكني كنت أتمنى لو أخبرني قبل ذلك، بدلًا من تركه إياي أبذل هذا المجهود السريع، عدا عن أنني كنت جائعًا بحق، فغادرت مبنى الشركة إلى مطعم قريب منها أتناول طعام الغداء، وتنزهت بعدها قليلًا، ثم رجعت إلى مبنى الشركة لأحمل حقيبتي الكبيرة، وأنطلق مع الأخ مسؤول الشركة في سيارته إلى موقع الانطلاق، وكان ذلك بعد العصر مباشرة، صلينا العصر في مبنى الشركة وانطلقنا، وفي الباص الكبير جلست في المقعد الأول خلف مقعد السائق مباشرة، أنتظر الانطلاق، أنا وكل المسافرين...

    أدركت أن هذه الرحلة ستختلف عن سابقتها، لأنني لا أعرف أحدًا من المسافرين أولًا، وثانيًا لأنني أشعر بذلك من قبل بإحساس غريب لا أستطيع تبريره...
    جلست أنتظر في الباص، وليس هذا تكرارًا في الكلام، بل تكرارًا في الحدث! فالوقت يمضي، والباص بلا سائق، وأذن المغرب، ولا زلنا لم ننطلق بعد!

    غادرنا الباص، وانطلقنا نصلي المغرب، لكن النساء كُنَّ في موقف محرج بعض الشيء، إذ يبدو أن المساجد القريبة لم يكن فيها مكان خاص للنساء، ورجعنا بعد الصلاة بسرعة إلى الباص، لكن السائق لم يكن موجودًا بعد!

    طبعًا لم يمر الأمر من دون ارتفاع أصوات الاعتراضات والتأفف والاستنكار، وقلة قليلة في ذلك الوقت كان معهم الهاتف المحمول، وأظن أن بعض الناس اتصلوا بمسؤول الشركة، ولكن لا نتيجة تُذكَر، سوى ارتفاع كلمات على غرار أننا سننتظر قليلًا، ويبدو أن الانتظار (القليل) كان قليلًا فعلًا، فلقد أذن العشاء، ولا زال الأخ لم يشرفنا بالحضور لينطلق بالباص بنا!

    تركنا الباص، وصلينا العشاء، وعاد بعضنا إلى الباص، وبعض آخر ذهبوا يبحثون عن مكان يأكلون فيه، وهذا حقهم طبعًا، ثم شَرَّفنا السائق أخيرًا، شَرَّفنا هو واثنان آخران، قدَّما نفسيهما إلينا على أنهما (الشيخان) اللذان سيرافقاننا إلى الرحلة، وأنهما كانا موجودين قريبًا منا ويرياننا، لكنهما انتظرا أن يأتي السائق، ولم تكن الألقاب؛ ولا التبريرات؛ تعنينا الآن؛ لا كثيرًا ولا قليلًا؛ فالمهم الانطلاق بعد خمس ساعات ونصف من الانتظار!
    والمستفز أن السائق كان قد حضر قبل ذلك، وقد رأيناه جميعًا قرب الباص، لكن لم يخطر لأحد أنه السائق، وأنى لنا أن نعرف ذلك، وهو لم يخبرنا ولم يصعد الباص حتى؟!

    مع إدارة السائق الباص، وانطلاقه بنا، ظننا أن مشاكلنا قد انتهت، ولكننا كنا مخطؤون فعلًا...
    لم تمضِ ساعة؛ بعد؛ على الانطلاق، إلا والسائق يوقف الباص، وقبل أن يسأل أحد عن السبب، فوجئنا به يفتح باب الباص وينزل بسرعة، ويلحق به الشيخان المرافقان للرحلة...
    نزل الثلاثة بسرعة وتوتر، من دون أن ينطقوا بكلمة أو يُبَرِّوا لنا سبب ذلك، فأدركنا؛ جميعًا؛ أن أمرًا جللًا قد حدث.

    وعاد الانتظار الممل مرة أخرى، ترافقه حيرة كبرى لا حَدَّ لها تملكت قلوبنا جميعًا، فمغادرة الثلاثة الباص بهذا الشكل بعث قلقًا كبيرًا في أعماقنا...

    وفي الأذهان، دارت التساؤلات القلقة حول أسباب هذا التصرف المستهجن!
    مهما حصل، من حقنا الحصول على التبرير...

    وارتفع صوت متهكم من بين الركاب يقول:
    _ ما رأيكم يا جماعة؟ انتظرنا كثيرًا، وبعد ذلك اتصلوا فينا لنذهب إلى العمرة، من المؤكد، من المؤكد أن هذه الشركة متفقة مع برنامج الكاميرا الخفية، والآن سوف يخبروننا بذلك، لنبتسم للكاميرا ونرجع إلى بيوتنا!

