حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)



    حكايتي مع العوعو!

    أقدمها إليكم إن شاء الله تعالى

    في الغد مساء

    بعد دوام المدرسة

    حياكم الله جميعًا

    أ. عمر قزيحة
    9 _ 11_ 2018م.

    الحلقة الأولى
    الحلقة الثانية
    الحلقة الثالثة
    الحلقة الرابعة
    الحلقة الخامسة
    الحلقة السادسة
    الحلقة الأخيرة







    3 !غير مسموح

  2. 4 أعضاء شكروا أ. عمر على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحلقة الأولى


    الكلب، ذلك الكائن المخيف المرعب!
    لا أعرف حقيقة سبب إصرار نساء قريتنا _ سامحهن الله _ على أن يجعلن في ما بيننا وبين الكلاب عداوة كبيرة، منذ طفولتنا، فالكلب وفق آرائهن يهوى أن يعض الناس، وإذا ما عض الكلب أحدًا، فإن هذا المسكين يجب أن يتلقى إحدى وعشرين إبرة في بطنه، ولكنه؛ رغم ذلك سيصير (مُكْلِبًا)!
    وهذا المصطلح يعني أن المعضوض سيعيش باقي أيام حياته القليلة يحبو؛ في الشارع؛ على أربع، وينبح! وسينظر إليه الناس بإشفاق، ولكن ذلك لن يستمر طويلًا، فالمعضوض لا يعيش طويلًا، وقبل وفاته بثلاثة أيام سيهجم على الناس في الشوارع، وفي المحلات والدكاكين، ليعضهم! ومن يتلقى العض من هذا المعضوض يصبح (مُكْلِبًا) هو الآخر، ليتلقى بدوره إحدى وعشرين إبرة في بطنه، ويحبو _ في الشارع _ وينبح، وينظر إليه الناس بإشفاق، إلخ، أي بمسلسل رعب لا ينتهي عند حد، فالعض سينتشر بين الناس، إلى ما لا نهاية.
    لكنني، رغم أنني كنت طفلًا، لم أصدق هذا الكلام إطلاقًا، وذلك لأنني كنت أسأل بكل الشك، كيف يتلقى المعضوض من الكلب إحدى وعشرين إبرة، ولكنه ينبح ويعض ويموت سريعًا؟ ما نفع كل هذه الإبر في بطنه إذًا؟ أم أن هذه الإبر عقاب له لأنه سمح للكلب أن يعضه، وليست بعلاج؟!
    وتتسع الأعين استنكارًا لهذا السؤال، ثم تأتي محاولات التعليل التي تزيدني عنادًا ضد التصديق، فهذه الإبر (ربما) تساعد المعضوض كي لا يعض الناس، لكنه سيحبو على الأربع في الشارع، وسينبح لا محالة، وسيموت سريعًا، وإذ أتساءل هنا لماذا الإصرار على أنه سيحبو على الأربع (في الشارع) تحديدًا؟ هل يمشي في بيته على قدميه، ولا يحلو له إلا أن يحبو في الشارع؟ أم أنه يحبو في البيت كذلك؟ وفي هذه الحالة كيف يفتح باب البيت؟ أم أن حالة (الكلبنة) هذه تسمح له بالوثوب من شرفة المنزل مثلًا، لينزل على الأربع يحبو وينبح؟ وترتفع أصوات الاستنكار هنا، وأنني لن أصدق ماذا سيحصل إلى أن يعضني الكلب (إن شاء الله)، وحينها أصدق، فأهتف بالمرأة العجوز مستنكرًا (لا سمح الله) وليس (إن شاء الله)!
    على أنني على عدم تصديقي كل هذه الأعراض المخيفة التي سيتعرض إليها من يعضه الكلب، لم أكن مستعدًا، طبعًا، للمرور بهذه التجربة، فأسنان الكلب حادة مخيفة، ومن المؤكد أن عضته ستسبب أذى فادحًا ليس بالهين، فكنت أتفادى الكلاب طبعًا، وبكل تأكيد، على أنني لم أكن قد اكتسبت ذلك الخوف الكبير منها بعد، بل كنت أرى أن في يدي سلاحًا كبيرًا في وجه أي كلب أراه، وهو ألا أفعل شيئًا أبدًا!
    ولا تستغربوا ذلك، فلقد سمعنا من بعض أساتذتنا أن الكلب يركض تلقائيًا خلف أي شخص يركض، فإذا أدركه قام بعضه، عقابًا له لأنه كان يركض أمامه! أما من يبقى واقفًا فإن الكلب لا يقترب منه إطلاقًا، وإذ يسألهم بعض رفاقنا هل من الصحيح أن من يعضه الكلب، يتلقى إحدى وعشرين إبرة ويصبح مثل الكلب يحبو وينبح ويعض، كان الرد أنكم لن تعرفوا ذلك إلا بالتجربة إن أحببتم!
    حتى الآن الأمور على حالها، أنا وعالم الكلاب في حالة سلام، لا نصطدم ببعضنا نهائيًا، لا أصدق أن من يعضه الكلب سيصبح كلبًا هو الآخر، لكني لست مستعدًا للتجربة، بل لا أعلم من هذا الذي يحب المرور بهذه التجربة السعيدة، إلى أن حان ذلك اليوم...
    كنت خارج بناية أهلي، وهناك طلعة صغيرة، لا تستغرق منا سوى ربع دقيقة تقريبًا لنصل إلى أعلاها حيث (الأوتوستراد)، وكنا نسميه كذلك، ولا نرى له اسمًا آخر، رغم أنه كان أرضًا ترابية متسعة الحجم بشكل غريب، وتصلح للعب كرة القدم، ولمرور بعض السيارات، ولمن يريد التنزه، وأحيانًا كنا نرى شخصًا ما يعبرها وخلفه قطيع من الأبقار، أي أنها كانت تصلح لكل شيء تقريبًا، على أنها كانت، تقريبًا، خالية ذلك اليوم، إلا من ولد يكبرني سنًا، ولد أحمق بكل ما في الكلمة من معنى، كان متجهًا نحوي يحيط به ثلاثة من الكلاب...
    وفجأة، من دون مقدمات...
    هتف الولد بكلابه، مشيرًا إليَّ: (هيا، أحضروه)!
    وانطلقت الكلاب نحوي، بسرعة فائقة...
    وكانت المواجهة الأولى في ما بيني وبين الكلاب...
    في ما بيني وبين عالم الرعب.

    تابعونا
    (10 _ 11 _ 2018: الساعة: 23:04 ليلًا)


    3 !غير مسموح

  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    الحلقة الثانية

    انطلقت الكلاب نحوي، وأنا لا أكاد أصدق ما يحصل!
    لم أتخيل أن الحماقة يمكن أن تبلغ هذا المبلغ في رأس أحد!
    ومن دون أن أنتظر لحظة واحدة أخذت أجري بأقصى سرعتي، لعلي ألحق الدخول من بناية أهلي لأقطع مسافة بسيطة، ثم أصعد الدرج، ولا أظن أن الكلاب تستطيع صعود الدرج بأي حال من الأحوال.
    غير أن هذه الأمنية كانت مستحيلة تمامًا، فسرعة الكلاب لا يُستهان بها، وأنا أشعر بأنيابها تكاد تمزق ساقي، ولم يكن أمامي سوى حل واحد، رغم أنه لم يكن مضمونًا بالنسبة إليَّ، لكنما الغريق يتعلق بقشة كما يقولون.
    إنه الحائط متوسط الارتفاع الذي يفصل حديقة بيت أهلي عن الطريق العام، وهذا الحائط كنت أتسلقه ببعض الصعوبة من قبل، ونادرًا ما أنجح في تسلقه من المرة الأولى.
    شعرت هنا أنني أمام اختبار رهيب، فإما أن أنجح به، وإما أن تنالني أنياب الكلاب المخيفة، ووجدت نفسي أثب نحو الحائط حتى أكاد أرتطم به ارتطامًا، متجاهلًا الآلام الحادة التي انبعثت في صدري، ويدي تمسك بحافة الحائط في أعلاها بصعوبة، قبل أن أرتفع بجسمي كله، متشبثًا بيدي الثانية، لأنتقل من الحائط إلى شجرة قريبة، متجاهلًا وخزات أغصانها الحادة، قبل أن أستطيع الاستقرار على الشجرة، وقلبي يخفق بعنف شديد، والمرئيات تكاد تتلاشى أمامي من هذا العدو الرهيب الذي وجدتُ نفسي مجبرًا عليه بغتة، من دون مقدمات، والدم يملأ كف يدي اليمنى، وأعلى ذراعي اليسرى، والكلاب تنبح بجنون لإفلات فريستها _ أنا ولا فخر _ من بين أنيابها!
    وبكل برود، وقلة أدب وفهم، اتجه صاحبها نحوها يزجرها ويأمرها بالهدوء، ثم ينظر إليَّ مقهقهًا كالمجانين، هاتفًا بي من بين ضحكاته:
    _ هل صدقتَ؟ أنا أرسل كلابي خلفك؟ كنت أمزح معك، كنت أمزااااااح هيهاااااااااا
    ورغم أنني نشأت في بيت يلتزم الآداب والأخلاق بشكل كبير، ولم نسمع كلمة جارحة واحدة من قبل قط، كما أننا لم نلفظ كلمة جارحة واحدة كذلك، وجدت نفسي أصرخ في وجهه، ملحقًا به كل صفات النجاسات البشرية، والفضلات الحيوانية، على حدٍّ سواء!
    واحتقن وجهه، كأنه هو المظلوم هنا، ليصرخ بدوره مهددًا إياي بأنه يأتي إلى منطقتنا كثيرًا، وسيطلق كلابه خلفي كلما رآني، لأهتف به مخبرًا إياه أنه ينتمي إلى فصائل غير حيوانية حتى، إذ إن رأسه لا يساوي قفا كلب أجرب، وأنني سأنادي عمي الآن، ليطلق النار على رؤوس كلابه جميعًا، ثم ينهال عليه ببندقية الصيد، جزاء الدم الذي يملأ يدي وذراعي، وإذ سمع هذا التهديد، انصرف متمتمًا بالشتائم، وأنا أرفع صوتي خلفه مذكرًا إياه بأنه أتى حتمًا من بقايا معدة إحدى الكلاب!

