-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ التاسع والخمســـــــون : استعمل الطُّعم المناسب !!
يقول الشيخـ :::: الناس بطبيعتهم يتفقون في أشياء كلهم يحبونها ويفرحون بها ..
ويتفقون في أشياء أخرى كلهم يكرهونها ..
ويختلفون في أشياء منهم من يفرح بها .. ومنهم من يستثقلها ..
فكل الناسـ يحبون التبسم في وجوههم .. ويكرهون العبوس والكآبة ..
لكنهم إلى جانب ذلك .. منهم من يحب المرح والمزاح .. ومنهم من يستثقله ..
منهم من يحب أن يزوره الناس ويدعونه .. ومنهم الانطوائي ..
ومنهم من يحب الأحاديث وكثرة الكلام .. ومنهم من يبغض ذلك ..
وكل واحد في الغالب يرتاح لمن وافق طباعه ..
فلماذا لا توافق طباع الجميع عند مجالستهم .. وتعامل كل واحد بما يصلح له ليرتاح إليك ؟
ذكروا أن رجلاً رأى صقراً يطير بجانب غراب !! فعجب ..
كيف يطير ملك الطيور مع غراب !! فجزم أن بينهما شيئاً مشتركاً جعلهما يتوافقان ..
فجعل يتبعهما ببصره .. حتى تعبا من الطيران فحطا على الأرض فإذا كلهما أعرج !!
فإذا علم الولد أن أباه يؤثر السكوت ولا يحب كثرة الكلام ..
فليتعامل معه بمثل ذلك ليحبه ويأنس بقربه ..
وإذا علمت الزوجة أن زوجها يحب المزاح .. فلتمازحه .. فإن علمت أنه ضد ذلك فلتتجنب ..
وقل مثل ذلك عند تعامل الشخص مع زملائه .. أو جيرانه .. أو إخوانه ..
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم طبائع لست تحصيهن ألوان ..
أذكر أن عجوزاً صالحة .. وهي أم لأحد الأصدقاء .. كانت تمدح أحد أولادها كثيراً ..
وترتاح إذا زارها أو تحدث معها .. مع أن بقية أولادها يبرون بها ويحسنون إليها ..
لكن قلبها مقبل على ذاك الولد ..كنت أبحث عن السرّ .. حتى جلست معه مرة فسألته عن ذلك ..
فقال لي : المشكلة أن إخواني لا يعرفون طبيعة أمي ..
فإذا جلسوا معها صاروا عليها ثقلاء .
فقلت له مداعباً : وهل اكتشف معاليكم طبيعتها .. !!
ضحك صاحبي وقال : نعم .. سأخبرك بالسرّ ..
أمي كبقية العجائز .. تحب الحديث حول النساء وأخبار من تزوجت وطلقت ..
وكم عدد أبناء فلانة .. وأيهم أكبر .. ومتى تزوج فلان فلانة ؟ وما اسم أول أولادهما ..
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أعتبرها أنا غير مفيدة .. لكنها تجد سعادتها في تكرارها ..
وتشعر بقيمة المعلومات التي تذكرها .. لأننا لن نقرأها في كتاب ولن نسمعها في شريط ..
ولا تجدها .. قطعاً .. في شبكة الإنترنت !!
فتشعر أمي وأنا أسألها عنها أنها تأتي بما لم يأت به الأولون ..
فتفرح وتنبسط .. فإذا جالستها حركت فيها هذه المواضيع فابتهجت .. ومضى الوقت وهي تتحدث ..
وإخواني لا يتحملون سماع هذه الأخبار .. فيشغلونها بأخبار لا تهمها ..
وبالتالي تستثقل مجلسهم .. وتفرح بي !! هذا كل ما هنالك ..
نعم أنت إذا عرفت طبيعة من أمامك .. وماذا يحب وماذا يكره .. استطعت أن تأسر قلبه ..
ومن تأمل في تعامل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
مع الناس وجد أنه كان يعامل مع كل شخص بما يتناسب مع طبيعته ..في تعامله مع زوجاته..
كان يعامل كل واحدة بالأسلوب الذي يصلح لها ..
عائشة كانت شخصيتها انفتاحية .. فكان يمزح معها .. ويلاطفها ..
ذهبت معه مرة في سفر .. فلما قفلوا راجعين واقتربوا من المدينة ..
قال صلى الله عليه وسلمـ للناس ..
تقدموا عنا .. فتقدم الناس عنه .. حتى بقي مع عائشة ..
وكانت جارية حديثة السن .. نشيطة البدن ..
فالتفت إليها ثم قال : تعاليْ حتى أسابقك .. فسابقته .. وركضت وركضت .. حتى سبقته ..
وبعدها بزمان .. خرجت معه صلى الله عليه وسلمـ في سفر ..
بعدما كبرت وسمنت .. وحملت اللحم وبدنت ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ للناس : تقدموا .. فتقدموا ..
ثم قال لعائشة : تعاليْ حتى أسابقك .. فسابقته .. فسبقها ..
