تعيس بئيس! (الحلقة الخامسة)
الكاتب: عمر قزيحة _ عام 1999م.



قبل أن أقول أي شيء، استطرد المدير بصرخة تقطر غضبًا وحقدًا:
_ المفتش الذي انتحلْتَ شخصيته!
وجدتُ نفسي أصرخ مصعوقًا:
_ ماذا؟؟

ردَّ المدير، والغضب يقطر من كل حرفٍ من كلماته :
_ من حسن الحظ أن هاتف المدرسة له شاشة تسجل رقم المتصل، وبعد اتصالك (السخيف) بقليل، أتى عدد لا بأس به من التلاميذ، فاتصلت بالمفتش، لأفاجأ بأن الذي يرد هو صاحب المحل الذي لم ير مفتشًا في حياته، والذي _ وهذا المهم _ أخبرني أن الوحيد الذي اتصل من عنده هو أنت.
هل رأيت تعاسة أكبر من هذه، أو ألعن؟
تمت إحالتي إلى مجلس تأديبي لأتعرض إلى استجوابات لا تنتهي...
لم أكن أفهم ما معنى (مجلس تأديبي) بادئ الأمر، وتخيلت أن (التأديب) سيكون ضربًا عنيفًا كعادتهم الهمجيَّة في التعامل...
غير أن الناظرة أفهمتني الحقيقة، بمنتهى اللطف والهدوء، وابتسامتها على شفتيها!
وكأنها تتحدث عن مكافآت سخية سأنالها!
فمجلس التأديب من صلاحيته طرد التلميذ من يوم إلى ثلاثين يومًا بالحد الأقصى...
شعرتُ كأنما صاعقة هوت فوق رأسي، ولكنها استطردت مبتسمة:
_ وفي حالتك، الأمر يختلف!
هدأت أعصابي قليلًا، لتتابع هي بابتسامتها هذه، حتى تمنيت لو أراها باكية ذات يوم!
_ حالتك فريدة من نوعها، لقد انتحلْتَ شخصية إنسان آخر، وهذه وحدها كفيلة بإدخالك السجن، لو اشتكى المفتش أو حتى المدير، ولكنهم...
ارتجف جسدي من فرط الرعب، لهذه (البشارة) الرائعة!
وشعرتُ بدموعي تسيل خوفَ مجهولٍ ينتظرني...
هل سأدخل السجن؟
يا للهول!!
لم يكن ينقصني إلا هذا!!
واستطردت الناظرة ضاحكة (هذه المرة لم تبتسم، بل ضحكت)!
_ ولكنهم سيرحمونك، افرح بذلك، سيطردونك طردًا نهائيًا فقط، وإياك أن تعتقد أن طردك يشمل هذه السنة وحدها، بل هو (تسويد سجلك) عبر إفادة (سوء سلوك)، تمنعك التسجيل في أية مدرسة كانت، رسمية أو خاصة!
أخذت أرجوها أن تتوسط لي، ولكنها ردت مستنكرة:
_ اسكت! عليك أن تفرح بهذه النتيجة! غيرك لم يكن يحلم بها!
لم أفهم لماذا يجب عليَّ أن أفرح بهذه النتيجة (الخياليَّة) التي لا يحق لغيري حتى أن يحلم بها؟!
ولكني أخذت أتابع الدروس تلك الأيام من دون حماسة، منتظرًا القرار الرهيب...
وفي اليوم الرابع، فوجئت بأحد الأساتذة يدخل صفنا، بل يقتحمه اقتحامًا، مثل الوحوش الثائرة، صارخًا بي:
_ حسام، أسرع، أنت وكتبك، أسرع، هيا.
حملت كتبي، وسط النظرات المشفقة من زملائي، وحتى من أستاذ الصف، الذي نسي أن يلوم صاحبه لهذا الاقتحام العنيف، وهو يتمتم بصوت منخفض:
_ وفقك الله أينما تذهب يا ولدي!
كان موقفًا مؤثرًا دمعت له عيناي، ولم أعد أعرف هل أنا أبكي لأنني مطرود نهائيًا، أم أبكي لحنان شعرت به فجأة وسط ظلمات الحياة القاسية؟!
ما كدت أصل إلى الإدارة، حتى صرخ المدير في وجهي، بلهجة مشفقة:
_ تماك أعصابك، مات أبوك!
شعرتُ بجسدي يرتطم بالأرض بعنف، وبأن سماء الملعب تدور يمينًا ويسارًا، ثم شعرتُ بمن يحملني ويضعني فوق شيء ما، وتأرجح وعيي بين الحضور والغياب، بين التركيز والذهول، وبعد أن استرجعت بعض قوتي، ترك لي المدير المجال للاتصال برقم منزلنا، فاتصلت بأصابع ترتجف، وكانت المفاجأة العنيفة!
لقد سمعتُ صوت والدي يرد:
_ نعم؟ من المتحدث؟
شعرتُ بجسدي يضرب الأرض بعنف، وبآلام هائلة في رأسي قبل أن أفقد وعيي، وحينما أفقتُ بعدها كنتُ في حالة يُرثى لها من الضعف...
وأخذت أفكاري تذهب يمينًا ويسارًا...
كيف خرج أبي من قبره لِيَرُدَّ عليَّ؟!
لا، إنهم لم يدفنوه بعد بكل تأكيد!
لكنه مات، فكيف ردَّ عليَّ وهو ميت!
يبدو أنني أصبْتُ بالجنون!
أظلمت الدنيا أمامي بغتة، واستغرقت بعض الوقت لأفهم أن مصدر الظلام هذا هو المدير الضخم الذي مال بوجهه فوق وجهي، ليصرخ بغتة، ما كاد يمزق طبلة أذني:
_ يا لك من مسكين أبله! وصل إلينا خبر موت رجل في الضيعة، له اسم والدك نفسه، لكن اسم العائلة يختلف، لكني ظننتُ أنك أنت، أعني أنه والدك، لكني...
صرخت في وجهه، من دون أن أتمالك نفسي:
_ لكنك غبي! كدت تصيبني بالجنون! لكنك كدتَ تكسر رأسي! لكنك...
قاطعني بصفعة قاسية دار لها رأسي، قبل أن يبتعد قليلًا، وهو يقول:
_ اليوم صدر قرار المجلس التأديبي، كتبك معك هنا، احملها وإلى بيتكم، طرد بلا رجوع، ملفك (الأسود) لا يشفع لك!
يا للهول!!
صدر قرار بطردي نهائيًا من المدرسة ...
أية مدرسة ...
وكان الانهيار العصبي أكيدًا ...
وبعد خروجي من المستشفى، ذهب بي أهلي إلى منطقة منعزلة تقريبًا في الجبل للاستجمام والنقاهة...
وكانت منطقة رائعة للغاية...
تتوسطها ساقية ماء باردة إلى حد التجمد...
كنا نتسابق، أنا وأخي التوأم، وبعض سكان المنطقة المعدودين، على من يستطيع الصمود، ويده في الساقية المتجمدة، أكثر من سواه...
وصدقًا كانت آلامها قاسية لا يمكن احتمالها!
تضع يدك في الساقية لتشعر كأن هناك من يبتر أصابعك، وتخرجها لا تستطيع تحريكها بسهولة، ولا تصدق نفسك متى تسترجع دفئها!
وهناك، في تلك المنطقة المنعزلة، اقتحمت عالم التأليف القصصي...
وبجوار الساقية كنت أجلس لأكتب فصول روايتي التي بَنَيْتُ عليها آمال مستقبلي...
ومرَّت الأيام هادئة...
وفي اليوم الذي وصلت فيه إلى نهاية القصة، وبينما كنت أكتب الحرف الأخير...
وجدت ذهني يتجه إلى الأيام السوداء التي مرت كالكابوس...
وأخذت أتساءل:
_ هل انتهت هذه الأيام إلى الأبد، وعادت بي الحياة إلى مجراها الطبيعي؟!
وقبل أن ينتهي التساؤل، انزلقت بغتة لأسقط وروايتي هناك...
في الساقية...
شبه المتجمدة!!

