في ظلمة ليالي الشتاء الباردة ...... تهز العواصف منزل أم خالد
وهي تترقب بوجل وصول ابنها , وتسترق النظر إلى ساعة الحائط
وهي تشير إلى الثانية صباحا ..... يصل خالد ويقرع الباب ليهز به سكون النائمين
وماإن اطمئنت المسكينة حتى اندفعت تسأله ... لماذا تأخرت ..؟ ألا ترى العواصف تهز المكان ..؟
وبنظرة باردة أقسى من صقيع الشتاء .. يتجاهلها بخطوات متثاقلة إلى غرفته .. وهي تصر
فقلبها الرقيق لايحتمل اللامبالاة ..... ترجو منه كلمة .. نظرة حنونة .. أي شيء يبعث على الطمأنينة
ففاجئها بصرخة أقرعت الآذان .. وارتعدت لها القلوب .. وصعقت بها عواصف الشتاء حتى ركدت
واستقر خالد بنوم هنيء كهدوء الليل ونسماته الباردة .....
ولكن أجنحة الغيب تتخير من العصاة من تفسد عليهم خلوة الليل وسطوة النوم ....
أو ربما هي نذير شؤم ... أو نذير رحمة ... من يدري أيهما اختار خالد ..!!
بدأ يتقلب بفراشه ويتصبب بالعرق الذي لم تفلح فيه نعومة الشتاء .....
وبين النظرات الفزعة وهو يغفو ويفيق بأنفاسه المتقطعه .... يستنجد خالد فيصرخ ... بلا صوت
يصرخ ولايسمع صدىً لصوته وهو ينتحب ...... يكاد الرعب يخطف أنفاسه ..
فتح عينيه .. استوعب المكان .. نعم أنا في غرفتي ... الحمد لله
أعوذ بالله من شر مارأيت ... تذكر شيئا ..!!
توجه مسرعا إلى حيث ترقد والدته يبحث عنها .. إنها ليست هنا .. أين .. فليجبني أحدكم ..؟؟
بدا الأمر وكأنه لايزال يعيش أحداث ذالك الكابوس .. تلفت يمنة ويسرة ..
هناك على الطاولة ورقة صغيرة .. " اطمئن ياخالد .. ولكن أمي البارحة فقدت الوعي ودخلت
في غيبوبة من ارتفاع السكر .. وهي الآن في المستشفى وننتظر تقرير الأطباء ...
اعذرني لم أتمالك نفسي وانتظر .. فخرجت إلى المستشفى ولم أوقظك حتى لاتنزعج ...."
خالد .. ماهذا .. أيهما أعيش الحقيقة أم الحلم ..!!
توجه لاشعوريا إلى حيث ترقد والدته فهو يعلم بالمستشفى الذي تداوم علاجها فيه ..
وقف أمام إخوته والطبيب يبلغهم باستقرار حالة الأم وما حدث لها نتيجة ضغط عصبي مفاجيء
فحمدوا الله ...... واستبشروا خيرا ..
ارتمى خالد حيث يتمدد ذاك الجسد الضعيف .. وألقى برأسه يحتضن يدها الدافئة ....
يتوسلها البقاء .. ويذكرها بالأيام الماضية وسنوات الوفاق ........
وأن مابدر منه لم يكن إلا في لحظة جفاء وتحت وطأة العبث وضياع الإحاسيس ..
فما هي إلا دقائق وهو يشعر بلمسات دافئة تمسح على رأسه وقلبه الحزن والندم ....
وبصوت خافت عذب رخيم تدعوا له بالرضا والتوفيق وسعادة الدنيا والأخرة ...
هذه هي الأم .. اختصتها رحمة الرحمن جل جلاله دون سواها .. فمن يجاريها ..!!