الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي الأب والابن... قصة اجتماعية متسلسلة، بقلمي (أ. عمر)



    الأب والابن

    قصة أبتدئ بها إن شاء الله تعالى حينما أنتهي من قصتي المتسلسلة في رحاب الحرمين الشريفين

    الأب والابن
    قصة اجتماعية متسلسلة كتبت أحداثها عام 1999
    ولم أنهها بعد، وإن كانت النهاية واضحة في ذهني...

    سأعرضها هنا، محافظًا على الأسلوب الذي كتبتها به آنذاك، مضيفًا ما يلزم من التطوير...
    ولعلي أضع خاتمتها معكم هنا، إن شاء الله تعالى

    فكونوا معنا

    فهرست الحلقات
    الحلقة الأولى
    الحلقة الثانية
    الحلقة الثالثة
    الحلقة الرابعة
    الحلقة الخامسة
    الحلقة السادسة
    الحلقة السابعة
    الحلقة الثامنة
    الحلقة التاسعة
    الحلقة العاشرة


    0 !غير مسموح

  2. 4 أعضاء شكروا أ. عمر على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)




    الحلقة الأولى (ولادة)

    كاد الضجر والملل يقتلان رجل الأعمال الشهير، السيد (علي محيو)، وهو يجلس في المستشفى منتظرًا امرأته التي تلد...
    ويا لها من معجزة مذهلة!
    معجزة تحدث يوميًا...
    نسمع عنها...
    أو تحدث في محيطنا..
    من دون أن نعيرها التأكد في معانيها...
    أو انتباهًا كافيًا...
    وبعضنا يقف منها موقفًا سلبيًا للغاية...
    كما في حالتنا هذه...
    فرغم لهفة السيد (علي) لإنجاب ولد يحمل اسمه، إلا أن طبيعته كانت تنفر من كل ما يحمل اسم (الانتظار)...
    منذ طفولته، وهو يتمتع بالنشاط والحركة المستمرة...
    ولعل حيويته هذه، السبب في ما يتمتع به من ثروة هائلة، جعلت اسمه يتصدر قائمة رجال الأعمال في بلده كله...
    من دون منازع.
    ولكن؛ ها هو اليوم جالس منذ أكثر من ساعتين، تاركًا أكثر من صفقة هائلة لمعاونيه...
    وسرت موجة قلق في عروقه...
    ماذا لو أخفقوا؟
    أو لم...
    _ انتهى الأمر يا رجل.
    انتزعته هذه الكلمات من أفكاره، فهتف بارتياح:
    _ حقًا؟
    حملت لهجته، رغمًا عنه، شيئًا من الضجر الذي يسيطر عليه، إلا أن الطبيب ردد بقلق وتوتر:
    _ حقًا!
    هوى قلب علي بين ضلوعه، وهو يتمتم بصوت منخفض:
    _ ماذا حدث؟ هل فشلت الولادة؟
    وقبل أن يجيبه الطبيب، انقض عليه وأمسك بتلابيبه، صائحًا بغضب هادر:
    _ ساعتان وأنا أنتظر الولادة، ثم تقول لي إنها فشلت، سأقتـ....
    قاطعه الطبيب بغضب مماثل:
    _ لم أقل ذلك! على العكس، أنجبت امرأتك طفلًا ذكرًا...
    وبدا كأن غضب الطبيب قد تلاشى بغتة، وهو يتابع بأسى:
    _ ولكنها لم تحتمل الألم، وماتت، كم يؤسفني أن أخبرك بهذا، ولكن هذه هي الدنيا، كلنا سنموت، ولكن لا...
    بتر الطبيب عبارته، وعيناه تتسعان ذهولًا...
    فلقد كانت رَدَّة فعل الرجل غير متوقعة...
    على الإطلاق...
    إذ إنه أطلق تنهيدة ارتياح، مع بسمة أضاءت وجهه كله..
    وبذهول واستنكار، قال الطبيب:
    _ ألا يحزنك هذا؟
    ردَّ علي:
    _ ومتى كان للحزن مجالًا في حياتنا؟
    صاح الطبيب:
    _ ولكن، هذا....
    قاطعه علي بجفاء:
    _ اصمت!
    صمت الطبيب مبهوتًا، فيما تابع رجل الأعمال بصرامة غاضبة:
    _ أنا رجل أعمال، والدنيا لن تدوم لأحد، أنت قلتَها، كلنا سنموت، ولن أتوقف لأبكي أحدًا، وما دمتُ حيًا فسأسعى خلف صفقاتي، أتفهم؟
    ولكن الطبيب لم يفهم!
    كيف يمكن لرجل أن يقابل موت امرأته، من دون أي انفعال؟
    باستثناء انفعال الفرح بالطبع!
    أي رجل هذا، بل أي صخر؟
    وبجهد خارق، انتزع الطبيب الكلمات من حلقه، قائلًا بعصبية:
    _ وماذا عن الطفل، ألا يعنيك أمره يا رجل الأعمال؟
    أجاب علي ببرود:
    _ سنبقيه هنا بعض الوقت، انتدب أحدًا للعناية به وإرضاعه، إلى أن أجد مربية أثق بها، واطمئن، سأدفع ثمن هذا.
    وغادر، من دون أن يترك للطبيب فرصة للرد...
    ولقد ظل الأخير صامتًا جامدًا لحظات، ثم انتزع نفسه من ذهوله، وأسرع يهتف بإحدى الممرضات:
    _ هنا رضيع ماتت أمه، وأنتِ ولدتِ منذ فترة قصيرة، هل تقبلين إرضاعه؟ والده رجل أعمال ثري، وسيدفع لكِ.
    ردَّت الممرضة غاضبة:
    _ أتظن أنني أحتاج المال، أم أنك تراني متسولة أمدُّ يد...
    قاطعها، وقد أدرك أنه أهانها، فهي عزيزة النفس رغم فقرها:
    _ على الأقل، حتى لا يقضي نحبه جوعًا.
    أسرعت الممرضة؛ هنا؛ إلى الغرفة التي يرقد بها الرضيع، فيما تمتم الطبيب، وهو في موضعه:
    _ يا له من أب جلف! ويا له من ابن مسكين! ترى ما الذي يخبئه له المستقبل؟
    ويا له من سؤال!
    نعم، ما الذي يخبئ المستقبل لهذا الطفل؟
    وبقي سؤال الطبيب من دون جواب، أو حتى من دون توقع صحيح...
    في وقته على الأقل.



    0 !غير مسموح

  4. #3
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    4,952
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    Thumbs up رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)


    السلامـ عليكمـ ورحمة الله وبركاته~

    بداية موفقة
    تشوقت لأعرف ماذا سيحدث
    انتظر التكملة
    باركك ربي،
    وكالعادة سردك رائع
    زادك ربي من فضله
    في حفظ المولى،،
    ~

    0 !غير مسموح

  5. #4

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)


    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بوركتِ أختي الكريمة، وجزيتِ خيرًا أعتذر لهذا التأخر فالمنتدى يصعب عليَّ الحركة به الفترة الأخيرة قدمت بطلب خدمة إنترنت أخرى سريعة جدًا وقد علمت بها مصادفة، وأنتظر تفعيلها فقط والله المستعان

    0 !غير مسموح

  6. #5

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)


    الحلقة الثانية (صفقة)

    _ هناك ممرضة تطلب مقابلتك.
    ردَّ علي عبر جهاز الاتصال الداخلي:
    _ لا وقت لديَّ، دعيها ترجع في الأسبوع القادم.
    كان يتوقع أن تُنهي السكرتيرة الاتصال كالعادة، وكما لقَّنَها في أول يوم عملت فيه لديه، إلا أنه فوجئ بها تقول:
    _ إنها لأجل ابنك.
    صاح غاضبًا:
    _ قلت لكِ اصرفيها، فأنا...
    قاطعته، أول مرة منذ خمس سنوات:
    _ تريد عقد صفقة عاجلة، وإلا فلتعتبرها ملغاة، وليقضِ ابنك نحبه جوعًا.
    جاوبها صمت مطبق، فهتفت:
    _ سيد علي، هل تسمعني؟!
    مرت لحظة صمت أخرى، ثم أتاها صوته يقول بصرامة:
    _ دعيها تدخل.

    دخلت الممرضة قائلة بلهجة عملية:
    _ أنا قادمة من المستشفى مباشرة، بعد أن أرضعت مولودًا، أخبروني أنه ابن رجل الأعمال الشهير علي محيو، وسأعرض عليك صفقة، أن أصبح أمًا لابنك، أقصد من الرضاعة بالطبع، وممرضة لشركتك.
    أجاب رجل الأعمال:
    _ من ناحية كونكِ مربية لابني فلا بأس، أما أن تكوني ممرضة في شركتي، فلا تحلمي حتى بهذا، فأنا لا أسمح لأحد أن يعمل لحساب شخص آخر في الوقت ذاته، هل فهمتِ؟
    ردَّت بحزم:
    _ سأستقيل من المستشفى، هل توافق الآن؟
    سألها بِجِد:
    _ وكم تريدين في الشهر؟
    رقص قلبها بين ضلوعها فرحًا، لكنها بذلت جهدًا لتسيطر على مشاعرها، وهي تقول:
    _ كم ستدفع أنت؟ أعني كم أنت مستعد لتدفع؟ ليس أقل من...
    قاطعها بملل:
    _ ما رأيكِ بألف دولار شهريًا؟
    كادت الممرضة تسقط مغشيًا عليها، ولكنه تابع ببساطة:
    _ هذا بخلاف متطلبات الولد.

    حُلَّت عقدة لسانها، فهتفت بحماسة:
    _ أنا موافقة بالطبع.
    ألقى إليها برزمة كبيرة من أوراق النقد، من فئة المئة دولار، قائلًا:
    _ هذه على الحساب، والآن لنوقع العقد.
    صاحت الممرضة بلهفة شديدة:
    _ نعم، لنفعل.
    وأضافت بشرود، وعلى شفتيها ابتسامة حالمة:
    _ بعد عامين تنتهي رضاعة الطفل، سأسافر مع زوجي إلى إحدى دول الخليج.
    ابتسم السيد علي، ولكنه لم يعلِّق...
    ولم يمضِ وقت طويل، حتى كان العقد جاهزًا من المكتب القانوني لشركته، وموقعًا من قبله والممرضة التي انصرفت، وهي تكاد تطير من السعادة، وراقبها السيد علي مبتسمًا، ثم تمتم بسخرية:
    _ يا لها من ساذجة!! العقد كان لعملها كمرضعة ابني، كما تظن، وقد وقعَت من دون تقرأ حرفًا! ولم تعلم أنها رضيَتْ بالألف دولار لعملين معًا! سنربح الكثير جدًا من عملها من دون أن نمنحها سوى الفتات، ثم إنها ستظل تعمل طيلة حياتها وليس لمدة عامين كما كانت تظن، فالعقد لم يحدد الفترة، ولكن لهفتها على الأموال أعمت قلبها، ليكن، هذه صفقة رابحة بحق، والآن، لا بد من خطوة مهمة أقوم بها.

    وضغط زر الاتصال بسكرتيرته، قائلًا:
    _ ادخلي يا وفاء.
    شعرت السكرتيرة بالدهشة، لأنه ناداها باسمها مجردًا، لكنها أطاعت الأمر، وما إن دخلت حتى ابتدرها قائلًا بابتسامة كبيرة:
    _ قررت الاستغناء عن خدماتكِ نهائيًا.

    هوى قوله عليها كالصاعقة، فهتفت مرتجفة:
    _ لماذا؟ أنا لم أقصر في عملي قط، و...
    قاطعها صارخًا بغضب مفاجئ:
    _ اصمتي.
    وقام من خلف مكتبه متابعًا:
    _ لقد خنتِ الأمانة يا فتاة، لم يَعُد راتبكِ يكفي، تسلل الطمع إلى قلبكِ، وربما فكرتِ بأكثر من ذلك، كم تقاضيتِ من تلك الممرضة؟

    شحب وجهها، وهي تسأله:
    _ كيف عرفت؟! هل أخبَرَتْك؟
    ردَّ ساخرًا:
    _ لا، ولكني رتَّبْتُ الأمر في ذهني جيدًا، عادة تغلقين جهاز الاتصال حينما أخبركِ بعدم موافقتي على المقابلة، وكذلك ما كنتِ تقاطعينني سابقًا، فَلِمَ فعلتِ هذا وذاك؟ وهنا افترضت أنه من البديهي أنكِ تعرفين أني أعطي مبلغًا ما بعد توقيع الصفقة، وكان لا بد من أن أصل إلى نتيجة واحدة، لقد اشترطتِ على الممرضة أن تعطيكِ نصف الصفقة، أليس كذلك؟
    ردَّت بصوت مرتجف:
    _ بلى يا سيدي، بلى، ولكني أعتذر، و...
    قاطعها بصرامة:
    _ سبيل واحد أمامكِ للبقاء في عملكِ، أن تعيدي لها ما أخذتِ منها، وأنا من جهتي سأخصم لكِ نصف راتبكِ إلى أجل غير مسمى، وإلا يمكنكِ الانصراف، والآن...
    أخرجت السكرتيرة المال من جيبها، ووضعته أمامه، ولكنه هتف بعد أن عَدَّه:
    _ هذا مليون فقط، وأنا أعطيتها ثلاثة ملايين!

    تمتمت السكرتيرة بذلة:
    _ هذا ما أعطتني إياه.
    أشار بيده، قائلًا:
    _ عودي إلى مكتبكِ.

    خرجت السكرتيرة، وأغلقت الباب خلفها، ثم جلست على مكتبها، وهي تقول غاضبة:
    _ لم يكن أمامي سوى الموافقة، لقد خسرت ملايين عديدة من حسمه راتبي.
    صمتت لحظة، ثم تابعت بلهجة أقل غضبًا:
    _ على الأقل، فزت بنصف مليون من تلك الممرضة، وهو لا يعرف، و...
    أتاها صوته يقول:
    _ بل أعرف.

    كان الصوت من أمامها مباشرة، فانتفضت شاهقة في ذعر، قبل أن تنتبه إلى أن الصوت يأتي من جهاز الاتصال الداخلي الذي لم تغلقه، فيما تابع هو:
    _ هل عرفتِ لم ناديتكِ باسمكِ مجردًا في المرة الأولى أيتها البلهاء؟ لعل الدهشة تنسيكِ إغلاق الجهاز، مع التوتر بالطبع، يمكنكِ الانصراف، وإلى الأبد.

    وأنهى الاتصال، وأضاف قائلًا لنفسه:
    _ لقد كنت ذكيًا بإلزام الممرضة بتوقيع العقد على أن تكون سكرتيرة طوال حياتها، مقابل شرط جزائي فادح في حال أخَّلَت بالعقد، لقد ظفرت بسكرتيرة مجانية!
    وابتسم بظفر، متابعًا:
    _ هذه هي الصفقة الحقيقية.


    ملحوظة: الألف دولار تعادل مليونًا وخمسمئة ألف ليرة لبنانية تقريبًا.
    وفي ذلك الوقت _ أي عام 1999 زمن كتابة القصة _ كانت تُعَدُّ مبلغًا فادحًا فعلًا.



    0 !غير مسموح

  7. #6

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)


    الحلقة الثالثة (مروان)

    طفل في الثانية من عمره...
    طفل يُدعَى مروان...
    مروان علي محيو...
    والده واحد من كبار رجال الأعمال في الوطن...
    بل هو أكبرهم...
    بلا منازع...
    ولذا يجد مروان كل ما يريده من اللعب التي تجعله يلهث إرهاقًا قبل حتى أن يحصيها بعينيه لكثرتها...
    ولكنه _ بالمقابل _ بلا أب...
    ليس لأن والده قد مات...
    فما يزال الأخير حيًا...
    ولكن لأن رجل الأعمال الشهير يلهث خلف الصفقات الرابحة طيلة الوقت...
    لا يكاد يراه مرة في الشهر...
    أو مرتين...
    وهو _ كذلك _ بنصف أم...
    فالتي ترضع ابنها التي ولَدَته، وابنًا آخر لم تَلِده، ستفرِّق حتمًا في المعاملة...
    وفي منح الحنان...
    بالإضافة إلى أنها تعمل طيلة الوقت تقريبًا في الشركة العملاقة كممرضة بأجر يسيل له اللعاب...
    وكسكرتيرة من دون أجر...
    وها هي ذاهبة اليوم لتبلغ رئيسها بتركها العمل بعد شهرين، لأنها ستسافر مع زوجها إلى الخارج...
    لقد جمعت اثنين وعشرين ألف دولار كاملة، وبعد شهرين تستقر في الخليج، دول النفط الغنية، لتعيش باقي حياتها كملكة من الملكات...
    لا بد أن يتمكن زوجها من فتح مشروع تجاري كبير...
    وبذلك يبقى مروان من دون أم...
    لم تكن هدى تفكر في ذلك، ولا يعنيها هذا الأمر...
    ولكن، هل يمكن لهذا الطفل أن يشعر بالسعادة؟
    يقينًا لا!
    لقد أصبح يمقت كلَّ ألعابه...
    ويتطلع إلى ما يحتاجه كلُّ طفل...
    حنان الأم في الدرجة الأولى...
    وعاطفة الأب من جهة ثانية...
    ولكنه سيكبر اليوم عن ذلك...
    بسبب ما حدث.

    ***

    _ ماذا تعني؟
    صرخت الممرضة هدى في وجه رجل الأعمال غاضبة، فَرَدَّ ببرود:
    _ العقد الذي وقَّعناه منذ عامين واضح وصريح، لا مدة محددة، وهذا يعني أن أحدًا لا يحق له أن يفسخه بمفرده، أتفهمين؟
    عادت تصيح بغضب:
    _ هذا لا يعني أن أعمل عندك طيلة حياتي، أليس كذلك؟
    أجاب بهدوء:
    _ هناك ثلاث وسائل لتتركي العمل قانونيًا، الأولى أن أصرفكِ بسبب مخالفات واضحة، وهذا يستدعي أن أوجِّه لكِ أكثر من إنذار، ثم أعطيكِ مهلة ثلاثة أشهر قبل أن أصرفكِ، مع دفع تعويض صرف ضخم لكِ، ولن أفعل ذلك بالطبع.

    صمت قليلًا، ثم تابع:
    _ الوسيلة الثانية هي أن تستقيلي، وعندها...
    هتفت بلهفة:
    _ سأكتبها الآن، و...
    قاطعها بهدوء مستفز:
    _ ولن أوافق عليها بالطبع، إلا إذا قمتِ بِرَدِّ كل ما دفعته لكِ، مع تعويض بنسبة مئة وخمسين بالمئة، وهذا يعني اثنين وعشرين ألف دولار الآن، وفوقها ستًا وستين ألف دولار أخرى، إلا إن أحببتِ أن تكملي حتى نهاية العامين قبل أن تستقيلي، ليزداد المبلغ الذي ستدفعينه!

    صرخت بغضب:
    _ هل تمزح؟ ثم إني لا أصدق ما تتكلم به، لقد طردتَ وفاء من دون إنذار أو دفع تعويض، ثم هددتني بفسخ العقد إن لم أحُلَّ محلها، وكدت أتقدم باستقالتي بعد يوم واحد من الاتفاق، أتذكر هذا؟

    أجاب من دون أن يفقد هدوءه:
    _ أولًا السكرتيرة وفاء كانت غبية، تركت من دون أن تطالب بحقها القانوني، والذي لا تعلمينه هو أني رفعت عليها دعوى قانونية لفعلتها هذه! وربحت الدعوى، ولا زالت المسكينة تجمع القمامة لتعيش، مع أني أنا الذي طردتُها ولم أعطها حقها، أما أنكِ كدتِ تتقدمين بالاستقالة يومها، فلِمَ لَمْ تفعلي؟ ربما وافقتُ وقتها، أما الآن، فلن أفعل.
    وأضاف متهكمًا:
    _ ثم هل صدقتِ أنني كنت سأفسخ العقد؟ هل كنت سأفسخه وأجد نفسي مضطرًا لأدفع لكِ مبلغًا كبيرًا؟ لن يدفع بي شيء لذلك، ولا حتى سواد عينيكِ!

    تمتمت هدى بمرارة كبيرة:
    _ وماذا عن الوسيلة الثالثة؟
    أجاب بصرامة شديدة:
    _ أن تنتحري! هذه هي الوسيلة، موتي ولن أقيم عليكِ أية دعوى، انتحري فلن تتركي العمل إلا بهذه الطريقة، أتفهمين؟
    طفرت الدموع من عينيها، وهي تقول متوسلة:
    _ أرجوك يا سيدي، زوجي سيسافر، لن يستطيع الاعتذار عن السفر، لا تفرِّقنا، ارحمنا، أرجوك.
    ردَّ رجل الأعمال ببرود:
    _ لا مجال للعواطف والرحمة في عالمنا، انتهت المقابلة.
    غادرت هدى مكتبه...
    والغضب يعصف بقلبها...
    وعقلها.

    ***

    ما كادت هدى تدخل بيتها، حتى اندفع ابنها وليد يعانقها ويقبِّلها، فأخذت هي تداعبه وتلاعبه، ثم أقبل مروان ليتعلق بها، فأهوت على وجهه بصفعة عنيفة، وصرخت في وجهه:
    _ اغرب عن وجهي، أسرع.
    ذهب مروان إلى حجرته محتقن الوجه، وحبس فيها نفسه حتى المساء، حين شعرت هدى بالندم لقسوتها عليه، فذهبت إلى غرفته، واحتضنته قائلة:
    _ حبيبي مروان، انظر ماذا أحضرت لك، علبة شوكولاتة كبيرة، لك وحدك.

    تملص منها قائلًا بعناد:
    _ ابتعدي عني، أنتِ لستِ أمي، أنا لا أحتاجكِ.
    صدمها ردُّه، ولكنها عادت تحتضنه، فمهما فعل والده، لن تنسى أنها أم، وأنه طفل، تحركت عاطفة الحنان في نفسها رغم قسوتها السابقة، ولكن الطفل تملص منها ثانية، وهو يصرخ بغضب:
    _ ألم تفهمي؟! ابتعدي عني.

    وهنا فهمت هدى...
    لقد نضج مروان قبل الأوان...
    نضج بسبب الحياة القاسية التي يعيشها...
    وبسببها هي...
    تُرى، ماذا ستكون رَدَّة فعل السيد علي حينما يعلم أنها صفعت ابنه؟
    ربما يطردها!
    ليته يفعل!
    ولدهشتها، وجدت نفسها تبتسم، وتقول لمروان بلهجة قاسية:
    _ ليكن! لن أقترب منك أيها المدلل، حينما تجوع يمكنك أن تتوسل إليَّ لأطعمك، ولن أرضى أن أفعل قبل أن تُقبِّل يديَّ، وكذلك ساقيَّ.

    وغادرت الغرفة سعيدة...
    وكلها أمل في أن يطردها مديرها...
    لعلها تحقق حلمها...
    وتسافر.





    0 !غير مسموح

  8. #7

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)


    الحلقة الرابعة (الرابح)

    _ صفعتِه على وجهه؟!
    صرخ والد مروان بثورة هائلة...
    ليس لأن عاطفة الأب قد تحركت في نفسه...
    بل لأنه يعتبر ابنه جزءًا من شركته الاقتصادية...
    وأن تصفع المربية ابنه، فهذا يعني أنها لا تبالي بمكانته هو...
    ولكن هدى لم تبالِ بغضبه، بل أضافت ببرود:
    _ أضف إلى ذلك أنه بلا طعام منذ الأمس.
    صرخ بِغِلٍّ:
    _ سأقتلك.
    تابعت، وكأنها لم تسمعه:
    _ ثم إنني بحثت عن وفاء حتى وجدتها، وهي الآن في منزلي، تنتظر أن تذهب إلى أحد المحامين في العاشرة والنصف، وذلك لإبطال الدعوى التي ربحتها ضدَّها، لتنال التعويض المناسب، وستذهب سواء أوصلتُ أنا أم لم أصل.
    أدهشها انقلاب حالته إلى الهدوء بغتة، وكأنه لم يغضب منذ لحظة واحدة، وهو يقول:
    _ حسنًا، لقد ربحتِ، سأوافق على استقالتكِ مقابل أن تُعِيدي إليَّ نصف ما أخذتِه مني، وسأدفع التعويض لزميلتكِ، اتصلي بها، أو اذهبي إليها لتعودي بالنقود.
    رقص قلب هدى فرحًا...
    ولكنها أسرعت إلى منزلها لتحضر النقود...
    وعادت بصحبة السكرتيرة السابقة وفاء...
    وهناك، وقعت هدى أولًا على الاستقالة مقابل تنازلها عن نصف ما أخذَتْه...
    ثم وقعت وفاء على أنها أخذت تعويضًا ماديًا جيدًا، بتاريخ طردها من العمل، مع إقرار منها بأنها هي التي تركت العمل، وبملء إرادتها...
    وخرجت هدى لتلحق بزوجها وابنها إلى المطار...
    أما وفاء، فذهبت لتبدأ عملها الجديد...
    ستكون مربية لمروان...
    براتب قدره ستة آلاف دولار سنويًا...
    وفي المطار، ربَّتَت هدى كتف طفلها بسعادة، وهي تقول لزوجها:
    _ صحيح أنني أخطأت بصفعي مروانًا وتجويعه، ولكن العجيب أنني كنت الرابحة، لم أتصور أن رجل الأعمال بهذا الغباء الشديد! كان بإمكانه أن يعهد بالعمل لمربية أخرى، ويرفض استقالتي كسكرتيرة، ولكنه غفل عن ذلك، لقد ربحتُ، وبجدارة.
    تمتم زوجها ساخرًا:
    _ نعم، هذا صحيح، ولكن بنصف المبلغ الذي...
    قاطعته بِحِدَّة:
    _ دفعت نصف ما تقاضيتُه لأبقى وابني إلى جوارك، أرأيت تضحية أكبر من هذه؟ أم أنك كنت تفضل أن أبقيه معي؟ أقصد الولد، والمبلغ قبل الولد، وتسافر أنت وحدك؟!
    أسرع زوجها يجيب متضايقًا:
    _ لا، إطلاقًا، لقد ربحتُ أنا في الحقيقة.
    وفي سِرِّه أضاف:
    _ بل كنت أفضِّل أن تعطيني المبلغ، وتواصلي العمل يا حمقاء!

    كان متضايقًا جدًا من تصرفها الأحمق هذا، ولم يكن يعرف كيف يتخلص منها، وقد سئمها وسئم تصرفاتها الخرقاء، وبدا واثقًا أنها ارتكبَت حماقة غير مسبوقة، حينما رفض مسؤول الجوازات ختم جوازها، وطلب إليها التوجه إلى مكتب الأمن، لأنهم يطلبونها!

    وبتوتر، سألها زوجها:
    _ ماذا فعلتِ؟
    أجابت وفاء مرتجفة:
    _ لم أفعل شيئًا!
    ولكن ضابط الأمن صرخ بها بتلك اللحظة:
    _ يا للذكاء! تتقدمين باستقالتكِ وتهربين إلى المطار؟ تتجاهلين البند الجزائي؟ تظنين أنكِ عبقرية! أليس كذلك؟
    صاحت وفاء كالمصعوقة:
    _ لقد وافق السيد علي، بل هو الذي اقترح...
    قاطعها الضابط ساخرًا:
    _ ما الذي اقترحه يا ترى؟ لقد رفض استقالتكِ، وحينما لم تداومي ظن أنكِ قد تسافرين لتهربي من العقد الذي بينكما، فاتصل بنا.

    كادت وفاء تعترض، لكن زوجها صرخ بوجهها بغضب:
    _ كنتِ تكذبين إذًا؟ أين ذهبتِ بال 11 ألف دولار؟ قلتِ إنه أخذها منكِ مقابل الاستقالة؟
    اتسعت عينا وفاء لهذه الكلمات، واحتقن وجهها غضبًا، وفتحت فمها لتجيب، لكن الصفعة الهائلة رنت على وجهها في اللحظة ذاتها، حتى شعرت بأن أسنانها تكسرت، ولم ينتظر زوجها لحظة إضافية، بل استدار مغادرًا، تاركًا امرأته وطفلهما، وهو يهتف:
    _ أنتِ طالق، طالق، طالق.
    وأسرع الخطا ليبتعد، وينجو بال 11 ألف دولار الأخرى، لتكون له معينًا في حياته الجديدة، لتخسر وفاء كل شيء، والغريب أن دموعها الحارة كانت تسيل، لا حزنًا على زوجها، ولا خوفًا من مستقبل مظلم ينتظرها في السجون، بل لأن صورة مروان ارتسمت أمامها، وعيناه تفيضان دمعًا، إثر صفعتها المدوية له، تذكرت بكاءه الأليم لشدة الجوع، وهي تضحك وتطعم طفلها أمام عينيه...
    وبدا لها ما يحصل لها عقابًا من الله تعالى لها، لما فعلته بهذا الطفل المسكين...
    ويبدو أنها قد استغرقت في هذه المشاهد الحزينة، حتى لم تشعر بالقيود الحديدية التي وضعتها إحدى الضابطات في يديها، بل وأخذت تسير مثل الآلة، شاردة عن الدنيا كلها، غافلة عن صراخ طفلها المرتعب، بعد أن خسر والديه معًا...

    أما وفاء، فكانت حنونًا بحق مع الطفل مروان، اعتنت به، وأطعمته، وهي تفكر في ما بينها وبين نفسها:
    _ آه! بعد عامين من التشرد تعود أيام العز! ستة آلاف دولار تعويض، وعمل كمربية لعام كامل مقابل مبلغ مماثل، وقد تقاضيت نصف المبلغ بالفعل، يا لها من صفقة! أنا الرابحة حتمًا!
    واحتضنت وفاء الطفل، تحاول أن تبثه الحنان، بعد أن علمت ما تعرض إليه من الأذى، وكانت تحنو عليه بمنتهى الصدق، لأنه طفل، لا لأجل أموال والده، بل إنها نسيت كل أيام التشرد والجوع الذي تسبب لها الأخير بها.

    وفي الوقت ذاته، كان السيد علي يقهقه ضاحكًا، وهو يحادث نفسه:
    _ يا للغباء!! هدى استقالت! وقعت الاستقالة أمامي! يا لها من مجنونة! هل وافقت لها استقالتها حتى تتصرف بهذه الحماقة؟ لقد استرجعتُ منها نصف ما دفعته لها، ظنت أنها انتصرت عليَّ بهذه السرعة! وزوجها الأحمق فَرَّ بما تبقى من المال حتمًا، لأنهم لم يجدوه مع وفاء، ولا يعلم أن رجال الشرطة سيكونون في انتظاره في مطار دبي! سيعود المبلغ بأكمله لي، وفوقها سأقبض الكثير، بدل البند الجزائي، يا لي من عبقري! وتلك البلهاء وفاء! كيف وقَّعت هذه الورقة؟
    ألم يخطر ببالها أن في الأمر مهزلة حقيقية؟ كل ما ستناله مني، هو جزء بسيط من راتب وفاء الذي استرجعتُه، لقد أمنت لولدي مربية ثلاث سنوات، وأمنت لنفسي سكرتيرة سنتين، وكل ذلك بالمجان! لا؛ بل إنني ربحت فوق ذلك أموالًا هائلة، ستفيدني حتمًا في أعمالي وصفقاتي التجارية، أنا الرابح الوحيد هنا، هاهاهاها...

    ***

    اكتمل العام...
    ووافقت وفاء على عقد جديد لعامين إضافيين...
    وبمبلغ مالي أقل...
    لم تعارض كثيرًا، بل لم تعارض إطلاقًا...
    تعلق قلبها بهذا الطفل المسكين...
    ثم فشلت محاولات والده لإقناعها بالتمديد أكثر...
    رغم أنها تحب ابنه فعلًا...
    لكن مروان الذي أتمَّ الخامسة من عمره أصبح لا يُطاق...
    ليس لأنه مشاغب...
    بل العكس...
    كان هادئًا جامدًا طوال الوقت...
    نادرًا ما يتكلم...
    لا يلعب إطلاقًا...
    ثم إنه لا يبالي بوجود وفاء من عدمه!
    يأكل بمفرده...
    ولا يحادثها إلا نادرًا...
    يرفض أن تربت رأسه أو تمسح شعره...
    وطبعًا لم يكن بحاجة إلى غسل ملابسه، لأن مصانع والده الجاهزة تلبي له حاجاته فورًا...
    وبعد أن يئس السيد علي تمامًا من إقناع وفاء بالاستمرار، صرفها، وهو يشعر في أعماقه أنه قد ربح ابنه...
    ابنه الصلب الذي لا يبالي بالانفعالات السخيفة...
    والذي سيخلفه في نشاطه كرجل أعمال متميز...
    يومًا ما.



    0 !غير مسموح

  9. #8

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)


    إن شاء الله نتابع الطباعة وتقديم الحلقات مساء اليوم
    بعد ما تم حل مشكلة النت عندي أخيرًا، بفضل الله

    0 !غير مسموح

  10. #9

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: الأب والابن... قصة اجتماعية، بقلمي (أ. عمر)


    للأسف!
    لا زلت لا أجد الدفتر الذي كنت قد كتبت عليه هذه القصة
    من بعد عملية (تنظيف) البيت، لذا أعتذر كثيرًا إليكم بسبب هذا التأخر

    0 !غير مسموح

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  الأنمي الياباني المترجمة إلى العربية، كما يشمل العديد من الأقسام المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS Google Plus YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
تفعيل البريد
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status