رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
1_ أسباب ضعف الطلاب في التعبير الكتابي:
يمثل التعبير الكتابي مشكلة بالنسبة للكثير من الطلاب، ونرى علامات منخفضة، وتعابير رديئة المستوى والتركيب، ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة، منها:
أ_ غياب تقنية التعبير الشفوي: هذه التقنية التي تُعَدُّ الخطوة الأولى في طريق التعبير الجيد والصحيح، والخطوة الممهدة الأساسية للتعبير الكتابي الموسَّع والمترابط.
ب_ غياب المطالعة من قاموس الطلاب: ولعلها من أبرز أسباب الضعف في التعبير الكتابي، فهم؛أي الطلاب؛ يقرأون نصوص الكتاب المدرسي؛ بالكاد؛ ما يجعل تعابيرهم ضعيفة، لقلة الأفكار، ولضعف الحقل المعجمي والمترادفات لديهم.
ت_ إضافة إلى ذلك، لدينا غياب الإلمام بالقواعد النحوية والإملائية المطلوبة: بل إن أساسياتها تغيب عن مدارك الطالب، فنراه؛ في الصف التاسع؛ يكتب الفعل بتاء مربوطة في آخره! ونراه؛ في صف التاسع؛ يكتب الاسم في حالة الجمع بتاء مربوطة في آخره كذلك! ونراه؛ في صف التاسع؛ لا يعرف كيف يكتب الهمزة، كما أننا نراه متحمسًا لوضع كل فعل في صيغة الجمع، إذا كان بعده الفاعل في صيغة الجمع، فيكتب التلميذ (قالوا الأولاد)، بدلًا من (قال) الأولاد.
ث_ والمشكلة الأكثر ضررًا على الطلاب، التسرع في كتابة التعبير الكتابي: ربما خوفَ انتهاء وقت المسابقة، أو استهتارًا منه بالتعبير، وقراءته إياه مرة واحدة بنظرة سريعة فحسب، بل ربما يقرأ بعض الكلمات منه فقط ويبني عليها التعبير، وقد لحظنا نماذج عملية كثيرة تؤكد هذا الأمر، ويكتب الطالب موضوعًا قد يكون خارجًا عن المطلوب نهائيًا.
وأذكر مرة في إحدى دورات الشهادة الرسمية، في جولتي بين الصفوف؛ كمراقب عام؛ أن طالبة أخذت تهتف متحمسة في الصف بأن الموضوع: (أن نكتب القصة التي نريدها)! علمًا بأن نص التعبير كان عن طالب حصل له حادث ما قبل امتحان الشهادة الرسمية، لكنه تغلب على ما يعانيه، ودرس وتقدَّم للامتحان ونجح... و(أنشئ من هذه الأفكار قصة متماسكة)!
ومن المؤكد أن حالة هذه الطالبة ليست الحالة الوحيدة، فكم من تعبير نقرأه، لا علاقة له نهائيًا بالمطلوب ضمن نص الموضوع، وإذ نسأل الطالب عن سبب ذلك، يكون رَدُّه بأنه كان مستعجلًا، فلم يركِّز في نص التعبير الكتابي كما ينبغي!
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
2_ الحلول المقترحة لمعالجة نقاط الضعف:
أ_ تحقيق تقنية التعبير الشفوي بشكل صحيح: يجب التركيز على الإكثار؛ بقدر المستطاع؛ من تحقيق تقنية التعبير الشفوي، عبر حصة مخصصة للتعبير الشفوي، وخلال الحصص الدراسية المعتادة، بطرح أسئلة حول صورة النص، وحول مضامينه، والاستماع إلى إجابات الطلاب، على أن هذه التقنية التعبير الشفوي تحتاج منا ألا نكتفي بطرح سؤال والاستماع إلى إجابته فحسب، وانتهى الأمر! وهذا الطالب جيد، وذلك الطالب تعيس! هذا ما لم نقاطع الطالب عدة مرات لتصحيح أخطاء ضبط الكلمات، ما يضيع الهدف والإفادة من التعبير الشفوي، وتوظيفه بشكل صحيح لتنمية مقدرة الطالب وجرأته في التوسع في التعبير الكتابي. علينا تقبل الإجابة، كما هي بادئ الأمر فحسب، ولو كان ضبط الكلمات خاطئًا بالكامل، بل حتى لو كانت بالعامية، ثم محاولة الوصول بالطالب إلى إعادتها باللغة الفصيحة، بضبط صحيح، وذلك بعد تشجيعنا إياه لإجابته، ليشعر أنه قد قدَّم إجابة صحيحة ولها وزنها واعتبارها عند الأستاذ، ولكن هذه الخطوة؛ كذلك؛ لا تكفي، بل علينا فتح الحوار مع الطالب خلال التعبير الشفوي بقدر الإمكان لتوجيه مداركه نحو كل النقاط التي يمكن لنا أن نريد منه أن يعبِّر عنها[1].
ب_ تفعيل المطالعة: ولا يعني ذلك أن ينزل الطالب إلى المكتبة ويقرأ قصة، بل يجب أن يتعود توثيق القصة، وتدوين أفكارها الرئيسة، وإن وجدناه مترددًا غير واثق من نفسه، نطلب إليه أن يكتب لنا (ما فهمه من القصة)، ويحدد رأيه في تصرف بعض الشخصيات، وما الذي أعجبه، وما الذي لم يعجبه، وإن كان هو بدلًا من الكاتب، فكيف كان سيجعل تلك الشخصية تتصرف، أو كيف كان سيحول نهاية القصة إلى نهاية أخرى أفضل، وفي كل النقاط يجب أن يذكر التلميذ السبب، يجب أن يعلل لنا لماذا أعجبه هذا الأمر أو ذاك، ولماذا لم يتقبل حصول هذا الأمر أو ذاك، ولماذا يريد النهاية التي يقترحها، بل ويقترح عنوانًا آخر، مبررًا اختياره. أما الظن بأن (المطالعة) تعني (الجلوس في المكتبة)، فهذا ظن ليس في مكانه، واكتفاء التلميذ بقراءة القصة فحسب، أمر جيد، لكن بالنسبة إلى الطالب المتمكن، أما بالنسبة إلى الطالب غير المتمكن، فستبقى مشكلته في التعبير الكتابي قائمة مثلما هي، ما لم نحاول توجيه المطالعة كما ذكرنا، بقدر المستطاع، ومهما كلفنا هذا الأمر من الجهد والتعب.
ت_ التذكير بالقواعد الأساسية دائمًا: حتى لو كان في هذه الخطوة إرهاق شديد للأستاذ، لكن عليه أن يشير إلى كل الأخطاء الإملائية والنحوية في مسابقة التلميذ، وكتابة الصواب فيها، أما الطريقة التقليدية بالاكتفاء بوضع خط تحت الخطأ، أو خطين إن كان الخطأ فاضحًا، فهذا ما لا يقدِّم ولا يؤخِّر شيئًا، إلا بالنسبة للطالب المتمكن، فإنه (قد) يدرك خطأه، وبعد ذلك علينا أن ننبِّه التلاميذ؛ مباشرة أو في حصص لاحقة خلال دروس تستدعي الأمر؛ إلى القواعد الأساسية، وما أخطأوا به، لكن من دون تسمية المخطئ، بل إننا نقول مثلًا (نام العامل المتعب نومًا عميقًا)، لا (نوم عميق)، لأن (نومًا هنا مفعول حقيقي للفعل نام، إذًا إعرابها مفعول مطلق، والمفعول المطلق منصوب)، ونعطي أمثلة أخرى إضافية، وهذا الأمر لن يأتي بنتيجة إيجابية مباشرة، لكنها عملية البناء التي تستغرق وقتها، وعلينا أن نقوم بها بكل جهدنا تجاه طلابنا، فهم أمانتنا ومسؤوليتنا.
ث_ تمرين الطالب على تدوين الأفكار الرئيسة: وهذا أمر مجهِد لنا، ولكنه واجب وضروري، علينا أن نبتدئ مع الطالب في الحلقة الثالثة، بل قبل ذلك، بأن نمرِّنه على استخراج وتدوين الفكرة الرئيسة من كل فقرة يقرأها، هذا الأمر لا يزيد الطالب قوة في التحليل فحسب، بل إنه يُعَوِّده التركيز المطلوب في قراءة النصوص، وفي قراءة نص التعبير الكتابي المصغر بالأولى، ما يجعل إجابته ضمن المطلوب، لا خارج نص التعبير، ويضمن له أن ينال العلامة، وفق ما يُبدِع في تعبيره، بدلًا من أن يكون في خطر ضياعها بالكامل، نظرًا لتَعَوُّدِهِ القراءة السريعة التي تفتقر إلى التركيز.
[HR][/HR][1] نكتفي بهذا القَدْر هنا، إذ سَنُوَسِّع عرض هذه الإشكالية موضعَها المناسب.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
3_ الأخطاء في كتابة التعبير الكتابي:
ونتناول هذه الأخطاء، منتقلين من أخطاء (ما قبل التعبير) التي تجعل الطالب لا يجيد التعبير أصلًا، إلى مسألة نلحظها من ظن بعض الطلاب أنهم قدَّموا تعبيرًا كتابيًا جيدًا؛ بل مميزًا؛ وفق رأيهم، وينتظرون العلامة المرتفعة، ثم يُفاجَأون؛ بعد ذلك؛ بعلامة منخفضة، قد تسبب لهم الإحباط، وتصل بهم إلى مرحلة الظن أنهم مهما كتبوا و(أبدعوا) فإن ذلك لن يعجب الأستاذ، ولن يضع لهم علامة جيدة!
وأحاول؛ في هذا البند؛ الإشارة إلى أبرز الأخطاء التي يقع فيها التلاميذ في معالجة التعابير الكتابية على اختلاف أعمارهم وصفوفهم، ولعل في تجاوز هذه الأخطاء ما يرتقي بأسلوب تلاميذنا إلى الأفضل:
أ_ عدم معالجة كل المطلوب في نص الموضوع: فقد يكون المطلوب معالجته جزئيتان أو ثلاث، ثم نرى التلميذ قد اكتفى بمعالجة جزئية واحدة فقط، مهملًا كل ما عداها، وربما يقدم معالجته تلك بأجمل الأساليب وأرقاها، ولكن، من الناحية الواقعية، هو لم يعالج أكثر من نصف أو ثلث الموضوع، وبالتالي سيكون حساب علامته وفق هذا الأساس، مهما كانت المعالجة رائعة ومتميزة، فقد يُطلَب إليه تصوير أثر سياحي، ووصف حركة السياح حوله، وإبداء مشاعره وعواطفه، فيكتفي الطالب بتصوير هذا الأثر، ويعبِّر عن مشاعره وعواطفه، ويرى نفسه مبدعًا بتعبيره، ولكنْ؛ أين كلامه عن السياح وحركتهم حول هذا الأثر السياحي؟ ها قد أضاع الطالب بعض العلامات، من دون أن ينتبه إلى ذلك! بل قد يُطلَب منه تقديم التعبير مستعملًا (السرد والوصف والحوار)، فيكتفي التلميذ بالسرد والحوار، مضيعًا على نفسه جزءًا كبيرًا من العلامات، ظانًا أنه سينال علامة مرتفعة.
ب_ معالجة المطلوب في نص الموضوع، من غير تسلسل: فقد يكون المطلوب معالجته ثلاث جزئيات مثلًا، فيبتدئ التلميذ بالأولى ثم الثالثة، ثم الثانية، أو بأي ترتيب لا يراعي التسلسل المطروح ضمن نص الموضوع، ومهما بلغت جمالية المعالجة من وجهة نظر التلميذ، إلا أنها في وجهة نظر المصحح، ليست تقدِّم أكثر من موضوع ركيك الأسلوب، لعدم معالجته المطلوب بالترتيب.
