ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,281
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    حياكم الله تعالى وبيَّاكم

    ثقافة الحمير، مقالة نظمت أفكارها في ذهني وبقي أن أقوم بطباعتها
    وأنوي فعل ذلك في الغد إن شاء الله تعالى، ما لم يأتِنا أي عائق...

    ثقافة الحمير أنطلق فيها من الآية الكريمة
    ومن وصف الله عز وجل من آتاهم العلم ثم رفضوه
    بقوله تعالى:
    {مثل الذين حُمِّلُوا التوراة ثم لم يَحْمِلُوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا}

    محاولًا أن أنظر في بعض آثار هؤلاء في مجتمعاتنا
    من نالوا علمًا ما، أو تبوأوا منصبًا ما (بواسطة مثلًا) وهم فيه لا يفهمون شيئًا أبدًا

    ملتقانا مساء الغد بمشيئة الله تعالى
    تابعونا

    الكاتب: د. عمر قزيحه
    القلمون _ طرابلس/لبنان

    2019م



    1 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

  2. 3 أعضاء شكروا أ. عمر على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,281
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)



    ثقافة الحمير
    الكاتب: د. عمر قزيحه
    في 16 _ 11_ 2019م

    تشهد بلادي من السابع عشر من الشهر الماضي، شهر تشرين الأول، عام 2019م، ثورة تشمل مناطقها كافة تقريبًا، ثورة انطلقت ضد الظلم الفادح بفرض ضرائب عشوائية، والتلويح بموازنات عامة لن تكون (شعبوية)، وإجراءتها ستكون (موجعة) قليلًا، وبغض النظر عن انخفاض القدرة الشرائية، وما أشارت إليه بعض المواقع الإخبارية من إغلاق حوالي 213 مركز تجاري في بيروت وضواحيها، خلال سنة وأشهر مضت، إلا أن الموازنة باتت تنظر إلى جيوب الموظفين العامين، وتقترح خفض جزء من رواتبهم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد!
    ولا أذكر هذا إلا لأصف الجو العام الذي دعانا في لبنان إلى هذه الثورة السلمية، التي لم يحمل فيها أيٌّ من المتظاهرين سلاحًا، بل خرجوا يطالبون بالعيش الكريم فحسب، وضمان الشيخوخة، إذ نرى بعض المتقدمين في السن يبحثون في النفايات عما يأكلونه، وهذه مشكلة كبرى نقع فيها، غير أن اللافت في النظر في هذه الثورة، أنه وفي أيامها الأولى، فوجئ الكل براقصة من الأصدقاء العرب، وليست بلبنانية، أتت لتشارك المتظاهرين، فوقفت في العاصمة بيروت، أمام أحد المساجد، بلباس فاضح جدًا، لا يكاد يستر أكثر مما يبين لترقص (تضامنًا) مع المتظاهرين!
    لقد وصف الله تعالى بني إسرائيل الذين آتاهم الكتاب بما فيه من الآيات البينات، بقوله في سورة الجمعة: {مثل الذين حُمِّلُوا التوراة ثم لم يَحْمِلُوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا}، وذلك لأنهم تجاهلوا العمل بأحكامها، فكان مثلهم كثل الحمار يحمل الكتب الضخمة، لكنه لا يستفيد من حمله إياها، ولا تنفعه بشيء، ولا تزيده حكمة أو علمًا.