    نزلت من مخبئي، وما كدت أصل إلى الأرض، حتى دار رأسي كأنني قد بذلت جهدًا خارقًا في عملية النزول، حاولت التماسك لكن الدوار كان شديدًا، والرعب لا يزال يملأ نفسي الصغيرة لما مررتُ به من ثوانٍ قاتلة... عجزت ساقاي عن حملي، فانهرتُ على ركبتيَّ رغمًا عني، ثم لم أعد أشعر بشيء بعدها على الإطلاق مدة لا بأس بها، وقطعًا لم أعرف أنني فقدت الوعي لحظتها، إلا أنني علمت ذلك حينما أحسست بحرارة الشمس الحادة، وفتحت عينيَّ لأجد نفسي متمددًا على وجهي على الحشائش، نهضت ببطء وألم، لأصعد إلى البيت، وأخذ والدي يطهر لي جراحي، ولا أعلم لم بقيت صامتًا آنذاك، ولم أحكِ هذه القصة لأحد! ربما _ أقول ربما _ لأن أسطورة من يتعرض إلى عض الكلاب ستلاحقني وقتها، رغم أن الكلاب لم تعضني، لكن ربما كان هناك أسطورة ثانية لمن تطارده الكلاب، حتى لو تلمس من عظامه شيئًا! وأيًا كان السبب، لقد بقيتُ وقتها صامتًا لا أجيب عن أسئلة إخوتي، ولا أبالي بخوف أمي (رحمها الله) لما أصابني، لا أبالي ظاهريًا، أما ما في باطني من حبها والخوف عليها أن تدمع عينها، فلا يعلم به سوى الله عز وجل فحسب.

    لقد وضعت هذه الحكاية بصمة تعيسة جدًا في نظرتي إلى الكلاب، وشعرتُ من بعدها أن قلبي يخفق بعنف خوفًا إذ أسمع صوت النباح، مهما كان بعيدًا!

    غير أن الأيام تمضي، والجراح يمكن لها أن تندمل ولو قليلًا، لولا أننا إذ كنا نلعب يومًا ما مساءً، أنا وإخوتي وأولاد أعمامي وعماتي في البناية، فوجئنا بكلب يندفع نحو مدخلها نابحًا بصوت أثار الرعب في القلوب، انطلقنا نجري، لكن الكلب _ لسبب ما _ لم يلحق بنا! ترى هل شعر بفرحة الانتصار، ولم يَعُدْ يبالي بالمزيد، أم ماذا بالضبط؟

    عدنا لنلعب بعد انصراف الكلب، لكنه فاجأنا باندفاعه مجددًا، وهو ينبح، ومرة أخرى نركض لنتفرق بعيدًا عنه، ومرة أخرى لا يلحق بنا! لكن من بقي يلعب، كان عددهم أقل ممن صعدوا إلى بيوتهم! ومن المؤكد أنني كنت من الطرف الثاني وقتها! لا أشعر أنني مستعد لأية مواجهة أخرى مع الكلاب، أيًا كان نوعها، وبالتالي لن أبقى حينما يأتي أي كلب، بمجرد أن أراه من بعيد سأنصرف في دربي بأمان، ولكنْ...
    لقد كنت واهمًا في هذا!
    فالأولاد شعروا بأن الكلب جبان! واستعدوا له بالحجارة، وإذ أتى مرة أخرى قذفوه بها، فانطلق لا يلوي على شيء، ولكنه _ ويا للعجب _ عاد! ويبدو أنه كان كلبًا أحمق لا يتربَّى بأخطائه! كل مرة يُقذَف بالحجارة، ثم يرجع، يومًا تلو الآخر، حتى شعرنا أن الأمر ليس طبيعيًا، وأن هذا الكلب لا يمكن أن يكون مؤذيًا لنا، ولكن...
    دنا مني أحد الأولاد من أقاربنا، هامسًا:
    _ أشعر بأن هذا الكلب... وراءه سر كبير!
    لفظ كلمة (كبير) بمد الياء قليلًا، ملوحًا بيديه، دلالة على اهتمامه وتأكيده هذا الاعتقاد، فأجبته ساخرًا منه:
    _ بالتأكيد! لا شك أنه يخفي في حنجرته خريطة الكنز، وليس عليك إلا أن تمد يدك في فمه لانتزاعها من هناك!
    صرخ بي غاضبًا:
    _ هل تسخر مني؟
    أجبته بكل السخرية:
    _ أعوذ بالله! لكن أي سر تعتقد أنه يخفيه؟ إما أنه يأتي إلى هنا لأنه يحبك ويريد أن يراك كل يوم قبل أن ينام، ويغني لك (يللا ينام، هالبوبو، يللا ينام، لأدبح له طير الحمام)، وإما أنه جائع، فأيهما تختار؟
    فوجئت بأعين أقاربي كلها تحدق بي، ثم هتاف مشترك كاد يدوي في عقلي نفسه لقوته:
    _ صحيح!
    ما شاء الله حولي! لم أكن أعلم مدى ذكائي وعبقريتي قبل ذلك! لقد فهم الأولاد جميعًا أن الكلب جائع، ولم يكذبوا خبرًا، أسرع بعضهم إلى بيوتهم ليعودوا ببعض الطعام، ويلقوا به إلى الكلب، ولقد انقض الأخير على الطعام كالوحوش الثائرة، يلتهمه في ضراوة، كأنما لم يأكل من شهر مثلًا!

    وما سمعناه من صفة الوفاء عند الكلاب، كان صحيحًا...
    لقد لازم الكلب بنايتنا، ليحرس البوابة الداخلية مستلقيًا قرب درجاتها، وويل لأي غريب يأتي، يثب الكلب أمامه نابحًا في عنف، إلى أن يصرخ به أحد أهالي البناية، عندها يسكت، ويبتعد، ليمر الغريب بأمان، وبدا لي أن رعبي المرضي من الكلاب قد اقترب من الزوال، ولكن امرأة عجوز أعادت إليَّ هذا الرعب أضعافًا مضاعفة...
    رغم أنني لا أعرفها ولا تعرفني، ولم أكلمها ولم تكلمني!
    وكل ما في الأمر أنها كانت قادمة مع زميلات لها لزيارة جدتي (رحمها الله)...
    ثم حدث ما لا يستطيع العقل أن يصدقه بسهولة...
    على الإطلاق!

    تابعوا معنا
    11_ 11_ 2018م الساعة: 9:05 ليلًا
    (الكاتب: أ. عمر قزيحة)




    2 !غير مسموح

  5. #4

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    الحلقة الثالثة

    ما حدث؛ آنذاك؛ كان يتخطى حدود المنطق فعلًا، وإن أثار فينا الضحك بشكل كبير!
    كان الكلب، كعادته، مرابضًا قرب درج البناية، وويل لأي غريب يتقدم محاولًا الدخول، ولكن، ليس دائمًا، فالكلب كان يتمتع بـ(التنبلة) أحيانًا، فيغفو معظم وقته، لِيَمُرَّ به من يَمُرُّ، من دون أن يشعر الكلب بالدنيا بما فيها!
    وإذ كان الكلب نائمًا في وضح النهار، توقف جمع النساء أمامه، لتهتف إحداهن بانبهار:
    _ ما أجمل ممسحة الأحذية هذه!

    نظرنا إلى بعضنا، ثم في الهواء، ثم في الأرض، نبحث عن هذه الممسحة الوهمية، ثم خفقت القلوب انبهارًا لما يحصل، خوفًا على المرأة المسكينة مما سيحصل...
    فلقد رفعت ساقها وأولجتها في رقبة الكلب بعنف لتفركها من دون شفقة، محاولة مسح حذائها برقبة الكلب الذي تحول، بنظرها، ممسحة أحذية!
    وهَبَّ الأخير نابحًا برعب شديد قبل أن يهرب بسرعة فائقة من تلك المقصلة ذات الكعب العالي التي تكاد (تفك رقبته) من موضعها!!
    والحمد لله أن إحدى رفيقات هذه المرأة التي ظنت الكلب ممسحة أحذية، كانت خلفها فأمسكت بها في اللحظة المناسبة قبل أن تسقط على ظهرها.
    والحمد لله أن الشهقة التي صدرت من فم المسكينة، أو من أعماقها، لم تذهب كذلك بروحها!
    ولكن، لا زلت من وقتها، وإلى الآن، لا زلت من حوالي ثلاثين عامًا لم أستطع أن أفك غموض هذا اللغز... ما الرابط بين الكلب وممسحة الأحذية؟؟
    أم أن تلك المرأة قد أتت بما لم يأتِ به الأولون ولا الآخرون!!

    غير أن وثبة الكلب هذه، ونباحه الرهيب، أعادا إلى ذهني، رغم الضحك، مشهد الكلاب التي كانت تركض خلفي، وتكاد تنال مني، وأحسست بمشاعر الخوف من الكلاب تتجدد في نفسي مرة أخرى، ولكنها لم تَعُدْ بتلك القوة كما كانت سابقًا.

    غير أن أحد الأولاد في البناية قرر إجراء تجربة (علمية) فريدة من نوعها!

    فلقد أثار انتباهه وفضوله، وجود قط ينام تحت إحدى الشجرات، على مسافة قريبة من مدخل البناية حيث يجلس الكلب، ترى ألا تخاف القطط من الكلاب كما كنا نسمع دائمًا؟
    وبكل الفضول، اقترب الولد من القط النائم، لينفِّذ ما كان يفكر به، فكان أن انحنى بهدوء شديد فوق القط، محاذرًا إيقاظه قبل اكتمال التجربة، ليصرخ في أذن هذا المسكين بأعلى صوته:
    _ عَوْ... عَوْ... عَوْ!
    فلقد أحب الولد أن يعرف هل تخاف القطط الخوف الفجائي، مثل الأطفال، أم لا!
    وكانت الإجابة عملية وقاسية! صرخ القط المسكين (ميااااااو)، وهو (يطير) في الهواء بغتة، لشدة الرعب، ما أوقع
    الولد على ظهره من خوفه من هذه الحركة الفجائية!
    ولكم دعا
    الولد كثيرًا بعدها أن يغفر الله له ما تسبب به لهذا القط من الرعب، لكنه لم يكن يتخيل أن ذلك سيحصل، وإلا لما قام به طبعًا، ولقد شكر الولد ربه كثيرًا، إذ إن القط لم يقفز على وجهه، أو يقتلع عينيه، وقفز بالاتجاه المعاكس، والحمد لله تعالى.
    (ملحوظة: أول حرف من اسم هذا الولد، حرف العين! لا تخبروا أحدًا)!

    ولم تتوقف الأمور بنا هنا، بل صرنا نسمع نباح الكلاب المخيف كل ليلة، يكاد يمنعنا النوم، معيدًا إلى ذهني، مشهد المطاردة الرهيب، ولا أعرف السبب، فحين طاردتني تلك الكلاب لم تنبح، لكني رغم ذلك أتذكر مطاردتها مع رؤيتي أي كلب أو سماعي صوته!