ت_ معالجة كل المطلوب، ولكن في فقرة واحدة: والأصل في التعبير الكتابي أن يكون مقدمة (فقرة) وصلب موضوع (3_5 فقر) وخاتمة (فقرة)، فنرى التلميذ أحيانًا يقدم الموضوع كله فقرة واحدة، فيكون حساب علامته على أنه قد كتب مقدمة طويلة جدًا، ولم يعالج الموضوع، وإن كان قد عالج عمليًا كل النقاط، أو قد يكتب التلميذ مقدمة، ثم صلب موضوع من فقرة واحدة، وهنا هو أضاع على نفسه ثلثي العلامة الممنوحة لصلب الموضوع، ما لم يدمج الخاتمة؛ كذلك؛ بصلب الموضوع، كما رأينا ولاحظنا الكثير ممن يفعل ذلك، ذاهبًا بدرجتها، من دون أن يدرك أو يشعر.
ث_ضعف الصياغة، وتتمثل في أمرين اثنين:
_ التكرار: ولا نعني هنا التكرار الجيد، وسنشير إلى مواضعه في الهامش أدناه[1]، ولكن قد ترى المقدمة رائعة، ثم يبتدئ التلميذ بصلب الموضوع (وكما قلنا في المقدمة...)، وتراه أعاد نصف المقدمة، أو كلها في بعض الأحيان! وهنا الخطأ المزدوج، أنه وقع في التكرار من ناحية، وأنه أضاع على نفسه علامة فقرة من فقر صلب الموضوع، ومن التكرار ذِكرُ الفكرة نفسها أكثر من مرة، بلا داعٍ، إلا لزيادة عدد أسطر الموضوع فحسب!
_ الخطأ في استخدام أدوات الربط: فإما تكرار أداة واحدة: (و..و...و...و...و...)، أو الاستخدام الخاطئ لأدوات الربط، مثلًا (أما فهو..) والفاء ترتبط بجواب أما وجوبًا، ولا يجوز وضعها قبل ذلك (أما هو.. فــــ...)، أو استعمال أدوات ربط متنوعة (ولكن، إنما، و، لذا...) وبشكل عشوائي تمامًا، فقط ليظهر التلميذ أنه يستعمل أدوات الربط، وكذلك عدم مراعاة أدوات الربط المخصصة للأنماط، فمثلًا النمط السردي، تتعلق أدوات الربط فيه بالزمان، وتتعلق في النمط الوصفي بالمكان، كما أوضحنا ذلك في شرح الأنماط، وبالتالي لا يجب على التلميذ استخدام أدوات ربط في غير مواضعها، أو لا تتلاءم مع النمط الذي يَكتُب به.
ج_ الكتابة بالعامية: وهي من الأخطاء الكبيرة التي نراها، رغم أن الكتابة بالعامية لها فوائد إيجابية، ولكن لا يحق للتلميذ استخدام العامية في التعبير الكتابي، لأنه وضع أصلًا ليختبر قدرته في التعبير باللغة الفصحى السليمة، ولا يجوز استخدامها إلا في موضعين اثنين، أولها أن يكون النص المعطى للتحليل، والذي تدور عليه أسئلة فهم النص مكتوبًا فيه بالعامية، أو يضطر التلميذ إلى استخدام أمثال شعبية، وحتى في هذه الحالة، عليه أن يضع الكلام بالعامية بين قوسين، ولا يخلطه بالفصحى.واختلاف اللهجات بين المناطق المحلية في الدولة الواحدة نفسها، يجعل استخدام اللغة العامية أمرًا بالغ الرداءة، وذلك لاحتمال وجود بعض الكلمات التي قد لا يفهمها حتى المصحح نفسه، نظرًا لأنه من منطقة تختلف عن منطقة الطالب.
ح: الكتابة الخاطئة، إملائيًا ونحويًا: وهناك فارق فيما بينهما، فقد يكتب الولد كلمة (تفاحة) مثلًا، كلمة صحيحة إملائيًا، ويكتب: أكلت تفاحةٍ، فهنا وقع في خطأ نحوي، وكلاهما يحاسب عليه، ومن أسوأ الأخطاء الإملائية التي نراها وضع التاء المربوطة للفعل، وفي الحلقة الثالثة الكتابة الصحيحة إملائيًا ونحويًا لها علامتان (ظاهريًا)، بينما هي واجب أن يعرفها ويتقنها الطالب في المرحلة الثانوية تحت طائلة حسم ثلث العلامة للموضوع، في حال القصور اللغوي (ويشمل الخطأ النحوي والإملائي وضعف الترابط).
خ: ومن النقطة السادسة، ننطلق إلى النقطة السابعة، ومما ينقص علامة التعبير الكتابي عدم إلمام التلميذ بالتقنيات المطلوبة منه في التعبير، فمثلًا صف الشهادة المتوسطة، التعبير على 21 علامة، وربما يبدع الطالب حقًا، ويتصور أنه سينال علامة متميزة، ولكنه لا يعلم بأن المعالجة للأفكار المطلوبة لها 9 علامات فحسب، ولا يعلم؛ كذلك؛ أنه مهما تغيرت التقنيات، لدينا تقنيات ثابتة، كترك الفراغ بداية كل فقرة، وأنه مهما أبدع فلن ينال العلامة الكاملة في التوسيع، فكيف الحال إذا ما أهمل التقنيات؟ وسنقدِّم شرح التقنيات بالتفصيل ضمن خطوات الحلول.
د: إهمال الطالب اقتراح عنوان مناسب لتعبيره الكتابي: وهذا من التقنيات الحديثة المطلوبة[2] لصف الأساسي التاسع وفق التوصيف الجديد.
[HR][/HR][1] نستطيع معرفة إن كان التكرار جيدًا أو رديئًا، من خلال السماع، ولنلاحظ تكرار كلمة (أمي) في المثالين، مما كَتَبَتْه إحدى الطالبات في صف الأساسي التاسع، من بضع سنوات:
أ_ "استيقظت أمي صباحًا، وتناولت أمي طعامها، وذهبت أمي إلى السوق، واشترت أمي من السوق ما يحلو لها، ثم عادت أمي إلى البيت، وحين عادت أمي إلى البيت، طبخت لنا أمي الطعام". التكرار رديء لا معنى له، وهو؛ ونظيره، مما يُضعِف العلامة، بخلاف المثال الآتي:
ب_ "أمي، نغم عذب أمي ، ما أحلاها من كلمةٍ كلمةُ أمي"!. هنا تكرار جيد، أعطى النص صبغة إيقاعية جميلة، ولنختصر المسافة، سنقول إن التكرار موضعه فقط في المواقف الوجدانية لا أكثر، وبخلاف ذلك يكون رديئًا، ويُعَدُّ من الأخطاء المنقصة للعلامة.
[2] ونسجله في بند منفصل، كونه؛ كما أشرنا؛ تقنية حديثة، ما يزال كثير من الطلاب يهملونها، رغم أننا نكتبها لهم ضمن (الملحوظات والتوجيهات)، لكن ذلك بسبب أنهم لم يتعودوها في صفوف سابقة، ولذلك يجب أن يتعودها الطالب من صف الأساسي السابع وما بعده، كي لا تضيع علامتها منه في امتحان الشهادة الرسمية.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
4_ الحلول المقترحة لمعالجة الضعف:
أ_ تفعيل تحليل التعابير الكتابية استقرائيًا: وذلك بعدم الاكتفاء بإعطائها فروضًا منزلية، بل علينا تخصيص عدة حصص للتعبير الكتابي الصفي، خلال السنة، وذلك بكتابة نص التعبير المطلوب على اللوح، أو توزيعه عبر أوراق مصوَّرة للطلاب، واستقراء جزئياته، وتدوين كل المطلوب من الطالب أن يتكلم عنه خلال تعبيره، وبالتسلسل المتدرج، على اللوح، ليدوِّنه الطالب لديه (يجب أن نعالج في التعبير: أولًا... ثانيًا... ثالثًا...)، وهذه الخطوة كفيلة بحل مشكلتين من مشاكل التعبير الكتابي، مشكلة عدم معالجة كل المطلوب في نص التعبير الكتابي، ومشكلة المعالجة العشوائية التي تفتقر إلى التسلسل المنطقي.
ب_ تنبيه الطلاب؛ دائمًا؛ إلى وجوب تقسيم الموضوع فقرًا متعددة: ويكون ذلك بمحاسبة جادة وقاسية بالعلامة في حال لم يلتزم الطالب بتقسيم الموضوع عدة فقر، وبتشجيعه بعلامة إضافية إذا ما التزم بهذا التقسيم، على أن نُعَوِّده؛ مهما أخذ ذلك معنا من وقت؛ أن يترك سطري فراغ بعد فقرة المقدمة، وسطر فراغ واحدًا بعد كل فقرة من فقر صلب الموضوع، وسطري فراغ بعد الانتهاء من صلب الموضوع قبل الانتقال إلى الخاتمة.
ويمكن لنا؛ كذلك؛ عبر تقنية التعبير الكتابي الصفي الاستقرائية، وبعد تدوين الأفكار التي ينبغي معالجتها، أن نسأل الطلاب: (بناء على هذا التوزيع، أي فكرة يمكن لها أن تكون المقدمة؟ وأي الأفكار يمكن أن نوسعها ضمن صلب الموضوع؟ وأي فكرة يمكن لها أن تكون الخاتمة)؟ أو (بناء على هذه النقاط التي ينبغي أن نفصلها ضمن صلب الموضوع، ترى ماذا يمكن أن نكتب في المقدمة؟ وبعد الإجابات الاستقرائية المنوعة، نسأل ماذا يمكن أن نكتب في الخاتمة؟ كيف يمكن أن ننهي الموضوع)؟ ونستمع؛ كذلك؛ إلى عدد من الإجابات، ونحاول أن نفسح المجال أمام الكل للمشاركة.
ت_ العمل على البناء التركيبي الصحيح: وذلك لمعالجة مشكلة ضعف الصياغة، علينا ألا نكتفي بشطب الجمل، أو منح العلامة المنخفضة، بل يجب أن نكتب للتلميذ أداة ربط مناسبة بين الجمل التي يسيء وضع أداة الربط المناسبة لها، أو لا يختار لها أداة ربط حتى، وعلينا أن نمرِّن الطلاب على تقنية التركيب الصحيح، بشرحنا لهم ما هي أدوات الربط، وما وظائفها، وإعطائهم أمثلة عملية، عبر تذكيرهم بها من خلال الدروس، درسًا تلو الآخر، كما علينا؛ بعد التعبير الكتابي؛ أن نكتب يمين اللوح أدوات الربط المتنوعة، وفي منتصفه بعض الجمل التي رأينا صياغتها الضعيفة لدى الطلاب، على اللوح، ونقوم بعملية عصف ذهني لنختار أداة الربط المناسبة.
كما يجب علينا أن نشير للطالب إلى التكرار الذي وقع به في تعبيره الكتابي، ونحاول أن نمرِّنه على صياغة الجمل من دون تكرار بعض الكلمات، أو ذكر الفاعل مثلًا عدة مرات متتالية، وإذا كان التكرار يهدف إلى زيادة الأسطر وحجم التعبير الكتابي، فإن علينا أن نحاسب التلميذ بشكل قاسٍ بعض الشيء، ليعلم أن المعتبر في تصحيح تعبيره، ما كتبه من دون هذا التكرار، لا؛ بل ليعلم كذلك أنه لو لم يقع في هذا التكرار، لكانت علامته أفضل مما نالها الآن.
