ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 11 من 11
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,290
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    حياكم الله تعالى وبيَّاكم

    ثقافة الحمير، مقالة نظمت أفكارها في ذهني وبقي أن أقوم بطباعتها
    وأنوي فعل ذلك في الغد إن شاء الله تعالى، ما لم يأتِنا أي عائق...

    ثقافة الحمير أنطلق فيها من الآية الكريمة
    ومن وصف الله عز وجل من آتاهم العلم ثم رفضوه
    بقوله تعالى:
    {مثل الذين حُمِّلُوا التوراة ثم لم يَحْمِلُوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا}

    محاولًا أن أنظر في بعض آثار هؤلاء في مجتمعاتنا
    من نالوا علمًا ما، أو تبوأوا منصبًا ما (بواسطة مثلًا) وهم فيه لا يفهمون شيئًا أبدًا

    ملتقانا مساء الغد بمشيئة الله تعالى
    تابعونا

    الكاتب: د. عمر قزيحه
    القلمون _ طرابلس/لبنان

    2019م



    1 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

  2. 3 أعضاء شكروا أ. عمر على هذا الموضوع المفيد:


  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,290
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)



    ثقافة الحمير
    الكاتب: د. عمر قزيحه
    في 16 _ 11_ 2019م

    تشهد بلادي من السابع عشر من الشهر الماضي، شهر تشرين الأول، عام 2019م، ثورة تشمل مناطقها كافة تقريبًا، ثورة انطلقت ضد الظلم الفادح بفرض ضرائب عشوائية، والتلويح بموازنات عامة لن تكون (شعبوية)، وإجراءتها ستكون (موجعة) قليلًا، وبغض النظر عن انخفاض القدرة الشرائية، وما أشارت إليه بعض المواقع الإخبارية من إغلاق حوالي 213 مركز تجاري في بيروت وضواحيها، خلال سنة وأشهر مضت، إلا أن الموازنة باتت تنظر إلى جيوب الموظفين العامين، وتقترح خفض جزء من رواتبهم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد!
    ولا أذكر هذا إلا لأصف الجو العام الذي دعانا في لبنان إلى هذه الثورة السلمية، التي لم يحمل فيها أيٌّ من المتظاهرين سلاحًا، بل خرجوا يطالبون بالعيش الكريم فحسب، وضمان الشيخوخة، إذ نرى بعض المتقدمين في السن يبحثون في النفايات عما يأكلونه، وهذه مشكلة كبرى نقع فيها، غير أن اللافت في النظر في هذه الثورة، أنه وفي أيامها الأولى، فوجئ الكل براقصة من الأصدقاء العرب، وليست بلبنانية، أتت لتشارك المتظاهرين، فوقفت في العاصمة بيروت، أمام أحد المساجد، بلباس فاضح جدًا، لا يكاد يستر أكثر مما يبين لترقص (تضامنًا) مع المتظاهرين!
    لقد وصف الله تعالى بني إسرائيل الذين آتاهم الكتاب بما فيه من الآيات البينات، بقوله في سورة الجمعة: {مثل الذين حُمِّلُوا التوراة ثم لم يَحْمِلُوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا}، وذلك لأنهم تجاهلوا العمل بأحكامها، فكان مثلهم كثل الحمار يحمل الكتب الضخمة، لكنه لا يستفيد من حمله إياها، ولا تنفعه بشيء، ولا تزيده حكمة أو علمًا.
    ونحن هنا لا نتهم الناس بأنهم حمير لا سمح الله! بل إننا نعرض إلى حالات لم يكن أصحابها فيها كفؤًا، ونعرض إلى حالات أخرى ربما نصف تصرف أصحابها بالغباء، وسنوضح ذلك جهارًا في موضعه المناسب إن شاء الله تعالى، لكن ما عدا ذلك، نحن نذكر الفعل ونستنكره فحسب، لا أكثر ولا أقل.
    وعلى سبيل الاستنكار، هذه الراقصة تعرف يقينًا أنها ربما كانت حرة في أن تستخدم جسمها في حركات الرقص، وإن كان هذا لا يرضي ربها، لكنها تعرف يقينًا، كذلك، أن عليها احترام الناس، واحترام بيوت الله عز وجل، ووقوفها بهذا الشكل في الشارع تأباه الفطرة السليمة، فما بالها إذ تقف كذلك أمام بيت من بيوت الله عز وجل، وهي لا تستر من جسدها سوى أقل القليل، وفوق ذلك تتمايل بجسدها لترقص؟؟ وهل يكون (التضامن) بهذه التصرفات التي لا تحترم دينًا ولا خلقًا عامًا؟
    وعمومًا أرى أنها تستحق ما تعرضت إليه من الضرب من قبل المتظاهرين، ولا أتعاطف معها إطلاقًا، بكل تأكيد.
    ولكنْ، ما شأن الحمير في المجتمعات العربية؟ من منا لم يسمع بقصة مغزاها عدم استطاعتنا إرضاء الناس جميعًا، وهي قصة جحا وابنه و(الحمار)؟ وللعلم إن جحا ربما يكون شخصية حقيقية، لكن ليس هذا مجال بحثنا، بل إننا ننظر في ثقافة (الحمار) في تأدية الحكمة المطلوبة، إذ ركب جحا الحمار وترك ابنه يمشي، فاعترض الناس لأنه أب قاس بلا قلب، فركب الابن ومشى جحا، فاعترض الناس، لأنه ابن بلا تربية، فركب الاثنان، فاعترض الناس، لأنهما ذوا قلب قاسٍ لا يرحم، فمشى الاثنان، فاعترض الناس، لأنهما مجنونان! أمامهما الحمار ويمشيان، فغضب جحا وحمل الحمار، فاعترض الناس، لأن جحا يركبه الحمار بدلًا من أن يركب هو الحمار!!
    وبغض النظر عن جحا وشخصيته الحقيقية، نجد في أدبنا العربي قصة (إما أن يموت الحمار وإما أن يموت الملك)، ومفادها أن ملكًا أحمق، كان عنده حمار يعتز به، فأراد تعليمه القراءة والكتابة، وانبرى لذلك رجل متحمسًا، أنذره الملك بقطع عنقه لكنه لم يستسلم، وحين رجع إلى بيته، سألته أخته إن كان مجنونًا ليضع نفسه في هذا الفخ، فَرَدَّ مبتسمًا بانتصار، إنه طلب من الملك مهلة عشر سنوات لِيُرْجِعَ إليه الحمار يقرأ ويكتب، مقابل أن يُجْرِي عليه من المال ما يحتاج إليه، إكرامًا للحمار طبعًا! وخلال هذه السنوات العشر: (إما أن أموت أنا وإما أن يموت الحمار وإما أن يموت الملك)!
    نرى أن ثقافة الحمار تبرز لدينا هنا، على أنه حبيب قلب الملوك، والذين ينتظرون منه تحقيق المستحيل، ويرهقون الناس حولهم بالطلب المستحيل أن يحولوا الحمار بني آدم، ومن قبيل ذلك قصة سبق وقرأتها عن عصر مضى، لكني فقدت أثرها، ولم أستطع التحقق من أصلها، والطلب فيها كان نفسه، الوالي يريد أن يعلِّم حماره القراءة، فيتطوَّع شخص من حاشيته، بشرط أن يُجْرِي له الوالي ما يشاء من المال، وذلك ليستطيع القيام بـ(واجب الحمار)، متعهدًا بتنفيذ طلب الوالي خلال خمسة أشهر لا أكثر!
    في تلك القصة، الوالي يوافق، لكن على ارتياب، لكنه يُنْذِر الرجل المتطوع بقطع عنقه إن كان يلعب ويلهو مع الوالي، لكن الرجل يمضي في طريقه، وخلال الأشهر الخمسة يحيا في بذخ بفضل ما يأخذه من بيت المال، ولكنْ، ويا للعجب العجاب، يرجع الرجل بالحمار في نهاية المهلة، ويطلب من الملك اختباره، يضع الملك كتابًا أمام الحمار، فإذ به يُفاجَأ وحاشيته جميعًا، بأن الحمار مد حافره يقلب صفحات الكتاب، وينظر في كل صفحة وينهق نهيقًا متصلًا، ثم يقلب إلى الصفحة الثانية وينظر وينهق، كأنه يقرأ المكتوب، ونال الرجل لذلك مكافأة سخية!
    باختصار، سواء صحت القصة أم لا، فليس هذا الجوهر الأساس، بل ما فيها من استغلال (ثقافة الحمير) في أنفس بعض الناس، فهذا الوالي يظن في حماره القدرة على القراءة، وبالتالي لا بد من تنفيذ رغبته، ولو أنها مستحيلة، مقابل أن نكافئ أنفسنا بالمال الوفير، وبكل بساطة الرجل كان يأتي بصحائف كبيرة مثل الكتب، ويضع بين صفحاتها الشعير، ويفتحها أمام الحمار ليأكل! وبعد ذلك يضعها ويتركها فيفتحها الحمار وحده ويأكل، وإن فتحها ولم يجد فيها شيئًا نهق معترضًا، ومن هنا تأتي المعادلة الثلاثية: ملك أحمق، رجل ذكي، حمار جائع، لِتُشَكِّلَ أمامنا ثقافة نادرة من نوعها، وهي (ثقافة الحمير).
    ولنترك مثل هذه القصص، سواء أكانت صحيحة أم مجرد قصص للطرائف، لننظر في مكانة الحمير وثقافتها فعلًا، في الشعوب القديمة، فهذا آخر خلفاء بني أمية، يقضي سنتين وأشهرًا في الحروب، لينال من الناس آنذاك لقب (الحمار)، وذلك مكافأة له على صبره طبعًا! ويا لها من مكافأة تمثلت له في هذا اللقب الذي حفظته الأجيال المتعاقبة ودوَّنته كتب التاريخ!
    وفي العصر العباسي، كان للحمير دور آخر بالغ الأهمية! فهذا الجاحظ يحدثنا في كتابه (البيان والتبيين، ج1، ص 69)، عن (أبو دبوبة)، ومن هو (أبو دبوبة)؟ إنه شخص يمتلك موهبة نادرة من نوعها، كان يقف كل يوم في باب الكوفة، وينهق! نعم، كان ينهق نهيقًا طويلًا، فتتجاوب معه الحمير في الكوفة، الكبير منها والصغير، السليم والمريض، ولا تتجاوب مع حمار من بني جنسها لو أنه نهق! ولكنْ، مع (أبو دبوبة) الوضع يختلف، والحمير تردد خلفه النهيق، وبكل طاعة! ولمجرد الذكر كان لهذا الرجل (أبو دبوبة) موهبة أخرى في النباح، لِتَرُدَّ معه الكلاب جميعها، ولكنه كان يعتمد إثبات مواهبه بالنهيق أكثر من النباح، حتى اشتهر بذلك!
    وربما يكون من المستساغ قليلًا أن نتقبل فكرة وقوف رجل ينهق كأنه قائد الحمير، وهي تكرر النهيق خلفه، لكن أن نرى الحمار العاشق المتيَّم، الذي مات حبًا وهوى؟ بل وينظم الأشعار في محبوبته الحمارة؟ فهذه مشكلة أخرى تصنف في ثقافات الحمير عبر العالم!
    إنه حمار (أبي العنبس الصيمري)، وهذا المتوكل يسأل أبا العنبس، كيف مات حمارك؟ ولا يتردد الأخير في وصف حماره وصفًا غريبًا، فحماره عنده من العقل أكثر مما عند القضاة أنفسهم، وحماره مات من دون أن يعرف أبو العنبس سبب موته، حتى رآه في المنام، فأخذ أبو العنبس يُذَكِّرُ حماره بأفضاله عليه، إنه ينقي له الشعير قبل أن يطعمه إياه، ويسقيه الماء البارد، فيقول الحمار إنه رأى، عند باب الصيدلاني، أتانًا (حسناء)! وإنه عشقها! واشتد عليه الوجد فمات كمدًا، وإذ بالحمار يغني، بل ينظم شعرًا عروضيًا موزونًا، من بحر مجزوء الرمل:
    هَامَ قَلْبِي بِأَتَانٍ___ عِنْدَ بَابِ الصَّيْدَلَانِي
    تَيَّمَتْنِي يَوْمَ رُحْـنا___بِثَنَايَاهَا الحِسَانِ
    وبِخَدَّيْنِ أسِيْلَيْــ
    ___نِ كَلَونِ الشَّنْقَرَانِي
    فَبِهَا مُتُّ ولَو عِشْــ___تُ إِذًا طَالَ هَوَانِي
    ويسأل المتوكل ما هو (الشنقراني)؟ فيقول الصيمري إن هذا غريب الحمير، أي هذا كلام خاص بالحمير لا يفهمه سواهم، وقال إنه سأل حماره في المنام عن ذلك، فلم يفسر له، بل رد قائلًا: (هذا من غريب الحمير، فإذا لقيتَ حمارًا فاسأله)!
    وحتى الآن الأمر هين ومقبول، لكن المسعودي في مروج الذهب، ج4، ص 10، يذكر أن "طَرِبَ المتوكل وأمر الملهين والمغنين أن يُغَنُّوا في ذلك اليوم بِشعر الحمار، وفرح في ذلك اليوم فرحًا شديدًا، وسُرَّ سرورًا لم يُرَ مثله، وزاد في تكرمة أبي العنبس وجائزته"!
    ولا مشكلة في أن ينال الصيمري جائزة لهذه القصة الطريفة، لكن أن يُرسِل المتوكل الملهين والمغنيين ليغنوا في (ذلك اليوم) شعر الحمار، فهذه ثقافة جديدة من ثقافات اللهو والتسلية، لم نكن نعرف لها مثيلًا قبل الآن!
    ونرجع إلى عصرنا الحديث، ماذا قلنا قبل الآن عن الخليفة الأموي الأخير؟ يبدو أن اللقب هذا لا يتوقف عندنا، نحن العرب فحسب، فهذا آرييل أورتيغا، لاعب الأرجنتين الدولي السابق، أثار إعجاب الجماهير بسبب اندفاعه بقوة وإخلاص داخل الملعب، بين اللاعبين، رغم قامته القصيرة وحجمه الأقرب إلى البدانة، فكان أن أعطته جماهيره لقب الجحش، أو (الحمار الصغير) كتعبير عن إعجابها به! ولم يشفع لهذا (المسكين) أنه (نطح) حارس مرمى هولندا في ربع نهائي مونديال 1998 برأسه، ونال البطاقة الحمراء، إذ لم تغير الجماهير نظرتها إليه، ولا لقبه الذي (يستحقه بنظرها)!!
    ولماذا نستفيض يمينًا ويسارًا في كل الاتجاهات ونترك الحوادث الشخصية التي مررنا بها مع بعض الناس، ممن نستنكر فعالهم، وإن كنا لا نصفهم بأي وصف مهين أو مسيء، لكننا نستغرب فعلًا وضعهم مواضع مسؤولية، وهم لا يفهمونها، أو لا يفهمون بالشكل العام، أو يتصرفون بتصرفات رعناء، انطلاقًا من حماسة عاطفية لا تستند إلى الواقع أمامهم، حتى لو لم يكونوا موظفين بالفعل؟
    فها أنا ذا، يومًا ما، ومعي أحد أطفال أختي، أريد أن أساعد في تيسير أمره في معاملة ما، وإذ بالحارس على باب المؤسسة يسألني من يكون هذا الولد؟ وذلك لأنه في المعتاد، يُمْنَع دخول الأطفال، لكن لهذا الولد وإخوته وضع متميز ولا يحق لأحد منعهم، أخبرته أن هذا الولد، قد (مات) أبوه، وهو من (شهداء) المؤسسة العسكرية، وإذ بالموظف يهتف كأنه اكتشف اكتشافًا ما: (عرفتك، عرفتك)!
    نظرت إليه بتركيز، ترى هل هو تلميذ سابق لي، وقد تذكرني الآن؟ لكن أعتقد أن عينيَّ اتسعتا عن آخرهما، إعجابًا به وانبهارًا، وهو يتابع بحماسته هذه: (أنت أبوه)! أطلقْتُ من فمي صفير إعجاب طويل، مع أني لا أحب الصفير في المعتاد، لكن لم أجد وسيلة أخرى للتعبير عن (ذهولي) بهذه الثقافة الفذة في رأس الحارس، وهتفت به بأسلوب جاد لا أثر للمزاح فيه: (أحسنت، أحسنت! نعم، أنا أبوه! خرجت من القبر وأتيتُ إليك بالولد لأقوم بإنجاز معاملته وأذهب إلى قبري وأنام مرتاحًا فيه مرة أخرى)!
    ورغم ذلك أجاب الأخ أنه لم يفهم، فدفعتُه بيدي جانبًا، وأنا أقول له: (ابتعد، ليس عندي وقت للعب معك الآن، أنا مشغول كما ترى)، ودخلتُ لأزور عدة مكاتب هناك، واحدًا تلو الآخر، حتى أنجز المعاملة المطلوبة، وذهني غير متفرغ لسماع الترهات، المتمثلة في الإجابات العبقرية الفذة!
    وبما أنني ذكرت كون الولد ابن رجل من (شهداء المؤسسة العسكرية)، فإنه من المعروف لدينا، في منطقتنا، وفي كل الوكالات الإخبارية، أن عناصر داعش دخلت بلادنا من سنوات، وكان لها موقعة قاسية مع الجيش، ومن نتيجتها أسر عدد من عناصرنا العسكرية، ومن ضمنهم صهري رحمه الله، وما أذكر هذا إلا لأمر أثار في نفسي مزيجًا من الشفقة والغضب، الغضب من الناظر، والشفقة على زميلة لي في التدريس لم أرها من قبل، ولا أعرف حتى اسمها، لما نالها بسبب محاولة الناظر أن يعرِّفنا أنا وإياها!
    تلك ثانوية في منطقة بعيدة، علَّمْتُ فيها ست سنوات، أو لنقل علَّمتُ فيها أربع سنوات وبداية الخامسة، قبل أن ينخفض برنامجي هناك إلى يوم واحد فحسب، ومن دون تدريس، إذ ملأت نصابي القانوني في التدريس كاملًا في ثانوية أخرى قرب منطقتي، وفي السنة المذكورة هذه، السنة الخامسة، انضم عدد من المعلمين إلى الثانوية البعيدة، وبالتأكيد لن أعرفهم، ولكنْ، في أحد الأيام التي عندي دوام هناك، أمسك بي أحد النظار، وكان يحبني فعلًا، وأراد أن يُعَرِّفَنِي الزملاء الجدد، وذلك توددًا، مع أنني كنت راغبًا عن ذلك، ولكنه أخذني معه إلى غرفة المعلمين، وما كاد يرى إحدى هؤلاء المعلمات الجدد، حتى اتجه نحوها، وانتظر حتى بدأت تشرب قهوتها، ليصرخ في وجهها مشيرًا إليَّ: (انظري إليه! هذا الرجل، صهره مع داعش)!
    وهَبَّتِ المسكينة من مكانها صارخة برعب: (ولي!! لماذا؟ لماذا؟ لـ... لـ...) واختنق صوتها مما أصابها، وخشينا عليها من أن تقع مغشيًا عليها، فأسرعت أوضح لها: (ليس معهم، هو عسكري، لكنهم خطفوه، ليس منهم، اطمئني)، وهنا عاد إليها الاطمئنان لتتذكر فقط أنها تشم رائحة اللحم المشوي _ كما قالت لنا لاحقًا _ وتقفز من مكانها صارخة بألم شديد، بسبب القهوة التي نزلت على رقبتها مع صياح الناظر المتودد!!
    ولئن كاد الناظر يتسبب لهذه المسكينة بالحريق، فإنه كاد يتسبَّب لي بالقتل مرة أخرى وهذا اليوم يتكرَّر في الأسبوع التالي، وها أنذا أصل إلى ثانويتي هذه، لكن متأخرًا عن الحصة الأولى، إذ إن دوامي هناك ما يعادل حصتين، لكن من دون تدريس كما سبق وأوضحْتُ، قلت لعلي بهذا التأخير لا أرى هذا الناظر (المتحمس)، لكني فوجئتُ به ينتظرني في غرفة المعلمين، وزميلة جديدة أخرى كانت تأكل الكاتو من صحن بلاستيك، لكن معها سكينة عادية (لا سكينة بلاستيك)، وإذ بالناظر يهتف، بل يصرخ في وجهها كالرعد الهادر: (انظري إليه، انظري)، نظرت المسكينة غير فاهمة شيئًا، وفمها مليء بالكاتو، وإذ به يشير إليَّ صارخًا باللهجة ذاتها: (هذا، صهره مع داعش)!
    ووثبت المسكينة والسكين في يدها تكاد تولجها في عنقي من دون أن تنتبه، وهي تصرخ في توحش: (كيف؟ لماذا؟ متى؟ كيف)؟ أسرعت أهتف بها وأنا أبتعد بقدر المستطاع عن مرمى السكين، والموت يتراقص أمام عيني: (صهري في الجيش، في الجيش، لكنه مخطوف، مخطووووووف من قِبَلِهِم)، ورغم ذلك ظلت السكينة على مرمى سنتيمرات من رقبتي المسكينة، قبل أن تبعدها مني، ولم ينفعها صراخها بعد ذلك، حسرة على قطع الكاتو التي وقعت على الأرض مع قفزها المجنون ذاك!
    وربما تكون أسوأ ثقافة بالفعل، هي ثقافة (الأمانة) التي تأتي في غير موضعها، لِتُسَبِّبَ الأذى للآخرين والضرر، ونشعر نحن براحة الضمير، لأننا (أدَّينا الأمانة) حتى لو كنا أدَّيناها في غير وقتها أو مكانها!
    يومها، وكان هذا اليوم بعيدًا جدًا في مسرى الزمان، لا أذكر هل مضى عليه ربع قرن أم أقل من ذلك قليلًا؟ ولكني أذكر أنني وشخص ما، دخلنا أحد الأفران في ضيعتنا، وكان رفيقي يريد أن يشتري عددًا من (الكرواسان)، ولقد فعل، وأعطى العامل هناك ورقة نقدية، وأرجع إليه الأخير ما تبقى له من المال.
    وإلى هنا والأمر بسيط، لولا أن انتبه صاحبي، بعدما غادرنا الفرن، إلى أن العامل أعاد إلينا (ألف ليرة زائدة)، أي ثمن قطعة كرواسان واحدة، وقرَّر الفتى أن يذهب سريعًا إلى الفرن لِ(يــَرُدَّ الحق) إلى العامل، فنصحْتُهُ ألا يفعل ذلك (الآن)، وركَّزْتُ له على كلمة (الآن)، فصاحب الفرن موجود، ولو علم بخطأ العامل فسيقف الأخير موقفًا بائسًا فعلًا، ولكن الفتى ركبه العناد، فأسرع إلى الفرن راكضًا، وأنا خلفه أناديه، ليدخل هاتفًا بالعامل، مخبرًا إياه أنه أرجع إليه ألف ليرة زائدة، و(ها هي الألف)، و(الأمانة ثقيلة لا تحملها الجبال)، ليحتقن وجه العامل، وينفجر صاحب الفرن في وجهه متهمًا إياه بالغباء وانعدام الفهم، وأنه لا يمكن الاعتماد عليه، ووجدها فرصة طيبة له، لينعت العامل عنده بنعوت الحمار وكل ما يَمُتُّ إليها بِصِلة، وبعد ذلك طرده نهائيًا، لكن ليس في وقتها تمامًا، بل بعد أيام قليلة، وأتى بعامل آخر!
    ولا أعرف هل لهذه (الأمانة الزائدة عن حدها) سبب أساسي؟ أو للدقة هل هي السبب الوحيد، فهي حتمًا سبب أساسي، أم أن هناك أسبابًا أخرى تضافرت كذلك ليجد الشاب نفسه من دون عمله؟ لكني أعرف أن صاحبنا تسبب له بكثير من الأذى، معنويًا على الأقل، وما أصعب أن تصف شابًا ما بأنه حمار، لهفوة بسيطة وقع فيها من دون أن يدري ذلك أو يقصد!
    وما تزال مقالتنا (ثقافة الحمير) مستمرة إن شاء الله تعالى،
    فإلى الملتقى في الجزء الثاني في الغد، بما أنني لم أستطع نهائيًا طباعته اليوم بعدما أنهيت الجزء الأول.