    أما الكلب الذي كان وفيًا لنا، فقد انتهى سريعًا، لأفشل في الخلاص من فوبيا الكلاب.
    كنت أريد أن أحاول جاهدًا التقرب إليه، لعلي أرى الكلاب حيوانات أليفة، وينتهي خوفي تجاهها، ولكنْ... سمعنا أن هناك من رأى جثة الكلب خارج بنايتنا، وقد قتله أحدهم بالرصاص، ثم سمعنا أن الكلب أصيب بالجرب، لأجل هذا تم استدراجه خارج البناية وقتله، كي لا يتسبب بهذا المرض لأولاد البناية، غير أنني لم أعرف الحقيقة فعليًا حتى الآن!

    ومضت الأيام وربما السنون القليلة، وبدأ الخوف يتجلى بأنيابه، فرغم أننا كنا في شبه قرية، إلا أن الحيوانات الداجنة لدينا كانت الدجاج والأرانب، ولم نكن نرى قطعان الخراف داخل قريتنا، إلى أن سكنها بعض الأعراب، الذين أتوا ومعهم حيواناتهم الأليفة هذه، من الخراف والأبقار، و... الكلاب!

    وهكذا كنا في طريق الرجوع من المدرسة، نرى أحيانًا أمامنا قطيعًا من الخراف، وحوله كلب مفترس، لنبطئ السير بقدر الإمكان ونمنحه فرصة الابتعاد، أما إن كان قادمًا من خلفنا، فكنا نركض ونركض، لا نتوقف حتى نصل إلى البيت.

    تدريجيًا أحسست بأن الكلاب باتت العدو الأول لي في العالم، وفعليًا لم أكن أخشى شيئًا سواها، فقد كنا في حالة من عدم الاستقرار الأمني، وكثيرًا ما كانت أصوات الرصاص تدوي ليلًا، لنغادر أسِرَّتنا ونتجمع في غرفة الجلوس بعيدًا عن النوافذ، ولكني كنت لا أبالي بهذا، بل أتابع نومي بهدوء، ولا أغادر غرفة النوم إلا بناء على (أمر) واضح صريح من الوالد أو الوالدة... أما الكلاب، فوضعها أسوأ من الرصاص ومن المدافع على حدٍ سواء.

    وذلك اليوم، أدركت أنني لم أر من الكلاب شيئًا بعد!
    كنا في مدخل بنايتنا، أنا وأخي وكثيرًا من الأولاد (الصبيان والبنات)، وإذ بقطيع الخراف الذي كنت أراه في انصرافي من المدرسة، يَمُرُّ قرب بنايتنا، ومعه الراعي، وذلك الكلب المخيف...
    وبسماجة شديدة، وغباء لا يُصَدَّق، صاح أحد الأولاد بالكلب:
    _ هُشْتْ، هُشْتْ، تَعْ بوبي تَعْ!

    وإذ بالكلب يقتحم مدخل بنايتنا كالعاصفة، منقضًا علينا، وأنيابه مع نباحه تبدو بارزة إلى حد مخيف...
    حد الموت!

    تابعوا معنا

    (أ. عمر: 16 _ 11 _ 2018: الساعة: 00:12 ليلًا)

    2 !غير مسموح

  6. #5

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    الحلقة الرابعة

    انقض الكلب علينا كأنه الموت من عالم الغيب قد أتانا!
    تفرَّقنا يمينًا ويسارًا بمنتهى الرعب، لكن الكلب تابع طريقه نحو ذلك الأحمق الذي ناداه بـ(هُشْتْ هُشْتْ) و(تَعْ بوبي تَعْ)!
    وبات واضحًا لدينا أن هذا الولد سيتعرض إلى عضة لن ينساها في حياته أبدًا، لولا أخي!
    برز أخي فجأة مثل بطل خيالي ليحول بين هذا الولد، وهو ابن عمتي بالمناسبة، هاتفًا بدوره بالكلب: (هُشْتْ هُشْتْ) ليتحول هدف الكلب من ابن عمتي إلى أخي...
    وببطولة نظرنا إليها جميعنا في انبهار، انطلق أخي أمام الكلب ليغادر البناية، مارًا أمام الراعي الذي كان واقفًا يتفرج بمنتهى الغباء، من دون أن يفكر في التدخل ولو لحظة!
    ولم تستمر المطاردة المثيرة طويلًا وقتها، فلقد وثب أخي نحو الحائط الذي أنقذت نفسي بتسلقه من أنياب الكلاب من سنوات، ليرجع إلى حديقة البناية ويتجه صوبنا، غير أن الكلب كان (ذكيًا) في ما يبدو، فعاد إلى مدخل بنايتنا، كأنه يخوض معركة حقيقية، لا يريد الخروج منها ما لم يعض أحدًا!
    ولا أذكر تمامًا لماذا نهر الراعي كلبه هنا! أذكر أنه قد فعل ذلك، لكني لا أذكر هل خرج أعمامي، أو بعضهم، إلى شرفات منازلهم مع صراخ الأولاد، وأشار أحدهم إلى الراعي بالانصراف، أم أن (الحنان) و(الأدب) و(الذوق) قد اجتمعت كلها في رأس الراعي فجأة، ليقرر إنهاء هذه المطاردة الحمقاء؟!
    على أن مشاكلي مع الكلاب لم تنتهِ بعد، بل إن مشاكلي مع هذا الكلب تحديدًا لم تنتِه بعد!
    ذلك اليوم كنت عائدًا من المدرسة إلى البيت وحدي، ربما لغياب أخي، أو لأن صفه قد انصرف قبل صفنا، لا أذكر حقيقة، إذ إننا كنا نرجع سويًا في المعتاد، ولكن...
    بدا لي على مسافة قريبة مني، من خلفي، القطيع نفسه، والكلب المخيف نفسه، والراعي الأحمق الأبله نفسه!
    أخذت أركض بخوف، والراعي يناديني بكلمات لا أفهمها، ثم حملت حجرًا رأيته أمامي، بل إنني حملت صخرة لو شئنا الدقة، قد يبلغ حجمها نصف حجمي أنا شخصيًا، وبلغني الراعي وهو يضحك، مؤكدًا أن كلبه إنسان مسالم! لأهتف به مستنكرًا: (إنسان)؟ ويؤكد لي الراعي هذه المعلومة! (نعم! كلبي "إنسان" مسالم)!
    لكني لم أستطع أن أصدقه طبعًا، وكيف أصدقه، وهو لا يعرف أن الكلب حيوان لا إنسان؟ ولكن، بفضل الله تعالى مَرَّ الراعي والقطيع والكلب بجواري، من دون أن يقترب الكلب مني إطلاقًا، ولا أظنه كان خائفًا، وهو كلب حراسة، من الحجر الكبير الذي أحمله في يدي!
    ورغم هذا التصرف (الحضاري) من الكلب، إلا أنني لم أتابع طريقي إلى البيت، إلا بعد اختفائهم تمامًا من أمام عيني!
    غير أنني كدتُ أفقد خوف الكلاب المرضي هذا، بفضل المبادئ التي تربينا فيها من طفولتنا، وأكثرها أهمية الأمانة، إذ إنني، بعد مدة، كنت راجعًا إلى البيت وحدي، وإذ بالقطيع والراعي والكلب، لكن أمامي هذه المرة، ما دفع بي إلى التساؤل المستنكر في ما بيني وبين نفسي، عن سبب ظهور هذا الكابوس لي كل مرة يكون أخي متغيبًا فيها عن الرجوع معي!
    أبطأت في سيري، ولعلي توقفت تمامًا، حتى يغيبوا عن وجهي تمامًا، ولكن... سقط من جيب الراعي شيء ما، فأسرعت هنا لأرى ما قد أضاع، وإذ به قلم رصاص كبير الحجم، على نحو لم نكن، كتلاميذ، قد رأينا له مثيلًا من قبل.
    وبِغَضِّ النظر ما هي قيمة قلم الرصاص، إلا أن هذا القلم (حق) وجب أن يرجع إلى أصحابه، فحملته وأخذت أسرع به مناديًا الراعي، وأنا لا أعرف اسمه، ويبدو أن الأخير انتبه أخيرًا إلى مناداتي إياه، وإلى أنني أكاد أفقد أنفاسي إذ أحاول اللحاق به، رغم أنني أركض وهو يمشي!
    وبشهامة حقيقية، استوقف الراعي القطيع بأكمله، وجعل الكلب يبتعد إلى الوراء، ولا أعرف كيف فعل هذا، ببضع أصوات سريعة، وانتظر حتى تجاوزتهم بمسافة طويلة، قبل أن يتحرك بقطيعه ببطء شديد، ولا أدري كيف بدا لي كلبه المخيف إنسانًا مسالِمًا... أقصد حيوانًا مسالِمًا!
    غير أن الأيام الحلوة لا تستمر كثيرًا، فلم يمضِ على ذلك وقت طويل، إلا والرعب يتجدد مرة أخرى، فنحن في مدخل البناية، والراعي يمر بقطيعه في طلعة البناية، وإذ بكلبه ينبح وينقض علينا كالصاعقة، لنبدأ بالركض يمينًا ويسارًا، كيفما اتفق، طالبين النجاة بأرواحنا...
    اخترت طريقًا لي غير طريق أقاربي، فهم _ جميعًا _ اتجهوا نحو البناية، والتي تحتوي طابقًا أرضيًا لم يتمَّ بناؤه بعد، ليركضوا هناك بين الأعمدة، لعلهم يبلغون نهاية هذا الطابق، والذي يتجاوز مساحة بيتين معًا، ليجدوا أنفسهم في الحديقة الخلفية...
    أما أنا، فاختصرت المسافة لأتجه عن يميني نحو الأشجار القريبة في الحديقة الأمامية، لعلي أتسلق إحداها وأرتاح من ركض لا أطيقه قطعًا، لما أعانيه من ضيق التنفس، ولكن...
    يا ربي!
    الكلب اختارني هدفًا له هذه المرة، وها هو يكاد يبلغني...
    لسانه يتدلى خارج فمه، وأسنانه تبدو كأنها تستعد لتناول وجبة شهية!
    وكان الرعب شديدًا بحق، ناديت باسم أخي، لعله ينقذني كما أنقذ ابن عمتي من قبل، ولكن للأسف لم يكن أخي موجودًا، وبالتأكيد لن (يُسْحَرَ) بغتة هكذا أمامي!
    بَدَتْ لي الأشجار بعيدة جدًا، وتعثرت بقوة لأقع أرضًا على وجهي، وأنا أرى بعين الخيال، وعين الواقع معًا، الكلب ينقض عليَّ تلك الانقضاضة الأخيرة...
    والرهيبة!