تابعوا معنا!

ملحوظة أولى: حادثة المدير الذي قال للتلميذ: (تمالك أعصابك، أبوك مات)، حادثة حقيقية، لكن ما قبلها خيال، كذلك ما بعدها، كنا آنذاك في آخر سنة لنا في المرحلة المتوسطة، وفي صفنا تلميذ، وأخوه في صف أصغر منا، وصل خبر موت والدهما إلى المدرسة، فأرسل المدير يستدعيهما، وابتدر الأخ الأكبر صارخًا في وجهه: (تمالك أعصابك، أبوك مات)! والحمد لله أنه لم يوقعهما بالسكتة القلبية وقتها!
ملحوظة ثانية: الساقية شبه المتجمدة وما وصفتها به هنا، ساقية في منطقة ما، كنا نذهب إليها أحيانًا قليلة في طفولتنا، مع أهلنا لزيارة بعض معارفهم، وبالفعل لم نكن نستطيع وضع أيادينا في مياهها سوى ثوانٍ قليلة جدًا، ولا أذكر أن أحدًا منا تجاوز الثلاث ثوانٍ أو ربما الأربع لـ(البطل فينا)! ولكن، بكل تأكيد، لم أر أحدًا يسقط فيها، ولم أسمع عن شخص حصل له ذلك، والحمد لله!