    رغم استحالة تفسير الكاميرا الخفية هذا، إلا أن فكرته لم تكن مستهجنة إطلاقًا!
    فما يحصل لا نجد له تفسيرًا سوى هذا التفسير الخيالي!
    بغتة؛ من حيث أجلس؛ لمحت أحد المسؤولين عن الرحلة في محل قريب من مكان وقوفنا، فأسرعت أغادر الباص، لأدخل المحل، متجهًا نحو المسؤول، محاولًا أن أفهم ما يحصل، وابتدرني هو بالقول الحازم، والحكم الصارم:
    _ لن ننطلق من هنا قبل الفجر، سنصلي الفجر هنا، ثم نمشي!
    سألته مستنكرًا:
    _ ولماذا نضيع ليلة كاملة من السفر؟ يمكن لنا أن نصلي الفجر في الأردن مثلًا، أو...
    قاطعني بلهجة حازمة:
    _ هذا مستحيل! فلقد نسي السائق جواز سفره، وعاد إلى منطقته؛ وهي بعيدة من هنا؛ ليحضر جواز السفر!

    شعرت بالغيظ حقيقة، وأنا أفكر بهذه التصرفات الهوجاء، غير المسؤولة، فالسائق كان يجب أن يأتينا العصر، فأتى قبيل المغرب؛ وانطلق بعد العشاء، والآن نسمع (البشرى) أنه أتى من دون جواز السفر! يا للسعادة! والسعيد أكثر في الأمر أنه عاد إلى منطقته ليحضر جواز السفر، و...
    لا؛ هذا غير صحيح! لن نظلم الأخ!
    فأمام عيني، كان السائق يقف في أحد الأركان في المحل!
    ترى؛ هل معه جواز السفر أم لا؟ وإن كان معه فلماذا نزل هنا؟ وإن لم يكن معه فهل ينوي متابعة طريقه من دون جواز السفر؟ كيف سيتجاوز الحدود إذًا؟
    مسألة غريبة فعلًا، ويبدو أننا نحتاج (أينشتاين) جديد ليحلها لنا!


    تابعوا معنا
    (بعد فترة استراحة بسيطة، للتعافي من إرهاق صحي بسيط، بإذن الله تعالى)


  19. #18
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    4,835
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    مالأمر؟!،
    شيء مخيف فعلاً
    انتظر بنفاذ مالذي سيحدث،
    ربي يستر بــس
    ربي يبارك بك
    وعافاك ربي
    في حفظ المولى،،
    ~

  20. #19

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Jomoon مشاهدة المشاركة
    مالأمر؟!،
    شيء مخيف فعلاً
    انتظر بنفاذ مالذي سيحدث،
    ربي يستر بــس
    ربي يبارك بك
    وعافاك ربي
    في حفظ المولى،،
    ~
    هذه الرحلة مخيفة فعلًا
    بارك الله بكِ وحفظكِ من كل سوء
    مجرد عارض صحي بسبب ضيق التنفس والإرهاق المتواصل
    أتابع قريبًا جدًا إن شاء الله تعالى

  21. #20

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    858
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: في رحاب الحرمين الشريفين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الحادية عشرة

    السائق ذهب إلى منطقته ليحضر جواز سفره، لكنه هنا!
    كيف ذلك؟ لا أعلم بعد!
    الرجل يقف أمامي، وأحد مسؤولي الرحلة أخبرني حازمًا أنه ذهب إلى منطقته ليحضر جواز سفره!
    فمن يكذب يا ترى؟ المسؤول أم عيناي؟
    يبدو اقتراح زميل السفر بأننا في برنامج (الكاميرا الخفية) معقولًا فعلًا!
    يبدو أنها (كاميرا خفية) لكنها من النوع شديد الإزعاج!
    هتفت بمسؤول الرحلة متهكمًا:
    _ ومن يكون هذا الرجل إذًا؟
    أجابني بدهشة:
    _ إنه السائق طبعًا! من ظننتَ أن يكون إذًا؟
    تمالكت أعصابي بمعجزة حقيقية هنا، وحاولت جاهدًا أن أتظاهر بالهدوء، إذ أسأله:
    _ ألم تقل لي إنه ذهب إلى منطقته، ليحضر جواز سفره؟
    أجابني بهدوء مستفز:
    _ نعم، كاد يفعل ذلك! لكنه لم يفعل ذلك! وذلك لأنه اتصل بأخيه، وذلك ليحضر له جواز سفره، وذلك لنوفر الوقت، ولن تمضي ساعتان على الأكثر، إلا وجواز السفر هنا.
    سألته بغضب:
    _ ولماذا سننطلق بعد الفجر؟ ما الحكمة من هذا القرار؟
    خرج السائق عن صمته أخيرًا، ليزمجر غاضبًا:
    _ أريد أن أنام قليلًا، ألا ترى أنني متعب!
    هتفت به متهكمًا:
    _ فعلًا، صحيح، إنك متعب، متعب جدًا، تأتي إلينا متأخرًا ساعتين، وتنطلق بالباص أقل من ساعة، وتتعب بعدها، وتريد النوم حتى الفجر، يعطيك العافية على تعبك!
    احتقن وجه السائق غضبًا، لكني لم أبالِ به، بل استدرت راجعًا إلى الباص، لأنني لا أريد أن أدخل في نقاش عقيم لا معنى له، مع السائق أو مع مسؤول الرحلة هذا، أو مع مسؤول الرحلة الثاني الذي انضم إلينا توًا...