    تابعوا معنا

    (أ. عمر قزيحة: 20/11/2018: الساعة: 21:43 ليلًا)





    2 !غير مسموح

  7. #6

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    الحلقة الخامسة

    كانت الأشجار ملجأ لي وأمانًا، لكني لم أصل إليها، بل تعثرت لأقع وقعة قاسية، وأنا أشعر بحركة الكلب الفائقة خلفي، وتوقعت أن تنغرس أنيابه في ظهري، وارتجفت رغمًا عني، ولا أظن أن الارتجافة كانت لألم الوقوع، ولا للدماء الناجمة عن ذلك، ولكن...
    ارتفع فجأة صوت صراخ حاد، وبدا كأن أناسًا يملؤهم الغضب يتكلمون معًا، وشعرت بمن يساعدني على النهوض من أولاد أقاربنا، لأرى؛ بعد ما نهضت؛ بعض أعمامي وزوج عمتي يصرخون في وجه صاحب القطيع، منذرين إياه بكسر قدميه إذا ما رأوه مرة أخرى قرب بنايتنا، وذلك لتكرار سماحه لكلبه بالهجوم على أولادهم، وكان حضرته يسوغ فعاله الغبية هذه بأن كلبه (مسالم)، ويريد أن (يلعب) مع الأولاد، ورغم أنني لست خبيرًا بطبائع الكلاب، إلا أن كلامه كان كذبًا واضحًا، فلا أعتقد إطلاقًا أن كلب الحراسة (يحب الأولاد) لدرجة أن يهجم عليهم ليلعب معهم!
    وبكل الأحوال لم يقتنع أعمامي بهذه المسوغات الحمقاء، وظلوا على رأيهم، وبكل حزم، وكانت النتيجة أن الأخ انصرف مع قطيعه وكلبه، وإن كنت لا أعرف كيف توقف الكلب عن مطاردتي تمامًا، ولكن ربما صرخ فيه صاحبه ليرجع، بعد أن أحاط به أعمامي، إلا إن كان هذا الكلب (المسالم) يتميز بقلب (حنون)، فأخذ يبكي حزنًا لما أصابني من الجراح إذ سقطت أرضًا!
    وكان هذا فصل الختام مع هذا الأحمق، لم نَعُدْ نراه قرب مدخل بنايتنا إطلاقًا، والفضل لله تعالى، وإن كان أحيانًا يَمُرُّ بقطيعه على الطريق العام (الأوتوستراد) فوق بنايتنا بأمتار قليلة، لكنه لم يفكر مرة واحدة بأن ينزل في نزلة البناية، لا هو ولا كلبه المسعور هذا، والحمد لله!
    تركت لي هذه الحادثة خوفًا شديدًا، لم أعد أستطيع رؤية أي كلب ولو من بعيد، ورغم مرور سنوات لم أر فيها كلبًا من مسافة قريبة، إلا أنني بمجرد أن ألمح كلبًا قادمًا من بعيد، أسرع في مشيتي بقدر المستطاع، لأنني لا أهوى المرور بتجربة مطاردة أخرى.
    ولكن، ليس كل ما يتمنى المرء يدركه للأسف، فلقد كان مقدرًا لي المرور بتجربة فظيعة فعلًا، شعرت معها أنني على وشك الإصابة بنوبة قلبية، وتقطعت أنفاسي عن آخرها.
    كنت آنذاك قبل الثالثة عشرة من السن، وقد فوجئنا مفاجأة مزعجة فعلًا لنا، أن يستثمر أحد الأشخاص الحقل الكبير المجاور لبنايتنا، ليبني أعلاه ما يشبه مزرعة للخيول، مطلقًا كلابه المخيفة في الحقل، حتى أن الذهاب إلى المدرسة، والرجوع منها، كانا كابوسًا حقيقيًا، بل أتذكر مرة أن والدتي _ رحمها الله _ أرسلتني إلى بعض المحلات القريبة لأشتري شيئًا ما، لكن بنهاية النزلة فوجئت بعدد كبير من هذه الكلاب متجهًا نحوي، فأخذت بالركض راجعًا من حيث أتيت، متجاهلًا نداء ابن صاحب المزرعة، أن كلابه مسالمة.
    أتمنى أن أجد شخصًا واحدًا في هذه الدنيا لا يعتبر كلابه مسالمة! لكن، سواء أكان صادقًا في هذا الكلام أم لم يكن، فإن هذا لا يعنيني! لست مستعدًا، على الإطلاق، لمواجهة هذه الكلاب أو المرور بجوارها لأتأكد هل هي مسالمة أم أنها ستعضني مثلًا!
    ويومًا ما، بعد انتهاء دوام المدرسة ببعض الوقت، وكنت قد أنهيت جزءًا لا بأس به من واجباتي المدرسية، واليوم التالي عطلة، لكن لا أذكر هل كنا يوم الخميس أم يوم السبت، لكن أذكر أن اليوم التالي كان يوم عطلة، وإلا لما تمكنت من الخروج من المنزل، بعد العصر، وقد أتاني اثنان من زملائي في الصف، وذلك لأن واجباتنا الدراسية كانت مرهقة مزعجة على الدوام، ولم نكن نخرج إلى النزهة ما لم نقم بإنهائها بالكامل، وما كنا لننهيها إلا بعد المغرب، وربما بعد العشاء!
    إذًا، جاء هذان الأحمقان _ وسنعرف بعد قليل لم أصفهما بهذا الوصف _ وأخذا يناديني، خرجت إليهما من الشرفة، مرحبًا بهما، طالبًا إليهما أن يتفضلا بالصعود، فكانت الإجابة أنهما لو أرادا ذلك لما خرج أحدهما من بيته! هما يريدان النزهة لا الجلوس في البيت! نزلت إليهما وذهبنا نتمشى، صعدنا إلى الأوتوستراد ومشينا مسافة لا بأس بها، حتى وقفنا قرب باب مزرعة الخيول والكلاب تلك.
    وللعلم، الأوتوستراد في وقتنا لم يكن مخصصًا للمشاوير الطويلة، ومن يريد الذهاب إلى العاصمة كان يتخذ الطريق البحري، إذ إن الأوتوستراد كان طريقًا ترابية هائلة الحجم، تصلح للتنزه من جهة، وللعب كرة القدم من جهة، وللتمرن على قيادة السيارات من جهة، ولمرور قطعان الخراف والماعز والأبقار من جهة!
    أما تلك المزرعة، فلو أنني خرجت من مخرج بنايتنا، واتخذت طريقي إليها عبر الحقل، فسأصلها خلال أقل من نصف دقيقة، لكن إن صعدت بطلعة بنايتنا ومشيت على الأوتوستراد، فسأحتاج حوالي أربع دقائق للوصول إليها، وسأوضح سبب هذا التفصيل كذلك.
    وصلنا إلى تلك المزرعة، بدعوى أنهما _ أي الأحمقان الغبيان _ يريدان رؤية الخيول فحسب، ولكنهما أمسكا بعدد من الأحجار ليقذفا بها، بغتة، فوق الكلاب، من خلف الحاجز، لتنبح الكلاب برعب، بينما انطلقا هما راكضين بسرعة خيالية، حاولت اللحاق بهما، لكن سرعتي لم تكن جيدة، خاصة لضيق التنفس الذي أعانيه، وفوجئت بمن يصرخ بي لأتوقف قبل أن يطلق كل الكلاب خلفي، ولم يكن أمامي بديل، توقفت مستديرًا إلى ابن صاحب المزرعة هاتفًا به أنني لم أفعل شيئًا، ولينظر إلى الفاعلين كيف يركضان كالمجانين.
    كانت لحظات قاسية فعلًا، ولكن الرجل ابتسم أخيرًا، ليقول لي إنه قد رآهما، وهما يفعلان فعلتهما هذه، لكن يجب أن أدخل المزرعة فورًا، لأنه سيطلق الكلاب في التو واللحظة، وستمزق الكلاب كل من رأته يقف خلف الحاجز، بعد أن أمطرت الحجارة فوق رؤوسها، لم يكن أمامي بديل مرة أخرى، دخلت المزرعة معه، وأنا أقول له إن هذا الغباء من الزميلين لا يستدعي أن تعضهما الكلاب، لكنه توقف بي فجأة في مكان ما، وطلب إلي أن أنتظره لحظات، و...
    يا أمي! ما هذا؟ ألا ألتقي بصاحب كلاب لا يعاني الخرف والجنون؟
    الوغد رجع يقود كلبًا شرسًا فعلًا، وأنا لا أجد أمامي أي مكان أذهب إليه لأختبئ، فأخذت أفكر مرتجفًا أنني مخطئ في تفكيري أنه يريد أن يطلق الكلب نحوي، بل إنه يريد إطلاقه خلف رفيقيَّ، ولكن أظنهما باتا آخر الدنيا، فلن يستفيد شيئًا، ولكن...
    اللعين ينظر إليَّ مبتسمًا، ثم يفلت سلسلة كلبه من يده، وانطلق الكلب نحوي، والمسافة بيننا قد لا تزيد عن ثلاثة أمتار، هذا إذا ما بالغنا في تقدير المسافة...
    وكانت لحظات رعب قاتلة!

    (أ. عمر قزيحة: 28/11/2018: الساعة: 18:34 دقيقة مساء)
    تابعوا معنا في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.