ث_ رفض التعبير الكتابي باللغة العامية: ولا نكتفي بشطب الكلمة، أو التساؤل (لماذا تكتب بالعامية)؟ بل علينا أن نحاسِب الطالب على ذلك، وأن نذكر له هذا الأمر في تصحيحنا التعبير الكتابي، قائلين له إن الكتابة باللغة العامية أضعفت العلامة، وإن أمكن لنا؛ وهو الأفضل بكثير؛ أن نسجل له البديل الفصيح لكل كلمة عامية قد كتبها، لعله يتحسن بتعبيره ويرتقي إلى نبذ العامية في كتابته بقدر ما يمكننا أن نحقق له التطور الأدائي.
ج_ الجداول المفصِّلة: وذلك بإعداد جداول نوجز فيها القواعد الإملائية المطلوبة الأساسية، مثلًا جدول بأنواع الهمزة وكيفية كتابتها، وتدوين أمثلة متنوعة فيها، وشرح سبب كتابة الهمزة في كل جدول تفصيليًا، والطلب إلى التلميذ أن يعطي أمثلة أخرى، مفصلًا فيها سبب كتابة الهمزة، والأمر كذلك في المقارنة بين القواعد التفصيلية للفعل الماضي، وعلامة بنائه، وسبب تغيرها، وعلامة رفع الفعل المضارع، وما إلى ذلك، وهذا بعد شرح الدروس والتطبيقات حولها، إذ يلزم تنشيط ذهن الطالب لإدراك القواعد النحوية والإملائية الأساسية على الأقل، وأن يكون مُلِمًا بقواعد الهمزة والتاء والاسم المنقوص وسواها، فهذا ما يعالج لدى الطالب مشكلة الكتابة الخاطئة إملائيًا ونحويًا، كما يعالج كذلك مشكلة ضبط الكلمات ضبطًا خاطئًا من قبل الطلاب، حتى أننا بالكاد نرى من يضبطها ضبطًا صحيحًا!
ح_ التمرُّس بملحوظات وتوجيهات التعبير الكتابي: إذ إننا نلحظ، في توصيف الأساسي التاسع الجديد، كتابة ملحوظات وتوجيهات حول كل تعبير كتابي، وسواء أظلت هذه الخطوة موجودة أم لا، فإن على أستاذ الصف الاستفادة منها، وذلك باستقراء الملحوظات والتوجيهات التي يُدَوِّنها للتلاميذ حول كل تعبير كتابي، وصولًا في مرحلة لاحقة إلى كتابة نص التعبير الكتابي على اللوح، من دون كتابة هذه الملحوظات والتوجيهات من قبل الأستاذ، بل فعل ذلك استقرائيًا عبر طرح السؤال الجوهري: "ما هي الملحوظات والتوجيهات الرئيسة في مثل هذا التعبير الكتابي"؟ وإجراء الحوار مع التلاميذ، وتنويع الإجابات والمشاركات، وهاتان الخطوتان تفيدان تدريجيًا في علاج مشكلة ضعف التركيز لدى التلاميذ.
خ_ شرح تقنيات التعبير الكتابي شرحًا مفصلًا نظريًا وتطبيقيًا: أما (نظريًا) فيكون بشرحها قبل الامتحانات، والتركيز عليها عدة مرات، أما (تطبيقيًا) فيكون بتفصيل علامة التعبير الكتابي، لا وضعها واكتفينا، لا نضع العلامة للطالب (7/21، 14/21، 16،5/21) أو في صفوف ما قبل التاسع (6/8، 2/8)... بل علينا أن نحقق له أمرين في التصحيح، مهما كان ذلك مرهقًا لنا، الأمر الأول أن نذكر له كل إيجابياته لتعزيزها، وكل نقاط الضعف، لعله يتفاداها لاحقًا، والأمر الثاني أن نكتب له كل جزئيات تصحيح التعبير، وعلامة كل جزئية منها، وكم نال عليها من العلامة، لعله؛ مرة تلو الأخرى؛ يتعود ملاحظة وتحقيق كل التقنيات المطلوبة في تعبيره الكتابي، وإليكم شرحًا مفصلًا لهذه التقنيات، وفق صف الأساسي التاسع، على أن يُراعي أساتذة صفَّي الثامن والسابع ما أمكنهم منها:
[TABLE="align: right"]
[TR]
[TD]التقنية المطلوبة[/TD]
[TD]درجتها من العلامة[/TD]
[/TR]
[TR]
[TD]_ اقتراح الطالب عنوانًا ملائمًا للتعبير الكتابي[1].[/TD]
[TD](علامة ونصف)[/TD]
[/TR]
[TR]
[TD]_ توسيع الأفكار المطلوبة ضمن نص التعبير الكتابي[2].[/TD]
[TD](تسع علامات)[/TD]
[/TR]
[TR]
[TD]_ توظيف المكتسبات البلاغية والصرفية والنحوية والإملائية: وتنقسم علامته بين تضمين التعبير صورًا بيانية ومحسنات بديعية (علامتان) وضبط قواعد النحو والصرف والإملاء (علامتان) واستخدام أدوات الربط استخدامًا سليمًا (علامة واحدة) واستخدام علامات الوقف المناسبة (علامة واحدة).[/TD]
[TD](ست علامات)[/TD]
[/TR]
[TR]
[TD]_ التميُّز والفرادة: وتنقسم علامته؛ توازيًا؛ بين غنى الأفكار وغزارة
الصور البيانية والتنوع في الجمل الإنشائية. [/TD]
[TD](علامتان وربع العلامة)[/TD]
[/TR]
[TR]
[TD]_ الإتقان في العرض والتقديم: وتنقسم علامته بين تقسيم الموضوع
فقرًا (ثلاثة أرباع العلامة)، وترك فراغ بداية كل فقرة (نصف علامة)، وترتيب المسابقة كلها والكتابة بخط واضح (علامة واحدة)[/TD]
[TD](علامتان وربع العلامة)[/TD]
[/TR]
[/TABLE]
والسؤال؛ هنا؛ هل هناك تكرار في توزيع العلامة؟ نلحظ في البند الثالث (توظيف المكتسبات البلاغية والصرفية والنحوية والإملائية) رصد علامتين لـ(تضمين التعبير صورًا بيانية ومحسنات بديعية)، كما نلحظ في البند الرابع (التميز والفرادة) رصد ثلاثة أرباع العلامة لــ(غزارة الصور البيانية)، والإجابة: لا؛ لا تكرار هنا، فتضمين التعبير صورًا بيانية، يعني استخدام صور بيانية، أيًا كان نوعها، سواء استخدم الطالب التشبيه أم الاستعارة أم الكناية، أما حينما يستخدم الطالب عددًا جيدًا من الصور البيانية وينوِّع الاستخدام بين أنواع البيان الثلاثة، فإن هذا يدخل في باب غزارة الصور البيانية.
ولا يمكن للطالب الاستهانة بهذا الأمر، أو أن يقول هذه التقنية لها ثلاثة أرباع العلامة فحسب، كتقنية التنوع في الجمل الإنشائية على سبيل المثال، أي أن ينوع الطالب في استخدام صيغ الإنشاء المختلفة، بحسب ما يقتضيه التعبير الكتابي الذي يكتبه، بين نداء وأمر واستفهام وتَمَنٍّ وتعجب، وما إلى ذلك، فهذه لها علامتها (المنفردة) 4/3 من أصل 21 علامة، ولكنها تدخل؛ حتمًا؛ في علامة التوسيع الكتابي التي رُصِدَ لها تسع علامات كاملة، وهل يُعقَل أن يتخيل الطالب توسيعًا مليئًا بالصور البيانية والجمل الإنشائية المتنوعة؛ إضافة إلى الجمل الخبرية طبعًا؛ سينال صاحبه العلامة ذاتها التي تُمنَح لتعبير كتابي ليس فيه صور بيانية ولا جمل إنشائية؟ قد ينال صاحب التعبير الأول (7/9) في علامة التوسيع، إضافة إلى العلامة المنفردة التي تُمنَح لتقنية الصور البيانية لاحقًا (2) لاستخدامها و(4/3) لغزارتها، و(4/3) لتنويع الجمل الإنشائية، أما صاحب التعبير الثاني الذي يخلو من الصور البيانية، أو بالكاد نلحظ صورة يتيمة، ولا تنويع فيه بين الجمل الإنشائية، فإنه قد لا ينال على تعبيره أكثر من (3/9) أو (4/9) ربما على أكثر تقدير، فكم علامةً قد خسر هذا الطالب؟
ومن هنا؛ ينبغي على الطالب أن يدرك أهمية كل تقنية مطروحة ضمن التقنيات، وأن يسعى إلى تحقيقها في تعبيره الكتابي، كون الكثير من هذه التقنيات يدخل ضمن علامة التوسيع، كما له علامته المنفصلة على النحو الذي أوضحناه لكم.
وتبقى لدينا ملحوظة أخيرة في هذا الصدد، وتتمثل في المعلومة الآتية، في صفوف الشهادات الثانوية، يجب أن يتم إنهاء المقدمة بطرح إشكالية ممهدة لصلب الموضوع (ولها نصف علامة المقدمة عادة)، ويجب أن يتم إنهاء الخاتمة بطرح إشكالية ممهدة لمعالجات جديدة (ولها ثلاثة أرباع علامة الخاتمة عادة)، بينما لا يُطلَب ذلك في الحلقة الثالثة، إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون التعبير المطلوب من التلميذ (مقالة)، فالأفضل هنا إنهاء المقدمة بطرح إشكالية (أي سؤال ممهد لصلب الموضوع، أو إبداء رأي معين)، وكذلك الخاتمة، لكن هذا (الأفضل) وليس (إلزاميًا).
[HR][/HR][1] والأفضل أن يتعود الطالب اقتراح العنوان قبل البدء بالتوسيع، وذلك في المرحلة الأولى، والأفضل؛ كذلك؛ أن يراجع التلميذ العنوان الذي اختاره بعد انتهاء التعبير، ليغيِّره إن رأى أنه يمكن اختيار عنوان أفضل منه، بناء على ما كتبه في التعبير الكتابي، وفي هذه الحالة إذا ما نسي المراجعة لتسرعه في تسليم المسابقة، يكون على الأقل قد ضمن جزءًا من علامة العنوان، إذ إنه قد اختاره مسبقًا، أو ربما يضمنها كلها إذا كان عنوانه ملائمًا، إذًا؛ فليكتب الطالب العنوان أولًا، وبعد ذلك يوسع الأفكار المطلوبة، أما إن كان الطالب منتبهًا إلى هذا الأمر، واثقًا من نفسه، مجيدًا في إدراك المطلوب، فلا بأس له أن يختار العنوان بعد التعبير.
[2] ويشمل هذا التوسع: معالجة كل المطلوب ضمن نص التعبير الكتابي، وبالتسلسل المتدرج.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
1_ مشكلة تقنية فهم المسموع: تقنية فهم المسموع من التقنيات الرئيسة في التدريس، وأهدافها واضحة لا تخفى، إننا نسعى؛ خلال فهم المسموع؛ إلى تنمية مقدرة الطلاب على التركيز والإصغاء، والإجابة عن أسئلة تتعلق بنص مسموع، وإعادة إنتاج نص من خلال أفكاره الرئيسة، وما إلى تلك المفردات والمصطلحات العامة. ولا ننكر إطلاقًا أهمية هذه الأهداف، على أنني أتوقف عند الهدف الثاني، الهدف العائم الذي لا يُمكِن قياسه تقريبًا، ما المقصود بـ(الإجابة عن أسئلة تتعلق بنص مسموع)؟ وما أهمية مثل هذا الهدف؟ بل ما الفارق الحقيقي ما بين إجابة الطالب عن أسئلة تتعلق بنص مسموع، وإجابته عن أسئلة النصوص التي يقرأها، والمسابقات الخطية الكتابية التي نضعها أمامه؟!