    كنت أشعر بالغضب فعلًا لهذا الاستهتار المستفز بنا، فنحن في طريق سفر طويل، ولا ينفع هذا الاستهتار، لكني لم أكن قد رأيتُ شيئًا بعد، وما يحصل الآن هين جدًا إزاء ما سيأتي...

    انتظرنا في الباص، وبعض رفاق السفر يسبُّون السائق، ولا أعرف هل ألومهم أم لا!
    وأعتقد أن أذان الفجر الذي استيقظنا على صوته كان أجمل أذان نسمعه في حياتنا، لأنه بدا لنا الخلاص من هذا الانتظار الممل المقرف...
    ولكنْ، كنا مخطئين كذلك!

    صحيح أننا انطلقنا بعد الصلاة بفترة، وذلك لإتاحة الفرصة للنساء معنا في الرحلة لدخول المسجد بعد خروج الرجال، ليصلين الفجر، ما أخرنا قليلًا، إلا أن قيادة السائق كانت مرهقة لنا جميعًا...
    فأي شخص يركب دراجة نارية، يستطيع أن يسبقنا حتى لا تراه أعيننا...
    الحذر واجب، والطيش مرفوض، لكن قيادة الباص بسرعة لا تتجاوز ال 40 كيلومترًا، أمر مرفوض كذلك، خاصة أننا لسنا ذاهبين بمشوار محلي، ولنصل بعد نصف ساعة بدلًا من ربع ساعة، بل نحن في رحلة تستغرق الكثير والكثير من الوقت...

    وصلنا الحدود السورية، أقرب الحدود إلينا، وكان الانتظار طويلًا نسبيًا، لوجود عدد من الباصات أمامنا، لكنْ؛ ما كدنا نتجاوز نقطة التفتيش، حتى أوقف السائق الباص، ونزل منه بسرعة، من دون أن يخبرنا ماذا يريد، ولا لماذا توقف، و(اختفى)، هكذا بكل بساطة!
    ومرت عدة ساعات، ونحن ننتظر في الباص، ولا نفهم أين السائق، حتى (ظهر) الأخ أخيرًا، وبدت عليه آثار المفاجأة، مع صراخ الركاب في وجهه، ولم يسكت، فلقد صرخ هو الآخر، مؤكدًا أنه ذهب لينام، وذلك لأنه متعب قليلًا!

    لم يكن قد مضى ساعة في الانطلاق، حتى اختفى هذا الأخ لأنه متعب، وهذه مشكلة حقيقية فعلًا، أن ينام كل ساعة أو أقل من القيادة، عدة ساعات ليرتاح!

    ولم تتوقف المسخرة هنا، فلم يسأل السائق أحدًا عن رأيه حينما توقف بنا أمام مطعم صغير، وخرج من الباص، وأسرع بالركض، ليتبعه عدد من الركاب، ولكن الأخ اختفى فعلًا في لحظات، ومرة أخرى ننتظر ساعات عديدة، وبعضنا دخل المطعم هربًا من أشعة الشمس الحارقة، ثم ظهر الأخ ليخبرنا بكل برود أنه ذهب لينام، وذلك لأنه متعب قليلًا، وانفجر الركاب بموجة من السباب والشتائم، ولم يعد أحد منهم مستعدًا لسماع الحكم والمواعظ من أفواه مسؤولَي الرحلة، وأننا ذاهبون إلى العمرة، ولا يجوز السباب!

    صحيح أنني لم أشاركهم السباب، لكني لم أر أنهم مخطؤون!
    فبحساب الوقت، نحن انطلقنا فعليًا ساعة وثلاثة أرباع الساعة، وتوقفنا حوالي سبع عشرة ساعة، من ضمنها ليلة التوقف المستفزة في بيروت، بسبب حجة جواز السفر.