    عمر قزيحة: الساعة السابعة إلا ربعًا صباحًا.



    2 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

  4. #3
    الصورة الرمزية سلمى1415

    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المـشـــاركــات
    3,359
    الــــدولــــــــة
    الجزائر
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    و عليكم السلام رحمة الله و بركاته
    ماشاء الله طرح مميز أستاذ عمر و تحليل راااائع
    لطالما ابتعدت عن اي نقاش سياسي ليس لشيء و لكن لأريح رأسي من نقاش يكاد ينعدم فيه الوعي و الحكمة, خصوصا أننا شهدنا قبلكم مظاهرات سلمية
    شخصيا لست ضد المظاهرات ابدا لكن رأيي من رأيك , داخل الحشود تعددت الشخصيات و اختلفت النوايا, حتى اكاد أجزم أنك لو تسأل أي شخص عن هدفه من التظاهر و ماذا يريد لن تجد سوى 1 أو 2 % من الناس اجاباتهم تحمل مغزى منطقي و الباقي تعددت أسبابه : من كرهت المكوث في البيت فخرجت مع صديقاتها , من تشاجرت مع زوجها فخرجت في المظاهرة لتنسى همّها , من تبحث عن فارس أحلامها ....و و و الخ
    حتى مرة سألَتْني فتاة كانت معي في الترامواي لماذا لا تأتي الى المظاهرة فأجبتها, إن كان عن حب البلد فالأولى أن أذهب إلى المختبر و أنهي بحثي الدراسي لعلي أكتشف شيء يفيد الناس و يمنعهم من عدة أمراض , و أنتِ ماذا ستفعلين في المظاهرة قالت بصراحة لا شيء نجتمع نحن الشباب و نغني ثم نذهب إلى البيت ....فقلت رجاءا لا تنسو تنظيف الطرقات قبل عودتكم الى بيوتكم ......و طبعا لما ذهبتُ الى الجامعة وجدتهم في اضراب و كان هناك مجموعة من الشباب يمثلون الطلبة يمنعون أي أحد من الدخول ...هممت أن أدخل قاطعني أحدهم بيده و قال إلى أين قلت الى المختبر عندي عمل تطبيقي هام و مذركتي لا تستطيع الانتظار فتخرّجي سيكون بعد أشهر قليلة , فنظر لي باستغراب و قال ادخلي ......لا أدري لماذا صار منظور الناس ضيق إلي هذه الدرجة .....أليس العلم هو من يرفع الانسان و به تتقدم البلاد ...
    أما عن ثقافة الحمير التي ذكرتها فنحن فعلا نعيشها .....يعطون الاختصاص لغير أهله أما من يستحق ذلك فيتركونه إلى أن يأخذ الله أمانته ....

    أنار الله دربك و جعلك نبراسا تنير عتمة من حولك
    في حفظ الرحمن



    0 !غير مسموح





  5. #4
    الصورة الرمزية Moroboshi Dai

    تاريخ التسجيل
    Oct 2017
    المـشـــاركــات
    2,646
    الــــدولــــــــة
    تونس
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)



    دوّنتُ أكثر من ملاحظة ....
    لي عودة إن شاء الله أستاذ

    في أمان الله







    0 !غير مسموح


    شُكرًآ لُوف بحجم الكون على الإهداء الجميل (#^.^#)

  6. #5
    الصورة الرمزية Moroboshi Dai

    تاريخ التسجيل
    Oct 2017
    المـشـــاركــات
    2,646
    الــــدولــــــــة
    تونس
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)



    السلام عليكم أستاذ
    على الشبكة العنكبوتية هناك مقالات حول "خريطة برنارد لويس " مؤرّخ وباحث إسراتيجي بريطانى عمل مع الكنغرس الأمريكي الخريطة تبين تفكيك وتقسّم الدول العربية من خلال إستغلال الأحداث لتأليب المجتمعات وبث الفتنه لنشر الحقد الطبقي بين فئات المجتمع الواحد لتعميق الخلافات وضرب استقرار الشعوب وسلامتها
    لينتهي الأمر بالتقسيم ومن بين هذه الدول لبنان



    أول الشرارة كانت من تونس يعني من بلدي وأهل مكة أدرى بشعابها متشرّد بائع على عربة بدون رخصة قانونية عديم الأخلاق يهين إمرأة عَون في البلدية يخدش حياءها فردة فعلها كانت عادية فصفعته وأمام هستيريته وغضبه وكيف لإمرأة أن تصفع رجل حرق نفسه والغريب في الأمر أن والدته وأخته بعد الحادثة وماصار من أحداث أسكنوهما في إحدى الضواحي الراقية لتونس العاصمة ثم هجّروهما إلى كندا حيث السعادة والهناء !! فصُناع القرار هيّجوا الناس وأحدثوا القلائل ولسان حالهم قول الامام الشافعي إذا هبّت رياحك فاغتنمها أُستعملت المنابر الإعلامية المعروفة عالميا للتجييش وقلب الحقيقة فخرج الرعاع مسلبي العقول ولقنهم شعارت رنانة إلى أن صارت أحداث مؤسفة قتل وسفك دماء إلخ ونهاية الحلقة قالو "الإعلام الخارجي" أن رئيس تونس هرب بل تماشيا مع الموضوع والحمير صدّق الناس نهم أطردوا رئيس دولة قوية في أمنها لا وتلكم المنابر الإعلامية أخرجت إشاعة هي صحيحة بالنسبة لمسلوبي العقول أن الرئيس في طائرته معلق في السماء وكل مرة يتجه إلى دولة وترفضه والحال أن وجهته محددة مُسبقا ...
    9 سنوات بعد،،أصبحنا في لا دولة تم تمييع رموز بُناة الوطن رأينا السواد في كل شيء بعد ماكان شعب مُتحفظ أصبح المواطن المحافظ يذهب بساقيه إلى نشر فضائحه علنا فضلا عن خدش الحياء في كثير من منبر إعلامي حى أن سمعنا على الهواء أكثر من مرة سب الجلالة أما عن الحالة الإقتصادية وتدني القدرة الشرائية فحدث ولا حرج
    مثال يتكرر في لبنان إستحمار الناس وقيادتهم للوصول إلى نتيجة مدبرة بليل فوضى تناحر تدني مستوى معيشي،،،
    ومن هذا المنطلق الراقصة ومافعلته ليس عبثا بل هناك من وراءها وفق إستراتيجية ذات أبعاد رمزية توضع في إطارها تمهيدا لأشياء قادمة وقد حدث في بلادنا أكثر من هذا فهذه الراقصة على الأقل إرتدت مايستر بعضا منها
    بخصوص إقتباسك من مروج الذهب فالمسعودي معروف مذهبه وباتالي ستجد الكثير من القصص التي لا تصح قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المنهاج (4/84) : (( ... وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلاَّ الله تعالى ، فكيف يوثقُ بحكايةٍ منقطعةِ الإسناد ، في كتابٍ قد عرِفَ بكثرة الكذِب ... )).
    أختم بقول الله عزّ وجل: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )
    [البقرة : 120]
    .
    شكرا على جرأة الطرح
    تحية من القلب




    0 !غير مسموح


    شُكرًآ لُوف بحجم الكون على الإهداء الجميل (#^.^#)

  7. #6
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    5,380
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    وعليكمـ السلامـ ورحمة الله وبركاته~

    لا أدري بما أعلق،
    فالحال يزداد سوءا،
    يارب خلصنا مما نجد،
    واكتب لنا الخير واصرف الشر عنا،
    اكتم في نفسي الكثير،
    وأسألك ربي،
    وحدك من تعلم!!،
    يارب

    ما شاء الله الموضوع جميل جداً،
    يجذبنا لكتابة مقالة يوماً ما، هذا إن أصبحت بربع مستواها،
    ما شاء الله تبارك الرحمن،
    بوركت يارب
    ~


    0 !غير مسموح

  8. #7

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,290
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    ثقافة الحمير _ الجزء الثاني
    الكاتب: د. عمر قزيحه
    في 23 _ 11_ 2019م