    1 !غير مسموح

  8. #7

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    الحلقة السادسة
    أين أهرب؟
    سؤال مستحيل بحق!
    الكلب ينطلق نحوي، لسانه خارج فمه، ويبلغني خلال ثانية بل أقل من ذلك، ويستدير ليرجع نحو صاحبه، الذي أخرج إصبعيه من فمه، مقهقهًا كالمجانين!
    هل صفَّر الملعون لكلبه ليرجع قبل أن يعضني؟ لا أعلم! لم أسمع لا صافرة ولا سواها، ولا يعنيني أن أسمع أو أن أعلم، فالرعب كان يملأني، والدنيا تدور حول عينيَّ المسكينتين، وبسخرية شديدة هتف بي صاحب الكلب:
    _ ألا زلتَ خائفًا؟ لماذا لا تتحرك؟ لقد ابتعد الكلب عنك!
    لم أرد عليه، فأنا أعلم أن الكلب قد ابتعد عني، لكني أعلم أن الكلب أمام عيني، ولو تقدمت فسأصبح في مرمى أسنانه!
    وإذ لم يتلقَّ إجابة مني، قال اللعين:
    _ اسمع، سأمنحك ثلاث دقائق لتنصرف، وبعدها سأطلق كلابي في الحقل ما بين مزرعتي وبيتكم.
    سألته بغضب:
    _ ولماذا؟ ألم تشبع لعبًا ولهوًا بعد؟ دعني أنصرف خلال الحقل، لأكون في البيت خلال...
    قاطعني بحزم:
    _ ثلاث دقائق، تبدأ من الآن!
    تجاهلت وجود الكلب بجواره، وأخذت أركض بأقصى سرعة، وأنا أعلم أنني لن أستطيع متابعة المسافة كلها عبر الأوتوستراد ركضًا، لأن أنفاسي ستتقطع قبل ذلك، ورغم أنني لا أمتلك أية ثانية لأضيعها، لم أتمالك نفسي، فتوقفت مكاني قبل أن أخرج من باب المزرعة، واستدرت إلى ذلك الأحمق هاتفًا به، بمنتهى الحزم:
    _ يلعن أبوك!
    أظن أنه كان ينوي الرد والاعتراض، لكني تابعت قبل أن يفتح فمه بكلمة:
    _ يلعن أبوك! لأنه لم يقم بتربيتك كما يلزم، وتركك (فالتًا) على الناس، مثلك مثل كلابك!
    صرخ غاضبًا:
    _ نعم؟ نعم؟
    عاودت الركض من دون أن أهتم بإجابته، كنت أركض بكل ما أستطيعه، وعيني اليسرى على الحقل، أرى هل انطلقت الكلاب به أم لا، وكم أسعدني أنها لم تفعل، نزلت نزلة بيت أهلنا، وإذ بعشرات الكلاب تنطلق دفعة واحدة في الحقل، ومرة أخرى أثب بكل قوتي نحو الحائط الذي أنقذت نفسي من خلاله من سنوات، لأتشبث به بقوة، وأتسلقه بسرعة، واثبًا إلى مدخل بناية أهلي، لأشعر بالأمان ولو مؤقتًا.
    لم أحكِ هذه القصة لأهلي وقتها، كنت واثقًا أن أبي وأعمامي سيتعرضون إلى هذا الأحمق بتأنيب قاسٍ يستحقه، ولن أحزن عليه لو حصل ذلك، لكني خشيت أن يتطور الأمر إلى قتل الكلاب من قبل أحد أعمامي، وأن يحصل خلاف وشجار بالأيادي مع صاحب المزرعة، ولكني لم أسكت عن حقي، بل انتظرت حتى رأيت صاحب المزرعة نفسه ذات مرة، فاستوقفته، وحكيت له ماذا فعل ابنه معي، واعتذر الرجل متعهدًا لي بأن هذا لن يتكرر، بل وأمسك بيدي لأسير بجواره، وذهب إلى المزرعة مناديًا ابنه، وما إن أتى الأخير حتى انهال أبوه عليه لومًا وصراخًا، ما أثلج صدري، وحصلت على تعهد ثانٍ من الأب بأن كلابه لن تقترب مني أبدًا، ذلك أنها لا تخرج إلى النزهة وحدها قطعًا، فإما هو معها وإما ابنه، وإذا ما حاول ابنه أن يتحامق مجددًا، فإنه سيكسر قدميه.
    رغم كل ذلك، أي رغم أنني كنت ألتقي بتلك الكلاب أحيانًا، ظل خوفي تجاهها قائمًا وبشدة، تلك التجارب القاسية التي مررت بها لم يكن من السهل نسيانها، ومشهد الكلاب الثلاثة التي تجري خلفي، وعشرات الكلاب التي كانت تجري نحو الجهة التي أركض فيها، لا أعتقد أنهما تجربة يمكن الخلاص منها ببساطة.
    مرت الأعوام بنا، عدة أعوام لا أعتقد أنني رأيت فيها كلبًا إلا من مسافات بعيدة، إلى أن عادت قصص الرعب مجددًا، كلاب شاردة تنزل نزلة بنايتنا ليلًا، ويومًا ما، كنت راجعًا بعد صلاة العشاء، وما إن اقتربت من مدخل بناية أهلي، حتى فوجئت بكلب ينزل من نزلة الأوتوستراد، متجهًا نحوي، وهو ينبح، فانطلقت أعدو بأقصى سرعة لي، ولا أعلم كيف وجدت نفسي قد صعدت كل درج البناية حتى وصلت إلى السطح، بل لا أذكر أنني وصلت إلى الدرج أساسًا!
    كنت أتمناها حادثة فردية، لكنها لم تكن كذلك للأسف، فمرة أخرى وأنا راجع في بداية العتمة، أفاجأ بكلب يجري أمامي، على مسافة عدة أمتار، أبطأت في سيري بقدر المستطاع وتركته يتجاوزني بمسافة، ثم مشيت ببطء، حتى وصلت إلى مدخل بنايتنا، أردت الدخول وإذ بالكلب هذا (الكلب نفسه على الأرجح) يندفع خارجها بسرعة فائقة، كدت أقع أرضًا من المفاجأة، لكنْ، الحمد لله أنه لم يهاجمني وقتها.
    كل هذا كان يضاعف الخوف في أعماقي، لكن المواجهة الأكبر بيني وبين الكلاب، كانت في تلك الأمسية الرهيبة، وأنا عائد؛ كذلك؛ بعد صلاة العشاء، وإذ بكلب يتجه نحوي نابحًا مثل المجانين، وكان من المستحيل أن أتمكن من تجاوزه لأحتمي بمدخل بنايتنا، كما أنني لن أتمكن من الاستدارة لأركض مبتعدًا، فها هو الكلب يصل إليَّ، وها هي العضة المرتقبة، أغمضت عينيَّ رغمًا عني، وفتحتهما بلهفة سعيدة مع صوت ضربة مدوية تغير معها صوت نباح الكلب تغيرًا تامًا، لأرى أبي يرفع عصاه مرة أخرى في الهواء، لينطلق الكلب هاربًا من أمام أعيننا، لقد وصل أبي في اللحظة المناسبة، لا أعلم ماذا كان أبي يفعل في مدخل البناية وقتها، ولا كيف انتبه إلى أن الكلب يجري نحوي، ولكني كنت سعيدًا جدًا بذلك، بكل تأكيد!
    ولا زلت أصر على أداء صلاة العشاء في المسجد، ولا زلت أرجع إلى البيت وسط هذا الخطر، وربما كان لمرور عدد كبير من الليالي من دون فلم الرعب هذا، أثر في تشجيعي، وأن ما سبق حالات نادرة، لن تتكرر، ولا خوف عليَّ أن أحظى بكلب مسعور، وكنت محقًا في ذلك، فتلك الليلة لم أحظَ بكلب، بل بفرقة كلاب عددها أكبر من أن أحصيه بعيني، وكلها في السهل قرب مدخل بناية أهلي، استدرت راكضًا بأقصى سرعتي، متجاهلًا نصائحَ سبق وسمعتها، ومفادها أن لا تركض أمام كلب، لأنه سيركض خلفك، فالكلاب ركضت أمامي وخلفي من قبل، وأنا واقف مكاني! لذا؛ أخذت أركض، والأفكار التعيسة تراودني: ترى، ماذا أفعل؟ هل سأنام خارج المنزل؟ وأين؟
    _ ماذا هناك؟
    انطلق السؤال فجأة قرب أذني، لتزيدني المفاجأة خوفًا، كأنه كان ينقصني مثل هذه المفاجآت التعيسة بعد! وأدهشني فعلًا أنني مررت بجوار صديق عزيز لي، ولم أره، توقفت مكاني محاولًا التقاط أنفاسي المرهقة، وأنا أتمتم بكلمات متقطعة مع روحي التي أشعر بأنها تغادر صدري:
    _ مجموعة كلاب قرب مدخل بنايتنا.
    صرخ صديقي مستنكرًا:
    _ كلاب؟؟ بلا كلاب بلا بطيخ!
    لم أفهم ما الذي يجمع ما بين الكلاب والبطيخ! لكن خطر لي أن صديقي يتباهى بنفسه لأنه لم ير ما رأيته، وكنت _ بفضل الله تعالى _ مخطئًا! أمسك صديقي بيدي، واتجه بي عائدًا نحو بناية أهلي، كأنني نسيت الطريق إلى هناك مثلًا! وما إن لمحت تلك الكلاب حتى هتفت به:
    _ انظر، انظر، هل رأيتها؟
    رد بلا مبالاة، وهو يتابع طريقه:
    _ هل ظننتني أعمى؟
    واتجه بجرأة يُحسَد عليها نحو الكلاب، مطلقًا من حلقه أصواتًا مرتفعة غاية في الإزعاج، تقترب نسبيًا من النباح! وأدهشني أن الكلاب ظلت جامدة لا تتحرك، كأنها صارت تماثيل، وبحزم نظر صديقي نحوها، صارخًا بها:
    _ من سيتحرك سأقطع عنقه! هل تفهمون؟ تضربوا! صحيح أنكم كلاب!
    ولم يرض هذا الصديق _ جزاه الله خيرًا _ إلا أن يدخل معي حتى بلغت الدرج، وانصرف مطلقًا تلك الأصوات المزعجة بأقصى ما تستطيعه حنجرته، وأنا أتمنى بحسرة لو أنني أستطيع التعامل مع الكلاب بهذه الجرأة وبرودة الأعصاب، إذًا لانتهى خوفي هذا خلال ثانية واحدة!
    مرت أعوام طوال، ثم عادت كلاب صاحب المزرعة إلى الظهور، بعد أن اختفى قبلها سنوات، ولكننا لم نرها سوى أشهر قليلة، وعادت هي وأصحابها إلى الاختفاء، وبكل الأحوال يبدو أن الدرس الذي ناله ابن صاحب المزرعة على يد والده من سنين، لا يزال أثره حاضرًا في ذهن الأخير، إذ لم يحاول الاقتراب مني، لا هو ولا كلابه التعيسة هذه.
    كنت أواظب على صلاة الفجر في المسجد، في فترة ما من فترات حياتي، أتجه إلى المسجد قبيل الأذان، وأنا أشعر بالراحة والهدوء، وعادة ما أترافق وعمي مشيًا، وأصلي الفجر ثم أرجع إلى البيت وحدي بعد مدة زمنية أقضيها في المسجد، إضافة إلى صلاة العشاء التي لم أتوقف عنها في المسجد، والحمد لله على شعور الأمان، لم نعد نرى تلك الكلاب الشاردة في دربنا...
    إلى أن حان ذلك اليوم الرهيب...
    تأخرت قليلًا، إلى ما بعد الأذان، وأسرعت بكل قوتي إلى المسجد، و...
    يا ويلي!
    ضبع رهيب يقف قرب باب المسجد!
    تجمدت مكاني، متسائلًا بمنتهى الذعر:
    _ ماذا سأفعل؟؟ هل كُتِبَت نهايتي هنا؟؟ وبين أنياب الضبع؟؟ يا محلى الكلاب!!