أيًا ما كانت أهداف فهم المسموع وإفادته، يجب علينا أن ننتبه إلى عثرات فهم المسموع ومشكلاته الكبرى التي نعانيها في مدارسنا، إذ إننا نرى الطلاب كأنهم في حالة حرب، التوتر يسودهم، والأقلام في أياديهم لنسخ النص الذي نقرأه لهم، وإن كنا لا نعمِّم هذه الظاهرة، إلا أنها موجودة بشكل ملحوظ، وبهذا التصرف من الطلاب، هل يمكن لنا أن نعتبرها حصة فهم مسموع؟ إنها أقرب إلى حصة إملاء مشوَّهة الشكل والتفاصيل، تعتمد أن نتكلم وينقل خلفنا التلاميذ، لكن من دون أن نصحح لهم الأخطاء الإملائية!
أعتقد أن مشكلة فهم المسموع ترجع إلى التربية المنزلية، إذ يغيب الحوار المركَّز ما بين الطالب وأهله، لا يتعوَّد الطالب منذ صغره الاستماع إلى أهله، إلا عبر الأوامر والنواهي، أما أن يتكلم الأب _ أو الأم _ مع الابن عدة دقائق متتالية، يتكلمون عدة جمل، ثم يسألون الولد ماذا قالوا، وهل فهم عليهم، وما رأيه، ولماذا، ويطلبون منه هو التعبير عن رأيه بكل جرأة وانطلاق، فهذا الأمر أظنه غائبًا عن كثير من البيوت، ليجد التلميذ نفسه فجأة إزاء مشكلتين كبيرتين في حياته التعليمية، مشكلة فهم المسموع، ومشكلة التعبير الشفوي، التي سنتناولها تفصيليًا في البند اللاحق. إذًا، ماذا نفعل نحن كأساتذة؟ هل نلغي حصص فهم المسموع؟
الأمر غير مقبول منطقيًا، فهذه كفاية أساسية لا غنى عنها، ولكننا لا نستطيع أن نذهب إلى بيوت الطلاب لنطلب إلى الأهل أن يطبقوا نظرتنا في مبدأ الكلام والاستماع والتعبير بينهم وبين أبنائهم! وبالتالي لا بد لنا من إيجاد الحلول ما أمكننا ذلك.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
2_ حلول مشكلة تقنية فهم المسموع:
لا مشكلةَ من دون حل لها، وقد تختلف الحلول بين أستاذ وآخر، وفقًا لمستوى تجاوب الطلاب المتفاوت ما بين مدرسة وأخرى، وربما يحتاج الأمر اختيار الحلول جميعها، وقد لا يحتاج إلا إلى شيء بسيط منها، وأضع بين أياديكم الحلول التي أراها مساعدة في هذه الحالة:
أ_ اختيار نصوص تتعلق بالطلاب، بما يَخُصُّ حياتهم اليومية، ومواقفهم التي يَمُرُّون بها، حتى لو اقتضى الأمر أن يؤلِّفها الأستاذ، ليس من الضروري أن يكون كل نص فهم مسموع لكاتب ما، سواء أكان كاتبًا معروفًا لنا أم لا، ومنشورًا في كتاب أو مجلة، فالهدف مصلحة الطلاب لا نسبة النصوص.
ب_ وننطلق من النصوص التي تَخُصُّ الحياة اليومية، إلى أخرى اجتماعية، انطلاقًا من مواقف التلميذ الاجتماعية التي يراها أمامه، مثل (البخل، التسول، الكرم، السرقة، الطلاق)...
ت_ التدرُّج في نصوص فهم المسموع، ولا نعني بذلك النصوص الاجتماعية والشخصية، بل إن هذا التدرُّج ينطلق من أمرين أساسيين:
_ التدرُّج في نوعية النصوص التي نقدِّمها إلى الطالب بشكل متسلسل، فإن طرحنا له نصًا اجتماعيًا لا يجب أن نسأله عن نوع النص، لكن يمكن لنا؛ حينما نسأل عن نوع النص؛ أن نبتدئ بنصوص سردية، أو سردية يمازجها الوصف، وقد يمازجها الحوار، تدريجيًا إلى أن نسأل التلميذ بفهم المسموع عن نوع النص (المقالة) التي نُسمِعه إياها.
_ التدرُّج في حجم النصوص التي نختارها نصوصَ فهم مسموع، فليس من المنطقي أن تستغرق قراءة نص فهم المسموع خمس دقائق كاملة، ثم نعيد القراءة مرة ثانية وثالثة، وبعدها يجد التلميذ نفسه مضطرًا إلى إجابة ثمانية أسئلة مثلًا، فهذا يُشَكِّل ضغطًا في الوقت لا داعي له، وعملية سباق بين التلميذ ودقائق الحصة، وهذا لا يُعتَبَر فهمًا مسموعًا! وإذا أردنا للنص أن يكون كبيرًا، فعلينا أن نخفف حجم الأسئلة بالمقابل، لنتمكن من تحقيق الهدف المطلوب من إجراء هذه الكفاية.
ث_ اختيار نصوص فكاهية بعض الأحيان، وذلك تخفيفًا على الطالب، وجذبًا له للمتابعة، وكذلك اختيار نصوص من التراث العربي، ليبقى ماثلًا في أذهان التلاميذ، على أن تحمل النصوص مغزى ما، أو تكون مؤثرة بشكل ما.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
3_ نصوص متنوعة لفهم المسموع:
وسأقدِّم هنا بعض النصوص المتنوعة، متفاوتة الأحجام، ما بين متوسط الحجم وكبير الحجم، متنوعة الأهداف، ما بين القصة الطريفة، والقصة التي تعرض موقفًا عائليًا مؤثرًا، والقصة التي تعرض موقفًا اجتماعيًا مؤثرًا، ولو كان بعض هذه النصوص كبير الحجم، فذلك ليتمكن الأستاذ من اقتباس ما يريده من النص بحسب ما يراه مناسبًا.
نص (شباب)
ها أنا كبرت ونبت شارباي، اتركيني يا أماه، لا تبقي بجانبي! اتركيني يا أماه، أتخذ اليوم قراري، فالمسألة مسألة اختيارٍ أبيٍّ، فأنا لم أعد ذلك الطفل الشقي! أعتقيني يا أماه من أحمالكِ الثقيلة، واخفي كل صوري القديمة! أعتقيني من آمالكِ العريضة، واقبلي بصورتي الجديدة! لي رفاق أُجِلُّهم، للقوة للبأس جهدهم، يعلنون للشر الجلاء، ويرغبون في نشر الإخاء. أنا منهم، ومعهم أتحدى كل شتاء! وتردد صوت الأم في ذاكرة الشاب الشقي، ووصله ضعيفًا ضعيفًا، ومن بين كلماتها وصله رجاؤها، أملًا معقودًا ويدًا ممدودة: "يا بُنَيَّ يا صغيري، أنت في ضميري صفحة بيضاء، ريشة في مهب الأنواء، تثور لأقل إشارة، وتموج لأقل إثارة... انتظر حتى تدور الدائرة، وانظر إلى الأمر بجرأة، كي لا تُغلَق الستارة على مأساة دامغة، والصحوة تصبح نادرة، أعطِ نفسك فرصة، لن يسبقك الكِبَرُ، خفِّف عنك وطأة كيلا يهزمك الدهرُ". لم يسمع الشاب الكلمة الأخيرة، وانطلق نحو الدهر، يتحداه، ويمازحه، ويتقلب بين احتمالاته: برد وصقيع، حلاوة ومرارة، صعود وهبوط، ونسي الصوت، ونسي الأمل المعقود واليد الممدودة. وبقيت اليد الممدودة مرفوعة نحو السماء، تدعو كل يوم سمفونية الرجاء، وبقي الأمل المعقود يناجي عودة لا بدَّ من أن تحين، يتلصص على الشارع، بين فينة وأخرى، ويردد: "ربما يعود، سيعود، لا بد من أن يعود".
د. مهى جرجور – بيت على الحافة _ كتابنا للنشر، المنصورية _ الطبعة الأولى _ 2017م.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
حُكِي أن صيادًا صاد ذات يوم سمكةً واحدةً كبيرةً، فلم يَجِد مَنْ يشتريها منه، ليبتاع[1] بثمنها خبزًا لأولاده، فأخذها وأعطاها لامرأته، لِتُصْلِحَهَا عشاء لهم، فقالت: بل الأَوْلَى أن تأخذَها إلى أمير البلد، وتُقدِّمَها له هديةً فَيُكْرِمَكَ بأضعاف ثمنها، فتشتري لنا خبزًا، ويبقى معنا فَضْلٌ للغد وما يَلِيه". فأبى أولًا بحجة عدم تحقق النوال[2]، ثم عمل بمشورتها، تخلصًا من إلحاحها، ولكنه لم يأخذ من الأمير إلا كلمة (عافاك)! فعاد على عقبه صفر اليدين، فحكى لامرأته ما قال له الأمير، فاكتأبت وقامت إلى جيرانها، فاسْتَقْرَضَتْ من الخبز ما به شبعة للأولاد في ذلك المساء. في الغد، ألقى شبكته في البحر، فاشتملت على سمكة أكبر من تلك، فأشارت عليه مشورتها الأولى، وبعد (قال وقيل) سمع لها، وذهب إلى الأمير، وقَدَّمَها له، فَقَبِلَهَا بوجه باشٍّ[3]، وقال له: (عافاك، عافاك)! فانثنى الصياد على عَقِبِه[4] مغمومًا، وقال لامرأته مغضبًا: "ألم أقل لكِ إنه لا خير في هذه التقدمة؟ قومي، أطعمي الأولاد بدل قوتهم الذي أفقدتِهم إياه برأيكِ الفاسد". فقامت للحال، وفعلت فعلها الأول. في صباح الغد، ذهب وألقى شبكته، فأصاب سمكة أكبر من السمكتين الأوليين، فجاءَ امرأتَه قائلًا: "لا جرم[5] أنكِ تجعلينها هذه المرة طعامًا للأولاد، بعد أن فَالَ[6] رأيكِ مرتين". قالت: "تسمع لي هذه المرة أيضًا[7]، وتفعل من بعدها ما تشاء"، فَتَعَوَّذ بالله، ومضى فقدَّمَها إلى الأمير، فَقَبِلَها منه ببشاشة وسرور، وقال له: (عافاك، عافاك، عافاك). فانكفأ[8] الصياد إلى بيته ساخطًا، وأخبر امرأته بما جرى، فقالت له: "لا تحزن يا رجل، فغدًا، إن شاء الله، تنال أضعاف أضعاف ثمن السمكات، فعليك بالصبر إلى الغد، وإن غدًا لناظره قريب". بات الرجل بَحَوبَة سوء[9]، ولم يصدق أن انفجر الصبح، حتى طالبها بإنجاز الوعد، فقالت له: "قُمْ، اتبعني"، فقام، وتبعها إلى السوق، ولما كادت تصل إلى دكان صائغ، قالت له: "سأختار من عند هذا الصائغ سوارين، ثم أقول لك ادفع ثمنهما، وحينئذٍ تفعل ذَيْتَ وذَيْتَ، وتقول كَيْتَ وكَيْتَ"، قال: "سأكون لكِ مطواعًا هذه المرة أيضًا[10]، لأرى نتيجة آرائكِ". لما بلغ دكان الصائغ، انتَقَتْ سوارَينِ ثمينين، وبعد التساوم اتفقا على أن يكون ثمنها[11] ثلاث ليرات. حينئذ سَلَّمَتْهما إلى زوجها قائلة: "خذهما وانْقُدْهُ ثمنهما"، فَمَدَّ الصائغ يده، فإذا بالصياد يَعُدُّ فوقها قائلًا: "عافاك، عافاك، عافاك". فَبُهِتَ الصائغ، وقال له: "أتسخر بي يا رجل؟ ما هذا"؟ قال: "هي الليرات الثلاث، ويجب عليك أن تقبضها راضيًا، لأنها سِكَّة الأمير، وإلا حلَّ بك العقاب". علا الصياح، وكَثُرَ اللغط[12]، واجتمع إليهما مَن في السوق، وأفضى النزاع بينهما[13] أن يترافعا إلى الأمير، فانطلقا إليه معًا، وقَصَّ عليه الصائغ ما جرى، فَأَبِهَ[14] الأمير حالًا لتقصيره في مكافأة الصياد على سَمَكاتِه، وسُرَّ من الطريقة التي اسْتَنْبَطَها[15] لِتَنْبِيهِهِ لما فاته عمله، فالتفت إلى الصائغ ونَقَدَه ثلاث ليرات[16]، وأوعز[17] إليه أن "عُدْ إلى دكانك"، فقبضها وعاد. عند خروجه اسْتَدْنى[18] الأميرُ الصيادَ، ونَقَدَه ثلاث ليراتٍ أخرى، قائلًا: "خذ هذه أيضًا[19]، علاوةً على السوارين[20]، وأنْفِقْها في ما تحتاج إليه. ولولا أنك محق، لما أضْرَبْتُ[21] عن توبيخك على ما فعلتَ". فَقَبَّل الصياد يَدَه، ودعا له دعاءً طويلًا، وانصرف مسرورًا.المطران جرمانوس معقد (ولم أعثر على توثيق القصة).