    وما كان لثقافة العقول الفارغة أن تكون بعيدة من هذه الأمثلة وشواهدها، فإذ كنا صغارًا في أيام مرحلة الدراسة الابتدائية "اخترع" أحد التلاميذ "حلالًا" من نوع جديد، ناسبًا إياه إلى أستاذ الدين، وهو إمام المسجد وكنا نسميه (شيخ الدين) أيامها، ولا أعلم سبب هذه التسمية! لكني أعلم أن أحد التلاميذ من أصحاب (الريق الزائد عن حده) ادعى أنه سأل الشيخ هل أكل الثمار من حدائق الآخرين يُعتَبَر حلالًا أم حرامًا، وأن الشيخ أخبره أنه إن فعل ذلك بقصد السرقة، فهذا حرام قطعًا، أما إن فعل ذلك شهوة منه لا أكثر، فيحق له أن يأخذ من كل صنف يشتهيه من الثمار ثلاث حبات يأكلها و(صحتين على قلبه)، من دون استئذان صاحب الأرض!
    لا أعلم كيف صدَّقه عدد من التلاميذ، ولماذا لم يفكر أحدهم في أن يسأل الشيخ هل كلام هذا الأحمق صحيح أم لا، بغض النظر عن توقيت سؤاله، فلربما رآه خارج المدرسة مثلًا، هذا لو أنه صادق في ما يقول، لكن الطريف فعلًا في هذا الموضوع الشائق أن أحد أساتذة صفنا كان نائمًا في أمان الله يومًا ما، وصحا على صوت هدَّار تحت بيته، فأسرع إلى الشرفة ليرى، وإذ بــ(جيش) من الأولاد يتسلقون أغصان أشجار حديقته، ويتناولون بشراهة ما يحلو لهم، وفرك المسكين عينيه ليتأكد من حقيقة ما يراه، وأنه قد استيقظ فعلًا، وليس نائمًا يحلم!
    وبعد تأكده من المصيبة التعيسة أمامه، صرخ بصوت مدوٍّ، ليتوقف اللصوص البائسون مرعوبين، وهو ينظر إليهم كأنه سيأكلهم، ورغم أنه تركهم ينصرفون وقتها، إلا أنه أضاع الحصة كلها في اليوم التالي بسببهم، إذ كان لا بد له من محاضرة يتكلم فيها عن اللصوص البائسين، وبعد ذلك يطلب منهم واحدًا تلو الآخر الاصطفاف بجانب الحائط، ومن بعدها أرسل في طلب عدد من الأولاد في صفوف أخرى كانوا مشاركين في حملة اللصوصية، وأخيرًا بدأ يضرب فيهم بالصفعات والركلات، وبالعصا الغليظة، متجاهلًا الصراخ والبكاء، والتوسلات والتعهدات!
    وربما كان في هذه القصة مثال حول ثقافة من نوع ما، وهي ثقافة تصديق ما يحلو لنا سماعه وفيه مصلحتنا، بغض النظر هل هو حقيقة أم كذب، ولكننا عشنا مثالًا آخر أشد فداحة من ذلك، وكنا _ على ما أذكر _ في الصف السادس، أيامنا كان هذا الصف هو الصف الأول في المرحلة المتوسطة، ويومها بدأت المعركة بين أمريكا والعراق، ومع بدء المعركة اخترع تلميذ قرآنًا جديدًا! لقد ادعى الأحمق بكل وقاحة أن يوم القيامة سيكون في السنوات القليلة القادمة، ولن نعيش حتى نصير شبابًا ونسأل متى سنتوظف، لذا لا داعي لأن ندرس شيئًا أبدًا، وذلك لأن يوم القيامة قبل عام 2000، وألف كلامًا من عنده مدعيًا أنه آية في القرآن!
    ربما يكون أحمق لا يعرف أن القرآن كتاب الله ولا يجوز التأليف فيه، ولكن من يستحقون لقب البلاهة على أصولها هم من صدقوه، فتلك هي ثقافتهم الحمقاء، لقد وجدوا سببًا كي لا يدرسوا دروسهم، وهو أن القيامة ستكون قبل نهاية تسع سنوات قادمة، وفي أية لحظة، ولم يفكر أحدهم في أن يفتح القرآن ويقرأ فيه ليتأكد من كذب هذا الدجال الصغير! وأكاد أتخيله بعين الذكرى يضحك ساخرًا، وهو يقول واصفًا من صدقوا نفاقه: (ما أكثر الحمير في العالم)!
    ولئن مَرَّ معنا كلام جيد عن الحمير بوصف إيجابي، كـ(مكافأة) التاريخ الخليفة الأموي الأخير لصبره النادر، ومكافأة جماهير الأرجنتين لاعبها الفذ (آرييل أورتيغا)، فإن (الحمرنة) مصطلح سلبي بحق، في معظم حالاته، بل ربما في كل حالاته ما عدا الحالتين السابقتين، ونذكر أستاذ لغة عربية درَّسَنا في الحلقة المتوسطة، وفعل (درَّسَنا) فعل مجازي بكل معنى الكلمة!
    لكن لا بأس سنعتبر أنه قد درَّسَنا فعلًا، أولى مسابقاته كانت بعد أيام قلائل من بداية السنة، وفوجئت حينما وزعها بأن علامتي صفر من عشرين، ولم أفهم السبب! كنت أعرف من أكون في اللغة العربية وقتها، وكنت أساعد أخواتي الأكبر مني سنًا، وبالتالي أعلى مني صفوفًا تعليمية، حاولت مراجعة الأستاذ إلا أنه رفض ذلك، ولكنه لم يستطع النجاة مني!
    لقد أتاه والدي اليوم التالي، ليستدعيه إلى غرفة الإدارة، ويدور بينهما حوار مثير للغيظ، فوالدي يسأل الأستاذ هل هذه جملة خبرية أم لا؟ يعترف الأستاذ أنها جملة خبرية، وأنه لم يرها، وإذًا لماذا شطبتها؟ لا عليك! سأمنحه نصف ربع علامة الآن! وهذه جملة إنشائية أم لا؟ يعترف الأستاذ بأنها كذلك وأنه لم يرها، وإذًا لماذا شطبتها؟ لا عليك! سأمنحه نصف ربع علامة أخرى! وهذا طباق أم لا؟ بلى، لكن لم أره، ولماذا شطبت الإجابة؟ ولا يهمك! سأمنحه نصف ربع علامة الآن!
    واستمر الحوار وفق هذا المبدأ الغريب المستفز، ومع كل إجابة صحيحة شطبها الأستاذ، يتعهد الأخير بأنه سيمنحني عليها نصف ربع علامة، حتى ضاق والدي به ذرعًا، وتحداه أن يجد خطأ واحدًا في المسابقة بأكملها، وأخبره أنه سيراجع بنفسه كل شيء، ولن يسمح له بأن يعلمنا معلومة خاطئة واحدة، فوالدي من أساتذة اللغة العربية المعدودين في منطقتنا، بل إنه ساعد هذا الأستاذ المتحمس إلى وضع الأصفار حينما كانا تلميذين، ولولا والدي لما نجح الأستاذ في الشهادة الثانوية!
    ومن ذلك اليوم والأستاذ يخافني! ولله الحمد لهذا طبعًا! ويومًا ما أراد الأستاذ أن يؤكد في أذهان الطلاب (ثقافة الحمير)، وأن كل من لا يعرف الإجابات يجب أن ينال صفة لها علاقة بهذا الحيوان، فدخل الصف متحمسًا معلنًا أنه سيُسَمِّع لنا (الأفعال الخمسة)، ولم تؤثر فيه عاصفة الاعتراضات من الطلاب الذين لم يسمعوا بهذه الأفعال من قبل، بل سمعوا بها في الصف السابق، لكن الأستاذ هناك لم يكن يشرح جيدًا، أما هذا الأستاذ المتحمس فلم يعطنا هذا الدرس نهائيًا، ومع ذلك أصرَّ على أن يسمِّع لكل تلاميذ الصف، وأنه سيضع صفرًا في خانة علامة القواعد والإملاء لمن لا يعرف الإجابة، فهمس لي صديقي الذي يجلس بجواري بكلمتين: (أنقذنا، نرجوك)!
    قلت للأستاذ بحزم إنه لم يعطنا هذا الدرس، ففوجئت به يصف رفاقي جميعًا بأنهم هم (الحمير)، وذلك من دون سبب واضح! وقال لي إنه يعرف أنني أقول هذا محاولًا (إنقاذ) هؤلاء الحمقى من التسميع، فهو واثق تمام الثقة في أنه أعطانا هذا الدرس بالأمس، بل هو واثق تمام الثقة في أنه أخبرنا أنه سيسمِّعه لنا، فادَّعَيْتُ هنا، في محاولة أخيرة لإنقاذ أصدقائي المساكين، أنني لم أستوعب شرحه بالأمس جيدًا، وأنني سأكون له شاكرًا لو أعاد الشرح لي، وإذ به يهتف متحمسًا: (تكرم عينك)!
    هَبَّ الرفاق يهللون بسعادة، فتابع بحزم: (لكن من بعد أن أسمِّع للحمير في الصف جميعًا)! ولا أعلم أي (إنجاز) يظن الأستاذ أنه يحققه إذا وصف التلاميذ بالحمير؟ ولكن المهانة لم تتوقف هنا، بل (تفاعل) الأستاذ مع تسميع التلاميذ بثقافته المعهودة:
    _ الأفعال الخمسة هم خمسة! ويفعلون شيئا ما، لكنْ لا نعلم ما يفعلون!
    _ ألا تعلم ما يفعلون؟ إنهم يفعلون أنهم يجحِّشون! جَحِّش إلى الحائط!
    _ الأفعال الخمسة؟ آه، إيه، أوه، إنها... يأكلون؟ لا، بلى! يأكلون، يأكلين، يأكـ...
    _ يأكلين؟؟ آه؟؟ يأكلين يا (يُجَحِّشين)! جَحِّش إلى الحائط!
    وما إلى ذلك الكلام من الثقافات (الراقية هذه)، المتعلقة بكل ما يخص الحمير وأولادها، ومترادفاتها ومشتقاتها، حتى لو لم يكن لها وجود في اللغة العربية بأكملها، مثل (يُجَحِّشين) هذه!
    وما أذكر مثل هذا الكلام، إلا لأن (ثقافة) الحمير التي يريد الأستاذ إقناع الطلاب بها، وصلت فعلًا إلى بعض الأذهان، فهذان طالبان في الصف، لم يَعُدْ هناك سواهما، أحدهما الأول في الناجحين دائمًا، والثاني الأخير في الراسبين دائمًا، لقد حان دورهما للتسميع (العالمي) هذا، الأول يرتجف خوفًا، والراسب يهتف في ثقة تامة بالأستاذ، أنه يعرف الأفعال الخمسة!
    وكأن الأستاذ أصابه صاعقة من السماء! هذا الـ(راسب) كما نعرف نحن، والـ(حمار) وفق مفهوم الأستاذ الغريب المستفز، يعرف الأفعال الخمسة؟ ولقد عَبَّر الأستاذ عن (ثقافة الحمير) التي يعتنقها، قائلًا لهذا الطالب بكل استهانة:
    _ وما شأنك أنت بالأفعال الخمسة؟ ما أنت إلا حمار صغير! ولعلمك كنت أريد أن أرحمك من التسميع، كي لا (تتبهدل)، أتعرف لماذا؟ لأنك حمار، حمار، حمااااااار!!
    ولا أستغرب أن غضب هذا التلميذ، وانبرى يؤكد، بغضب، أنه يعرف الأفعال الخمسة، والأستاذ يعيد التأكيد له أنه ليس أكثر من حمار صغير! إلى أن نفذ صبر الأستاذ أخيرًا، فتعهد للتلميذ أنه سيمنحه عشرين علامة من أساس عشرين علامة ممكنة في خانة القواعد والإملاء، ومع ارتياب التلميذ بهذا التعهد، أقسم له الأستاذ إنه صادق في ما يقول، لكن بشرط أن يكون يعرف الأفعال الخمسة فعلًا، وألا يظهر على طبيعته كـ(حمار) حقيقي، وانبرى زميلنا يهتف بحماسة وانفعال، والعشرون علامة تتراقص أمام عينيه:
    _ يجحِّشان، تجحِّشان، يجحِّشون، تجحِّشون، تجحِّشين!!
    أقسم بالله تعالى إن هذا الأمر حدث فعلًا! وما أزال أذكر كيف هَبَّ الأستاذ كالإعصار المدمر، لينتزع رفيقنا من مقعده انتزاعًا، وهو يَسُبُّه ويلعنه، ويشدُّ أذنيه ويصفعه، قبل أن يفتح باب الصف ويلقيه خارجًا بركلة قاسية أسفل ظهره، وأصوات الضحك المدوي تكاد ترج الصف، لهذه الإجابة غير المتوقعة من رفيقنا أولًا، ثم من ردة فعل الأستاذ العنيفة وصراخه المستنكر ثانيًا، وزاد شدة الضحك أن رفيقنا أخذ يطل برأسه من نافذة الصف كل عدة ثوانٍ، ليصرخ في وجه الأستاذ:
    _ أنت كذاب! لقد وعدتني بالعشرين وكذبتَ عليَّ! أنا أجبتُ إجابة صحيحة!
    وينفجر الأستاذ بالصراخ مرة جديدة، وينقض بعصبية يفتح باب الصف ليندفع خارجًا ويجري خلف المسكين ليضربه، والمسكين بالطبع لا ينتظر وصوله إليه، بل يطلق ساقيه للريح، لكنْ، ما إن يكاد الأستاذ يرجع إلى الصف حتى يرجع رفيقنا يطل برأسه من النافذة ليصرخ ناعتًا الأستاذ بالكذاب، ليتكرر مشهد الصراخ والركض، والضحك يدوي في الصف، ورفيقنا الأول دائمًا يشكر الله تعالى من كل قلبه لأنه نجا من الضرب العنيف المقبل، لا بسبب إجابات رفيقنا ونظرته العالمية نحو الأفعال الخمسة، بل إن ذلك كان بفضل ثقافة الأستاذ، ونظرته إلى الضعيف في مادته على أنه (حمار) لا طالب يحتاج إلى الدعم!
    ورغم أن الأستاذ طلب مني أن أستدعي الناظر، ورغم أن الناظر أتى ومعه الخشبة الثقيلة التي لا تفارق يده، بل ورغم أنه أخذ يضرب تلاميذ الصف الذين لم يعرفوا الأفعال الخمسة بعنف، إلا أن ضحكاتهم المدوية لم تتوقف، رغم الآلام القاسية، ما دفع بالناظر نفسه إلى محاولات كثيرة وحثيثة، ليقنعهم أنهم (حمير) بل أشد سوءًا من الحمير، ويا محلى الحمير!
    ولم أذكر قصة (ثقافة الحمير) هذه، عند الأستاذ المذكور، وكيف غرسها في ذهن التلميذ الضعيف في مادته، متوقفًا عند بعض تفاصيلها، بهدف التسلية أو الدعابة، وإن ضحكنا أيامها حتى سالت دموع عيوننا، بل لأنها ثقافة يجب أن ننتبه إلى وجوب محاربتها، وعدم غرسها في أذهان الأطفال، وكم من أب، وكم من أم، في حال غضب أحدهما من ولده ينعته بالغبي والتافه والـ(حمار)؟!
    يومًا ما، في أحد صفوف المرحلة الابتدائية التي درَّستها، فوجئتُ بأول إملاء أجريتها للتلاميذ، بإملاء غريب من نوعه، لم أصدق عينيَّ وأنا أقرأ فحوى ما كتب التلميذ: (حا دي حا دي شهنيقة شهنيقة)! ولقد سألتُه في دهشة تامة عن مغزى ما كتب، ليحتقن وجهه ويصرخ بغضب: (وهل والدي كذاب)؟ حاولت أن أفهم ما علاقة والده بالإملاء أساسًا؟ وهل يمكن أن والده أخذ يمرِّنه على الإملاء، قائلًا له: (اكتب: حا دي حا دي شهنيقة شهنيقة)؟! هذا أمر مستحيل قطعًا، ولا يمكن تخيله عقلًا!
    غير أن الإجابة كانت أقسى مما أتخيله لها أن تكون! فوالده يصرخ بالكلمات الأولى: ( حا دي حا دي)، لحماره كي يَسْتَحِثَّه على السير أكثر، ويدلِّله بـ(شهنيقة شهنيقة)، أو ربما يغني له بهذه الكلمات، ولكنْ، الضمير في فعل يدلِّلـ(ـه) عائد إلى كليهما، الحمار والولد، للأسف الشديد!
    لقد غرس الأب في ذهن ابنه أنه مثل الحمار، وكلاهما غبي أحمق، ولم يكن في ثقافة الأب للتعامل مع ابنه أية كلمات طيبة أو تشجيعية، حتى اقتنع الابن أن من (حق) والده عليه أن ينعته بنعوت الحمير، بل ويعامله مثلما يعامل حماره، بالإهانة لفظيًا، وبالضرب العنيف على مؤخرته إذا ما أخطأ، وربما بالعصا نفسها التي يسوق بها الحمار، وهذه (ثقافة) تربوية موجودة في بعض البيئات الخاصة الجاهلة، ولا يمكن لنا إنكارها على الإطلاق، لكن يمكن لنا استنكارها بكل تأكيد، والدعوة إلى تركها، فما كانت وسيلة تربوية صحيحة، وما كانت لتأتي بنتيجة إيجابية بأي حال من الأحوال.
    وقريبًا من هذا الأمر، بحث علمي قمتُ به أيام دار المعلمين والمعلمات، في أواخر الدراسة هناك، طُلِب منا اختيار بحث من اثنين، إما بحث حول ضيعتنا أو منطقتنا، وكيف كانت قديمًا وكيف هي الآن، وسؤال رئيس البلدية وبعض كبار السن، لنخلص باستنتاجات، أن الماضي في ضيعتنا أجمل من الحاضر، وهذا لا يثير أدنى اهتمام في نفسي، وإما بحث حول تلميذ متخلف دراسيًا ومحاولة رصد أسباب التخلف واقتراح حلول عملية لها.
    ورغم أن البحث الثاني أكثر بصعوبة بكثير، إلا أنه صادف هوى في نفسي وميلًا إليه، كان بالإمكان اختيار البحث الأول وسؤال والدي وأعمامي، بل وربما اختراع أناس وأسئلة وإجابات من ذهني، لكني أردت أن أقتحم مجال البحث الثاني، ومنفردًا، لم أرض بأن أكون مجرد فرد في مجموعة في صفنا أرادت هذا البحث، وذلك لدراسة أحد رفاقنا في علم النفس قبل الانتقال إلى فرع اللغة العربية، وانطلقت في بحثي مختارًا تلميذًا في الصف الابتدائي الثالث، من تكميلية قرب الدار، كنا نحضر فيها بعض الدروس آنذاك، وأخذت أبحث في كل الظروف المحيطة، وألتقي بمعلماته في السنة الحالية، والسنتين السابقتين، وأحاول إدراك كل شيء يخص الولد من الإدارة نفسها، بل ومن طبيب المدرسة شخصيًا، وأجريتُ أكثر من رائز نفسي على هذا الولد، وتحديدًا رائز حكايات لويزا داس، ورائز الرسم، وأدركتُ من نتيجة تحليل الرائزين أن الولد ليس بمعاق عقليًا، بل هو ذكي إلى درجة كبيرة، لكنه لا يشعر بأدنى استقرار في بيته.
    وكم يؤسفنا أن تجلَّت لنا ثقافة (الحمير) التربوية في بيت هذا الطفل المسكين! لم يكن الأمر حكرًا على هذا فحسب، ولكنها _ أي ثقافة الحمير _ كانت سببًا أساسيًا ولا يمكن التغاضي عنه، وتأكد لي هذا الأمر بمنتهى الوضوح، عبر مقابلة ميدانية مع والد الطفل، استدعيناه إلى المدرسة، وأجريتُ معه المقابلة ومعي أحد رفاقي في دار المعلمين يتابع ويستمع، ويغضب ويكاد يضرب الأب! فمع قدوم المولود الجديد في العائلة، انشغلت الأم عن هذا الطفل المعذب، ولم يَعُدْ في إمكانها تدريسه، وهو يحب الدراسة معها، فإن أتاها يريد منها أن تساعده في دروسه، تقول له اذهب إلى أبيك، ويذهب المسكين إلى والده، فيطلب منه أن يقرأ أو يسمِّع الدرس، وعند أول خطأ يصفعه على وجهه صارخًا به أنه جحش! جحش ومسطول! جحش وأبله! ويطلب منه أن يغرب عن وجهه، فانزوى الولد على نفسه في بيته، ويضاف إلى ذلك أمور حصلت له في مدرسته، ربما الدعاء بكسر يَدَي صاحبتها قليل، ليتراجع تمامًا ويبدو كأنه معتوه في صفه، وهو القادر على العطاء، ولقد كان يؤكد ذلك في حالات استثنائية نادرة فعلًا، وتحديدًا في حصة مادة اللغة الفرنسية، إذ كان الولد يشعر ببعض الحب تجاه معلمته، فكان ينتظر أن تطرح سؤالًا إعجازيًا لا يعرفه أحد في الصف كله، ويعجز عنه أفضل التلاميذ في المادة، وأكثرهم تميزًا في نيل العلامات، لِيَهُبَّ من مكانه متحمسًا ويجيب، ومن بعدها يخبو نهائيًا، ويرجع إلى مكانه، وفي ذهنه تلك الثقافة المقيتة، ثقافة الحمير التي غرسها والده في ذهنه، لا بل غرسها في أعماق وجدانه وكيانه، للأسف الشديد!!
    وما تزال مقالتنا (ثقافة الحمير) مستمرة، فإلى الملتقى في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى.
    عمر قزيحة: الساعة الثامنة وخمسون دقيقة مساءً.