    ونحن هنا لا نتهم الناس بأنهم حمير لا سمح الله! بل إننا نعرض إلى حالات لم يكن أصحابها فيها كفؤًا، ونعرض إلى حالات أخرى ربما نصف تصرف أصحابها بالغباء، وسنوضح ذلك جهارًا في موضعه المناسب إن شاء الله تعالى، لكن ما عدا ذلك، نحن نذكر الفعل ونستنكره فحسب، لا أكثر ولا أقل.
    وعلى سبيل الاستنكار، هذه الراقصة تعرف يقينًا أنها ربما كانت حرة في أن تستخدم جسمها في حركات الرقص، وإن كان هذا لا يرضي ربها، لكنها تعرف يقينًا، كذلك، أن عليها احترام الناس، واحترام بيوت الله عز وجل، ووقوفها بهذا الشكل في الشارع تأباه الفطرة السليمة، فما بالها إذ تقف كذلك أمام بيت من بيوت الله عز وجل، وهي لا تستر من جسدها سوى أقل القليل، وفوق ذلك تتمايل بجسدها لترقص؟؟ وهل يكون (التضامن) بهذه التصرفات التي لا تحترم دينًا ولا خلقًا عامًا؟
    وعمومًا أرى أنها تستحق ما تعرضت إليه من الضرب من قبل المتظاهرين، ولا أتعاطف معها إطلاقًا، بكل تأكيد.
    ولكنْ، ما شأن الحمير في المجتمعات العربية؟ من منا لم يسمع بقصة مغزاها عدم استطاعتنا إرضاء الناس جميعًا، وهي قصة جحا وابنه و(الحمار)؟ وللعلم إن جحا ربما يكون شخصية حقيقية، لكن ليس هذا مجال بحثنا، بل إننا ننظر في ثقافة (الحمار) في تأدية الحكمة المطلوبة، إذ ركب جحا الحمار وترك ابنه يمشي، فاعترض الناس لأنه أب قاس بلا قلب، فركب الابن ومشى جحا، فاعترض الناس، لأنه ابن بلا تربية، فركب الاثنان، فاعترض الناس، لأنهما ذوا قلب قاسٍ لا يرحم، فمشى الاثنان، فاعترض الناس، لأنهما مجنونان! أمامهما الحمار ويمشيان، فغضب جحا وحمل الحمار، فاعترض الناس، لأن جحا يركبه الحمار بدلًا من أن يركب هو الحمار!!
    وبغض النظر عن جحا وشخصيته الحقيقية، نجد في أدبنا العربي قصة (إما أن يموت الحمار وإما أن يموت الملك)، ومفادها أن ملكًا أحمق، كان عنده حمار يعتز به، فأراد تعليمه القراءة والكتابة، وانبرى لذلك رجل متحمسًا، أنذره الملك بقطع عنقه لكنه لم يستسلم، وحين رجع إلى بيته، سألته أخته إن كان مجنونًا ليضع نفسه في هذا الفخ، فَرَدَّ مبتسمًا بانتصار، إنه طلب من الملك مهلة عشر سنوات لِيُرْجِعَ إليه الحمار يقرأ ويكتب، مقابل أن يُجْرِي عليه من المال ما يحتاج إليه، إكرامًا للحمار طبعًا! وخلال هذه السنوات العشر: (إما أن أموت أنا وإما أن يموت الحمار وإما أن يموت الملك)!
    نرى أن ثقافة الحمار تبرز لدينا هنا، على أنه حبيب قلب الملوك، والذين ينتظرون منه تحقيق المستحيل، ويرهقون الناس حولهم بالطلب المستحيل أن يحولوا الحمار بني آدم، ومن قبيل ذلك قصة سبق وقرأتها عن عصر مضى، لكني فقدت أثرها، ولم أستطع التحقق من أصلها، والطلب فيها كان نفسه، الوالي يريد أن يعلِّم حماره القراءة، فيتطوَّع شخص من حاشيته، بشرط أن يُجْرِي له الوالي ما يشاء من المال، وذلك ليستطيع القيام بـ(واجب الحمار)، متعهدًا بتنفيذ طلب الوالي خلال خمسة أشهر لا أكثر!