    تابعوا معنا
    (الحلقة القادمة هي الحلقة الأخيرة)!


    (أ. عمر قزيحة: 12/12/2018: الساعة: 19:07 مساء)

    1 !غير مسموح

  9. #8

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    الحلقة السابعة والأخيرة

    أهلًا بكم في عالم الرعب!
    مغامرات عديدة سابقة مع الكلاب المسعورة، وربما كان أصحابها أشد سعارًا منها، إذ يطلقونها على الناس، بمنتهى الغباء!
    ونترك الكلاب، تنويعًا، لننتقل إلى مرحلة أخرى، مرحلة الضباع!
    مرة أخرى أذكر أن الأوتوستراد؛ آنذاك؛ لم يكن طريقًا دوليًا مخصصًا للسيارات المنطلقة إلى العاصمة، والعائدة منها، عبر قسمين فاصلين، في كل قسم ثلاثة خطوط للسرعة.
    رغم ذلك لم نر ضبعًا من قبل إلا مرة واحدة، كنا في شرفة منزلنا، ورأيناه على الأوتوستراد الترابي، على مسافة بعيدة، وأخبرنا الوالد أن الضبع لا ينزل إلى المناطق السكنية إلا إن كان جائعًا جدًا.
    وتذكرت هذه الكلمات، وأنا أقف مكاني جامدًا تمامًا، أحاول أن أمنع ارتجافة جسدي، وأن أوقف أنفاسي نفسها، فماذا يفعل الضبع هنا إن لم يكن جائعًا، وجائعًا جدًا؟
    ويا لها من معادلة مميتة! ضبع جائع (جدًا)، وفريسة بشرية ضعيفة تقف على بعد خطوات منه، أرجو أن يكون الضبع طماعًا شرهًا، ليتركني في حالي! فأنا أتميز بقصر القامة والنحول الشديد (هكذا كنت أيامها، بل إن النحول رافقني حتى بداية الثلاثينات في عمري)، وإذًا، لن أكفي الضبع إلا بلقمة واحدة، أو لقمتين على الأكثر!
    كنت جامدًا، أخشى القيام بأية حركة، ولكن عقلي كان يفكر ما وسيلة النجاة؟ لم ينتبه الضبع إلى قدومي بعد، لكنه لن يبقى مكانه إلى الأبد، إذًا لماذا لا أستدير وأرجع بمنتهى الهدوء، كي لا يشعر بي؟ لكن ماذا لو هاجمني؟ لا بأس، الحل هين عندها، سأركض بطريقة متعرجة، فالضبع لا يستطيع الركض إلا بخط واحد. (هكذا كنا نعرف أيامها، ولا أعرف الآن هل هذه المعلومة صحيحة أم لا)!
    استدرت لأنصرف، وإذ بساقي تلتوي قليلًا، حاولت الاستناد قبل أن أقع، ليصدر صوت مرتفع مزعج من احتكاك حذائي بالأرض، وربما لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه بدا لي كذلك، ويا للرعب الهائل الذي أحسست به وقتئذ، مع حركة الضبع السريعة في... في الاتجاه المعاكس، والحمد لله!
    رغم ذلك، بقيت واقفًا مكاني لا أتحرك، لبعض الوقت، لا أعلم كيف جمد الزمان في نظري، ولا أعلم لماذا ظللت واقفًا، أكان ذلك بسبب أنني لم أصدق أن الضبع قد انصرف بعد، أم أن آلام ساقي هي السبب؟؟
    اتجهت بخطوات متثاقلة نحو المسجد، لأرى أن بعض الشباب واقفين خارجه يتبادلون الكلام، سألتهم لماذا لم يدخلوا المسجد؟ وسألت نفسي كيف لم أرهم قادمين نحو المسجد! لكنهم أجابوا أنهم كانوا في المسجد، وصلوا الفجر، فالإمام كان مستعجلًا، ولم ينتظر نصف ساعة كالمعتاد بين أذان الفجر وإقامة الصلاة، ولا أعلم لماذا لم أدخل لأصلي منفردًا، بل اخترت التوجه نحو المسجد الثاني، وهو بعيد نسبيًا، لكني _ في الطريق _ وجدت حجرًا كبيرًا، فحملته بصعوبة لثقل وزنه، وتابعت طريقي، وأنا أنوي أن أهشم به وجه الضبع، إن التقيت به، وأعتقد أن منظري كان يشبه منظر شخص ذاهب لارتكاب جريمة قتل! بمشية متحفزة، وحجر ضخم، وأنا أنظر في كل الاتجاهات، كل ثانية وأخرى!
    وصلت إلى المسجد، وأنا في حيرة، أأدخل ومعي الحجر، أم ماذا؟ ولكن لا! المسجد هذا قرب البحر، ولذا نسميه (المسجد البحري)، فلا مشكلة إذًا! اتجهت نحو الشاطئ، ووضعت الحجر هناك، ودخلت لألتحق بالجماعة، وبعد الصلاة هممت بالخروج، لولا أن استوقفني أمر ما، هل أحمل الحجر أمام أعين كل هؤلاء الناس وأمشي به؟ سيظنون بي أنني ذاهب لأشق رأس أحد ما به!
    بقيت في المسجد مدة ساعتين أو ثلاث، ولم أخرج إلا ونور النهار يملأ الأرجاء، لأرجع إلى بيتي، شاعرًا بالأمان، فمن المؤكد أن الضبع لم يتابع (تشرده) كل هذه المدة، وأنه (انضبَّ) ورجع إلى بيته، وإن لم يكن قد فعل ذلك، فسأركض بطريقة غير مستقيمة، حتى تلتوي ساقاه وهو يحاول اللحاق بي إن شاء الله!
    وبصراحة، لم أجرؤ؛ بعدها؛ على التوجه نحو المسجد لأداء صلاة الفجر مرة أخرى لسنوات طوال!
    مرت السنون بنا، في هدنة مؤقتة مع أفلام الرعب، لكن الهدنة لم تَدُم طويلًا، بل كان لا بد لها من الرجوع، بحادثتين سريعتين، لم يكن لي دور فيهما، والحمد لله تعالى، على أن دوري عاد بعد ذلك، وبعنف!
    أما الحادثة الأولى، فحصلت لصديق لي من منطقة أخرى، وكان متجهًا إلى المسجد قبيل أذان الفجر بقليل، يمشي بهدوء، شاعرًا بالسكينة والصفاء، ولكم شعر بهما مع ارتفاع صوت الأذان، ولكن حركة مباغتة عكرت صفو هذا السكون، فاستدار صديقي لكنه لم يَرَ أحدًا خلفه،
    فتابع سيره، وهو يحاول أن يستعيد حالة الهدوء الصفائي هذه، لولا أنه أحس بالحركة من خلفه مرة أخرى، فاستدار ليلمح كتلة سوداء غريبة الشكل، وحجمها صغير، نسبة إلى ساقي صديقي طبعًا، ولم يفهم ما تكون هذه الكتلة بداية الأمر، ثم أحس فجأة بأن الطقس مثلج فعلًا، فلم تكن تلك الكتلة سوى كلب (لطيف) من الحجم الكبير المميز، يمشي خلف صديقي بفم مفتوح، يكاد يبلغ ساق الفتى، ولقد أسرع الأخير ركضًا، فأسرع الكلب خلفه، لكن صديقي ركض كما لم يركض من قبل قط، واتجه يمينًا ويسارًا، ودخل في كل حارة وزقاق أمامه، ليضيع الكلب من خلفه، وإلا فسيجده معه في المسجد، ولقد حصل ذلك فعلًا!
    رغم كل محاولات صديقي، ورغم أنه لم يعُد يرى للكلب أثرًا، إلا أنه ما كاد يدخل المسجد، وقد تأخر قليلًا، والناس بدأوا الصلاة، حتى فوجئ بالكلب يدخل من خلفه!
    وكانت مطاردة أخرى رهيبة التفاصيل، لا أستطيع وصفها فلم أكن حاضرًا آنذاك، والحمد لله تعالى، بل لو كنت حاضرًا فربما ما استطعت وصفها، لكني أعلم أن كثيرًا من المصلين قطعوا صلاتهم، على أنني لا أعلم كيف كانت النهاية السعيدة، وما الذي أقنع الكلب بالمغادرة وترك الناس في حالها؟؟
    وقبل الحادثة الثانية التي سمعتها، أرجع إلى ما حصل معي من مواجهة مباشرة، أيامها كنا في دار المعلمين، وكان لدينا حصة فراغ، خرجت مع اثنين من أصدقائي، أحدهما يفوقني نحولًا، والثاني بدين إلى حد ما، وما كدنا نمشي قليلًا، وقبل أن نصل إلى منتصف النزلة بين دار المعلمين والطريق العام، إذ بكلب يندفع نحونا نابحًا، فهتف صديقي النحيل برعب:
    _ كلب، كلب.
    وكأنما قد أتانا بمعلومة لا نعلمها! هل أخبره أحد أننا نظن هذا الحيوان شرس عنكبوتًا مثلًا؟ هممت بأن أعدو مبتعدًا، على استحالة الفرار، فلقد وصل الكلب إلينا، لكن لا داعي لذلك! فصديقنا البدين قليلًا، استدار صارخًا بغضب:
    _ هشت! يلعن أبوك!
    ولم يكن هذا سبب نجاتنا طبعًا، بل لأن هذه الصرخة ترافقت وركلة رهيبة من قدم صديقنا القوية في وجه الكلب، ألقت به بعيدًا، وهو ينبح بألم، وبلمح البصر اعتدل الكلب وانطلق فارًا بطريقه، فنظرنا _ أنا وصديقي الثاني _ إلى صديقنا (البطل) متسائلين بدهشة:
    _ كيف فعلت ذلك؟
    أجابنا بغباء:
    _ فعلت ماذا؟!
    هتف به صديقي النحيل:
    _ ركلتَ الكلب!
    ردد بذهول:
    _ أي كلب!
    تبادلنا النظرات، ولعلنا كنا نفكر في شيء واحد، هل صديقنا لم ينتبه فعلًا إلى أنه ركل كلبًا؟ أم أنه يتواضع بادعاء البلاهة؟ لا نعلم، لكن لا علينا، ليكن ما يكون، المهم أنه أنقذنا!
    وذات يوم _ رجوعًا بنا إلى الحادثة التالية التي لم يكن لي دور فيها سوى الاستماع فحسب _ التقيت بصديق لي في منطقتنا، بل لنقل إنه زميل، فهو يكبرني سنًا، بأكثر من عشرة أعوام، وربما بخمسة عشر عامًا كذلك، لكن سبق ودرَّسنا في مدرسة واحدة بعيدة، التقيت به، وكان وجهه شاحبًا، فسألته إن كان مريضًا أم ماذا؟ فأجابني إنه كان يتنزه وصديق له بعد العصر، وإذ بكلب حراسة يجري نحوهما، ولى صديقي هذا فرارًا، أما الثاني فانحنى أرضًا، وحمل حجرًا كبيرًا كان أمامه، لسوء حظه، فالكلب هذا كلب غبي، يبدو أنه لم يتعلم دروس الكلاب، أن من يركض أمامه يجب عليه أن يركض خلفه، وأن من يرفع في وجهه حجرًا، فقد هزمه، وعليه أن يهرب!
    ولأنه كلب كسول مهمل، لا يعرف قوانين الكلاب، انقض بجنون على ذلك الرجل، مطيحًا به أرضًا، ليسمع المسكين صوت تكسر ذراعه، وليت الكلب اكتفى بهذا! بل اندفع محاولًا أن يعضه في عنقه، والمسكين يمسك بفم الكلب تقريبًا بذراعه الثانية يحاول إبعاده عنه، ومن المؤكد أنه لم يكن سينتصر في هذه المعركة، وأن ما أنقذه هو قدوم صاحب الكلب في اللحظة المناسبة، قبل أن يتلقى العضة القاتلة، أو شبه القاتلة.
    لم تغير هذه القصة شيئًا من مفاهيمي تجاه الكلاب طبعًا، فأنا أعرف طريقة واحدة للتعامل مع الكلاب، وهي الإسراع بالفرار، ولم تعنِ لي شيئًا الحكمة التي (يتحفني) بها زميلي الذي روى لي القصة، قائلًا بمنتهى (الحكمة):
    _ اعلم أنه إن هاجمك كلب حراسة، يجب عليك أن تهرب، أما إن هاجمك كلب، لكنه ليس كلب حراسة، فلا يجب عليك أن تهرب، لأنه سيركض خلفك!
    ويا لها من حكمة! إن هاجمني كلب لا يجب أن أهرب لأنه سيركض خلفي! بغض النظر عن نوع هذا الكلب، كيف سيهاجمني ما لم يركض نحوي؟ هل سيأتيني وهو يزحف مثلًا، فإن ركضت نهض على قوائمه ليركض خلفي!
    على أن مواجهات الرعب المباشرة، كان لا بد لها من الرجوع للأسف، وأيامها كنا في كلية التربية في بيروت (بين عامي 2010 _ 2011)، ودوامنا فيها من بعد الظهر إلى ما بعد العشاء في أيام الشتاء، وقبيل المغرب بقليل حينما يتغير التوقيت، وأيامها غاب مرة المحاضِر في الحصة الأخيرة، أي أننا كنا سننصرف بعد العشاء بحوالي ربع ساعة ربما، انصرف صديق لي قبلي، ثم أرسل إليَّ برسالة نصية على هاتفي، يخبرني فيها بوجود عدد من الكلاب في الطريق ما بين الكلية وموقف الباصات، وهو طريق يستغرق عدة دقائق سيرًا، إذ إننا لا نجد سيارة أجرة دائمًا، بل حتى لو وجدنا كانت الحالة المادية في ضيق شديد، خاصة لتوقف رواتبنا تلك المرحلة (توقفت سبع شهور فقط)!