    0 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

  9. #8

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,290
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    ثقافة الحمير _ الجزء الثالث
    الكاتب: د. عمر قزيحه
    في 24 _ 11_ 2019م

    وتحذيرنا من ثقافة الحمير التربوية هذه، يرجع إلى أننا واجهناها أكثر من مرة في حياتنا التعليمية، وندرك خطورة غرسها في أذهان الأولاد من قبل أهلهم، فلربما اختلفت البيئات بين ولد وآخر، فأتت هذه الثقافة جارحة قاسية، وصاحبها لا يقصد بها سوى التودد والمحبة!
    ومن ذلك ما ذكرناه أعلاه في جزء المقالة الأول عن درس (إما أن يموت الملك وإما أن يموت الحمار وإما أن أموت أنا)، ذلك الدرس المفروض على الطلاب في الحلقة الثالثة من مراحل التعليم، لصف الأساسي السابع، وفيه سؤال تحليل مفاده ما يأتي: (كيف تبدو علاقة الملك بجحشه)؟ والإجابة إن علاقة الملك بجحشه علاقة ودية، وأذكر في إحدى السنوات الدراسية، وتحديدًا سنة 2015م، يوم الخميس، الواقع فيه التاسع والعشرون من شهر نيسان/أبريل، بدأت الإجابات ضعيفة تقليدية، مثل (علاقة الملك بجحشه علاقة منيحة)! ووصلنا بالتلاميذ عبر الشرح إلى أن الملك لا يعامل الجحش كحيوان، بل يسمح له بدخول مجلسه والنهيق كما يشاء، في وجود الجلساء، وهنا تجلت لنا (ثقافة الحمير) التربوية عبر تلك المصيبة العمياء،لقد هتف أحد الأولاد بانفعال، وهو يضحك، ويضع يده على كتف رفيقه توددًا:
    _ علاقة الملك بجحشه مثل علاقتي برفيقي (...) هذا!
    مع دوي الضحك الشامت، واحتقان وجه التلميذ الثاني المسكين، أردتُ فرض عقوبة ما على التلميذ الأول لإجابته المهينة، ولكن رفيقه الذي تعرض إلى الإهانة لم يرض بذلك، وهذا لـ(أنني أعلم أنه لم يكن يقصد شيئًا، ولا بأس يا أستاذ، اتركه هذه المرة، حرام)! ورغم هذه الوساطة وذاك التشفع، لم يكن متلقي الإهانة سعيدًا أو راضيًا، لكنْ ربما أدرك على ما يبدو أن هذه المفردات مما يسمعه رفيقه في بيئته من باب المعاتبة، أو التودد ربما، وذلك بسبب (ثقافة الحمير) التي لا أعلم متى تخلص مجتمعاتنا العربية منها في أصول تربيتها تخلصًا تامًا لا استثناءات فيه ولا شواذ تخرق القاعدة الأساسية!
    وربما كان ما حصل يومذاك _ على مرارته _ هينًا لينًا، أمام أول مرة صححتُ فيها في امتحانات الشهادة الرسمية المتوسطة، قبل حادثة (علاقة الملك بجحشه مثل علاقتي برفيقي) بسنوات كثيرات في مر الزمان، ربما يبلغ عددها إحدى عشرة سنة كاملة، موضوع التعبير الكتابي يرتكز على السرد والوصف والحوار، لحادث سير، نزل السائقان بعده، أحدهما يتكلم بكلام قاسٍ، والثاني يتكلم بكلام لطيف، وفي النهاية تنتصر الكلمة اللطيفة.
    قرأنا الكثير من التعابير الجيدة، كما قرأنا تعابير لا نعلم متى تبدأ ولا كيف تنتهي، وكم من فعل لا فاعل له، وكم مرة نقرأ جملًا لا تترابط مع بعضها، وكأن التلميذ أتى بموضوعه بجمل متناثرة متفرقة من كتب متعددة، بل من جملة لا ترتبط كلماتها ببعضها، و...
    حدث حادث.
    _ ما بك أيها الجحش؟
    _ وحدك الجحش.
    _ أنت الجحش.
    وهكذا انتصرت الكلمة اللطيفة.
    هذا تعبير كتابي قرأته في امتحان الشهادة المتوسطة! أنا لم أعرف وقتها، كما لم أعرف إلى الآن، أي (جحش) فيهما هو الكلمة اللطيفة التي انتصرت، وأي (جحش) فيهما هو الكلمة القاسية التي اندحرت! إلا إن كان هذا الطالب يعيش بيئة غريبة جدًا، إن غضبت منه أمه أخبرته أنه جحش، وإن رضيت عنه أخبرته أنه، كذلك، جحش! ولا مناص له ولا مهرب من التسليم بهذه (الحقائق الدامغة)، فانغرست (ثقافة الحمير) في ذهنه بما لا يمكن انتزاعها منه بسهولة، وكل ذلك بسبب هذه الثقافة المقيتة البغيضة التي لم نَعُدْ نعرف كيف نخلص منها بعد، ولا كيف نستطيع إقناع بعض البيئات المحلية بالتخلي عنها!
    وإذ أتناول الأمر تربويًا، أحاول أن أربط ما بين تربية المنزل والبيئة، وبين تصرف الأولاد في مجتمعهم آنيًا ولاحقًا، وكيف يتعاملون مع الآخرين، بل كيف تكون ردودهم إذ يتكلمون مع الأعلى منهم مقامًا، بل لنقل مع الأكبر منهم سنًا على الأقل.
    فهذه حادثة لم أشهد فصولها، ولكني سمعت بها من إحدى وعشرين سنة، من ثقات رأوها وسمعوها، عن تلميذ في الثانوي الثالث، أصابه نوع من التدين الغريب بغتة قبل بدء السنة الدراسية، وفوجئ بعدها بأن عندهم معلمة في الصف تحب لبس القصير عادة، فكان هذا التلميذ يضع عينيه في الأرض، وغض البصر مطلوب ونشجعه، أما الغريب في الأمر فهو أن هذا الفتى لم يَعُدْ يَرُدُّ على المعلمة حتى لو سألته أي سؤال يخص الدرس، بل إنه لم يردَّ عليها حينما سألته عن اسمه أول حصة، وكان يكتفي بأن يدير لها رأسه فقط، حتى عمق في ذهنها أنه يعاني إعاقات ذهنية ما، ولكنها لم تيأس من محاولة جذب انتباهه إلى المادة، كانت تخاف عليه أن يذهب إلى امتحان الشهادة الرسمية، وهو لا يعرف شيئًا من أساسيات المادة، بينما كل اهتمامه هو أن تمضي حصص هذه المعلمة بسرعة، وهو يقضي وقته فيها بالاستغفار والدعاء لنفسه بالثبات، وكأن المعلمة هدفها أن تجذب انتباهه إليها هي شخصيًا، وليست قادمة إلى التدريس فحسب.
    غير أن هذا الموضوع ليس هو مجال تركيزنا الآن، بل تداعياته اللاحقة، إذ وقر في ذهن هذا الشاب أنه (رجل)، والمعلمة (امرأة)، والقرآن واضح وصريح: {الرجال قوامون على النساء}، فكيف يطلب منها الإذن ليذهب إلى الحمام لقضاء حاجته؟ جال هذا في ذهنه، وهو يعاني الأمرين محاولًا الصبر حتى تنتهي الحصة، ولا يكاد يستطيع، ووجهه يحتقن ألمًا، والمعلمة تنتبه إليه وتظنه مريضًا، فتسأله مشفقة ما به؟ ما يعاني؟ فيستدير بوجهه عنها، وهي لا تفهم أين خطؤها في سؤال الاطمئنان، ولكنْ، لقد أتى الفَرَج بغتة، تلميذ آخر يرفع يده قائلًا:
    _ مدموازيل، أريد دخول الحمام من بعد أمركِ!
    أجابته المعلمة بالإيجاب، ليغادر الصف بعد إذنها، وإذ بصاحبنا المتدين يلحق به من دون إذن! لقد سأل رفيقه المعلمة، وبالتالي (سقط السؤال عنه هو)! واتسعت عينا المعلمة عن آخرهما لهذا التصرف غير الصحيح من تلميذها في الصف، وكيف يغادر من دون إذنها كأنها ليست موجودة، وقررت أن تعاقبه بقسوة، وإلا ستواجه، على الأرجح، في صفها فوضى لن تستطيع السيطرة عليها، متمثلة في مغادرة كل من يريد متى أراد، وعودته متى أراد، وربما عدم عودته كذلك إن أراد!
    وانتظرت المعلمة وانتظرت، وعاد التلميذ (المهذب) الذي تصرف وفق الأصول وطلب إذنها، وتأخر الثاني كثيرًا، قبل أن يرجع مرتاحًا، وقد بَدَتْ على وجهه علامات الخلاص، وزال منه الاحتقان الأليم الذي كان قبل ذلك، غير أن الاحتقان عاد إليه مضاعفًا، والمعلمة تصرخ في وجهه غاضبة:
    _ من أذن لك بالخروج من الصف؟ آه؟!
    لم يتحمل عقله كيف لـ(امرأة) أن ترفع صوتها! بل كيف لـ(امرأة) أن ترفع صوتها على (رجل)؟ هذا لا يجوز قطعًا، ولكن هل يجوز له هو أن ينصحها؟ ألا يُعتَبَر هذا من باب (كلام الرجال والنساء)؟ وقبل أن يستقر عقله على قرار، تابعت المعلمة صراخها ومعاتبتها، واستغرقت في ذلك بعض الوقت، قبل أن تُنهِي (الأسطوانة) بهتاف غاضب:
    _ وبعد هذا كله، تغيب نصف ساعة؟ نصف ساعة في الحمام؟ ما الذي كنتَ تفعله هناك يا هذا؟!
    وطبعًا هي نطقت كلمة (في الحمام) بلهجة استنكار، كأنها تقول له أنت تكذب لم تكن في الحمام، وبالتالي مقصدها بكلمة (هناك) بعد ذلك لم يكن الحمام، بل كانت تقصد ما الذي كان يفعله هناك، في مكان ما خارج الصف، بعد أن أنهى دخول الحمام، إذ قالت لاحقًا إنها فهمت أن احتقان وجهه السابق كان بسبب اضطراره إلى قضاء حاجته، ولكن بعيدًا من تحليلاتنا وأقوالها، المهم هنا موقف هذا الفتى الغر، لم يفهم ما تقصده المعلمة، ووجد نفسه مضطرًا إلى إنهاء هذه (المهزلة)، إذ يجب أن تخفض (المرأة) صوتها ولا ترفعه، فصرخ في وجهها بغتة، بصوت رهيب مؤثر:
    _ كان معي إسهال، من (يللي بيحبه قلبك)!!
    وترافق الضحك الشامت من التلاميذ، الشباب والبنات، بصرخة المعلمة الاستنكارية التي كادت ترج أنحاء المدرسة بأكملها: (ياااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااء)! قبل أن تنفجر المعلمة بعدها في نوبة صراخ، وسبابها يتعالى بألفاظ من عوالم مألوفة، وإن كانت نابية طبعًا، وألفاظ من عوالم أخرى لم يسمع بها أحد من قبل، ولئن أبديتُ رأيي في ردة فعلها، فإنني لا ألومها قطعًا، وأتفهم ردة فعلها هذه، بل لا أعلم كيف تمكنت من ضبط أعصابها ولم تهجم على هذا الأحمق لتصفعه صفعتين مدويتين على وجهه، وتُنْشِبَ أظفارها في وجهه لتمزقه، لعل عقله يرجع إلى العمل من بعد ما طال به السبات العميق!
    وبما أننا نذكر الأساتذة والتلاميذ، فلم لا ننتقي من دفاتر ذكرياتنا وأوراقها وصفحاتها هذه الحادثة الآتية؟ وربما لا يكون لها علاقة مباشرة بعنوان المقالة الأساسي، ولكن استطرادًا من جهة، وتخفيفًا عن الأنفس وترويحًا لها وتسلية من جهة أخرى!
    تلك مدرسة ابتدائية، أي تحتوي في داخلها صفوف المرحلتين الأساسية والمتوسطة، وهذه معلمة تعودت ترك حقيبتها الشخصية على طاولتها حتى لو أرادت مغادرة الصف، ولا أفهم ما الذي جال في خاطر الأولاد أيامها، ولا لماذا أرادوا (تربيتها) لأنها (أنيقة) ترتدي الملابس الغالية؟ وكي لا نظلم كل الأولاد، سنقول إن هذا الأمر كان هاجسًا لدى خمسة منهم فحسب، واتفقوا على القيام بمقلب (طريف)، مقلب يفرح قلوبهم ويكون صدمة قاسية لمعلمتهم لتذوق معنى الفقر قليلًا، نقول (ربما كان الأمر كذلك)، فأنا لم أعرف الدوافع الكامنة خلف تصرفهم تمامًا، ولكن لا يبدو أنها ستخرج عن إطارين، الإطار الذي افترضناه، أو أنهم أرادوا أن يفعلوا ما فعلوهم من باب الأذى فحسب، لا أكثر ولا أقل!
    وبوسيلة ما يحسدهم عليها أبرع اللصوص الدوليين المحترفين الذين دوَّخُوا خلفهم أذكياء رجال استكوتلنديارد، وعباقرة محققي الانتربول، تمكن أحد هؤلاء الأولاد من (لطش) مئة ألف ليرة لبنانية من حقيبة المعلمة من على طاولتها، وهي في الصف لا خارجه! لم ينتظر الولد كثيرًا، بل لم يُطِقِ الانتظار لإثبات (مواهبه)! انتظر حتى استدارت المعلمة لتكتب على اللوح، وتظاهر بأنه يريد إلقاء شيء ما في النفايات، وبعد ذلك مرَّ قرب طاولة المعلمة ليمد يده في حركة خاطفة مرنة داخل حقيبتها ويخرج منها بما (اصطاده) من الصيد الثمين!
    وبما أن هؤلاء الأولاد الخمسة (شركاء) في كراهية المعلمة ووجوب سرقتها، كان لا بد من تقاسم (الغنيمة) الباردة الدسمة هذه! كان هذا المبلغ أيامها يُشَكِّل 09، 21% من راتب الأستاذ المعيَّن حديثًا في التدريس، ولا أعرف بأي قلب جامد فعل هذا الفتى فعلته هذه، ولا كيف فعلها من دون أن يراه أيٌّ من التلاميذ في الصف سوى رفاقه شركائه في الكراهية، الذين كانوا يعرفون أنه سيقوم بهذه الجريمة!
    لكني أعلم أمرًا غريبًا ومستنكرًا! بعد دوام المدرسة، وهذا الصف انصرف قبل سواه لغياب أستاذ الحصة الأخيرة، اتَّجَهَ الأولاد الخمسة إلى المسجد المجاور للمدرسة، ليصلوا الظهر معًا، (جماعة) و(في المسجد)، وذلك من باب (الاحتفال) بنجاح عمليتهم هذه و(مباركتها)! فمن حسن حظهم أن الجامع لا يغلق أبوابه بين أوقات الصلاة،وإلا لما تمكنوا من أداء هذا (الاحتفال المبارك) من وجهة نظرهم طبعًا، لأن الظهر يؤذن وهم في المدرسة في صفوفهم يتعلمون، ولكن لا بأس من صلاته متأخرين أفضل من عدم الصلاة بالمرة، والصلاة جماعة فيها البركة وزيادة الأجر بكل تأكيد، ولكن ليس احتفالًا بعملية سرقة، وبكل تأكيد!
    وبعد صلاتهم (الخاشعة) هذه، تبادل الأولاد التهاني، وجلسوا معًا في زاوية منفردة في المسجد، يريدون تقاسم المبلغ بـ(الحلال)! هذه مئة ألف ليرة، وهم خمسة أولاد، أي أن نصيب كل واحد فيهم عشرون ألف ليرة بالتمام والكمال، يبقى فقط أن يجدوا دكانًا قريبًا يرضى بأن يصرف لهم هذه المئة ألف ليرة، خمسة أوراق مالية من فئة ال عشرون ألف ليرة، ولكن هنا أفاق أخيرًا ضمير أحدهم، فأعلن تنازله عن (نصيبه)، و(حلال زلال) لرفاقه، لتزيد احتفالات هؤلاء الأربعة، سيكون لكل واحد فيهم خمسة وعشرون ألف ليرة، و(زيادة الخير خير يا عمي)!!
    ولكن الانتصار لم يَدُم طويلًا، والبهجة لم تستمر كثيرًا، وكما يقول المثل (يا فرحة ما وصلت للقرعة)، لقد أنفق هؤلاء الأولاد معظم حصصهم على شراء الحلوى والشوكولا وما إلى ذلك، ولكن لم يحسبوا حسابًا كان يجب أن ينتبهوا إليه قبل قيامهم بعملهم البائس هذا، لقد فتحت المعلمة حقيبتها لاحقًا وانتبهت إلى ضياع المئة ألف ليرة، وهي واثقة من أنها كانت معها قبل دخولها الصف، لقد كانت ترتب محتويات حقيبتها قبل ذلك مباشرة، ونقلت المعلمة شكوكها إلى الناظر، ولم يتردد الأخير في سؤال بعض الأولاد ممن لم ينصرفوا وظلوا في المدرسة ينتظرون نهاية الدوام المعتاد، ليأتي أهلهم ويصطحبوهم إلى البيوت، ولم يَرَ أحدهم أي شخص من رفاقهم يسرق من حقيبة المعلمة، لكن كلمتهم اتفقت مع توالي أسئلة الناظر، على أن المعلمة كانت تضع حقيبتها على الطاولة، وهي تكتب على اللوح، وتلميذ واحد فقط هو الذي قام من مقعده، ورأوه وهو يرجع يمر بالقرب من طاولة المعلمة تمامًا، ويعلمون كذلك أن هذا الزميل، هو وأربعة آخرين، لا يطيقون المعلمة إطلاقًا، ويتمنَّون لها الأذى بأي شكل كان!
    وفي اليوم التالي صباحًا، كان الناظر متأهبًا للقيام بواجب آخر يحبه قلبه وتهواه نفسه! انتظر هؤلاء الخمسة ليستوقفهم واحدًا تلو الآخر، ويوقفهم قرب الحائط، وهم لا يعلمون كيف تم اكتشاف أمرهم، وظن بعضهم بادئ الأمر أن زميلهم الذي صحا ضميره فجأة هو الواشي بهم، ولكن، ها هو يقف معهم، فما الذي حصل يا ترى؟
    ربما لم يعرف هؤلاء التعساء ما الذي حصل قبل قدومهم إلى المدرسة، لكنهم يعرفون ما الذي حصل بعدها! ويا لبؤسهم لما نالهم من خشبة الناظر التي لا ترحم أحدًا! بل ويا لبؤسهم إذ إن الناظر كان كلما أهوى بخشبته على يد أحدهم يصرخ بصوت عالٍ:
    _ هل يعلمك هذا ألا تمد يدك لتسرق أيها اللص!
    فكان أن جرَّسهم
    [1] جميعًا، وأمام التلاميذ جميعًا، بل أمام أهلهم! لقد اتصل بأهلهم واحدًا وراء الآخر ليلحقوا بهم إلى المدرسة، ويروهم واقفين في الزواية وأيديهم متورمة، وأعينهم تسيل منها الدموع الحرى، وأخذ كل واحد فيهم يعاتب ابنه ويصرخ في وجهه، إلا امرأة من الأهل، وهي أم الذي صحا ضميره ولم يمد يده لينال نصيبه من المال الحرام، لقد أخذت الخشبة من الناظر وأخذت تضرب ابنها بها، من دون رحمة به وببكائه وصراخه، وذلك لتعاقبه على غبائه الشديد، كيف يحتفل مع اللصوص ويترك نصيبه وينال الضرب والعقاب بعدها؟ إما أن يمشي معهم في حماقتهم إلى النهاية أو لا يصاحبهم من البداية! وكان أن شاركت مثلها مثل سائر الأهالي في تعويض المعلمة عن المبلغ المسروق منها، بكل تأكيد!
    نرجع إلى صلب مقالتنا، ونبقى ضمن أجواء المدرسة والتلاميذ، ومعلمة اللغة الفرنسية تحديدًا، وتلك سنة أخرى، وصف مختلف، وتلاميذ آخرون، وبالتالي معلمة نحكي عنها الآن، غير المعلمة السابقة المسكينة، هذه المعلمة التي نعرض قصتها وثقافتها، كانت تكلم تلاميذها الذين تعلمهم في هذه الثانوية التي انتقلت إليها حديثًا، بألفاظ احتقار لهم وتجريح، فهم أبناء قرية، وهي تؤكد لهم في كل مناسبة أنهم قادمون من وراء (البقرة) وأن عقولهم مغلقة، وهم أغبياء لا يفهمون شيئًا، وذلك بسبب صحبتهم الطويلة لـ(الحمير)، ما أوجد صداقة كبرى بين (التلاميذ) و(الحمير) نجم عنها (غباء) شديد، بكل تأكيد!
    ولم ينفع التلاميذ اعتراضهم على المعلمة شيئًا، ولم ينفعهم كذلك الشكاوى المستمرة في الإدارة، فالمعلمة مستمرة في أسلوبها هذا، شاء من شاء وأبى من أبى، إلى أن نفد صبر التلاميذ، وقرروا معاقبتها بقوة، وذلك لتعلم أن أبناء القرية (أذكياء)، حتى لو أتوا من وراء (البقرة)، وكان أصدقاؤهم (الحمير)!
    واستطرادًا نقول إنهم لم يكونوا أبناء قرية بالمعنى الصحيح، فهي أقرب إلى المدينة بطبيعتها، لكنها كانت في ما مضى، قبل تطورها، قرية صغيرة، لذا ظلت المعلمة تعايرهم بهذا، ومع أن غالبيتهم لم يروا بقرة أو حمارًا في حياتهم، إلا أن المعلمة أصرت على وجود علاقة حميمة بينهم وبين البقر والحمير، لم تحاول المعمة أن تطور ثقافتها ولو نسبيًا، وتخرج بها من دائرة (ثقافة الحمير)، لذا أراد التلاميذ أن يعاقبوها بثقافة أخرى، تعتمد تشغيل العقل عبر الاختراع اليدوي، عسى أن تتربى وتسكت عن إهاناتها المتوالية هذه!
    وبوسيلة ما لم نعرف أبعادها، قام بعض هؤلاء التلاميذ بصنع مفرقعات نارية يدوية، باجتماع بهيج جمعهم سويًا، وهي مفرقعات نارية تعتمد التوقيت لتنفجر، لا حاجة بأحد إلى إشعالها وإلقائها بعيدًا! فقط حينما يريدون لها أن تنفجر يديرون شيئًا ما فيها، لتنفجر بعد دقائق معدودات، وفي سجل زمان الحصة الدراسية محدودات!
    وإذ خرج أستاذ الحصة السابقة لحصة اللغة الفرنسية من الصف، أسرع التلاميذ يضعون المفرقعات النارية في طبقة الطاولة التي تجلس إليها المعلمة، وهم يتبادلون الابتسامات السعيدة والتهاني، سيكون انتقامًا مدويًا رائعًا فعلًا، ولن تجرؤ المعلمة على إهانتهم بعد ذلك، وما أجمل شكلها حينما تقفز من مكانها صارخة برعب: (ولييييي، شو هيدااااااااا)، وضحكاتهم ستدوي وتدوي مهما حاولت إسكاتهم حتى تنتهي الحصة إن شاء الله!
    لم يحسب التلاميذ حسابًا للإدارة وتحقيقاتها بهذا الصدد، ولا بالعقوبات التي ستنالهم لهذا التصرف الغبي، غير أنهم لم يحسبوا ما هو أشد فداحة من ذلك، لم يدخل الصفَ معلمتُهم، بل دخل الناظر! نعم، الناظر جاء لاهثًا ليخبرهم أن المعلمة غائبة، وبالتالي أسرعوا: (إلى الملعب حالًا وفورًا)!!
    كانت صاعقة مدوية هَوَتْ فوق رؤوسهم!! حاولوا المماطلة لعلهم يجدون حلًا للموضوع ولا تضيع ساعات عملهم الطويلة بالأمس هدرًا، حاولوا أن يدفعوا بالناظر إلى الخروج قبلهم، وبعدها يخرجون على راحتهم، فلربما يتمكنون من إبطال عمل توقيت هذه المفرقعات النارية، ولكن عبثًا! لقد خرجوا جميعًا أمام عينَي الناظر إلى الملعب، وعاد الأخير إلى غرفته ربما، أو تابع في جولة بين الصفوف، والتلاميذ في الملعب غاضبون لضياع جهودهم عبثًا، ولكن لا، سيصنعون واحدة أخرى بالطبع، ولكن لا مرة أخرى! ستعلم المعلمة بنواياهم حتمًا، مع انفجار هذه المفرقعات اليوم، لا شك في أن الناظر سيخبرها، ولن تكون مباغتتها بها بعد ذلك أمرًا سهلًا، ولكنْ لا، هذا تردد ثالث ورأي مختلف! سيخبرها الناظر، ستتخذ احتياطاتها، سيهدؤون مدة طويلة، سيعاقبونها بعد أن تطمئن أعصابها وتهدأ نفسها إلى أنهم لن يجرؤوا على فعل أي شيء مرة أخرى.
    وكانت هذه الأفكار تجول في خاطر هؤلاء التعساء، وهم ينظرون بحسرة من الملعب إلى صفهم عبر النافذة، ولكنْ، وبينما هم في أفكارهم هذه وغضبهم، دوى انفجار مفرقعتهم النارية اليدوية...
    وكان انفجارًا هائلًا بحق...
    انفجارًا ارتجت له المدرسة بأكملها بعنف...
    وأمام أعينهم المذهولة تطايرت قطع ما لتنضرب في أرض الصف وجدرانه...
    وبمنتهى القوة والقسوة!
    وما تزال مقالتنا (ثقافة الحمير) مستمرة، فإلى الملتقى في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى.
    عمر قزيحة: الساعة الثانية ودقيقة واحدة قرب العصر.


    [1] جَرَّسَ: كلمة فصيحة، لا كما نظنها من اللغة العامية، ومن معانيها: التنديد والتشهير والفضح العلني، كما أنها تحمل معنى إعطاء الخبرة والاحتراف، كما في قولنا: "جرَّسته الأيام مثلًا"، فإنها تحتمل معنى الفضيحة ومعنى تقوية شخصيته وإعطائه الخبرة والاحتراف، ونستطيع إدراك المعنى المقصود من خلال سياق الكلام الذي نقرأه.

    0 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

  10. #9
    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    5,380
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتــقـيـيـم:

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    أهلاً أستاذ^^,

    يا سلآااام سلم!!

    تأكل مجاناً؟!، حتى المجانين لا يحلمون بهذا!!
    وإن حلموا يفيقوا مصدومين من الواقع المر!
    وللأسف أخذوا علقة ضخمة تنسيهم تلك اللذة!!
    >>ضخمة تعبر عن قساوتها!!
    رحمتهم جداً فهم صغار!

    ياليتها وقعت في رأس من كذبxD!
    استغفرالله
    أظن هو من يستحق!!
    استغفرالله مرة أخرى
    والحمدلله على كل حال
    لا إله إلا الله



    يا إن أستاذ الأفعال الخمسة يقهر فعلاً!
    مشكلة جداً صعبة!، ما فعله يعد جريمة في حق التربية!
    لكن التلميذ برد علتي!!

    المشكلة الحقيقية يقولون: قف للمعلم ووفه التبجيلا!
    أي تبجيل ونحن رأينا العجب منهم!
    الحمدلله والشكر لله
    لاه والأدهى والأمرّ أنهم يضعون اللوم على الجيل هذا وأنه لا يحترم المعلمين، عجباً والله!
    والأشنع من هذا كله يتمنون أن تعود سياسة الضرب وأنها في الزمان السابق كانت وسيلة تأديبية رائعة للطلاب!، رحم الله حال الطلاب سابقاً ولاحقا!، وفكهم من شروركم!!
    استغفرالله،
    وهو ممنوع مازالت أياديكم طائلة!
    قطع.....!!
    استغفرالله

    وإني هنا لا أشمل الجميع، بل هناك من هو أرقى وأنقى
    لكن العجب من يرى الضرب حل أو كان حل يوماً ما!!
    بأبي هو وأمي نبيِّ محمد ما ضرب أحداً قط، أَهُم أحسن منه كلا وربي لا يأتون ولو بجزء منه صلى الله عليه وسلم، ثم يأتون يقولون أن الضرب وسيلة جيدة!!
    ربّوا أنفسكم قبل أن تربّوا!!
    لا إله إلا الله فقط!



    >>الجزء الثالث<<
    رحمت الشاب المتدين جداً!
    لما نُجبر على أن نتواجد في مكان لا نحب الوجود فيه؟!
    لا أخلاقنا تسمح، وليس هذا من شأننا!!
    طبيعي تصرفه فهو في بداية إلتزامه!
    في خوض وصراع وشبه معركة ونزال شديد!!
    ماذا يفعل؟!، وكيف يصنع؟!
    لو كان هناك نظام في المدرسة يمنع المعلمة من لبس ما تشاء لما حدث هذا!
    مو على كيفك تحبين القصير ولا تكرهينه، التزمي بالحدود!، ما تبغي تتستري اجلسي في البيت مو في مكان أتوا الطلاب لتعلم الفضائل والمحاسن وكل شيء يفترض به أن يكون جميل!
    نحن عرب وللأسف شيء فشيء نفقد عروبتنا وأصالتنا!
    ولا حول ولا قوة إلا بالله
    صحيح أنو خبص ويعني قام يفسر الآيات بمزاجه!
    لكنه ضحية للمجتمع للأسف.....!!،
    إلى هنا أقف عند هذا الحد في هذه النقطة!


    لا إله إلا الله!، كيف تضربينه؟!، وضميره كان حي!!
    هذا تضمينه تعويضاً لما ناله!
    والله ما أدري هل نزعت الرحمة من القلوب؟!!
    أي صحيح أنهم سرقوا لكن يعدوا أطفال!!
    نعلمهم ونربيهم!، مو نعاملهم معاملة البهائم!!_أكرمكم الله_
    يارب لطفك يا منان
    هذه ما سلتني هذه ابكتني!!
    النهاية؛ خاصة لمن لم يطعم من شراكته شيئاً كان مؤلم!
    أسأل المنان أن يفرج بهذا له كربات الآخرة يا رحمن

    لَـمَّا انفجرت شو صار؟!

    استغفرالله،
    ياربي خلاص استهلكت طاقتي كلها!!
    من جد شيء يحزنني جداً!
    ما نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل وكفى!!
    أقول رحم حالهم الله
    إذا كانت الأم فعلت هذا بإبن ضميره حي!، ما الناظر صانع بِهؤلاء المساكين؟!!


    ممتاز جداً ما شاء الله تبارك الرحمن
    الروعة تنسكب انسكابا!!، عاجزة عن شكر هذا الإبداع!
    فبورك بقلمكم وجعله ربي سيال!
    زدتم رزقاً وفضلاً من المنان، يارب
    في حفظ المولى،،

    ~

    0 !غير مسموح

  11. #10

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,290
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    ثقافة الحمير (الجزء الرابع)
    تعالت صرخات التلاميذ في صفوفهم خوفًا أن تكون المدرسة تعرضت إلى قصف صاروخي من مكان ما، على استحالة ذلك، واتسعت أعين أولئك(المخترعين ذهولًا كذلك رعبًا، وهم ينظرون إلى صفهم من نافذته، في مكانهم في الملعب، لقد انفجرت المفرقعات الفاشلة التي صنعوها بأيديهم انفجارًا عنيفًا لم يتوقعه أحدهم، وكان من نتيجته أن دمَّر طاولة المعلمة تدميرًا شديدًا لتتطاير قطع خشبية منها في كل الاتجاهات، ولو أن المعلمة لم تَغِبْ هذا اليوم، لكانت خرجت بإصابات فادحة لن يكون علاجها هينًا، ولن يكون بقاؤها في المستشفى بسببها قليلًا، بل سيطول بها فترة لا يستهان بها، هذا إن كان حظها حسنًا ووصلت إلى المستشفى، فَبِقُوَّة هذا الانفجار الذي أطاح بطاولة المعلمة وشق كرسيها نصفين غير متساويين، كان من الراجح أن تلقى المعلمة مصرعها في الصف مع كل الشظايا التي ستخترق جسدها!! وبطريقة ما، وصل الخبر إلى المعلمة في اليوم نفسه، بل بعد لحظات ربما من دوي الانفجار، وهذا يؤكد لنا أن أحدهم يحمل في ذهنه بعض ملامح هذه الثقافة التعيسة بالفعل، إذ إن المعلمة لن تبتسم لهذه (المزحة الطريفة)قطعًا، بل لا بد لها من ردة فعل ليست بالهينة، وقد كان ذلك، إذ اتصلت المعلمة بالمخابرات، كون المسألة تتعدى محاولات الاعتداء إلى محاولات القتل المباشر! ولم يمض سوى اليسير من الوقت إلا ودورية أمن في المدرسة تسأل عن التلاميذ بالأسماء، لتلقي القبض على عدد منهم، متوعدة الباقين بأن دورهم قادم لا محالة في التحقيق، ولم يكن التحقيق مع من قُبِضَ عليهم سهلًا على أية حال من الأحوال، وكانت ساعات من الرعب التي رأوها، وساعات من الرعب في انتظار زملائهم. ولا نعرف لماذا لم يصبر هذا الأحمق قبل أن يقوم بإبلاغ المعلمة، لعلهم يتمكنون من حل الموضوع وديًا؟ لكننا نعلم أن فاعليات القرية ووجهاءها تدخلوا بقوة، ولم يهدؤوا إلا بتنازل المعلمة عن حقها بعد أن أفهموها الموضوع، وأنه خطأ من التلاميذ وغباء، لم يقصدوا منه سوى إصدار صوت مخيف فحسب، وأنهم ملامون وبشدة، لكن العقاب في يدها، في العلامات، وليس في مخافر الأمن والتعذيب للحصول على اعترافات بأمور لم تخطر في بال أحد من التلاميذ، وكان أن تم حل الموضوع بالفعل هنا، بعد أن خيَّم الكابوس المرعب فوق رؤوسهم جميعًا، المعلمة والتلاميذ والإدارة والأهل جميعًا، وما كان ذلك إلا بسبب ثقافة الحمير التي حملتها المعلمة منذ البداية تجاه التلاميذ بأنهم حمير لأنهم أصدقاء الحمير، وثقافة مماثلة في أذهانهم بوسيلة عقاب وتربية لم تخطر في بال أحد من قبل قط، وثقافة لا تقل تميزًا في رأس من أخبر المعلمة مباشرة بأن تلاميذها حاولوا (قتلها)!وكان لثقافة الحمير أن تستمر في حياة البشر! وكان لها أن تشمل اتجاهات عديدة لا حصر لها،وكأنك تتساءل بدهشة عارمة بعدها: من أين أتى هؤلاء الحمقى البلهاء إلى عالمنا؟ ذلك اليوم كنت وأختي في سيارتي، ومعنا طفلها الصغير، في مشوار ما في منطقة ما، واتخذنا في عودتنا الطريق الدولي السريع، لأختار أبطأ خط لأنطلق بسيارتي فيه، أي بحدود 60 كيلومترًا تقريبًا أو 70، وإذ بسيارة من نوع البيك آب تكاد تصل إلينا بغتة، وكأنها الموت من عالم خفي أتانا، إذ ينطلق صاحبها بها بسرعة تزيد عن سرعتنا بضعفين ونصف، وفق تقديري طبعًا! وبغض النظر هل أخطأت الرقم أم أصبت، إلا أن الأخ أثبت لنا أنه يحمل لواء ثقافة الحمير وبشدة،فهذا الخط مخصص لمن يريد أن ينطلق ببطء،وسيارته تكاد تسابق الرياح، وبلمح البصر ضغطت دواسة البنزين عن آخرها لتجمد سيارتي ثانية أو اثنتين قبل أن تنطلق بسرعة متزايدة،والبيك أب يكاد يدركنا، وسائقه بكل معاني الحمرنة يضغط البوق، وكأنني أستطيع إخفاء سيارتي من أمامه عبر السحر المتقدم الذي تتميز به، ولم أفعل ذلك! كنت أشعر بالرعب، على الطفل وأمه، وأخشى بحق أن أجد أمامي سيارة بطيئة فجأة، أو تنزل سيارة ما من مفرق من دون أن يؤمن سائقها طريقه جيدًا، فأخذت أضغط بوق سيارتي بدوري،تنبيهًا لهؤلاء لو وجدوا، واعتراضًا على سائق البيك أب الأحمق، وعيني بين النظر أمامي والنظر في خط السرعة المتوسط لعلي أستطيع الفرار من الوحش الثائر خلفي، وكنت قد أدرت شارة سيارتي ناحية اليسار، ولكن لم يفكر أحد هناك في التوقف لنستطيع النجاة،ولكنْ، ما يزال السائق خلفنا مصرًا على (إتحافنا) بثقافة الحمير التي يعتنقها حتمًا، فما كاد الخط يخلو من سياراته، ورغم أنني بدأت أغير اتجاهي نحوه، انطلق هو نحوه بسرعته الخيالية تلك، لأنجو من حادث آخر كاد يتحقق،فصرخت به من نافذة سيارتي، واصفًا إياه بالجحش، رغم أنني لا أسب عادة، لكنني في هذه المواقف لا أرى أنني مخطئ إطلاقًا في السباب،بل إنني أراه واجبًا كل الوجوب! وقريبًا مما أذكر، حادثة لم أشهدها، لكني سمعتها ممن أثق فيه وفي كلامه، كان الأخ عائدًا بسيارته من منطقة بعيدة، وإذ بسيارة تقودها فتاة تنزل من مفرق ما بسرعة خيالية، وتتجاوز خطَّي سرعة دفعة واحدة ليكون من المستحيل على صاحبنا الفرار منها، فكان أن ضربت سيارته من الخلف ضربة قوية، وكان توقف السيارتين هنا أمرًا طبيعيًا، إلا أن الأمر غير الطبيعي أن الفتاة غادرت سيارتها، ومن المعتاد أن تبقى وتدعي الانهيار أو تبكي، أو تتصل بأحد أفراد عائلتها، فهذا حادث،وفيه ضرر لسيارة أخرى، وربما ضرر لأحد الركاب فيها. استغرب صاحبنا ما يحصل، لكن وقر في ذهنه أن الأخت قادمة لتعتذر، فشعر ببعض الخجل لذلك،خاصة أنه كان ملتزمًا دينيًا بشكل جيد، ولا يكلم البنات عادة، ويغض النظر كما أمره الله،لكنه؛هنا؛بوغت فعلًا بهذه الفتاة تمد رأسها من نافذته لتصرخ في وجهه سائلة إياه: هل هو أعمى مثلًا لا يرى، أم ماذا؟ وهنا نسي صاحبنا كل قواعد اللياقة والذوق،بل لم ينسها لكنه وجد ألا داعي لها إطلاقًا، فانطلق في (بهدلة) معتبرة نزلت كلماتها فوق رأس الأخت كالصواعق، ولا أسف عليها بكل تأكيد! ولنترك المسرعين في سياراتهم والمسرعات، لكن لنبق ضمن مجال السيارات، في هذه المقالة المتسلسلة، لنذكر أيامًا صدر فيها قانون منع السيارات التي هي على المازوت من السير، ووجوب تحويل كل موتورات السيارات لتكون على البنزين،وإذ بسائق نعرفه أراد استدرار عطف الركاب،النساء تحديدًا، بحديثه عن طفله المسكين، الذي يصرخ جوعًا، وأبوه لا يستطيع تأمين احتياجاته من الحليب، وذلك لأن موتور البنزين غالي الثمن، كلفه ما يملك وما لا يملك، واضطر به إلى أن يستدين،وثمن البنزين نفسه قاسٍ جدًا، ولا يخدم في السيارة مثل المازوت، والطفل يبكي، والطفل جائع، والطفل يريد الحليب، والأب لا يستطيع شراء الحليب،وبعض هؤلاء النساء تدمع أعينهن تأثرًا، وكلهن يدفعن له أكثر من الأجرة المعتادة، وذلك من باب (الحزن على الطفل المسكين بل إن بعضهن كُنَّ يعطينه ثمن علبة من الحليب إضافة إلى أجرته كسائق، والمسكين عيناه تدمعان بدوره، تأثرًا بالمبادرات الكريمة. وربما نسأل ما الرابط بين هذه الحادثة وبين ثقافة الحمير؟ والإجابة بكل بساطة لا تتمثل إطلاقًا في أن أحد الحواجز الأمنية استوقف الأخ ذات مرة، وطلب أوراق السيارة، ثم سجل بحقه ضبطًا معتبرًا لأن موتور سيارته على المازوت! بل إن العلاقة الوثيقة بين عنوان مقالتنا وتصرفات السائق،في أنه (استغبى) الراكبات أولًا، ومن بعدها رغم أنه لم يقم بتغيير موتور سيارته رغم الضبط، عاد إلى (التباكي) أمامهن بسبب غلاء البنزين، لعله يحصل على أجرة مضاعفة، إكرامًا لطفله المسكين الذي يبكي ويصرخ طلبَ الحليب، وأبوه لا يستطيع أن يؤمنه له! وقد ذكرنا النساء، فلماذا لا نذكر بعض نماذج ثقافة الحمير عند فريق منهن؟ وعن نفسي لا أرى أشد سماجة، ولا أكثر حماقة، من امرأة محجبة،تجلس أمام باب بيتها متفرعة بشكل ربما تخجل منه المرأة حتى لو كانت وحدها، وتسمع خطوات من يصعد الدرج فتظل مكانها، وكأنها تضع في ذهنها خيارات متعددة: (هذا رجل (بل امرأة (بل ولد صغير (بل)... وحينما يصل صاعد الدرج الذي يريد أن يتجه إلى بيته، أو حتى إلى سطح البناية،و(تكتشف) العبقرية المدهشة أنه شاب بالغ، تبدأ بالولولة والصراخ، لعل أحدًا في بيتها يأتيها بالحجاب لتتحجب! وما نفع الحجاب بعد كل هذه البهمنة في التصرف يا ترى؟ بل بم ينفع الحجاب،والمكشوف في جسمكِ أكثر بكثير من المستور؟ ما لم تكوني (تستحمرين) نفسكِ بكل معنى الكلمة! أمور كثيرة لا نستطيع تقبلها في مجتمعنا وتحصل أمامنا، ومن ذلك إذ زارنا فريق طيور الجنة من شهور،ليؤدوا احتفالًا في حديقة عامة عندنا،لتتحمس امرأة محجبة بين الحضور، وتمسك بعلم لبنان (مقلوبًا) وتبدأ بالرقص، متجاهلة وجود الرجال في الحديقة، ولنقل إنها (نسيت) أن هناك رجالًا، فهل نسيت كذلك وجود كاميرات التصوير والفيديو؟ أم أنها، بكل بساطة، لا تبالي بأن تتمايل بجسدها يمينًا ويسارًا، وبكل حماستها، أمام الرجال؟ وهنا أسأل نفسي ما لزوم الحجاب يا هذه؟ وأية (ثقافة) تحملينها في ذهنكِ يا ترى؟؟ وبما أننا نذكر النساء، فسأرجع بكم زمانيًا إلى العام 2000م، أيام بدء دراستنا في دار المعلمين،رغم تفوقي في إحدى المواد آنذاك، والحقيقة أنني أثبتُّ نفسي في أكثر من مادة، ولكني أقصد مادة معينة هنا، كانت المعلمة تعترف بتفوقي فيها، ولكن كان لثقافة ما أن تطغى يومًا، لتنسِي المعلمة نظرتها في تفوقي وتهذيبي! وبكل بساطة، فاجأتنا هذه المعلمة بكلام خارج نطاق الدرس، نطقته بتوكيد: (وكما يقول داروين،الإنسان كان قردًا، ثم تطور وأصبح إنسانًا ولا أعلم هل ظنت نفسها ذكية إلى درجة إقناعنا بهذا الهراء؟ داروين نفسه لم يستطع (إثبات) كلامه هذا لتقوم حضرتها بإثباته، لكني أعلم أنني سألتها بجدية: (وماذا عن الغوريللا)؟ استغربت المسكينة سؤالي، وبدا لي أنها لم تفهمه، فأوضحتُ الأمر لها، إن الغوريللا من القردة العليا الشبيهة بالإنسان، فهل بدأ الأمر وفق المعادلة الآتية: 1_ هناك قرد.2_ تطور القرد فأصبح بني آدم!3_ تطور هذا الابن آدم فأصبح غوريللا؟4_ هذا يعني أننا نحن، البشر المساكين، في مرحلة أدنى من الغوريللا في درجات التطور! يا للهول! يا للعار! يا للـــ... ولم يعجب المعلمة ما أقول فطلبَتْ مني أن أهدأ قليلًا فطلبْتُ منها أن تتكلم بكلام موضوعي، ولا تملأمسامعنا إلا بالكلام العلمي، ولم ينتهِ الأمر هنا،وما كانت هذه خواتمه (السعيدة) قطعًا! ففي حصة لاحقة، قالت المعلمة، وكأنها تلفزيون يعيد حلقة من إنمي الكرتون لأننا لم نشاهدها: (وكما يقول داروين، الإنسان كان قردًا، ثم تطور وأصبح إنسانًا فقاطعتُها لأعيد سؤالي السابق لها عن الغوريللا، ومرة أخرى بدا أنها لم تفهم شيئًا،فشرحتُ لها المقصد، طالبًا منها أن تكون إنسانة واقعية، ولا تعلمنا إلا الكلام المنطقي العلمي، وبما أن هذا يتعارض وثقافتها (العالمية وجدت نفسي مطرودًا من الصف في حصتها، ويا للظلم الكبير طبعًا! على أن هذا الأمر لم يحزنني، ومرة ثالثة بعد فترة، أعاد التلفزيون حلقته السخيفة هذه... أعني أعادت المعلمة كلامها (الإبداعي)هذا، لأقاطعها مرة ثالثة، بالسؤال ذاته، وأخرج تلقائيًا من الصف،قبل أن تأخذ هي بالمبادرة وتطلب مني فعل ذلك! دعونا نترك النساء ونماذجهن، لنعيد الكلام في موضوع ثقافة الحمير بشكل عام، وأسوأ هؤلاء الناس، ولن نقول الحمير احترامًا لخلق الله تعالى،ولكن تصرفاتهم لغبائها تجعلنا نطلق عليهم اللقب أحيانًا، من دون تأنيب ضمير طبعًا، وإذًا كنت أقول إن أسوأ هؤلاء الناس في ثقافة الحمير هم الموظفون حيث لا ينبغي لهم أن يكونوا، هم من استلموا إدارة أمور ما، بسبب واسطة ما، وهم أغبى بمراحل من القيام بها، أو حتى من فهمها فهمًا صحيحًا، لكنْ بريق المنصب أعمى الأعين،حتى لو كان منصبًا بسيطًا جدًا، كمنصب مراقب العدادات، هذا لو صح أن يُسمَّى بالمنصب، ولكن بعض من يجدون أنفسهم في هذا الموقع، ربما يتخيلون أنفسهم باتوا من مستشاري البيت الأبيض مثلًا، ونحن لا نعلم هذا، ولن نعلمه قطعًا! وتوضيحًا أقول، إنني أتحدث عن (بعض من يجدون أنفسهم في هذا الموقع سواء أكان في مراقبة العدادت أم في أي موضع مسؤولية آخر،وسأورد أكثر من نموذج مختلف، ولا أشمل بكلامي إطلاقًا من يؤدون واجبهم بكل ضمير وأمانة، ومثال ذلك في إحدى المرات تجاوزت الوقت المحدد لي لترك سيارتي أمام العداد، ووجدت أنه تم تقييد إطارها الأيسر، مع ورقة مخالفة على الزجاج ورقم الشركة، فاتصلت بهم ليأتي أحد المراقبين، وأدفع له قيمة الغرامة مباشرة، ويفك هو الحجز عن سيارتي،من دون كلمة لوم واحدة أو عتاب، أو فتح باب حوار معه وجدال، فهو يقوم بواجبه، وهذا حقه، ومثلي مثل أي شخص آخر في هذا البلد! غير أن ثقافة الحمير أبرزت وجهها الفكاهي مع مراقبين آخرين، ربما لو وُضِعُوا في مستشفى المجانين لــ(أبدعوا) في الكوميديا فعلًا، أو لو تم اختيارهم لتمثيل دور الموظفين الكوميديين، لما كان للمؤلف حاجة إلى رسم أدواهم ولا لأن يعذب نفسه بكتابتها، فهم يرسمونها أفضل منه بالتأكيد. في ذلك اليوم، وضعتُ كمية لا بأس بها من النقود المعدنية في العداد، لأن مشواري كان طويلًا، ورغم الإطالة رجعتُ ومعي من الوقت حوالي أربعون دقيقة قبل أن ترجع شاشة العداد إلى الصفر في توقيتها، وفوجئت بالقيد الكبير يحيط بإطار سيارتي وبورقة المخالفة على زجاج السيارة لتجاوز الوقت المحدد لي! لم يكن هناك من مجال لأعتقد أننا في برنامج (الكاميرا الخفية)مثلًا، فاتصلت بالشركة،ليأتي المراقب الذي وضع الحجز مطالبًا بالمال،فأخبرته أن أمامه اختيارين اثنين لا ثالث لهما، إما أن يفك هذا القيد عن إطار سيارتي، أو أنني سأستمتع بجعله يمضغه أمامي! وليت الغباء توقف هنا! لقد أخذ يصرخ مؤكدًا أن هذا حق البلدية، وحق شركة مراقبة العدادات،فأمسكته من عنقه لأجبره على النظر في لوحة العداد، فكان أن أثبت أنه يحمل عنوان موضوعنا في رأسه وبكل جدارة! لقد أعلن أنه يجب عليَّ أن أضع نقودًا في عدادين اثنين، لا في عداد واحد،فأمسكت به من عنقه مرة أخرى سائلًا إياه أيهما يفضل؟ أن يتوقف عن الهراء ويتصرف مثل الناس الذين يحترمون أنفسهم أم يبدأ بأكل الحديد؟ وكان أن اختار الحل الأول وفك الحجز ومزق ورقة المخالفة، ومشى في طريقه غير مأسوف عليه! على أنني بعد فترة زمانيةما، أدركت أنني ظلمته قليلًا، إذ افترضت به الغباء! فأمام حمرنـ... تصرف مراقب عداد آخر، وهو ولد ربما بالكاد بلغ التاسعة عشرة من عمره، وجدتُ أن الأول كان ذكيًا، أعني أن تصرفه خاطئ قطعًا، لكنه لم يتصرفه لأنه لا يفهم مثلًا، بل ربما ظن أنه _ بهذا التصرف _ يستطيع أن يحرج صاحب السيارة، أيًا كان،ويجبره على الدفع، ليثبت للشركة أنه موظف مجتهد! بل لعله ينال نسبة ما من النقود التي يحضرها كمكافأة له على عمله، وأراد أن يزيد ما يتقاضاه ولو بطريق الاحتيال وقلة الأدب مع الناس،وأشير هنا إلى سماعنا بعد ذلك بمدة طويلة عن حالات مماثلة، لأصحاب سيارات وجدوا أوراق المخالفة على سياراتهم وهم لم يتجاوزوا الوقت المحدد لهم، على أن هذا موضوع آخر بعيد من موضوعنا الآن.لنرجع،إذًا، إلى ما أردنا قوله، ولماذا أقول إنني ظلمت هذا المتحامققليلًا؟ يومئذ كنت وأختي في سيارتي متجهين إلى منطقة ما لمراجعة طبية لي،ونحن ننظر يمينًا يسارًا هل هناك مكان لإيقاف السيارة؟وإذ وجدنا أمامنا عدادًا ليست أمامه سيارة، أعطيتُ الإشارة نحو اليمين، واتجهتُ لأقف بسيارتي، وما كدتُ أوقفها، بل قبل أن أفعل ذلك حقيقة، وما يزال محركها دائرًا، فوجئتُ بهذا الولد صاحب العقل الأحمق، ينزل من دراجته، وينحني نحو سيارتي محاولًا تقييد إطارها! نزلت من السيارة وأنا أقول له بهدوء: (ماذا تفعل وطبعًا كان هدوئي هذا يخفي خلفه عاصفة غضب عاتية، وإذ بهيجيب، وكأنه اكتشف الأسرار الكونية التي يجهلها العلماء جميعًا: (إن العداد يشير إلى الصفر، وهذا يعني أنك لم تضع فيه النقود فأمسكت به من رقبته مجبرًا إياه على الوقوف، قائلًا له إنني مستعد لكسر ذراعيه معًا لو حاول الاقتراب من السيارة مرة أخرى، وأخذ يغمغم بكلمات شبه مختنقة عن (حقه) الذي يمارسه في (وظيفته وكأنه موظف في شركة (ناسا العالمية)ونحن لا ندرك هذا، فسألتُه متهكمًا هل المطلوب من الناس أن يضعوا النقود في العداد قبل أن يتوقفوا بسياراتهم؟ وما (الآلية) التي يمكن اتباعها؟ هل نقوم بإنزال زجاج السيارة للراكب الذي يجاور مقعد السائق، و(ننقف) القطعة المعدنية من يدنا لتطير في الهواء وتدخل فتحة العداد الضيقة؟ وهل يظننا لاعبي كرة يد أو كرة سلة لنفعل هذا؟ بل هل يظن،بعقله الدولي العالمي وفهمه الذكي الألمعي، أن لاعب كرة اليد أو كرة السلة سينجح في أداء هذه الحركة (السحرية أظن أنه كان يريد أن يقول شيئًا ما، لا بل إنني أجزم أنه كان يريد ذلك، لولا أن ارتفع صوت ضحكة مدوية شامتة جلجلت في المكان كله، لنفاجأ بسيارة متوقفة قرب سيارتي _ خط ثانٍ _ وصاحبها يخرج رأسه من نافذة سيارته صارخًا بمراقب العدادت، مخبرًا إياه بأنه حمار حقيقي،وأنه فاق الحمير جميعًا لو اجتمعت في حمرنتها! وأن عليه ألا ينسى هذه المعلومة إطلاقًا! وأنه يظن _ ويا له من حمار أصلي! _ أن على الركاب أن (ينقفوا) القطع المعدنية من نوافذ سياراتهم في العدادات، وإلا عليهم أن ينالوا المخالفة لأنهم لم يتعلموا أداء هذه الحركات التي يعجز عنها لاعبو السلة ولاعبو كرة اليد، ما دفع بي إلى التساؤل بيني وبين نفسي مبتسمًا، هل سمع هذا الرجل كلامي وأعجبه ليقوم بإعادته؟ أم أن حمرنة مراقب العدادات _ كما يصفها الرجل طبعًا _ قد جعلت توارد الخواطر وتماثل الأفكار أمرًا واقعيًا لا فكاك منه ولا مناص عنه يا ترى؟؟وما نزال نتناول (ثقافة الحمير) بمراقبي العدادتوبنماذج متعددة متنوعة من سواهم، وملتقانا في الجزء الخامس إن شاء الله تعالى ويَسَّر ذلك!
    عمر قزيحه: في 6_1_2020م: الساعة:2:22 بعد منتصف الليل