    في تلك القصة، الوالي يوافق، لكن على ارتياب، لكنه يُنْذِر الرجل المتطوع بقطع عنقه إن كان يلعب ويلهو مع الوالي، لكن الرجل يمضي في طريقه، وخلال الأشهر الخمسة يحيا في بذخ بفضل ما يأخذه من بيت المال، ولكنْ، ويا للعجب العجاب، يرجع الرجل بالحمار في نهاية المهلة، ويطلب من الملك اختباره، يضع الملك كتابًا أمام الحمار، فإذ به يُفاجَأ وحاشيته جميعًا، بأن الحمار مد حافره يقلب صفحات الكتاب، وينظر في كل صفحة وينهق نهيقًا متصلًا، ثم يقلب إلى الصفحة الثانية وينظر وينهق، كأنه يقرأ المكتوب، ونال الرجل لذلك مكافأة سخية!
    باختصار، سواء صحت القصة أم لا، فليس هذا الجوهر الأساس، بل ما فيها من استغلال (ثقافة الحمير) في أنفس بعض الناس، فهذا الوالي يظن في حماره القدرة على القراءة، وبالتالي لا بد من تنفيذ رغبته، ولو أنها مستحيلة، مقابل أن نكافئ أنفسنا بالمال الوفير، وبكل بساطة الرجل كان يأتي بصحائف كبيرة مثل الكتب، ويضع بين صفحاتها الشعير، ويفتحها أمام الحمار ليأكل! وبعد ذلك يضعها ويتركها فيفتحها الحمار وحده ويأكل، وإن فتحها ولم يجد فيها شيئًا نهق معترضًا، ومن هنا تأتي المعادلة الثلاثية: ملك أحمق، رجل ذكي، حمار جائع، لِتُشَكِّلَ أمامنا ثقافة نادرة من نوعها، وهي (ثقافة الحمير).
    ولنترك مثل هذه القصص، سواء أكانت صحيحة أم مجرد قصص للطرائف، لننظر في مكانة الحمير وثقافتها فعلًا، في الشعوب القديمة، فهذا آخر خلفاء بني أمية، يقضي سنتين وأشهرًا في الحروب، لينال من الناس آنذاك لقب (الحمار)، وذلك مكافأة له على صبره طبعًا! ويا لها من مكافأة تمثلت له في هذا اللقب الذي حفظته الأجيال المتعاقبة ودوَّنته كتب التاريخ!
    وفي العصر العباسي، كان للحمير دور آخر بالغ الأهمية! فهذا الجاحظ يحدثنا في كتابه (البيان والتبيين، ج1، ص 69)، عن (أبو دبوبة)، ومن هو (أبو دبوبة)؟ إنه شخص يمتلك موهبة نادرة من نوعها، كان يقف كل يوم في باب الكوفة، وينهق! نعم، كان ينهق نهيقًا طويلًا، فتتجاوب معه الحمير في الكوفة، الكبير منها والصغير، السليم والمريض، ولا تتجاوب مع حمار من بني جنسها لو أنه نهق! ولكنْ، مع (أبو دبوبة) الوضع يختلف، والحمير تردد خلفه النهيق، وبكل طاعة! ولمجرد الذكر كان لهذا الرجل (أبو دبوبة) موهبة أخرى في النباح، لِتَرُدَّ معه الكلاب جميعها، ولكنه كان يعتمد إثبات مواهبه بالنهيق أكثر من النباح، حتى اشتهر بذلك!
    وربما يكون من المستساغ قليلًا أن نتقبل فكرة وقوف رجل ينهق كأنه قائد الحمير، وهي تكرر النهيق خلفه، لكن أن نرى الحمار العاشق المتيَّم، الذي مات حبًا وهوى؟ بل وينظم الأشعار في محبوبته الحمارة؟ فهذه مشكلة أخرى تصنف في ثقافات الحمير عبر العالم!
    إنه حمار (أبي العنبس الصيمري)، وهذا المتوكل يسأل أبا العنبس، كيف مات حمارك؟ ولا يتردد الأخير في وصف حماره وصفًا غريبًا، فحماره عنده من العقل أكثر مما عند القضاة أنفسهم، وحماره مات من دون أن يعرف أبو العنبس سبب موته، حتى رآه في المنام، فأخذ أبو العنبس يُذَكِّرُ حماره بأفضاله عليه، إنه ينقي له الشعير قبل أن يطعمه إياه، ويسقيه الماء البارد، فيقول الحمار إنه رأى، عند باب الصيدلاني، أتانًا (حسناء)! وإنه عشقها! واشتد عليه الوجد فمات كمدًا، وإذ بالحمار يغني، بل ينظم شعرًا عروضيًا موزونًا، من بحر مجزوء الرمل:
    هَامَ قَلْبِي بِأَتَانٍ___ عِنْدَ بَابِ الصَّيْدَلَانِي
    تَيَّمَتْنِي يَوْمَ رُحْـنا___بِثَنَايَاهَا الحِسَانِ
    وبِخَدَّيْنِ أسِيْلَيْــ
    ___نِ كَلَونِ الشَّنْقَرَانِي
    فَبِهَا مُتُّ ولَو عِشْــ___تُ إِذًا طَالَ هَوَانِي
    ويسأل المتوكل ما هو (الشنقراني)؟ فيقول الصيمري إن هذا غريب الحمير، أي هذا كلام خاص بالحمير لا يفهمه سواهم، وقال إنه سأل حماره في المنام عن ذلك، فلم يفسر له، بل رد قائلًا: (هذا من غريب الحمير، فإذا لقيتَ حمارًا فاسأله)!
    وحتى الآن الأمر هين ومقبول، لكن المسعودي في مروج الذهب، ج4، ص 10، يذكر أن "طَرِبَ المتوكل وأمر الملهين والمغنين أن يُغَنُّوا في ذلك اليوم بِشعر الحمار، وفرح في ذلك اليوم فرحًا شديدًا، وسُرَّ سرورًا لم يُرَ مثله، وزاد في تكرمة أبي العنبس وجائزته"!
    ولا مشكلة في أن ينال الصيمري جائزة لهذه القصة الطريفة، لكن أن يُرسِل المتوكل الملهين والمغنيين ليغنوا في (ذلك اليوم) شعر الحمار، فهذه ثقافة جديدة من ثقافات اللهو والتسلية، لم نكن نعرف لها مثيلًا قبل الآن!
    ونرجع إلى عصرنا الحديث، ماذا قلنا قبل الآن عن الخليفة الأموي الأخير؟ يبدو أن اللقب هذا لا يتوقف عندنا، نحن العرب فحسب، فهذا آرييل أورتيغا، لاعب الأرجنتين الدولي السابق، أثار إعجاب الجماهير بسبب اندفاعه بقوة وإخلاص داخل الملعب، بين اللاعبين، رغم قامته القصيرة وحجمه الأقرب إلى البدانة، فكان أن أعطته جماهيره لقب الجحش، أو (الحمار الصغير) كتعبير عن إعجابها به! ولم يشفع لهذا (المسكين) أنه (نطح) حارس مرمى هولندا في ربع نهائي مونديال 1998 برأسه، ونال البطاقة الحمراء، إذ لم تغير الجماهير نظرتها إليه، ولا لقبه الذي (يستحقه بنظرها)!!
    ولماذا نستفيض يمينًا ويسارًا في كل الاتجاهات ونترك الحوادث الشخصية التي مررنا بها مع بعض الناس، ممن نستنكر فعالهم، وإن كنا لا نصفهم بأي وصف مهين أو مسيء، لكننا نستغرب فعلًا وضعهم مواضع مسؤولية، وهم لا يفهمونها، أو لا يفهمون بالشكل العام، أو يتصرفون بتصرفات رعناء، انطلاقًا من حماسة عاطفية لا تستند إلى الواقع أمامهم، حتى لو لم يكونوا موظفين بالفعل؟
    فها أنا ذا، يومًا ما، ومعي أحد أطفال أختي، أريد أن أساعد في تيسير أمره في معاملة ما، وإذ بالحارس على باب المؤسسة يسألني من يكون هذا الولد؟ وذلك لأنه في المعتاد، يُمْنَع دخول الأطفال، لكن لهذا الولد وإخوته وضع متميز ولا يحق لأحد منعهم، أخبرته أن هذا الولد، قد (مات) أبوه، وهو من (شهداء) المؤسسة العسكرية، وإذ بالموظف يهتف كأنه اكتشف اكتشافًا ما: (عرفتك، عرفتك)!