[HR][/HR][1] يبتاع: يشتري.
[2] النوال: العطاء.
[3] باش: مبتسم.
[4] انثنى على عقبه: عاد من حيث أتى.
[5] لا جَرَمَ: لا بُدَّ، لا شَكَّ.
[6] فَالَ: خَابَ.
[7] أيضًا: لا أرى صوابَ استخدامها هنا، لكنني أنقل القصة كما وَرَدَتْ، و(أيضًا) مفعول مطلق، لفعل (آَضَ) بالماضي، و(يِئِيْضُ) بالمضارع، بمعنى عاد إلى أهله.
[8] انكفأ: عاد خائبًا.
[9] الحَوبَة: الحاجة والهم.
[10] أيضًا: سَبَقَ بيانُها.
[11] الصواب: ثمنهما.
[12] اللغط: الصوت والضجة.
[13] أفضى النزاع بينهما: وصل النزاع بهما، أَدَّى النزاع بهما إلى...
[14] أَبِهَ: انْتَبَهَ.
[15] استنبطها: اخترعها.
[16] ثلاث ليرات: لا ننسى أن كاتب القصة مات قبل الحرب العالمية الأولى، وكان هذا المبلغ في ذلك الوقت مبلغًا باهظًا.
[17] أوعز: أشار.
[18] استدنى: طلب إليه أن يقترب.
[19] أيضًا: سَبَقَت الإشارة إليها كخطأ لغوي منتشر.
[20] علاوة على: إضافة إلى.
[21] أضربْتُ: امْتَنَعْتُ.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
نص (القانون)
انفطر قلبها في أسى ولوعة، وخُيِّل إليها أنه يُنتَزَع من بين أضلاعها، مع انتزاع الطبيب لتذكرته الطبية في ذلك الدفتر الأنيق، الذي يحمل اسمه في كل صفحاته، ومناولتها إياها، وهو يقول في لهجة رجل عملي، لم يَعُدْ لديه وقت للعواطف أو المشاعر: "من الضروري أن تبتاعي هذا الدواء اليوم، وإلا فسيحيا ابنكِ بعاهة مستديمة مدى الحياة".
ألقت نظرة بلا معنى على التذكرة الطبية، وهي تغمغم: "هل يتكلف الدواء كثيرًا"؟ أجابها في ضجر: "سَلِي الصيدلاني"، ثم هتف ينادي مساعده: "المريض التالي يا عبده".
خفضت وجهها في استسلام وانكسار، وحملت ابنها الهزيل، ذا الأعوام الستة، وغادرت باب العيادة الفاخر، وقلبها نهبة للحزن والحيرة، إن الذي تحمله هو ابنها الوحيد، لم تُنْجِب سواه في عمرها، ولا أمل لديها في أن تفعل، بسبب خطأ طبيب ناشئ، حاول أستاذه تدريبه على أسلوب جديد للتوليد، وبعدها لقي زوجها، العامل الأجري الصغير مصرعه، عندما سقط من الطابق الرابع في منزل تحت الإنشاء، كان يعمل فيه عامل بناء.
ومنذ ذلك الحين، وهي تكافح لتحيا، ولكن نوائب الدهر لم ترفع يدها عنها بعد، ها هو ذا ابنها الوحيد يصاب بمرض عضال، يهدده بعاهة مستديمة، وها هي ذي تقف عاجزة عن إنقاذه، وتوقفت مترددة أمام صيدلية كبيرة، ثم دفعت قدميها دفعًا لتخطو داخلها، وامتدت يدها إلى الصيدلاني بالتذكرة الطبية، وهي ترتجف في توتر، فالتقطها منها الصيدلاني البدين، وقلب شفتيه امتعاضًا وازدراء، وهو يتأمل مظهرها الرث، ثم أعادها إليها قائلًا في برود: "هذا الدواء يتكلف أربعين جنيهًا".
ارتجف كل عرق في جسدها، عند سماع المبلغ، أربعون جنيهًا؟! إنها لم تربح في عمرها كله مثل هذا المبلغ، ولكن ماذا تفعل؟ أتَتْرُكَ وحيدها يواجه مصيره المظلم، لأنها لا تملك مالًا؟ إنها لا تملك حتى القوة للمزيد من العمل، وفي صوت خافت منكر، غمغمت: "ألا يمكنك أن"...
ولكنه لم ينتظر ليستمع إليها، لقد فارقها ضَجِرًا، لِيُلَبِّيَ طلب تلك السيدة المكتظة التي تطلب شراء دواء لإنقاص وزنها، يبلغ ثمنه ضعفي ثمن الدواء، الذي يحتاج إليه الابن المسكين.
وغادرت الصيدلية كطير ذبيح، وارتكنت إلى بابها تبكي في مرارة، وهي تحمل ابنها على كتفها، والتذكرة الطبية في يدها، وفجأة، دَسَّ أحدهم في يدها ورقة مالية، جَفَّت دموعها وهي تتطلع إليها في دهشة، وارتجف قلبها وهي تتصور ما حدث.
لقد ظن الرجل أنها تتسول، فمنحها ذلك الجنيه! تتسول؟! يا له من عار! إنها لم تكن لتفعل هذا أبدًا، ولكن، ماذا تفعل سواه؟
عادت تستعرض موقفها كله، ثم ضمت ابنها في إشفاق ولوعة، وراحت أعماقها تصارعها، ولم لا تتسول؟! ولم لا تقبل الأقدام من أجل وحيدها؟ وفي حياء تمتمت: "حسنة لله"، خُيِّلَ إليها أن أحدًا لم يسمع صوتها، فَرَفَعَت عقيرتها قليلًا: "أريد شراء دواء لذلك الطفل اليتيم".
تَطَلَّع إليها بعض المارة في إشفاق، وابتسم آخرون في سخرية وخبث، واقترب كهل منها، ودَسَّ في يدها ورقة مالية كبيرة، وفجأة، هوت على كتفها يد قوية غليظة، وارتفع من خلفها صوت صارم يقول في قسوة: "ماذا تفعلين يا امرأة"؟ انكمشت في رعب، والتَفَتَتْ إليه بعينين هَلِعَتَين وجسم مرتجف، وأرعبتها تلك الصرامة البادية في ملامحه، وهو يستطرد: "ألا تعلمين أن التسول يخالف القانون"؟!
أرادت أن تشرح له موقفها، وأن تُرِيَه التذكرة الطبية، إلا أن الرعب والرهبة ألجماها، فبقيت صامتة مستسلمة، في حين قال أحد المارة في إشفاق: "دعها ترتزق يا شاويش"، وأضافت سيدة: "ربما كان ابنها مريضًا حقًا"، صاح الشاويش في صرامة لا تقبل الجدل: "وليكن... القانون هو القانون".
وتَأوَّه ابنها ألَمًا، وزادت هي في ضمه، ولم تنطق بحرف واحد، وقد سالت دموع اليأس والمرارة على وجهها، وهي تسير أمام الشرطي إلى قسم الشرطة في استسلام تام، الآن فقط أدركت ماهية القانون... قانون الأقوياء.
د. نبيل فاروق _ بتصرف بسيط من القصة الأولى في كتاب "لعنة البحر" _ العدد الخامس من سلسلة كوكتيل 2000
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
لا أحد يعرف من تكون، ولا من أين أتت، لا اسم لها، لذا، أطلق عليها الجميع _ من دون اتفاق _ اسم "متسولة"، فملابسها رثة بالية، ووجهها أصفر شاحب، تستجدي الطعام والمال لها، ولابنها الصغير، إذ لا مُعِيلَ لها بعد وفاة زوجها، هي نفسها قالت ذلك، وهي تستجدي، وكالمعتاد، انقسم الناس فئاتٍ متعددةً، فئةً تجود بالمال، وأخرى بالغذاء، وثالثة بالملابس، ورابعة تشفق عليها، وتردد عبارتها الشهيرة: "يا حرام"، من دون أن تُعطِي شيئًا بالطبع. فئة تستهزئ بها، وفئة تتهمها بالكذب، ولكن الكفة تميل لمصلحة من يصدقها، حجتهم أنها لو كانت كاذبة لأحضرت معها ابنها تتسول به، كما يفعل الغجر في أيامنا، وحتى بعض المتسولات ممن يحملن أولادهن صادقات، وظَلَّ الجميع على خلافهم، حتى جاء يوم، استيقظت فيه القرية على خبر مؤلم، طفل المتسولة صَدَمَتْه سيارة مسرعة، وفَرَّ صاحبها الجبان. وتَبَرَّع بعضهم بنقله إلى المستشفى حيث يطلبون مبلغًا رهيبًا، وعلى والدته أن تُؤَمِّنَه لهم بأسرع ما يمكن، وإلا فَسَيَطْرُدُونَه من المستشفى بلا رحمة، هذا بخلاف تكلفة العملية الجراحية التي يجب إجراؤها له، والتي تتكلف عشرات الآلاف من الدولارات. انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وهزَّ القرية كلها، وانطلق الجميع يتبرعون، الكبار والصغار، المصدق والمكذب، كلٌّ حسب إمكانياته، والمتسولة تأخذ المال بيد مرتجفة، من دون أن تدعو لأصحابها كالمعتاد، فلقد كانت دموعها تغرق وجهها، وبأسًى بالغ، تمتم أحد الناس: "المسكينة! لن تجمع مبلغ العملية، ولو ظَلَّت تستجدي عشر سنوات متتالية"، كان يظن صوته منخفضًا، ولكنه فوجئ بالمتسولة تقول بحزم، وبصوت قوي ثابت: "لم ولن أسعى لجمع مثل هذا المبلغ"! التَفَتَ الناس إليها بدهشة، فعادت دموعها تنهمر كالمطر، وارتجف صوتها، وهي تقول: "ليس بإمكاني إجراء العملية لابني، ولكني أحاول جمع المبلغ اللازم له كي لا يُطرَد من المستشفى، لعلهم يُجرُون له الإسعافات الأولية، وبعدها، وبعدها"... عجزت عن إتمام عبارتها، أو أنها لم تجرؤ على ذلك، فَخَفَضَ الرجل عينيه بِنَدَم، قائلًا: "فليفعل الله به وبنا ما في الخير"، لِتَرُدَّ المتسولة بصوتها المرتجف المختنق بالبكاء: "لن أتسول مرة أخرى هنا، أنا أتسول لأجل ابني، وابني سيموت، أو يقع في الغيبوبة، هذا ما قالوه لي في المستشفى". أَبْكَتْ كلماتها أهل القرية جميعًا، تُرى، من المسؤول؟ وأين نَجِدُه؟ أهي الدولة التي لم تَعُدْ تعتبر الفقراء مواطنين لديها؟ أم النواب الذين خانوا الأصوات التي أعطتهم مقاعدهم هذه؟ أم المستشفى من المدير والأطباء، وحتى البوَّاب؟ أم لعله المجتمع وأهل المجتمع؟ لقد خيَّم على القرية كلها صمت مخيف رهيب لم تمرَّ به يومًا، لا صوت، أو حركة، ولا حتى همسة، كل إنسان، بل كل شيء تجمد، حتى النباتات لم تَعُدْ تتمايل مع الهواء، هذا لو أنه ما يزال هناك هواء، وأصبح الموقف يحمل لوحة نادرة، لوحة تستحق اسمها عن جدارة، اسم (السكون) أو (التماثيل الباكية)، حتى ارتفع صوت يتساءل ما الذي يحدث، مُبَدِّدًا الصمت والسكون، فالتَفَتَ الجميع إلى صاحبها باستهجان، كأنه قد ارتكب جريمة نكراء، وكان رجلًا غريبًا، ينظر إلى المتسولة مذهولًا، كأنه قد رأى شبحًا، فَظَنَّ أهل القرية أنه السائق الذي صدم طفلها، فنظروا إليه غاضبين، وقد قَرَّرُوا أن يُحَطِّمُوا كل عظمة في جسمه، ويجبروه على دفع تكاليف المستشفى، حتى لو اضْطُرَّ بهم الأمر إلى بتر أعضائه وبيعها بأكملها، سدادًا للتكاليف! هتف الغريب بالمتسولة متسائلًا: "ما هذه الأسمال المرقعة يا ليلى"؟ لتجيبه المتسولة بصوتها المرتجف: "أنا لستُ ليلى، ولا أعرفك"، ولكن الغريب أَصَرَّ قائلًا: "لن أخطئ معرفة زوج ابن خالتي، أخبريني منذ متى أصبحتِ متسولة؟ وهل يعرف زوجكِ أنكِ هنا"؟ حاولتِ المتسولة أن تَرُدَّ، ولكن الناس انقضوا عليها غاضبين، فأسرعت تعدو، وهم خلفها، ثم رماها أحدهم بحجر كبير على يدها ، لِتُفْلِتَ كيس النقود منها، مطلقةً صرخة ألم عنيفة، ويدها تدمى، لكنها توقفت محاولة التقاط الكيس، ليصيبها حجر آخر في وجهها، ووصلها الجمع الثائر، وأخذوا يركلونها ويبصقون عليها، ثم استوقفهم الغريب هاتفًا: "اتركوها، سأخبر زوجها، وهو سيتصرف". ترك الرجال المتسولة لتنهض بصعوبة وتبتعد عنهم مترنِّحة، ودموع الألم والهوان في عينيها، فيما أسرع الغريب باحثًا عن قريبه، وما إن رآه حتى هتف به: "أتعرف ما تفعل امرأتك من خلف ظهرك؟ إنها تتسول"! اتَّسَعَت عينا قريبه غضبًا واستنكارًا، فتابع الرجل متحمسًا: "لقد رأيتُها منذ أقل من ساعة في القرية المجاورة"، ليضحك قريبه هاتفًا: "امرأتي كانت معي منذ الصباح يا رجل، ولم نفترق حتى دقيقة مَضَتْ، أوصلْتُها إلى أهلها، وها أنذا!، أنت مخطئ، ربما رأيتَ من يُشبِهُهَا"! أما المتسولة فكانت تسترحم مدير المستشفى في ذلك الوقت، كي لا يطرد ابنها، متعهدة بأنها سَتَهَبُهُ أعضاءها ليبيعها، مقابل أن يعالج ولدها، ولكن المدير رَدَّ بقسوة: "لا نعرف هنا شيئًا اسمه الرحمة، لا نعرف سوى المال، أنتِ لم تدفعي، خذي ولدكِ وانصرفي"! هَتَفَتِ المتسولة بانهيار: "أرجوك"، ليصرخ بوجهها غاضبًا: "كفى، هناك مريض دفع التكاليف، وسنعطيه سرير ابنكِ، هل تظنيننا وحوشًا لنحرمه فحوصاته الشاملة التي يرغب بإجرائها؟ نحن لسنا حجارة، أتفهمين"؟ تناولت المتسولة طفلها من يد الممرضة، وخرجت به ذليلة، تحاول جاهدة أن تجمع المال من أيدي المحسنين، متجاهلة آلامها وجراحها، ثم انتَفَضَ جسد ولدها بين ذراعيها، وجحظت عيناه، وسكن جسده تمامًا، بعد أن أطلق شهقته الأخيرة في هذه الحياة بين ذراعي أمه! رَجَّت صرخة المتسولة أنحاء المدينة، وعجزت ساقاها عن حملها، فانهارت أرضًا تبكي بألم هائل، ومرارة قاسية، تبكي وتنادي راحلًا لن يعود، تبكي بحرقة، كأنما دماؤها تحوَّلت حممًا بركانية، وبكل ما في نفسها من مشاعر الألم والحزن واليأس والأسى والفراغ والضياع، طَبَعَت قبلةً على جبين طفلها، وانطلقت دموعها تنساب، بلا توقف، وصرخاتها الملتاعة ترتفع، بلا انقطاع، وما من مستجيب!الأستاذ عمر قزيحة _ عام 2010م.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
1_ نحن في محل الحلوى الذي نُدِيرُهُ، نتَّبع أسلوبًا ما فتئنا نتَّبعه، مُذْ دَفَع بنا والدنا إلى العمل، ووزَّعَنَا بين مهام الحانوت، بعضنا للبيع، وبعضنا للحسابات، أما هو، فلا يستكين في موضع، فهو كل شيء، ولا شيء في آن واحد، يقول لنا إذا لمس فينا إعراضًا أو نفورًا في خدمة أحد: "خذوا الناس باللطف، وقَدِّموا لهم مما هو أمامهم، حبة زائدة أو ناقصة لن تفعل شيئًا، وأكثر الناس تأسرهم مثل هذه البادرة، فَيعْزُمُون إذا كان في نفوسهم شيء من التردد".
2_ وكنا نأخذ بنصيحته، ونلمس جدواها، ولكننا إنصافًا للحق نقول إن هؤلاء الذين يقبلون أن يتذوقوا هم القلة، لا سيما إذا كانوا رجالًا، فهم عادة لا يدققون، بل يطلبون الصنف بالاسم الذين تكون قد حددته لهم الزوجات، أما النسوة فَلَهُنَّ شأن آخر، فالواحدة منهن تطيل التأمل والمقارنة، وتقبل بابتسامة كل ما نعرضه عليها على سبيل التذوق، ثم تقف فوق رؤوسنا، كما يقولون، ونحن ننسق الحبات في صناديقها الكرتونية لتطمئن إلى أن كل شيء يجري على ما يرام.
3_ على كل حال، كان للقاعدة شواذ بين الرجال، وشواذ القاعدة هنا رجل يزورنا بمعدل مرتين في الأسبوع، يقف أولًا بباب الدكان، وقد عقد كفيه وراء ظهره، ثم يبتسم ابتسامته الهتماء[1]، ويدخل المحل وقد زاغت عيناه بين تلال (التوفي) و(الملبس)، فأتبادل وأخي ابتسامة ذات معنى ما أظنه أدركها مرة، ويسألنا عن أصنافنا الجديدة، فنصطنع الجد ونحن نُطْنِبُ[2] في مزاياها، وهو يستمع إلينا جادًا مُتَحَلِّبَ الفمِ، قائلًا بين اللحظة والأخرى: (هكذا، هكذا)!!
4_ وهنا تدركنا الشفقة، فَنَمُدُّ إليه حبة يضعها بين أسنانه، يمصها ثم يديرها شمالًا أو يمينًا إلى حيث تُسْعِفُهُ أسنان لا يملكها في واجهة فمه، وإذ ينتهي منها يقول، وهو يمسح فمه بظاهر يده: (حلوة، شديدة الحلاوة، ليت السكر كان فيها أخف) أو (رائحة البيض فيها ظاهرة، هذا لا يناسبني) فنضحك ونحن نقول له بدورنا: (هكذا)!!
5_ كنا نعلم أنه لا يشتري، وأنه لا يملك في جيبه ما يشتري به، ولكن حبه الطفولي للحلوى كان لا يقاوم. وكان دخوله المحل وسيلة يذوق بها قطعة من الكعك، أو حبة من هذه الآلاف المكدسة. وإذ كنا نتأفف، كان والدي ينتهرنا بقوله: (لا تحرموه هذه المتعة، لعلها الوحيدة في حياته، دعوه وشأنه).
6_ ذات صباح، دخل الشيخ، وكان المحل غاصًا بالزبائن، يبتاعون حلوى العيد بسخاء لا تعرفه أيامهم العادية، وحين دخل رفعْتُ يدي متأففة، فرمقني والدي ببعض التأنيب، وقبل أن يفتح الشيخ فاه، امتدت يد أبي إلى علبة ملفوفة كنا قد جهزنا لنبعث بها هدية من المحل إلى زبائننا، فتناولها وقدمها إليه قائلًا: (هدية لك بمناسبة العيد)، تردد الرجل في مَدِّ يده، فأخذ أبي يقول: (هدية، هدية، ألستَ زبونًا قديمًا؟ اقبلها).
7_ وكان واضحًا أن الرجل قد أُحرج، فقد انتفخت رقبته قليلًا، وزحف شيء من الاحمرار إلى وجهه، ولكنه لم يحمل العلبة، ولم ينصرف، بل وضعها جانبًا، وقال: (أريد أشياء أخرى)، وسكت لحظة، وأردف: (أشياء كثيرة.. علبة الشوكولا هذه الكبيرة، و...دزينتين من كعك جوز الهند وكيلو.. _ هل تسجلين ذلك؟ سجليه لئلا تنسي _ أو كيلوين من هذه الحلوى، و...و...، هيئيها في ربطة واحدة مع علبة الهدية وحضري القائمة. سأمرُّ خلال عودتي إلى البيت وأحملها.. وأدفع لكم.. أجل.. أدفع لكم).
8_ قال ذلك، واستدار، وقد كاد أن يصطدم بهرولته بعجوز وطفل... وترك المحل من دون أن يودع الواجهة بنظرة أخرى قبل أن يحاذي سلسلة من الحوانيت[3] التي لا يبدو أنه يهتم بها.
9- هل أقول إننا لم نكلف أنفسنا عناء تحضير الأغراض وربطها؟ كما أننا لم نكن لنصدق حتى لو نحن هيأناها له بأنه سَيَمُرُّ ليحملها، ولكن ما أثار ألمنا حقًا هو أنه ترك علبة الهدية، وأننا لم نَعُدْ منذ ذلك الصباح نرى له وجهًا.سميرة عزام _ من كتاب العيد من النافذة الغربية _ بيروت _ دار العودة _ 1982م.
[HR][/HR][1] ابتسامته الهتماء: أي ابتسامة تكشف عن أسنان متكسِّرة لا أصول لها.
[2] نُطْنِب: نبالغ.
[3] يُحاذي سلسلة من الحوانيت: يَمُرُّ بجانبها.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
خلاصة:
لقد قَدَّمْنَا أكثر من نص، بين نص صغير وآخر مطوَّل، بين خاطرة وجدانية من أم تفتقد ابنها، ونص فكاهي عن أمير أصيب بحالة من الغفلة فَظَنَّ الصيادَ يُقَدِّم له السمك من دون انتظار مقابل، وما بين مواقف وجدانية قاسية، يمكن لنا أن نلحظ الكثير منها في مجتمعاتنا، على أن المقصود والأساس، هو هذا الموقف، وتلك الفكرة الرئيسة، ليصوغ الأستاذ النص كما يريد، وفق اختياره الشخصي، بناءً على مستوى طلابه من التركيز والاستيعاب، ومدى ما يحتاجونه (فعليًا) من الوقت، لا بمجرد ما (يتمناه) الأستاذ أن يكونوا عليه! ثم يُسْمِعُه طلابه كفهم مسموع، على أننا نذكر ونؤكد ضرورة عدم إجراء نصوص طويلة الحجم بادئ الأمر، فلنتدرج مما يعني الطلاب من المواضيع، وبنصوص صغيرة، ولو كانت _ وفق نظرنا _ أقل من مستوى صفوفهم من ناحية الحجم، فما نتمناه أمر، والواقع أمامنا أمر آخر، ودسُّ الرؤوس في التراب، أمر لن يفيدنا ولن يفيدهم، لعلنا نزيل من أنفسهم رهبة نصوص فهم المسموع، وتحويلها نصوص نسخ لما نقول، إلى نصوص تعتمد الإصغاء والتركيز فعليًا، ليتحقق الهدف الأساسي منها، إضافةً إلى ما نريد الوصول إليه بطلابنا من التحليل الصحيح، والإجابة المترابطة لغويًا.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
ثامنًا: إشكالية التعبير الشفوي: حلول ومعالجة
للتعبير الشفوي أهمية كبيرة في تأسيس التلميذ والسعي به إلى أن يمتلك لغته العربية امتلاكًا قويًا، كما يعوِّده فن الإصغاء والتركيز، ويفتح ذهنه على طرق وأساليب متعددة في التعبير، وإبداء الرأي، ما يفيد؛ كذلك؛ بحصص فهم المسموع، إذ إن مَلَكَة التركيز والإصغاء، وموهبة التعبير الجريء، قد تحققتا فعليًا لدى الطالب في وقت سابق.
ويجب أن لا نتوقف فقط عند إعطاء حصة التعبير الشفوي، من دون أن ننظر إلى مشاكل التلاميذ في هذا التعبير، وكيف نستطيع أن نحل هذه المشاكل أو نخفف منها، لتقوى لدى التلميذ مهارة التعبير الشفوي ولا يراها صعبة أو جافة.
وإن لم نفعل ذلك، فلن تكون لحصص التعبير الشفوي أهمية تذكر، لأن فائدتها ستكون محصورة فقط بعدد دقائق الحصة التي نعطيها، وسنظل نرى نفس المشكلة أو المشاكل تتكرر كل حصة تعبير شفوي لاحقة، ما لم نعالج مشكلات الضعف هذه من جذورها.
ونجاح التعبير الشفوي يعاني الكثير من الصعوبات، والسبب في ذلك ليس بسيطًا، فهناك عوامل كثيرة تجتمع معًا لتزيد من هذا الضعف، ومنها ما يتعلق بالمتعلم ومنها ما يتعلق بالمعلم نفسه.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
1_ أسباب ضعف الطلاب بالتعبير الشفوي:
الأسباب في هذا المجال كثيرة ومتنوعة، ما يعني أن علاجها ليس هينًا، ولا يتوقف عند خطوة أو اثنتين، بل لا بد لنا من الإحاطة التامة بكافة هذه الأسباب، أو بأبرزها على الأقل، لنسعى في خطوات العلاج تدريجيًا، لعلنا نستطيع الوصول إلى المرحلة التي نطمح إليها، معالجين الضعف الماثل لدى طلابنا بحصص التعبير الشفوي.
وأسوأ مشكلة تعترض طريق التعبير الشفوي، مشكلة التناقض الكبرى بين لغة التعبير الشفوي، التي تقتضي الإجابة بالفصحى السليمة بضبط الكلمات ضبطًا صحيحًا، ولغة التلميذ العامية في منزله ومجتمعه، تلك اللغة التي لن يحاسبه أحد إذا ما أخطأ بتحريك الكلمات، أو رفع المفعول به أو نصب المضاف إليه!
ومن هنا، ينفر التلاميذ من مجال التعبير الشفوي، فاللغة الفصحى لغة جافة بالنسبة لهم، وصعبة تقتضي أن يتلعثم الطالب، وهو يفكر بحركة الحرف هل هو ساكن أم متحرك، وإن كان متحركًا، فما الذي يناسبه؟ الكسرة أم الضمة أم الفتحة؟!
ويزداد النفور حينما تتحول حصص التعبير الشفوي إلى حصص تقييم وتسجيل العلامات والدرجات! إذًا، هذا هو سبيل الرسوب! أو على الأقل هذا هو سبيل خفض قيمة النجاح وحرمان الطالب علاماتٍ يستحقها من دون سبب، وفق نظر الطالب!
كما أن ما (يجب) أن يحصل، لا يحصل دائمًا! بل ربما يحصل نادرًا، لنجد أنفسنا إزاء مشكلة أخرى لدى الطلاب، فواقع تدريس التعبير الشفوي في مرحلة التعليم الأساسي في الحلقتين الأولى والثانية لا يُبَشِّر بما يدعونا إلى التفاؤل، فالضعف في التعبير الشفوي أمر بَيِّن تؤكِّده الملاحظات الميدانية، في الدروس التي نعطيها، أو التي نشاهدها، في الحلقة الثالثة، وفي المرحلة الثانوية نفسها، ما يستدعي منا أن نسأل أنفسنا كيف نطلب من التلميذ التعبير الشفوي ونحاسبه عليه بالعلامات، وهو ليس مؤهلًا لهذا اللون من التعبير أصلًا؟!
ومن المشاكل التي تحتاج الحل الجذري، أن الطالب يتعوَّد إلقاء الأسئلة، والإجابة عنها، في حصص لغة عربية، غير المادة الرئيسة، كحصص التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا وسواها.
بل قد تكون المشكلة الأكبر والأشد فداحة من ذلك، أن أساتذة اللغة العربية يتقبلون إجابات تلاميذهم باللغة العامية، ظنًا أن هذا يخفف الضغط عنهم، ما يُعَوِّد التلاميذ التعبير بالعامية بشكل دائم، وهذا يزيد في ضعف التعبير الشفوي لديه.
وإذ نُعَوِّد الطالب _ كي لا نسبِّبَ له ضررًا بالعلامات _ أن الدرجة المرتفعة للتحليل المكتوب، وللتعبير الكتابي، فإننا نسير به تلقائيًا إلى إهمال التعبير الشفوي لاحقًا، لأنه بات يعتبره غير مهم للنجاح، ما يضعنا إزاء مشكلة لا حل لها، إن منحنا درجة مرتفعة للتعبير الشفوي نَفَرَ منه الطالب، وإن لم نفعل ذلك، استهان به الطالب!
وقد يختار بعض الأساتذة دروسًا للتعبير الشفوي لا تعني التلميذ لا من قريب ولا من بعيد، فيراها جافة مزعجة، بل وقد يحوِّل بعض الأساتذة حصة التعبير الشفوي إلى حصة لهم وحدهم، بدلًا من تحويلها حصة حوار تفاعلي فيما بينهم وبين الطلاب.
وبعيدًا عن العوامل النفسية _ ولا ننكر خطورتها _ فقد يمتلك التلميذ موهبة محاولة التعبير الشفوي، ولا يعاني الخجل والارتباك إذ نطلب منه التعبير الشفوي، لكنه لا يجد لديه مفردات ولا جملًا ليربطها ببعضها، لغياب المخزون اللغوي عن ذهنه، وذلك بسبب العامية التي يدمنها، بل وبسبب طريقته في الكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باللغة العامية، أو تلك التي تجمع بين الإنكليزية والعربية، هذا ما لم يتواصل بلغة الإنترنت المستنكرة تمامًا.
وحتى محاولة زيادة المخزون اللغوي، وتعويد التلميذ أنماطًا في التعبير، تبقى محاولاتٍ خجولةً إذ إننا نقصرها على المجال الكتابي فحسب، فنطلب إلى التلميذ (مطالعة) قصة، وملء الاستمارة التقليدية حول ما قرأه، من المعلومات التوثيقية فحسب، بل وحتى تدوين بعض الأفكار لا يفيد، ما لم يعرض التلميذ عمله، ونحاوره حوله.
والمشكلة التي لا تكاد تَقِلُّ سوءًا عما سبق، تتمثل بضعف التعبير الشفوي عند زملاء من الأساتذة، فتجد الأستاذ نفسه ينطق كلماتٍ يحرِّكها وأخرى ساكنة، وكلماتٍ بالفصحى وأخرى بالعامية، ثم يطلب إلى تلميذه أن يُعَبِّر باللغة الفصحى التي تعتمد ضبط الكلمات ضبطًا صحيحًا!
وإذا ما أردنا أن نُعَدِّد أسباب الضعف فربما نجد العشرات من هذه الأسباب، غير أننا لا نهدف إلى زيادة في عدد الصفحات، بل نهدف إلى وضع اليد على الجرح كما يُقَال، في محاولة منا للعلاج بقدر المستطاع، فإن لم يتحقق العلاج بادئ الأمر، فليكن البلسم المهدئ، إلى أن نتمكن من تحقيق العلاج الكامل، خطوة بخطوة، وسنة تلو الأخرى.
رد: بنية اللغة العربية بناء وتأثيرًا
2_ حلول مشكلات ضعف التعبير الشفوي:
أولى خطوات الحلول، تبدأ معنا في الحلقة الأولى، من الصف الابتدائي الأول، بتحويل مجال التعبير الشفوي مجالًا رئيسًا ضمن علامات التلاميذ، وليس لقائل أن يقول إنهم أطفال، فكيف لنا أن نطلب إليهم التعبير الشفوي؟ هذا لأن التأسيس الصحيح يبدأ منذ الصغر، وحينما يُهمَل هذا التأسيس، يتابع التلميذ بضعف ملحوظ إلى الصفوف اللاحقة، لنجد أنفسنا أمام المشاكل التي نحاول حلها، ولو أن التأسيس قائم على أصوله، لما وصلنا إلى هذه المرحلة، أو لما كانت المشكلة بهذه الحِدَّة! ونعلم أن التأسيس ليس كلمة تُقال، بل هو عمل متواصل وسعي دؤوب، ولكن التلميذ يستحق ذلك، فما أخرجه أهله من بيته وألعابه ليأتي إلينا إلا ليتعلم، وعلينا أن نقوم بواجبنا تجاهه على أكمل وجه ممكن.