    0 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

  12. #11

    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,290
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتــقـيـيـم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: ثقافة الحمير (مقالة اجتماعية: الكاتب أ. عمر)


    ثقافة الحمير (الجزء الخامس)
    وما نزال في ثقافة الحمير هذه ننتناول قصص مراقبي العدادات، بنموذج آخر وأخير، شهدتُ بعض فصوله ولكني لم أشهد الفصل الأكثر أهمية، ويومئذ كنت في طرابلس أقضي بعض الأمور الخاصة بي، وفي طريق توجهي نحو سيارتي التقيت بأحد أصدقائي الأعزاء، وأنا أعرف أنه لا يمتلك سيارة، فعرضْتُ عليه أن يرجع معي إلى منطقتنا إن كان قد أنهى عمله، وأجاب بالإيجاب مرحبًا بالفكرة، اتجهنا معًا نحو السيارة، وكنت قد وضعتها كالمعتاد في مكان صحيح، ووضعت ما يكفي من النقود في العداد، ولكننا وجدنا سيارة أخرى تقف بعرض الطريق تقريبًا، خطًا ثانيًا، مغلقة الطريق على سيارتي! فتحت سيارتي وأخذت أضغط بوقها مراتٍ متوالياتٍ، لعل صاحب هذا التوقف الأحمق يسمع ويأتي، لكن من دون نتيجة تُذكَر، فأخذت أدخل المحلات المتنوعة على الرصيف هناك أسأل من أوقف سيارته خطًا ثانيًا، لأفاجأ بشخص جالس في تناحة وبلادة، يعلن أن السيارة التي في الخارج ملك له، وأنه أوقفها خطًا ثانيًا لسبب واحد، وهو أنه لم يجد خطًا ثالثًا أو حتى رابعًا يوقفها به! فطلبت منه بحزم أن يتفضل بإبعادها لأتمكن من إخراج سيارتي، لِيَرُدَّ بأنه ليس مستعجلًا الآن، وسينهي كل عمله هنا أولًا قبل أن يفعل شيئًا، فأخبرتُه أنني سأصور كيف أوقف سيارته بهذه الطريقة المخالفة وأشتكي عليه في النيابة العامة لأنه يعطل لي عملي ويضيع وقتي، وقبل أن يرد سمعنا صوت كلام مرتفع من الخارج، لم نفهم مقاطع حروفه، ولكني رأيت من زجاج المحل هذا، صديقي يتجادل مع مراقب العدادات، فاستدرت نحو الرجل صاحب السيارة قائلًا له بلهجة أدعي فيها الإشفاق عليه: (أسرع يا رجل! مراقب العدادات وصل، وسيخالِف لك سيارتك)، وأسرع الرجل يركض مثل المجانين، لكنه لم يستفد شيئًا، فقد نال ضبط مخالفة، أسعدني وأغضبني! أغضبني فعلًا أن ضبط المخالفة هو 5000 ليرة لبنانية فقط، وكأنه تجاوز الوقت المحدد له في العداد فحسب، علمًا بأن هذه الحالة هي حالة وقوف مخالف، فيه أذى للسيارات المتوقفة، وفيه تضييق مزعج على السيارات التي ستمر من هناك، لأنها لن تسمح بمرور خطين اثنين كما هو مفترض، ورغم ضبط المخالفة يبدو أن هذا الرجل أحب أن يثبت لنا، ولنفسه قبل أن يكون لنا، أنه متميز في مضمار ثقافة الحمير، إذ استدار ليرجع إلى المحل الذي كان فيه، فهتفت به بحزم أنني مستعد لأن (أخرب بيته) فعلًا، إن لم يستحِ و(ينقلع) ويبعد سيارته، ففعل ذلك متبرمًا، لنخرج من هذا الفخ الأحمق، ونأخذ طريقنا إلى منطقتنا، وخلال ذلك سألتُ رفيقي لماذا ارتفع صوته ومراقب العدادات؟ وهل كان يعترض على المراقب أنه يريد تسجيل ضبط المخالفة بحق هذا الأحمق السمج؟ وكان أن أجاب رفيقي، مؤكدًا لي أن ثقافة الحمير لم تكن في ذهن صاحب الخط الثاني هذا فحسب، بل إن مراقب العدادت لا يقل عنه سماجة وحماقة، لقد فوجئ به رفيقي يحدق في شاشة العداد ببلاهة نادرة، فسأله ماذا هناك؟ ليجيبه أنه كان ينتظر أن يراها تشير إلى الصفر في توقيتها ليسجل مخالفة بحق السيارة المتوقفة، مشيرًا إلى سيارتي أنا، فصرخ رفيقي في وجهه ليسأله إن كان حمارًا أم لا؟ بل هو حمار طبعًا، لكنه حمار أعمى، لم يَرَ السيارة المتوقفة خطًا ثانيًا! وكل هذا الكلام والتوكيد بعده لرفيقي، وما أكد له أن مراقب العدادات حمار حقيقي أنه نظر إلى السيارة المتوقفة خطًا ثانيًا كأنه يراها أول مرة في حياته، قبل أن يسأل رفيقي ما يمكن له أن يفعل في مثل هذه الحالة؟ فأجابه رفيقي مستنكرًا هذا السؤال الأبله: (تحجز له سيارته وتسجل له ضبط مخالفة)، وقد كان هذا، بفضل الله تعالى، ثم بحزم رفيقي في التعامل مع مراقب العدادات وما يحمله في ذهنه من ثقافة مميزة، لا نعلم هل ستختفي يومًا من ما من مجتمعاتنا العربية أم أنها ستبقى ما بقينا على قيد الحياة، يا ترى؟؟ ولسنا نركز على مراقبي العدادت فحسب، بل إننا أكدنا، منذ البداية، أن كلامنا يتناول كل موظف وجد نفسه (موظفًا) و(مسؤولًا) وهو لا يعرف شيئًا، ومن ذلك أنني إذ كنتُ في مرحلة انتظار الموافقة على مناقشة الدكتوراه، وبعد شهور طوال من الانتظار، يخبرني معهد الدكتوراه بأن الموافقة قد وصلت، وكان ذلك قبل عيد الفطر بيومين اثنين، نزلت بعد عطلة العيد مباشرة إلى معهد الدكتوراه لأفاجأ بــ(اختفاء) الموافقة من دون سبب واضح بادئ الأمر، ثم اتضح السبب بعد بحث مطول بين مكاتب الإداريين هناك! ببساطة الموافقة وصلت منذ مدة ونسوا إخباري بذلك، رغم أنني كنت أسألهم عنها! وببساطة أكثر، هم تذكروا فأخبروني بعد عشرين يومًا على الأقل، لكن ما لم يحسب حسابه أحد، لا أنا ولا هم حتى، أن تبتسم الموظفة (المسؤولة) عن تسجيل الموافقات هذه في القلم الإداري، قبل تحويلها إلى الإدارة العامة عبر التسلسل، لتقول لي بكل حزم وابتسامة، جامعة النقيضين في كلامها المستفز:_ لا تؤاخذني! أنا جديدة هنا، مجرد (بلهاء) لا أفهم شيئًا ولا أعرف ماذا يجب أن أفعل بالأوراق التي تصل إليَّ!! لقد تَسَبَّبَ لنا أنها (جديدة) و(بلهاء) في مشوار طويل إلى العاصمة في زحام مستفز، من دون أية نتيجة إيجابية، وفي خسارة شهور كثيرة إضافية، قبل أن نحصل على الدكتوراه، وذلك لإعادة إرسال الاسم إلى الإدارة المركزية مع عدد آخر من الأسماء، إذ يتم إرسال كل دفعة مع بعضها، وانتظار طويل آخر أسوأ مما سبقه، رغم إعادة إرسال الموافقة بعد ذلك بشهرين، فالموازنة لم تعد ترصد شيئًا للمناقشات، ويجب أن ننتظر الموازنة العامة من الدولة، وبعدها أتت عطلة الجامعة، وعراقيل أخرى لا مجال لذكرها الآن، لكنها لم تكن لتحدث وقتها، وقت الموافقة التي وصلت إلى الجامعة أول مرة، وأضاعتها هذه الأخت بما في رأسها من (ثقافة) غريبة فعلًا، على أننا نشهد لها بتميز من نوع آخر، أنها اعترفت ببلاهتها وأنها لا تفهم، بخلاف كثيرين ممن لو كانوا في موضعها لأكدوا لك أنهم (خبراء) عالميون، ولكن لا أحد يفهم مدى عبقريتهم، ولا مدى أن الهراء الذي يخرج من رؤوسهم هو قرارات حكيمة وذهبية، حتى لو كانت تخالف كل القوانين النافذة والأنظمة المرعية الإجراء! فهذه موظفة تُصَاب بعارض صحي مزعج قبل انطلاق الشهادات الرسمية بيوم أو اثنين، ويتفاقم الوضع الصحي معها فتضطر إلى الذهاب إلى طبيب ليكتب لها تقريرًا طبيًا، للإعفاء من المراقبة، بعد المعاينة الطبية طبعًا، وكتابته الدواء المناسب لها، وهذا الأكثر أهمية بالنسبة إليها. وننطلق بالتقرير الطبي إلى المنطقة التربوية، ويحكم الموظف المسؤول من تلقاء نفسه، من دون الرجوع إلى أحد، أن لا لزوم للجنة الطبية نهائيًا، علمًا بأن القانون يقضي بإحالة التقرير الطبي والمريض سويًا في مثل هذه الحالة إلى اللجنة الطبية، ولكن الموظف أنهى الموضوع بحزمه الفريد هذا، وما علينا نحن إلا أن نأخذ نسخة من التقرير إلى المدرسة مركز الشهادة التي كان يجب أن تراقب فيها هذه الموظفة لا أكثر، ولم تكن المسافة هينة قطعًا، وتوقفنا مرات عديدة للسؤال أين موضع هذه المدرسة، حتى وصلنا بعد عناء، واستلم الجيش المكلف حماية مركز الشهادة الورقة ليسلمها بدوره إلى رئيس المركز، ورجعنا نحن، وقد قمنا بما علينا، أو هذا ما ظننا! لم أكن مقتنعًا بحماقة هذا الأخ إطلاقًا، وصدق ما توقعته، لقد اتصلت اللجنة الطبية اليوم التالي تطلب من الموظفة المثول أمامها، وذلك ليتأكدوا من أن التقرير الطبي صحيح غير مبالغ فيه! ونزلَتْ هذه المرة مع شخص سواي إلى المنطقة التربوية، وإذ بهذا المسؤول نفسه يؤكد أنه يمتلك ثقافة الـ... إلى حد غير مسبوق فعلًا، إذ إنه ادعى أن اتصال اللجنة الطبية أمر خطأ، وقد (صحح) الموضوع بنفسه، ولم تكد الموظفة تنصرف إلا واللجنة الطبية تتصل بها مرة أخرى، تسألها أين هي الآن، ولماذا لم تأتِ بعد! وكان أن مثلت هذه الموظفة أمام اللجنة الطبية التي أعدت تقريرها النظامي، بما يفيد صحة المعلومات الواردة في التقرير الطبي، على أن هذا التقرير يجب أن توقعه مسؤولة المنطقة التربوية، ولم تكن موجودة وقتها، بل كانت في جولة عمل لها بين مراكز الشهادة، فتوليتُ بنفسي الأمر اليوم التالي، لكن ما كدت أدخل مكتبها حتى أرادت سكرتيرتها أن (تثبت نفسها) لتصر بإلحاح غريب على أن أذهب بالتقرير أولًا إلى طابق ما، وقد فعلت ذلك، ليصرخ بعض المسؤولين هناك متسائلين من عَيَّن هذه الحمقاء البلهاء في موضعها؟ عملهم هم انتهى من أول أمس، واللجنة الطبية تابعت عملها أمس، ولم يَعُدْ ينقص سوى توقيع المسؤولة فحسب، فكان أن رجعت إلى مكتب الأخيرة سائلًا السكرتيرة بغضب هل تظن أن الوقت لعبة نتسلى بها نضيعها كيفما اتفق؟ ولم أمنحها فرصة الرد، تابعت إلى غرفة المسؤولة الخاصة، وما أبرعها في العمل وما أسرعها! خلال ثوانٍ قليلة ختمت التقرير بختمها ومهرته بتوقيعها، ولكنْ، يجب أن نسلمه إلى مركز الشهادة! أخبرتها بأنني سلمت نسخة من التقرير الطبي إلى هناك، فسألت بدهشة من طلب هذا الأمر؟ لا يمكن لأحد أن يطلبه لأنه ليس قانونيًا، ولا يعني هذا أنه يخالف القوانين، بل يعني أنه لا يقدم شيئًا ولا يؤخر، فكان أن اتجهت، أولًا، نحو الموظف الألمعي الرائع، أشكر فيه دهاءه العميق، وذهنه الغميق، بكل سخرية متهكمة، وهو سعيد بهذا الثناء الزائف يشكرني لأنني أشكره! وما أجمل أن تنطلق في مشوار آخر نحو مركز المراقبة هذا، لتسلمهم تقرير اللجنة الطبية النظامي، بعد أن ذهبتَ في اليوم السابق لتسلمهم ورقة لا نفع منها ولا ضرر، فقط لأن مسؤولًا ما، وجد نفسه موظفًا يجلس خلف مكتبه، فأحب أن (يخرِّف) على مزاجه الشخصي! وإن الأسوأ من كل هذا أن ترى إنسانًا وسخًا يحاضرك في الشرف، أن ترى لصًا يؤكد لك معنى الفضيلة، أن ترى شخصًا في دائرته شخص مستهتر بعمله وبأمانته بما لا يدع مجالًا للشك، فيتركه يتصرف وفق هواه، ويلوم من يقوم بعمله على أكمل وجه ممكن! يومًا ما كنا في مراقبة الشهادات الرسمية، أيامها كنا نذهب إلزاميًا بين عامَي 2003 و2008 كمراقبي صف، ثم توقفت عن ذلك، ولم أرجع سوى مرة واحدة عام 2014 كمراقب عام، وتوقفت بعدها كذلك، ولن أستطرد في الأسباب هنا، بل إنني سأذكر بعض ما يخدم موضوع مقالتنا هذه وعنوانها، من خلال ما رأيته في المراقبة أو سمعته، أو رأيته وسمعته معًا! مرة كان من نصيبي في المراقبة، زميلة لي في الستينات من عمرها، تقترب من التقاعد، وقد بدا عليها آثار السنين القاسية، والألم والتعب يحفران بوضوح في وجهها، فلم أجد من الغريب أن يتجاهلها المراقب العام ويطلب مني أن أكلمه قليلًا، اتجهت نحوه متسائلًا، فأشار بيده نحو أربعة شباب في قاعة الامتحان، قائلًا لي بلهجة آمرة، وكأنني جندي في جيشه ولا أعرف ذلك بعد: (هؤلاء يفعلون ما يشاؤون، ينقلون كما يريدون)، فسألته ساخرًا: (والباقون؟ ما وضعهون؟ أقصد ما وضعهم)؟ فأجاب بصرامة: (أية حركة تسحب المسابقة وتحرم صاحبها أن يتابعها، و...) فقاطعته قائلًا بتهكم لاذع: (اغرب عن وجهي لو سمحت، وقم بعملك، وإلا يا ويلك مني)! طبعًا لم يَرُقْ له هذا! وإن كان قد فهم موضعه خطأ فهذا شأنه، هنا ليس أعلى مني مركزًا، فقط أنا أراقب في الصف، وهو يتجول بين عدة صفوف، يسلمنا المسابقات مع رنين الجرس لنوزعها على التلاميذ ويستلم منا المغلفات الملأى بمسابقاتهم، وليس له حق إصدار أوامر، خاصة ما يخالف القانون منها، بل ما يخالف الأخلاق العامة نفسها قبل أن يخالف القانون، ولكن الثقافة التي تملأ رأسه لم تتوقف عند هذا الحد، بل إنه استغل قدوم المفتش التربوي ليشكو إليه أن الفوضى في غرفة صفنا كبيرة، ودخل المفتش غاضبًا، والمراقب العام واقف أمام الباب ينظر إليَّ مبتسمًا، فبادلته الابتسام، ونظرت مباشرة في وجه المفتش التربوي، لتختفي ملامح الغضب من وجهه ويبتسم، وقد عرفني، وكان يعرف تمامًا من أنا، وما مدى جديتي في هذه الأمور وأنني لا أحابي أحدًا، وكان أن تصافحنا بقوة وتبادلنا العناق، والمراقب العام يكاد يقع على الأرض بالسكتة القلبية، ولم أتردد في إخبار المفتش بما طلبه المراقب العام مني، وليس هذا لحب الأذى أو لأنني أريد رد الطعنة له، بل لأضع كل أمر في نصابه الصحيح ومكانه، وكي لا يكرر هذا الأحمق أذاه لاحقًا مع غيري، فلم نكن نراقب الصف نفسه يومين خلال الشهادة إلا بالمصادفات، خشيت أن يستقوي هذا الشرير على أناس آخرين لو نجح في أذاه اليوم، وسببت له بهدلة معتبرة يستحقها بكل تأكيد من المفتش، وقد كان الأخير به رحيمًا فعلًا إذ لم يعرضه إلى استجوابات خطية وعقوبات قاسية كان يمكن له أن يتخذها بحقه، وليس أقلها حرمان التدرج عدة سنوات. وإننا نذكر المراقبين والتلاميذ، في موضوع (ثقافة الحمير)، لذا سنذكر مثالين لهما علاقة مباشرة بهذا الأمر، وأولهما كان في أول يوم مراقبة الشهادة الرسمية المتوسطة، التلاميذ يتقدمون إلى اختبار الشهادة الرسمية أول مرة في حياتهم، أول مرة يجدون أنفسهم أمام اختبار عام، إما النجاح فيه وإما إعادة السنة، وهناك عناصر جيش أمام المركز، وتفتيش الصبيان وأغراضهم، وحقائب البنات فيهم، ولو أنه تفتيش بسيط يقتضي بفتح الحقيبة فحسب، ولكن له رهبته في نفوسهم، خاصة أنها المرة الأولى، وفي ذلك الصف كنا ثلاثة مراقبين، توليت أنا ومراقبة أخرى مسألة جلوس كل تلميذ في مكانه المحدد في الصف وفق اللوائح النظامية، وبدا لنا زميلنا الثالث كأنه نائم، لكن ما كادت تصل إلينا المسابقات ونوزعها، حتى هبَّ واقفًا يصرخ في وجوه التلاميذ بصوت رهيب كانفجار بركان: (هوشت، هوشت، هوشت، أنت وهو وأنتِ وهي، هوشت، هوشت، هوشت)! بدأت السيقان ترتجف، والأبدان ترتعد، والدموع تسيل، وصرخت المراقبة في وجه هذا الأبله متسائلة هل هو أبله أم ماذا؟ بدا لي سؤالها سخيفًا منطقيًا في آن واحد! فمن المنطقي أن تسأله عن بلاهته بسبب فعلته هذه، ولكن فعلته هذه تؤكد أنه أبله بما لا يدع مجالًا للشك، وبالتالي ما لزوم هذا السؤال؟؟ لُمْتُه بشدة _ المراقب طبعًا الذي تلقى اللوم مني وليس السؤال _ واستغرق تهدئة التلاميذ معنا وقتًا ليس بالهين، ليبدؤوا الكتابة وقد ضاع عليهم الكثير في أول يوم، في أول مادة، وقد كانت مادة اللغة العربية، ودرجتها 60 علامة، أي أعلى درجة في مواد الشهادة المتوسطة، مثلها مثل الرياضيات، وسائر المواد تتراوح درجتها بين 40 علامة و20 علامة. أتوقع أن عددًا منهم رسب بسبب حماقة هذا الأخ، ولا أنسى تسويغه فعلته، حينئذ قال إنه يريد أن يعطيهم (هيبة المراقبة) كي لا يبدؤوا بالضجيج ومحاولات النقل من بعضهم، فسألته إن كان يظنهم قطيعًا من الحمير أو الماعز ليخاطبهم بهذا الأسلوب، فكان أن نظر إليَّ متسائلًا في شك عميق كيف عرفتُ هذا؟ إنه بالفعل يصرخ في وجه الماعز والخواريف والحمير عنده قائلًا (هوشت، هوشت)! أرى أن ثقافة الحمير ماثلة في ذهن هذا الرجل وبشدة، إذ إنه قام بإسقاطها على تلاميذ لا ذنب لهم، بمنتهى الحماقة والغباء، وحزمنا في المراقبة مطلوب ولا نستغني عنه، لكن من حقنا أن نمنع الغش، ومن حق التلميذ أن يجيب عن الأسئلة المطروحة عليه في جو هادئ، بعيد من صراخنا فوق رأسه، فكيف يكون الحال والتلميذ لم يخطئ في شيء، لــــ(يستمتع) بهذا الصراخ (الناعم)، يضاف إليه مهانة قوية، تفترض به أن يكون حمارًا، من دون أدنى ذنب جناه إطلاقًا؟! وما نزال في الموضوع ذاته، وما سمعناه مرة، ربما على سبيل الطرفة وربما على سبيل الواقع، لا أذكر هذا حقيقة، ولكننا في مراقبة امتحانات الشهادة الثانوية هذه المرة، شابان بائسان وفق ما يظهر، ونقصد ببؤسهما أنهما فوجئا بأسئلة لا يعرفان منها شيئًا، أو أنهما ضمنا رسوبهما المدوي بعد يومين فقط من بدء الشهادة، وما يزال أمامهما يومان آخران، وربما تعمق في ذهنهما الرسوب الأكيد بعد تقدمهما بأول مادة في اليوم الثالث، لذا كتبا في المادة الثانية والأخيرة، ربما سؤالًا أو اثنين نسخًا من ورقة الأسئلة وأخذا يتبادلان النظرات والضحك ببلاهة، رغم تنبيهات المراقِبَيْنِ لهما المستمرة، ورغم أنه يمكنهما تسليم الورقة بعد انتهاء منتصف الوقت والانصراف، إلا أنهما ظلا مكانيهما ينظران إلى المراقِبَيْنِ ويشيران بأيديهما ويضحكان، ورغم انصراف كل التلاميذ في الصف لم يسلما مسابقتيهما، بل ظلا يتابعان بالحركات المستفزة ذاتها. وربما يدخل ما نقول هنا في باب الطرافة فحسب، لقد أخذ أحد المراقِبَيْنِ ينقر بأصابعه على طاولته، وهو يغني وينغِّم غناءه، ناظرًا إلى التلميذين (المجتهدين) غامزًا بعينيه: (حا، يا حماري حا، سبقوك الحمير! حا، يا حماري حا، سبقوك الحمير، حا، يا حمـــ...) وأسرع التلميذين هنا يسلمان ورقتيهما بغضب ويوقعان على إجرائهما المسابقة ويغادران، والأخ يتابع غناءه السعيد! ولم تنتهِ فصول الحكاية هنا، بل إن الأخ هذا في انصرافه رأى صفًا آخر، فيه تلميذ واحد ومراقب واحد، والمراقب يغفو على الطاولة والتلميذ ينفجر ضاحكًا مثل المجانين، وبما أن القانون لا يقتضي وضع مراقب واحد في الصف، بل اثنين أو ثلاثة، فهذا يعني أن هناك من هرب من المراقبين ليترك هذا المسكين وحده، فدخل صاحبنا الافتراضي هذا يقول لصاحبه بحماسة إن في حوزته (دواء) ندر وجوده، (اخترعه) بنفسه، لكل حمــــ... أحمق لا يريد أن يكتب ولا حرف، ولا يريد أن يسلم مسابقته في الوقت ذاته، وهذا الدواء هو: (حا، يا حماري حا، سبقوك الحمير! حا، يا حماري حا، سبقوك الحمير، حا، يا حمـــ...)! فسأله المراقب التعيس بلهفة: (أين هذا الدواء؟ أريد منه...) وسكت مذهولًا بعدها، لقد وضع التلميذ الأخير هذا مسابقته أمامه ووقع على الجدول أنه قام بإجرائها وانصرف، وهو لم ينتبه إليه، لشدة لهفته على متابعة (وصفة) صديقه هذا السحرية بكل ما في الكلمة من معاني السحر، وبكل ما في الموقف من ثقافة الحمير الغريبة التي نشهدها في مجتمعاتنا دائمًا، بأشكال مختلفة وألوان متباينة!وتقترب مقالتنا من النهاية، وربما جزءها القادم يكون الأخير، وذلك بتوفيق الله تعالى وتيسيره، فتابعوا معنا.
    عمر قزيحه: 6_1_2020م: الساعة: 4:02 ليلًا.

    0 !غير مسموح
    الدم سال في وطني، والرجل يُقْتل أمام امرأته وطفله...
    فمن أين يأيتنا النوم؟ وكيف لعيننا أن تغمض في وطن يشهد ثورة من أسابيع ولا أحد ينظر إليه!!

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Msoms-Anime
مسومس هو منتدى تعليمي هادف، أسس في شهر سبتمبر من العام 2001 م، يقدم إنتاجات  الأنمي الياباني المترجمة إلى العربية، كما يشمل العديد من الأقسام المختلفة. نتمنى أن تقضوا معنا أمتع الأوقات.  

RSS Google Plus YouTube Twitter Facebook
 
استعادة العضوية
تفعيل البريد
راسل المشرفين
مشاكل واستفسارات
DMCA.com Protection Status