    تأخرت في المغادرة بعض الوقت، لعل الكلاب تكون انصرفت، لكن ما كدت أخرج من الكلية حتى سمعت صوت نباح الكلاب، فرجعت أحتمي بها، لأجد زميلة لي لم تنصرف بعد، سألتها إن كان معها سيارة، وإذ أجابت بالإيجاب، أخذت أرجوها بحرارة أن تنقذني، وإلا سأجد نفسي نائمًا على بلاط الصف إلى اليوم التالي، وكل الشكر لها وكل التقدير، إذ لم تخيب رجائي، وأنقذتني بانطلاقها بي بسيارتها حتى مسافة أبعد مما كنت أتصور، لتيسر لي أمر الرجوع إلى منطقتي أكثر وأكثر.
    انتهت كلية التربية بآلامها ورعبها، وكان تعييني في بيروت في ثانوية نظامها غريب، فالمبنى واحد، وفيه ثانويتان! لذا؛ كان دوامنا ثلاثة أيام قبل الظهر، ويومين بعد الظهر، أي أن علينا ثلاثة أيام نكون فيها الساعة السابعة وخمس دقائق فجرًا في الثانوية، ويومين نكون الواحدة وخمس دقائق ظهرًا لننصرف السابعة إلا عشر دقائق ليلًا، لم نخلص من مشاوير الليل الرهيبة هذه بعد، لكن الرعب كان فجرًا لا ليلًا، فأن نكون في الثانوية السابعة وخمس دقائق فجرًا، أمر يستدعي أن نصلي الفجر مع ارتفاع الأذان، لننطلق بعدها مباشرة، وأمامي طلعة ضيقة، ومعاناتي بالرؤية الليلية تجعل تجاوز هذه الطلعة أمرًا صعبًا نسبيًا، إذ لا أعلم أنني أبعادها إلا حينما أصل إلى الأوتوستراد فعليًا (لم أعد في بيت أهلي، خلال ثوان أكون في الأوتوستراد، انتقلت قبل ذلك بسنوات طوال إلى بيتي)، وذلك اليوم كنت متجهًا بنشاط إلى الثانوية، وإذ بأصوات كلاب ترتفع في هذه الطلعة، فما كان مني إلا أن استدرت راجعًا ركضًا بكل قوتي، ولم أتوقف عن الركض إلا حينما وجدت نفسي في بيتي، ويبدو أن التجربة كانت قاسية، إذ لم أجرؤ على خوضها مجددًا ذلك اليوم، فكان أن فتحت اللابتوب، وإلى لعبة الكونامي! ولم أنتبه إلى أنني لم أكسر التقرير الطبي إلا بعد مرور وقت، مع اتصال المدير يسألني أين أنا، فأجبته أنني رجعت إلى البيت بسبب الكلاب، ولم أعرف هل استوعب معنى هذا الكلام أم لا، فلقد بَدَت نبرة الاستنكار واضحة في صوته، إذ يسمع هذا التسويغ الغريب!
    على أنني تجاوزت المدة الزمانية التسلسلية، لأروي هذه الحادثة، وحادثة أخرى، قبل أن أرجع _ زمانيًا _ إلى حادثة أشد رعبًا، لذا؛ أقول إن السنة قبل الماضية، كنت مسؤولًا عن بعض الأساتذة، كمنسق لهم، وإحدى الزميلات كانت تسكن منطقتي، وإذ أنهت مسابقة الاختبار في وقت متأخر نسبيًا، اتجهت نحو دكانها لأستلمها، وإذ بصراخ خارج الدكان، وفتاتين تندفعان إليه في رعب، هناك كلب شارد!
    كانت تلك مصيبة أخرى، تعودنا في صغرنا الكلاب الشاردة لكن ليس بأماكن سكنية مزدحمة، ومن مدة نسمع عن كثير من الكلاب الشاردة تنطلق قرب المنازل وتخيف الأولاد، والبلدية عندنا لم تفعل أدنى شيء تجاه هذا الأمر، وتجاهلت كل الاعتراضات والاستنكارات.
    نرجع إلى موضوعنا، أنا مع ثلاث فتيات داخل الدكان، وكلنا لا نجرؤ على الخروج، ويا لظرافة إحداهن إذ تقول لي برجاء:
    _ ألن تخرج لتصرخ في وجه الكلب لينصرف؟
    أجبتها بسخرية لاذعة:
    _ من رأيي أن تخرجي أنتِ لـ(تولولي) فوق رأس الكلب لينصرف!
    كانت لحظات قاسية، وأسوأ ما في الأمر أن الكلب كاد يدخل المحل، لولا أن أسرعت صاحبته لتغلق الباب الزجاجي بقوة، وسمعنا بعدها الأصوات ترتفع خارجًا، ثم دخل شاب ليخبرنا بأن صديقه كان يربي الكلاب، وأنه أتى بطوق للكلاب _ الحمد لله أنه لم يأتِ بطوق للقطط _ وحاول أن يضعه في رقبة هذا الكلب لكنه فشل، فقام بطرده، لكن الكلب لم يستجب، فقام بـ...
    فهتفت به إحدى الفتيات في الدكان:
    _ أف! هل هذا وقت قصة حياتك وحياة الكلب؟
    صمت الشاب بانزعاج، وخرج من الدكان، وبعد وقت، جربت إحداهن الخروج، لكنها عادت صارخة برعب، فالكلب كاد يعضها إذ خرجت، وكان الوضع مزعجًا فعلًا، فأنا مضطر إلى متابعة طريقي نحو الصيدلية لشراء دواء أريده، وغدًا دوام دراسي، لكننا مسجونون هنا، وحالتنا حالة متناقضة، ثلاث فتيات مرعوبات، وشاب يشعر بالأمان والاطمئنان لأنه في دكان مغلق، ولا يوجد كلاب مخيفة داخل الدكان، والحمد لله!
    ولكن، لم ينتهِ الرعب هنا، لقد فتح الشاب نفسه باب الدكان من الخارج، بمنتهى الحماقة، وقد نجح، ربما هو وربما صديقه، في وضع الطوق للكلب، وها هو يسحبه بسلسلة حديدية، ويدخل به الدكان متجهًا نحونا، بدعابة سمجة غبية جدًا، ولكم ضحك الأحمق لارتفاع صراخ البنات، ولكم ضحك كذلك، لأنني حملت كرسيًا في المحل ورفعته بقدر ما أستطيع، وسألني بسخرية:
    _ هل ستضرب الكلب بالكرسي؟ سيهجم عليك بعدها.
    أجبته بسخرية:
    _ بل سأضرب به أنفك، لعل رأسك يشتغل مع الارتجاج إن شاء الله!
    الحمد لله أن دعابة الأحمق لم تستمر طويلًا، بل خرج هو والكلب، ليبتعد به، فأسرعت نحو الصيدلية لكني لم ألحق دوامها، ثم رجعت إلى البيت، وأنا أشعر بالبرد الشديد، ولم أعرف كيف استطعت النوم، ولا كيف نهضت إلى دوام العمل اليوم التالي.
    وأخيرًا، أرجع إلى أيام كلية التربية لأختم بهذه الحكاية الرهيبة، وقد وجدت نفسي بها من دون أن أتوقع ذلك، كنا عائدَين في الباص، وأقصد بصيغة المثنى أنا وصديقي الذي سبق ونبهني برسالته من الكلاب في طريق الكلية، وصديقي يعلم كم أعاني الضعف في الرؤية الليلية، لكنه ربما لا يعلم كم مرة تجاوزت منطقتي من دون أن أشعر، واضطررت إلى الرجوع بباص آخر أو سيارة تاكسي.
    وكان هذا الصديق يتولى إخباري بمكان النزول حينما نصل، بدلًا من أن أجلس وعيناي مشدودتان كالأوتار عن آخرهما في محاولة لمعرفة أين الطريق الصحيح، وذلك اليوم، بل تلك الليلة، هتف بي هذا الصديق بتوتر، يخبرني بأننا تجاوزنا منطقتي بحوالي ثلاث دقائق سيرًا على الأقدام، استوقفنا الباص، نزلت لأقطع إلى الجهة المعاكسة، وأسير بأقصى سرعة، داعيًا الله ألا أجد سائقًا أحمق، ينطلق على الخط البطيء منحرفًا عن طريقه يمينًا، وإلا فسأجد نفسي في المستشفى، وربما في مكان آخر، لا أرجع منه!
    مشيت دقائق طوال، لا إنس ولا دكان، ولا أحد أستطيع سؤاله أين أنا، منطقتي لم تظهر لي بعد، والأضواء خافتة لا أعلم مصدرها، و... ونباح الكلاب!
    أخذت بالركض، ولم تظهر لي منطقتي بعد، وأعتقد أنني ركضت (بين الركض والتوقف لالتقاط الأنفاس أكثر من ربع ساعة)، ومع الدقائق التي مشيتها قبل ذلك، بدا لي أن صديقي لم يتكلم الحق، ربما يريد مداعبة قاسية، وربما أخطأ، وأنا أدفع ثمن الخطأ!
    عدت أركض بالاتجاه المعاكس، ليرتفع صوت نباح الكلاب فجأة، وأزيد في سرعتي، شاعرًا بصدري يكاد يحترق ألَمًا وإرهاقًا، ويا له من موقف بائس! ظلام شديد، لا يبدده الأنوار الخافتة، بل تزيد في آلام عيني، وأصوات الكلاب ترتفع في كل مكان، ولا أعرف ماذا أفعل، بل حتى لو قطعت الأوتوستراد إلى الاتجاه المعاكس مرة أخرى، فلن أضمن أن النباح ليس صادرًا من هناك!
    شعرت بالضياع فعلًا، فرغم المسافة الهائلة التي تجاوزتها، لم أصل بعد، ولا أرى سيارة أو باصًا واحدًا لأستوقفه وأسأله أين أنا، وحينما ظننت أن الحل قد أتى، واستوقفت باصًا، تابع سيره من دون اهتمام بالتوقف، ويبدو أنه كان مليئًا بالركاب، وظن أني أستوقفه لأركب، ولم يكن عندي مانع بالركوب لو أنه متجه إلى منطقتي، أما لو قال لي إنني قد تجاوزتها، فسأقطع إلى الجهة الأخرى لأستوقف باصًا هناك.
    توقفت مرغمًا، وأنا أكاد أتهاوى على ركبتيَّ إذ لم أعد أستطيع الركض أو حتى المشي، دقائق عديدة آنذاك، أنا واقف أحاول اعتصار قلبي بيدي لتهدأ نبضاته المتهالكة، وصوت النباح يتردد، ربما في المنطقة فعلًا، وربما في ذهني فحسب، وبعد ذلك مشيت، لم أستطع الركض، ولا حتى أن أمشي بسرعة، كنت أمشي وأمشي، ولا يبدو لي أي أمل بالمشي، ولا أعرف أين أنا، حتى وجدت نفسي، بعد ما بدا لي أنه قرن مر في الزمان، في منطقتي! شعرت بالارتياح فعلًا، واتجهت نحو تلك النزلة الضيقة، لكني لمحت شيئًا يتحرك فيها، لم أعلم إن كان هذا الشيء قطة أم كلبًا، لكني أعلم أنني أخذت أركض بمنتهى الخوف، متجاوزًا تلك النزلة، إلى نزلة أخرى تبعد عنها قليلًا، لكن اختياري إياها يجعلني بعيدًا عن بيتي دقائق طوال أخرى، خاصة بما أعانيه، لكني لم أبالِ، وكله يهون إلا أفلام الرعب هذه! وما كان شعوري يا ترى، حينما وصلت إلى بيتي، لأرى أنه قد مضى وقت طويل جدًا من ركوبنا الباص وحتى وصولي، كنت أصل إلى منزلي قبل ذلك بحوالي ساعة ونصف على الأقل! أي أن صديقي جعلني أنزل قبل منطقتي بمسافة هائلة جدًا، وتركني أواجه تلك الليلة الرهيبة!
    عاتبت صديقي على فعلته هذه، اليوم التالي طبعًا، فَرَدَّ من دون مبالاة أنه قد أخطأ التقدير (قليلًا)، لأهتف به متهكمًا: (الحمد لله أنك لم تخطئ التقدير كثيرًا، وإلا لوجد الناس جثة شخص مات بالسكتة القلبية لفرط الإجهاد)، وإذ به يسألني باهتمام وقلق: (من هذا)؟
    وبما أن ذهني لا يستطيع التوافق مع هذه الإبداعات الفذة، فإنني تجاهلت الإجابة، ومضيت في طريقي، وأنا أعلم أمرًا واضحًا كل الوضوح، في ما بيني وبين الكلاب عداوة لا يمكن لها أن تنتهي على الإطلاق، وأن الفوبيا الأكبر في حياتي، بل الفوبيا الأولى من اثنتين، هي فوبيا الكلاب.
    وختامًا، أدعو الله تعالى أن يرحمني من المواجهات مع الكلاب، أيًا كان شكل هذه المواجهات ومضمونها، فإنني لست أهلًا لها، كما أتمنى ألا تخبروا أحدًا بنقطة الضعف هذه، وأن تتركوها سرًا في ما بيننا...
    اتفقنا؟؟