    نظرت إليه بتركيز، ترى هل هو تلميذ سابق لي، وقد تذكرني الآن؟ لكن أعتقد أن عينيَّ اتسعتا عن آخرهما، إعجابًا به وانبهارًا، وهو يتابع بحماسته هذه: (أنت أبوه)! أطلقْتُ من فمي صفير إعجاب طويل، مع أني لا أحب الصفير في المعتاد، لكن لم أجد وسيلة أخرى للتعبير عن (ذهولي) بهذه الثقافة الفذة في رأس الحارس، وهتفت به بأسلوب جاد لا أثر للمزاح فيه: (أحسنت، أحسنت! نعم، أنا أبوه! خرجت من القبر وأتيتُ إليك بالولد لأقوم بإنجاز معاملته وأذهب إلى قبري وأنام مرتاحًا فيه مرة أخرى)!
    ورغم ذلك أجاب الأخ أنه لم يفهم، فدفعتُه بيدي جانبًا، وأنا أقول له: (ابتعد، ليس عندي وقت للعب معك الآن، أنا مشغول كما ترى)، ودخلتُ لأزور عدة مكاتب هناك، واحدًا تلو الآخر، حتى أنجز المعاملة المطلوبة، وذهني غير متفرغ لسماع الترهات، المتمثلة في الإجابات العبقرية الفذة!
    وبما أنني ذكرت كون الولد ابن رجل من (شهداء المؤسسة العسكرية)، فإنه من المعروف لدينا، في منطقتنا، وفي كل الوكالات الإخبارية، أن عناصر داعش دخلت بلادنا من سنوات، وكان لها موقعة قاسية مع الجيش، ومن نتيجتها أسر عدد من عناصرنا العسكرية، ومن ضمنهم صهري رحمه الله، وما أذكر هذا إلا لأمر أثار في نفسي مزيجًا من الشفقة والغضب، الغضب من الناظر، والشفقة على زميلة لي في التدريس لم أرها من قبل، ولا أعرف حتى اسمها، لما نالها بسبب محاولة الناظر أن يعرِّفنا أنا وإياها!
    تلك ثانوية في منطقة بعيدة، علَّمْتُ فيها ست سنوات، أو لنقل علَّمتُ فيها أربع سنوات وبداية الخامسة، قبل أن ينخفض برنامجي هناك إلى يوم واحد فحسب، ومن دون تدريس، إذ ملأت نصابي القانوني في التدريس كاملًا في ثانوية أخرى قرب منطقتي، وفي السنة المذكورة هذه، السنة الخامسة، انضم عدد من المعلمين إلى الثانوية البعيدة، وبالتأكيد لن أعرفهم، ولكنْ، في أحد الأيام التي عندي دوام هناك، أمسك بي أحد النظار، وكان يحبني فعلًا، وأراد أن يُعَرِّفَنِي الزملاء الجدد، وذلك توددًا، مع أنني كنت راغبًا عن ذلك، ولكنه أخذني معه إلى غرفة المعلمين، وما كاد يرى إحدى هؤلاء المعلمات الجدد، حتى اتجه نحوها، وانتظر حتى بدأت تشرب قهوتها، ليصرخ في وجهها مشيرًا إليَّ: (انظري إليه! هذا الرجل، صهره مع داعش)!
    وهَبَّتِ المسكينة من مكانها صارخة برعب: (ولي!! لماذا؟ لماذا؟ لـ... لـ...) واختنق صوتها مما أصابها، وخشينا عليها من أن تقع مغشيًا عليها، فأسرعت أوضح لها: (ليس معهم، هو عسكري، لكنهم خطفوه، ليس منهم، اطمئني)، وهنا عاد إليها الاطمئنان لتتذكر فقط أنها تشم رائحة اللحم المشوي _ كما قالت لنا لاحقًا _ وتقفز من مكانها صارخة بألم شديد، بسبب القهوة التي نزلت على رقبتها مع صياح الناظر المتودد!!
    ولئن كاد الناظر يتسبب لهذه المسكينة بالحريق، فإنه كاد يتسبَّب لي بالقتل مرة أخرى وهذا اليوم يتكرَّر في الأسبوع التالي، وها أنذا أصل إلى ثانويتي هذه، لكن متأخرًا عن الحصة الأولى، إذ إن دوامي هناك ما يعادل حصتين، لكن من دون تدريس كما سبق وأوضحْتُ، قلت لعلي بهذا التأخير لا أرى هذا الناظر (المتحمس)، لكني فوجئتُ به ينتظرني في غرفة المعلمين، وزميلة جديدة أخرى كانت تأكل الكاتو من صحن بلاستيك، لكن معها سكينة عادية (لا سكينة بلاستيك)، وإذ بالناظر يهتف، بل يصرخ في وجهها كالرعد الهادر: (انظري إليه، انظري)، نظرت المسكينة غير فاهمة شيئًا، وفمها مليء بالكاتو، وإذ به يشير إليَّ صارخًا باللهجة ذاتها: (هذا، صهره مع داعش)!
    ووثبت المسكينة والسكين في يدها تكاد تولجها في عنقي من دون أن تنتبه، وهي تصرخ في توحش: (كيف؟ لماذا؟ متى؟ كيف)؟ أسرعت أهتف بها وأنا أبتعد بقدر المستطاع عن مرمى السكين، والموت يتراقص أمام عيني: (صهري في الجيش، في الجيش، لكنه مخطوف، مخطووووووف من قِبَلِهِم)، ورغم ذلك ظلت السكينة على مرمى سنتيمرات من رقبتي المسكينة، قبل أن تبعدها مني، ولم ينفعها صراخها بعد ذلك، حسرة على قطع الكاتو التي وقعت على الأرض مع قفزها المجنون ذاك!
    وربما تكون أسوأ ثقافة بالفعل، هي ثقافة (الأمانة) التي تأتي في غير موضعها، لِتُسَبِّبَ الأذى للآخرين والضرر، ونشعر نحن براحة الضمير، لأننا (أدَّينا الأمانة) حتى لو كنا أدَّيناها في غير وقتها أو مكانها!
    يومها، وكان هذا اليوم بعيدًا جدًا في مسرى الزمان، لا أذكر هل مضى عليه ربع قرن أم أقل من ذلك قليلًا؟ ولكني أذكر أنني وشخص ما، دخلنا أحد الأفران في ضيعتنا، وكان رفيقي يريد أن يشتري عددًا من (الكرواسان)، ولقد فعل، وأعطى العامل هناك ورقة نقدية، وأرجع إليه الأخير ما تبقى له من المال.
    وإلى هنا والأمر بسيط، لولا أن انتبه صاحبي، بعدما غادرنا الفرن، إلى أن العامل أعاد إلينا (ألف ليرة زائدة)، أي ثمن قطعة كرواسان واحدة، وقرَّر الفتى أن يذهب سريعًا إلى الفرن لِ(يــَرُدَّ الحق) إلى العامل، فنصحْتُهُ ألا يفعل ذلك (الآن)، وركَّزْتُ له على كلمة (الآن)، فصاحب الفرن موجود، ولو علم بخطأ العامل فسيقف الأخير موقفًا بائسًا فعلًا، ولكن الفتى ركبه العناد، فأسرع إلى الفرن راكضًا، وأنا خلفه أناديه، ليدخل هاتفًا بالعامل، مخبرًا إياه أنه أرجع إليه ألف ليرة زائدة، و(ها هي الألف)، و(الأمانة ثقيلة لا تحملها الجبال)، ليحتقن وجه العامل، وينفجر صاحب الفرن في وجهه متهمًا إياه بالغباء وانعدام الفهم، وأنه لا يمكن الاعتماد عليه، ووجدها فرصة طيبة له، لينعت العامل عنده بنعوت الحمار وكل ما يَمُتُّ إليها بِصِلة، وبعد ذلك طرده نهائيًا، لكن ليس في وقتها تمامًا، بل بعد أيام قليلة، وأتى بعامل آخر!
    ولا أعرف هل لهذه (الأمانة الزائدة عن حدها) سبب أساسي؟ أو للدقة هل هي السبب الوحيد، فهي حتمًا سبب أساسي، أم أن هناك أسبابًا أخرى تضافرت كذلك ليجد الشاب نفسه من دون عمله؟ لكني أعرف أن صاحبنا تسبب له بكثير من الأذى، معنويًا على الأقل، وما أصعب أن تصف شابًا ما بأنه حمار، لهفوة بسيطة وقع فيها من دون أن يدري ذلك أو يقصد!
    وما تزال مقالتنا (ثقافة الحمير) مستمرة إن شاء الله تعالى،
    فإلى الملتقى في الجزء الثاني في الغد، بما أنني لم أستطع نهائيًا طباعته اليوم بعدما أنهيت الجزء الأول.


    عمر قزيحة: الساعة السابعة إلا ربعًا صباحًا.



    2 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

  4. #3
    الصورة الرمزية سلمى1415

    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المـشـــاركــات
    3,352
    الــــدولــــــــة
    الجزائر
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    و عليكم السلام رحمة الله و بركاته
    ماشاء الله طرح مميز أستاذ عمر و تحليل راااائع
    لطالما ابتعدت عن اي نقاش سياسي ليس لشيء و لكن لأريح رأسي من نقاش يكاد ينعدم فيه الوعي و الحكمة, خصوصا أننا شهدنا قبلكم مظاهرات سلمية
    شخصيا لست ضد المظاهرات ابدا لكن رأيي من رأيك , داخل الحشود تعددت الشخصيات و اختلفت النوايا, حتى اكاد أجزم أنك لو تسأل أي شخص عن هدفه من التظاهر و ماذا يريد لن تجد سوى 1 أو 2 % من الناس اجاباتهم تحمل مغزى منطقي و الباقي تعددت أسبابه : من كرهت المكوث في البيت فخرجت مع صديقاتها , من تشاجرت مع زوجها فخرجت في المظاهرة لتنسى همّها , من تبحث عن فارس أحلامها ....و و و الخ
    حتى مرة سألَتْني فتاة كانت معي في الترامواي لماذا لا تأتي الى المظاهرة فأجبتها, إن كان عن حب البلد فالأولى أن أذهب إلى المختبر و أنهي بحثي الدراسي لعلي أكتشف شيء يفيد الناس و يمنعهم من عدة أمراض , و أنتِ ماذا ستفعلين في المظاهرة قالت بصراحة لا شيء نجتمع نحن الشباب و نغني ثم نذهب إلى البيت ....فقلت رجاءا لا تنسو تنظيف الطرقات قبل عودتكم الى بيوتكم ......و طبعا لما ذهبتُ الى الجامعة وجدتهم في اضراب و كان هناك مجموعة من الشباب يمثلون الطلبة يمنعون أي أحد من الدخول ...هممت أن أدخل قاطعني أحدهم بيده و قال إلى أين قلت الى المختبر عندي عمل تطبيقي هام و مذركتي لا تستطيع الانتظار فتخرّجي سيكون بعد أشهر قليلة , فنظر لي باستغراب و قال ادخلي ......لا أدري لماذا صار منظور الناس ضيق إلي هذه الدرجة .....أليس العلم هو من يرفع الانسان و به تتقدم البلاد ...
    أما عن ثقافة الحمير التي ذكرتها فنحن فعلا نعيشها .....يعطون الاختصاص لغير أهله أما من يستحق ذلك فيتركونه إلى أن يأخذ الله أمانته ....

    أنار الله دربك و جعلك نبراسا تنير عتمة من حولك
    في حفظ الرحمن



    0 !غير مسموح





  5. #4
    الصورة الرمزية Moroboshi Dai

    تاريخ التسجيل
    Oct 2017
    المـشـــاركــات
    2,646
    الــــدولــــــــة
    تونس
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)



    دوّنتُ أكثر من ملاحظة ....
    لي عودة إن شاء الله أستاذ

    في أمان الله







    0 !غير مسموح


    شُكرًآ لُوف بحجم الكون على الإهداء الجميل (#^.^#)

  6. #5
    الصورة الرمزية Moroboshi Dai

    تاريخ التسجيل
    Oct 2017
    المـشـــاركــات
    2,646
    الــــدولــــــــة
    تونس
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)



    السلام عليكم أستاذ
    على الشبكة العنكبوتية هناك مقالات حول "خريطة برنارد لويس " مؤرّخ وباحث إسراتيجي بريطانى عمل مع الكنغرس الأمريكي الخريطة تبين تفكيك وتقسّم الدول العربية من خلال إستغلال الأحداث لتأليب المجتمعات وبث الفتنه لنشر الحقد الطبقي بين فئات المجتمع الواحد لتعميق الخلافات وضرب استقرار الشعوب وسلامتها
    لينتهي الأمر بالتقسيم ومن بين هذه الدول لبنان