    انطلق الباص مرة أخرى لنصل إلى الحدود الأردنية، وأول مرة نشعر بأننا محظوظون، وأننا سنعوض الوقت الضائع، فلقد كنا أول الواصلين إلى الحدود الأردنية، ولكن...
    كنا آخر المغادرين!
    والسبب المستفز نفسه من جديد...
    لأنه (مُتْعَب) و(يريد أن ينام)!
    لأنه كذلك، اختفى السائق مجددًا، لتغادر تسع باصات؛ أو أكثر؛ أتت بعدنا، ولا يزال السائق لم يظهر بعد!
    وارتفع السباب مرة أخرى، ومرة أخرى يحاول مسؤولا الرحلة تهدئة الأوضاع، لكن من دون فائدة تُذكَر...
    ولعل الذين لم يشاركوا في السباب لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة من بين عشرات المسافرين!
    وارتفع صوت أحدهم يقول غاضبًا:
    _ إننا قادمون لأداء العمرة، ليغفر الله ذنوبنا، لكن يبدو أننا سنحصل على ذنوب أكثر مما فعلناه في حياتنا، لكثرة السباب الذي نَسُبُّه بسبب هذا السائق الأحمق!

    وأخيرًا، عاد السائق يظهر، متثائبًا، وأخذ أحد الركاب يغني أغنية جونكر:
    _ جاء البطل يفرح شاشتنا!
    رد راكب آخر:
    _ البَطَل، أم السَّطَل!
    (إشارة إلى أن هذا السائق مسطول)!

    انطلق السائق، ونحن ننظر إليه متحفزين متى سيوقف الباص، لنمسك بخناقه!
    ويبدو أن أحد المسؤولين، وهو يَعُدُّ نفسه (شيخًا) وإمام مسجد، أراد تخفيف التوتر، فاقترح أن يبدأوا بجولة الإنشاد... وهكذا أمسك الأخ بالميكرفون، وأخذ ينشد:
    _ طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع.
    وأخذ عدد من الركاب يرددون خلفه، ومن بينهم نساء ذاهبات للعمرة، ولا أعلم كيف خطر لهن أن يغنين بوجود الرجال، ولا ألومهن لو كُنَّ لا يعلمن، لكني ألوم هذا الشيخ الذي لم يُنَبِّههن إلى ذلك، بل استرسل في الغناء السعيد، وهُنَّ يتفاعلن معه!

    وصلنا إلى الحدود السعودية، ونحن ندعو الله تعالى ألا نجد باصات أمامنا.
    في رحلتنا السابقة كنا أول الواصلين، لكننا سمعنا من زملاء لنا عن انتظار كان يصل إلى إحدى عشرة ساعة أحيانًا، ولكم أسعدنا أننا لم نجد سوى باص واحد أمامنا، فأدركنا أننا لن نقع في مشكلة الانتظار الطويل، ولكن...
    كنا مخطئين كالعادة!
    لا لأن السائق ذهب لينام، فلقد هدده بعض الركاب بخلع عنقه لو فعل ذلك، وتركنا ننتظر عند الحدود السعودية، وقد تيسر لنا أننا لن ننتظر...
    وتعمق هذا الشعور في أنفسنا مع صعود أحد الجنود إلى باصنا، ليطلب إلى السائق أن يتجه نحو (ذلك المكان هناك)، مشيرًا بيده إلى حيث يقصد، لتفتيش باصنا...
    أفرحنا ذلك...
    ولكن...
    كنا أول الواصلين (تقريبًا)، وآخر المغادرين (توكيدًا)!
    فما كاد الجندي ينزل من الباص، حتى فتح السائق بابه ونزل هو الآخر، وأسرع خلف الجندي حتى كاد يصطدم بكتفه!
    وتوقف الأخير مغتاظًا، وكدنا نرى النيران تندلع في عينيه فعلًا!
    وبإشارة صارمة من الجندي، رجع السائق إلى الباص، وصعد الجندي خلفه، وأخذ ينظر إليه غاضبًا، وكان واضحًا؛ لكل ذي عينين؛ أنه يتميز غيظًا!

    وأدركنا؛ جميعنا؛ أن الأمر لن يمضي بسلام...
    على الإطلاق!

    تابعوا معنا


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  الأنمي الياباني المترجمة إلى العربية، كما يشمل العديد من الأقسام المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS Google Plus YouTube Twitter Facebook
استعادة العضوية
تفعيل البريد
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات