عروس البحر الزرقاء (بقلمي: الأستاذ عمر)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي عروس البحر الزرقاء (بقلمي: الأستاذ عمر)


    عروس البحر الزرقاء!

    على شاطئ البحر، تجلس تلك الفتاة، بفستانها الأزرق الذي يعلو ركبتيها بقليل، بينما يغطي ساقيها ذلك البنطال الأبيض الرقيق، لِيُزَيِّن فستانها، ويزيدها جمالًا على جمالها.

    تجلس الفتاة، لا تبالي باشتداد الهواء، ولا بقرب العاصفة، وكأني بها تتأمل البحر موطن الأسرار، وموئل الغموض، فأسراره وغموضه يتناغمان مع غموض الفتاة وأسرارها التي تحبسها في صدرها، وزبد البحر وتموج أمواجه يتجانسان مع لون بنطالها وفستانها، وتطاير شعرها مع لمسات الهواء التي تفتقر إلى الرقة، يأتي بمنظر يزيدها روعة وأنوثة، ولا يكفي أنها تمسك الفستان بيدها ليهدأ الأخير ويستسلم لتيار الهواء المتدفق، حتى أنك تسأل نفسك؛ إذ تنظر إليها من بعيد؛ ألا يغار البحر، أكان هادئًا أم غاضبًا، من جمالها وروعة فتنتها؟!

    وتشرد عينا الفتاة مع البحر، حركاته الهائجة تضفي عليها السكون الهادئ، ولكن المناظر الجميلة لا تستمر طويلًا، فها هي عروس البحر تنهض، بلونها الأزرق، ووجهها الأبيض الناضر، وشعرها الأسود الفاحم، أو أنها تحاول النهوض، ولكن صخور البحر تنهض من جمودها فتتحرك الصخرة بدلًا من الفتاة، لتنزلق الأخيرة وتسقط سقطة مدوية على الأحجار القاسية، وتسيل دماؤها، وترتفع صرختها الأليمة تفطر قلوب الحاضرين الثلاثة، أنا والبحر وهي!

    وهنا بدأ المطر يتساقط مرتين، مرة من السماء بعنف وصخب، يترافق ودوي الرعد، وأخرى من الفتاة، من عينيها، بهدوء أليم، دمع العجز عن النهوض، أكثر مما هو دمع الألم من هذه الوقعة المدوية.

    وأتقدم نحو عروس البحر الزرقاء، لأحملها بين ذراعيَّ،
    متخيلًا أنها طفلتي التي لم تَمُنَّ عليَّ بها الحياة، أحملها بين ذراعيَّ وأقرب رأسها من صدري، محاولًا منحها الأمان، وأن أُنْسِيَها الجراح، وتشتكي إليَّ العروس الزرقاء، تشتكي آلامها وجراحها، فأقول لها مبتسمًا إن ما مَرَّت به، لا يُعَدُّ شيئًا إطلاقًا، فيتجهم وجهها، وتشتكي مجددًا، لكنها تشتكيني أنا إلى نفسها، لأني لا أشعر بآلامها، ولا أبالي بجراحها.

    لا يا
    صغيرتي، لا يا حُبَّ قلبي، لا يا نبض فؤادي، لا يا معنى وجود حياتي، لكن غدر صخرة شواطئ البحور لتوقعكِ منها، وعطش رفيقاتها الصخور لشرب دمائكِ، لن يكون لكِ أكثر من ذكرى باسمة، تذكرينها بالحنين والأنين يومَ تغدر بكِ صخور الحياة، وأحجار إناث البشر وذكورهم، عندها ستجدين جراحكِ مؤلمة لاهبة، كاوية نازفة، وإن لم تَرَي الدماء معها، فجرح النفوس وتمزق القلوب، لا يعدل ألمه دماء الجسد بأكملها، يومًا ما يا عزيزتي، ستتذكرين كلماتي هذه، وتعجبين لم غضبتِ مني وقتها!

    وأحضن
    طفلتي بقوة، أضمها بعنف، أريد أن أحتوي آلامها الحالية، إلى أن تصبح لها ذكرى في ما بعد، وتستكين
    طفلتي، تَلُفُّ يديها حول عنقي، وتدفن رأسها في صدري، إلى أن أصل بها إلى مكانها الحقيقي، فأضعها برفق وحنان في سريرها، وتنظر هي إليَّ بامتنان، وأنظر إليها بألم وحزن، ثم أتهاوى راكعًا على ركبتيَّ أمامها، متمتمًا بكل الاحترام والتبجيل: مولاتي، لأمسك بيدها، وأقبِّلها قبلة طويلة، أبثها فيها؛ خلالها؛ كل الدموع والآلام التي انحبست في الوجدان سنين قاسيات داميات، كيف لا أقبِّل يدها وأحضنها، وهي طفلتي؟ كيف لا أفعل ذلك، وهي ربما تكون سبيلًا لي إلى جنان ربي؟

    وبعد أدائي هذا الواجب المقدس، يحين وقت الانصراف، فأنهض، وأنظر إلى عروس البحر التي نامت، وقد التأم جرحها، وزال ألمها، نظرة الوداع الأخيرة، وأنصرف! نعم، لقد انصرفتُ من أمامها، وتركت ساحرة قلبي، مع أنني لم أتحرك من مكاني خطوة واحدة!

    وهل يعني وداع الأحبة أن ننصرف عنهم؟ لو كان الأمر قليلًا لهان نزيف دم القلب قليلًا، لكن الأسى، كل الأسى، أن يكون وداعنا إياهم، ونحن في مكاننا، ننظر إليهم إذ ينصرفون عنا، لا يدركون جراحنا وآلامنا، بل ربما يدركونها ولكنْ... لا يبالون بها!

    (أ. عمر قزيحة: كتبتها بتاريخ 9_9_2018_ الساعة: 1:50 دقيقة ليلًا)

    1 !غير مسموح

  2. 2 أعضاء شكروا أ. عمر على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2
    الصورة الرمزية بوح القلم

    تاريخ التسجيل
    Apr 2014
    المـشـــاركــات
    3,196
    الــــدولــــــــة
    كندا
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: عروس البحر الزرقاء (بقلمي: الأستاذ عمر)


    أواه أواه لتلك الفتاة ما أحزن قصتها وما أشد أساها لقد فطرت قلبي واستجلبت دمع عيوني

    يا الله ما أجمل هذه السطور وما أبلغها لقد صاغت الموقف كأنه حقيقي وأثارت في القلب شجونًا وشجون

    شعرت وأنا أقرأ الكلمات كأنني أعيش الموقف وأضم بين ذراعيّ تلك الصغيرة، أو أقف عند سريرها وقفة الوداع الأخير

    الأ بارك الله أناملك وما سطرت لنا من جمال يخطف الأنفاس .. ممتنة لك جدًا

    1 !غير مسموح

    شكرًا بحجم الكون آل التصميم والإبداع
    .......................
    فإن أصبتُ فلا عجب ولا غرر .... وإن نقصتُ فإن الناس ما كملوا
    والكامل الله في ذات وفي صفة .... وناقص الذات لم يكمل له عملُ

  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    902
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: عروس البحر الزرقاء (بقلمي: الأستاذ عمر)


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بوح القلم مشاهدة المشاركة
    أواه أواه لتلك الفتاة ما أحزن قصتها وما أشد أساها لقد فطرت قلبي واستجلبت دمع عيوني

    يا الله ما أجمل هذه السطور وما أبلغها لقد صاغت الموقف كأنه حقيقي وأثارت في القلب شجونًا وشجون

    شعرت وأنا أقرأ الكلمات كأنني أعيش الموقف وأضم بين ذراعيّ تلك الصغيرة، أو أقف عند سريرها وقفة الوداع الأخير

    الأ بارك الله أناملك وما سطرت لنا من جمال يخطف الأنفاس .. ممتنة لك جدًا

    الحمد لله دومًا
    بارك الله بكِ أختي الكريمة وجزاكِ كل الخير

    0 !غير مسموح

  5. #4
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    4,952
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: عروس البحر الزرقاء (بقلمي: الأستاذ عمر)


    السلامـ عليكمـ ورحمة الله وبركاته~

    ما شاء الله تبارك الرحمن
    ماهذا الجمال المتساكب كشلالٍ متساقط
    روعة وإي روعة
    أعجبني تجسيد المشهد إعجابا
    ألا فليبارك ربي بك

    رزقك ربي ببنتٍ رائعة تَبرّ بك يارب
    جزيل الشكر لما إمتعتنا به
    ربي يوفقك لما يحب ويرضى
    في حفظ المولى،،
    ~

    0 !غير مسموح

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  الأنمي الياباني المترجمة إلى العربية، كما يشمل العديد من الأقسام المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS Google Plus YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
تفعيل البريد
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status