ولا بدَّ من تفعيل التعبير الشفوي وتنويعه، وما أجمل أن نُفسِح المجال للتلميذ كي يعبِّر شفويًا عن أية مشكلة عائلية أو موقف رآه في منزله، أو مَرَّ به، أو لعل أحدًا يحبُّه أو يعرفه قد مَرَّ به، ليعبِّر لنا التلميذ عن ذلك الموقف تعبيرًا شفويًا حرًا، بعبارات قليلة، وباللغة العربية الفصحى، فربط لغة المادة بحياة التلميذ واهتماماته، قد يخفف الفارق التناقضي ما بين اللغتين.
وبما أن التعبير الشفوي له مجالاته المستمرة كل حصة في حصص اللغة العربية تقريبًا، فالواجب يقتضي أن نتخلص من النظرة التقليدية إلى المحادثة التحليلية بعد القراءة الصامتة، والتي تقتضي تقنية غريبة فعلًا، تتلخص بطرح (ثلاث أسئلة)، ولم نطرح ثلاث أسئلة فحسب؟ هذا خطأ فادح، علينا أن نزيد في الأسئلة التحليلية بقدر المستطاع، وتوجيهها إلى أكبر عدد ممكن من الطلاب.
أما المطالعة فيجب أن تكون حصة تفاعلية، تقتضي تخصيص وقت ولو بسيط للطالب لنسأله حول المعلومات التي قام بتقديمها لنا من القصة التي اختارها، مركزين على أسئلة تفاعلية، أسئلة تنطلق من واقع القصة والشخصيات والأحداث، وما الذي أعجب الطالب فيها وما الذي لم يعجبه، وأي تصرف كان رائعًا بنظره، وأي تصرف لم يجده منطقيًا، ليسوِّغ لنا الطالب سبب اتخاذه هذا الموقف أو ذاك، أما المطالعة التي تهدف إلى نسخ الطالب معلومات التوثيق، فهذه لا تقدِّم ولا تؤخِّر، إلا باكتساب الطالب بعض المفردات الجديدة، وقد يكتفي بالتوثيق ولا يقرأ بتعمق ليكتسب شيئًا!
غير أن كل هذا لا يكفي، ما لم نستخدم طريقة التشجيع المستمرة للتلميذ المشارك معنا، بعبارات ترفع معنوياته، فالهدف ليس (فقط) اللغة الفصيحة، بل الهدف جزءان أساسيان، جزء رأي التلميذ الذي يجب أن يشعر بأن رأيه مهم لنا، وأن ما يقوله يستحق الاهتمام والتشجيع، وجزء اللغة الفصيحة، ولا يمكن إهمال أي جزء منهما بالتركيز على الجزء الآخر، وإلا فستكون تقنية التعبير الشفوي مضيعة للوقت لا أكثر ولا أقل!
إذًا، علينا احترام رأي التلميذ الذي يقوله لنا، بل وعلينا أن نتقبل إجابته باللغة العامية لو أجاب بها! على أننا لا نكتفي بذلك طبعًا، ولكن أكبر خطأ نلحظه في عملية التدريس، أن يقاطع الأستاذ التلميذ الذي يُعَبِّر شفويًا كل ما نطق بكلمتين أو ثلاث، ليصحح له، ما لا يُشعِر التلميذ بأن الأستاذ يحترمه ويقدِّر إجابته، وربما يتسبب ذلك بانخفاض معنوياته، وتنفيره من المشاركة، ونحن ننظر إلى الطالب على أنه لا يُجِيد التعبير الشفوي، وربما لا نُدرِك أننا سبب ذلك، بدلًا من كوننا سبب الحل والمساعدة.
يجب أن يشعر التلميذ؛ أولًا وقبل كل شيء؛ أن رأيه مهم، وأنه محور العملية التعلمية، وأنه يجب أن يتكلم ويُعبّر عما يريد قوله، وأن دورنا الاستماع إليه، وبعد أن ينال التلميذ احترامه الكافي، باستماعنا إليه من دون مقاطعة تعبيره الشفوي، نصحح له رأيه إن كان خاطئًا بأسلوب الحوار بيننا وبينه، وصولًا به استقرائيًا إلى معرفة الإجابة الصحيحة والرأي الأصوب، حتى لو كان يحاورنا باللغة العامية، فنحن علينا أن نتكلم معه باللغة الفصيحة فحسب، وبعد أن يُنهِي التلميذ إجابته الأخيرة، نشجعه لإجادته الإجابة، ثم نعيدها له باللغة الفصيحة، طالبين منه أن يعيدها من بعدنا.
هذا الأمر يزيد التلميذ ثقة بنفسه، فهو الذي يجب أن يتكلم، ونحن من يجب أن نتولى دور الإرشاد والتصحيح المساعِد، بلطف وهدوء، لا بمقاطعة الطالب حتى نفقده ثقته بنفسه، بل وعلينا أن ننطلق به أبعد من النص المكتوب إلى أسئلة أخرى من وحي النص، لكنها تتناول معالجات جديدة، فهذا النص عن أم تَعِدُ ابنها بلعبة يوم العيد، ولا تملك ثمنها، فتسرقها، إذًا، نريد رأي التلميذ؛ حواريًا؛ عن وعد الأمر بما لا تملك، وعن سرقتها، وكيف ينظر إلى الأمرين ولماذا، وأيًا ما كان رأيه، فإن تسفيهنا إياه، أو السخرية منه، سيجعل التلميذ ينفر من المشاركة في التعبير الشفوي، فعلينا كل الحذر من ذلك، ليس واجبًا على التلميذ أن يوافق آراءنا الشخصية، وتقنية التعبير الشفوي قائمة لِيُعَبِّر التلميذ عن ذاته، لا ليكون مرآة لأذهاننا وما يدور فيها!
وعلينا تشجيع التلاميذ، فعليًا، لا بالكلمات وحدها، بل بزيادة العلامات من جهة، وبالسعي للحصول على تنويهٍ للمجتهدين من قبل الإدارة، وتشجيعهم بإذكاء روح المنافسة في ما بينهم، ولا بأس بورقة كبيرة في حائط الصف، ندوِّن فيها الإجابات المميزة، ونطلب من التلميذ الذي ندوِّن إجابته أن يضع لنا (توقيعه الشخصي) إلى جانب إجابته!
أما من لا يشاركون، فالأمر ليس وفق هواهم، يجب علينا أن نشجعهم على المشاركة، وأن نعطيهم دورهم، كتلاميذ فاعلين في الصف، نشيطين ومميزين مثل رفاقهم الذين يندفعون للإجابة، لا فارق بين هؤلاء وأولئك، وإن كان الخجل غالبًا بادئ الأمر من التعبير الشفوي، فعلينا مراعاة وضعهم، وبدلًا من منحهم صفرًا في حصص التعبير الشفوي، فلنطلب إليهم تدوين الإجابة مكتوبة، ثم نقرأها نحن، ونحاول معهم تدريجيًا حتى يعيدوها هم بعد كتابتها، وسنصل بهم إلى مرحلة أن يجيبوا بأنفسهم بدلًا من اللجوء إلى الكتابة قبل ذلك. ويجب أن نأخذ بالصبر على التلميذ المرتبك، أو المتلعثم، وعدم السماح لأحد بالسخرية منه، كي لا ينزوي بعيدًا عن المشاركات، فربما يضحك بعض التلاميذ على رفيقهم الذي لا يكاد يجيد قول كلمتين متتاليتين، ودورنا هنا أن نمنع حصول ذلك بحزم، لكن من دون اللجوء إلى العنف اللفظي بحق التلاميذ. على أن للأساتذة دورًا إضافيًا لا يَقِلُّ أهمية، ويتجلى هذا الدور بمعالجة الأستاذ أي ضعف ماثل لديه في التعبير الشفوي، قبل أن ينطلق إلى معالجة ما يَجِدُه عند التلاميذ، وذلك ليضمن الأستاذ أنه يتكلم في الصف ويُعَبِّر باللغة الفصيحة السليمة، نُطقًا وترابطًا، فأنى لنا أن ننتظر من التلميذ التعبير الشفوي الصحيح لغويًا، إذا ما افتقرنا نحن الأساتذة إلى ذلك؟ ويجب أن نخصص علامة للتعبير الشفوي، كي لا يعتبرها الطالب حصة تمضية الوقت فحسب، أو أنها (مجرد أسئلة) يَتِمُّ طرحها تقليديًا بعد القراءة الصامتة!
فالتعبير الشفوي ينطلق كذلك من قراءة صورة النص، إضافة إلى هذه الأسئلة التحليلية، ولا بد من أن يُدرِك التلميذ أن إجابته لها درجتها من العلامات، ليسعى جاهدًا إلى الاهتمام بها، لكن من دون مبالغة بتقدير العلامة، ولا للتنفير بما يمنح التلميذ علامة منخفضة مهما أجاب وأجاد، ولا لتسخيف الأمور بما يُعطِي التلميذ علامة مرتفعة من دون أن يستحق سوى جزءٍ بسيطٍ منها!
بل إنه يمكن لنا تحويل حصص التعبير الكتابي إلى تعبير شفوي في بعض مراحلها، فليس لنا أن نكتفي بإعطاء التعبير الكتابي وظيفة منزلية فحسب، والأفضل أن ندوِّن نص التعبير الكتابي المطلوب على اللوح، لنقرأه ونستقرئه مع طلابنا، بحوار حول كل بند فيه، وماذا يُمكِن أن نكتب فيه من الأفكار الرئيسة التي ينبغي توسيعها فيما بعد.
وأخيرًا، يجب وضع خطة عامة يلتزم بها كل أساتذة المواد الناطقة باللغة العربية، لتكون اللغة الفصيحة أساس الشرح والأسئلة والإجابات، ولتطوير موادهم بإدخال تقنية التعبير الشفوي فيها، لا نعطي الدرس، وأنت اقرأ، وأنت تابع، بل لنسأل الطلاب _ في حصة التاريخ مثلًا _ عن رأيهم بأسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وليعبِّروا شفويًا عن معاهدة فرساي وبنودها، وهل لها دور مباشر أو غير مباشر في اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما إلى ذلك، ما يحوِّل حصص سائر المواد وفق المسار التفاعلي، ويخدم اللغة العربية وملكاتها في أذهان الطلاب.
يجب أن يبدأ تأسيس التلاميذ على اللغة العربية الفصيحة والتمرس بملكاتها، منذ الصغر، ما يدلنا على أهمية متابعة التلاميذ وإعدادهم في الحلقتين الأولى والثانية، فإن نجحنا في عملية التأسيس، تابع التلاميذ سنوات التعليم، وقد تملَّكوا مادتهم بشكل صحيح.
قد يخصص بعض الزملاء من أساتذة الحلقة الثالثة حصة للتعبير الشفوي ختام كل محور، وهذا أمر جيد، لكن الأفضل منه أن يرافقنا التعبير الشفوي كل خطوة وكل درس، بالأسئلة الاستقرائية حول صورة الدرس، وبأسئلة التوقعات حول مضمون النص انطلاقًا من العنوان، وبأسئلة التحليل حول القراءة الصامتة، وبأسئلة الحوار حول مواقف الكاتب، ومواقف التلميذ المؤيدة أو المعارضة لما يذهب إليه هذا الكاتب من القول أو الرأي.
قد يكون التواصل الكتابي أمرًا رئيسًا في مادة اللغة العربية، لكنه ليس الأساس وحده، فلا بدَّ من أن يترافق والتواصل الشفوي، فالتواصل الكتابي يتمرَّس به التلميذ حتى ينال النجاح، أما تنمية قدرة التلميذ على التعبير الشفوي الصحيح، فإنها من أساسيات تعليم اللغة العربية، لا؛ بل إنها من أساسيات بناء شخصية الإنسان في الوقت ذاته، وهذا هدفنا التعليمي والتربوي أولًا وأخيرًا.