    أ. عمر قزيحة:
    14_ 12_ 2018م. (الساعة: 17:43 مساء).



    2 !غير مسموح

  10. #9
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    5,019
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    السلامـ عليكمـ ورحمة الله وبركاته~

    يالله كل هذا مع الكلاب!!،
    وأنا اللي كنت أتمنى أنو أقتني كلب أكرمكم ربي،
    بس ما يجوز،
    شفت مقطع في الوتس
    كلب يهاجم طفلة بعدين تجي وحدة تنقذها
    وهو ماسك في الطفلة ما يفك لين فكتها وبلشت هي
    بعدين جا واحد
    قهرر :""(,
    صراحة ما توقعت يهاجموا بها الشكل
    اللي أعرفه أنو في كلاب مسعورة بـس،
    لكن حتى الكلاب العادية تهاجم غريبة!،
    وصاحبها هو اللي خلاه يهاجمك في أول مرة
    أحس أخاف أكرهها
    ما ودي :"(,
    من يوم شفت مقطع الطفلة
    وأنا مستنكرة
    أحس مصدومة :"(,
    اللي كنت دايم أعرفه مقاطع الجنود لما يخلوها تهجم
    فأعرف إن صاحبه هو السبب
    أما تهجم لحالها!!!،
    ربي يلطف بحالك صراحة أكيد كانت صعبة المواقف عليك
    وكالعادة طريقة السرد رائعة
    ربي يبارك بك
    ويخلصك منهم ومن الخوف بعد
    بعدين الخرافات اللي كنت تسمعها!
    أثرت بك
    كيف يقولوا كذا!!
    واللي أطلقوه عليك يقهرون :"(,
    ربي يبعدنا عن الأشرار في كل مكان!،
    في حفظ المولى،،
    ~

    0 !غير مسموح

  11. #10

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    963
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكايتي مع العوعو! (بقلمي: أ. عمر)


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Jomoon مشاهدة المشاركة
    السلامـ عليكمـ ورحمة الله وبركاته~

    يالله كل هذا مع الكلاب!!،
    وأنا اللي كنت أتمنى أنو أقتني كلب أكرمكم ربي،
    بس ما يجوز،
    شفت مقطع في الوتس
    كلب يهاجم طفلة بعدين تجي وحدة تنقذها
    وهو ماسك في الطفلة ما يفك لين فكتها وبلشت هي
    بعدين جا واحد
    قهرر :""(,
    صراحة ما توقعت يهاجموا بها الشكل
    اللي أعرفه أنو في كلاب مسعورة بـس،
    لكن حتى الكلاب العادية تهاجم غريبة!،
    وصاحبها هو اللي خلاه يهاجمك في أول مرة
    أحس أخاف أكرهها
    ما ودي :"(,
    من يوم شفت مقطع الطفلة
    وأنا مستنكرة
    أحس مصدومة :"(,
    اللي كنت دايم أعرفه مقاطع الجنود لما يخلوها تهجم
    فأعرف إن صاحبه هو السبب
    أما تهجم لحالها!!!،
    ربي يلطف بحالك صراحة أكيد كانت صعبة المواقف عليك
    وكالعادة طريقة السرد رائعة
    ربي يبارك بك
    ويخلصك منهم ومن الخوف بعد
    بعدين الخرافات اللي كنت تسمعها!
    أثرت بك
    كيف يقولوا كذا!!
    واللي أطلقوه عليك يقهرون :"(,
    ربي يبعدنا عن الأشرار في كل مكان!،
    في حفظ المولى،،
    ~


    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    انقطع قلبي على هذه الطفلة المسكينة
    وأسأل الله أن يبعد الكلاب عنا وعن الجميع
    لا أعرف أن الكلاب تهاجم من تلقاء نفسها إلا إن كانت جائعة مثلًا ربما
    أما من يطلقونها عليَّ هكذا فالأغبياء _ للأسف _ أكثر مما ينبغي
    من مدة بسيطة كنت أمشي في منطقة في طريقي إلى صيدلية هناك بعيدة بعض الشيء
    وإذ بشخص معه كلب مخيف فعلًا لكن على مسافة بعيدة وفي ذلك الوقت مَرَّ شاب على دراجته النارية متمهلًا لوجود بعض المارة، فأطلق ذلك الشخص كلبه عليه وكاد الشاب يضرب المارة بدراجته لشدة خوفه من هذه المفاجأة التعيسة
    طبعًا أنا غيرت طريقي بأقصى سرعتي، كي لا أمر بقرب هذا الأحمق
    والله المستعان دومًا


    0 !غير مسموح

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  الأنمي الياباني المترجمة إلى العربية، كما يشمل العديد من الأقسام المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS Google Plus YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
تفعيل البريد
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status