    أول الشرارة كانت من تونس يعني من بلدي وأهل مكة أدرى بشعابها متشرّد بائع على عربة بدون رخصة قانونية عديم الأخلاق يهين إمرأة عَون في البلدية يخدش حياءها فردة فعلها كانت عادية فصفعته وأمام هستيريته وغضبه وكيف لإمرأة أن تصفع رجل حرق نفسه والغريب في الأمر أن والدته وأخته بعد الحادثة وماصار من أحداث أسكنوهما في إحدى الضواحي الراقية لتونس العاصمة ثم هجّروهما إلى كندا حيث السعادة والهناء !! فصُناع القرار هيّجوا الناس وأحدثوا القلائل ولسان حالهم قول الامام الشافعي إذا هبّت رياحك فاغتنمها أُستعملت المنابر الإعلامية المعروفة عالميا للتجييش وقلب الحقيقة فخرج الرعاع مسلبي العقول ولقنهم شعارت رنانة إلى أن صارت أحداث مؤسفة قتل وسفك دماء إلخ ونهاية الحلقة قالو "الإعلام الخارجي" أن رئيس تونس هرب بل تماشيا مع الموضوع والحمير صدّق الناس نهم أطردوا رئيس دولة قوية في أمنها لا وتلكم المنابر الإعلامية أخرجت إشاعة هي صحيحة بالنسبة لمسلوبي العقول أن الرئيس في طائرته معلق في السماء وكل مرة يتجه إلى دولة وترفضه والحال أن وجهته محددة مُسبقا ...
    9 سنوات بعد،،أصبحنا في لا دولة تم تمييع رموز بُناة الوطن رأينا السواد في كل شيء بعد ماكان شعب مُتحفظ أصبح المواطن المحافظ يذهب بساقيه إلى نشر فضائحه علنا فضلا عن خدش الحياء في كثير من منبر إعلامي حى أن سمعنا على الهواء أكثر من مرة سب الجلالة أما عن الحالة الإقتصادية وتدني القدرة الشرائية فحدث ولا حرج
    مثال يتكرر في لبنان إستحمار الناس وقيادتهم للوصول إلى نتيجة مدبرة بليل فوضى تناحر تدني مستوى معيشي،،،
    ومن هذا المنطلق الراقصة ومافعلته ليس عبثا بل هناك من وراءها وفق إستراتيجية ذات أبعاد رمزية توضع في إطارها تمهيدا لأشياء قادمة وقد حدث في بلادنا أكثر من هذا فهذه الراقصة على الأقل إرتدت مايستر بعضا منها
    بخصوص إقتباسك من مروج الذهب فالمسعودي معروف مذهبه وباتالي ستجد الكثير من القصص التي لا تصح قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المنهاج (4/84) : (( ... وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلاَّ الله تعالى ، فكيف يوثقُ بحكايةٍ منقطعةِ الإسناد ، في كتابٍ قد عرِفَ بكثرة الكذِب ... )).
    أختم بقول الله عزّ وجل: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )
    [البقرة : 120]
    .
    شكرا على جرأة الطرح
    تحية من القلب




    0 !غير مسموح


    شُكرًآ لُوف بحجم الكون على الإهداء الجميل (#^.^#)

  7. #6
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    5,344
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    وعليكمـ السلامـ ورحمة الله وبركاته~

    لا أدري بما أعلق،
    فالحال يزداد سوءا،
    يارب خلصنا مما نجد،
    واكتب لنا الخير واصرف الشر عنا،
    اكتم في نفسي الكثير،
    وأسألك ربي،
    وحدك من تعلم!!،
    يارب

    ما شاء الله الموضوع جميل جداً،
    يجذبنا لكتابة مقالة يوماً ما، هذا إن أصبحت بربع مستواها،
    ما شاء الله تبارك الرحمن،
    بوركت يارب
    ~


    0 !غير مسموح

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  الأنمي الياباني المترجمة إلى العربية، كما يشمل العديد من الأقسام المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS Google Plus YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
تفعيل البريد
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status