فلما رأى ذلك .. جعل يضحك ويضرب بين كتفيها .. ويقول : هذه بتلك .. هذه بتلك ..
بينما كان يتعامل مع خديجة تعاملاً آخر .. فقد كانت تكبره في السن بخمس عشرة سنة ..
حتى مع أصحابه .. كان يراعي ذلك .. فلم يلبس أبا هريرة عباءة خالد ..
ولم يعامل أبا بكر كما يعامل طلحة .. وكان يتعامل مع عمر تعاملاً خاصاً ..
ويسند إليه أشياء لا يسندها إلى غيره ..
انظر إليه صلى الله عليه وسلمـ وقد خرج مع أصحابه إلى بدر ..
فلما سمع بخروج قريش .. عرف أن رجالاً من قريش سيحضرون إلى ساحة المعركة كرهاً ..
ولن يقع منهم قتال على المسلمين ..
فقام صلى الله عليه وسلمـ في أصحابه وقال ..
إني قد عرفت رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً .. لا حاجة لهم بقتالنا ..
فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ..
ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله ..
ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فلا يقتله ..
فإنه إنما خرج مستكرهاً ..
وقيل إن العباس كان مسلماً يكتم إسلامه .. وينقل أخبار قريش ..
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فلم يحب النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
أن يقتله المسلمون .. ولم يحب كذلك أن يظهر أمر إسلامه ..
كانت هذه المعركة أول معركة تقوم بين الفريقين .. المسلمين وكفار قريش ..
وكانت نفوس المسلمين مشدودة .. فهم لم يستعدوا لقتال .. وسيقاتلون أقرباء وأبناء وآباء ..
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يمنعهم من قتل البعض ..
وكان عتبة بن ربيعة من كبار كفار قريش .. ومن قادة الحرب ..
وكان ابنه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة .. مع المسلمين .. فلم يصبر أبو حذيفة ..
بل قال : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس !! والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف ..
فبلغت كلمته رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام .. فإذا حوله أكثر من ثلاثمائة بطل ..
فوجه نظره فوراً إلى عمر .. ولم يلتفت إلى غيره ..
وقال : يا أبا حفص .. أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟!
قال عمر : والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بأبي حفص ..
وكان عمر رهن إشارة النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
ويعلم أنهم في ساحة قتال لا مجال فيها للتساهل في التعامل مع من يخالف أمر القائد ..
أو يعترض أمام الجيش ..
فاختار عمر حلاً صارماً فقال : يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف ..
فمنعه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. ورأى أن هذا التهديد كاف في تهدئة الوضع ..
كان أبو حذيفة رضيـ الله عنه رجلاً صالحاً .. فكان بعدها يقول : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ..
ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها عني الشهادة .. فقتل يوم اليمامة شهيداً رضيـ الله عنه ..
هذا عمر .. كان رضيـ الله عنه يعلم بنوع الأعمال التي يسندها إليه .. فليس الأمر متعلقاً بجمع صدقات ..
ولا بإصلاح متخاصمين .. ولا بتعليم جاهل ..
وإنما هم في ساحة قتال فكانت الحاجة إلى الرجل الحازم المهيب أكثر منها إلى غيره ..
لذا اختار عمر .. واستثاره : أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟!
وفي موقف آخر ..
يقبل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ على خيبر .. ويقاتل أهلها قتالاً يسيراً ..
ثم يصالحهم ويدخلها .. واشترط عليهم أن لا يكتموا شيئاً من الأموال ..
ولا يغيبوا شيئاً .. ولا يخبئوا ذهباً ولا فضة .. بل يظهرون ذلك كله ويحكم فيه ..
وتوعدهم إن كتموا شيئاً أن لا ذمة لهم ولا عهد ..
وكان حيي بن أخطب من رؤوسهم .. وكان جاء من المدينة بجلد تيس مدبوغ ومخيط ووملوء ذهباً وحلياً ..
وقد مات حيي وترك المال .. فخبئوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ لعم حيي بن أخطب : ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير ؟
أي الجلد المملوء ذهباً .. فقال : أذهبته النفقات والحروب ..
فتفكر صلى الله عليه وسلمـ في الجواب .. فإذا موت حيي قريب والمال كثير ..
ولم تقع حروب قريبة تضطرهم إلى إنفاقه ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : العهد قريب .. والمال أكثر من ذلك ..
فقال اليهودي : المال والحلي قد ذهب كله ..
فعلم النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أنه يكذب .. فنظر صلى الله عليه وسلمـ ..
إلى أصحابه فإذا هم كثير بين يديه .. وكلهم رهن إشارته ..
فالتفت إلى الزبير بن العوام وقال : يا زبير .. مُسَّه بعذاب .. فأقبل إليه الزبير متوقداً ..
فانتفض اليهودي .. وعلم أن الأمر جد .. فقال : قد رأيت حُيياً يطوف في خربة ها هنا ..
وأشار إلى بيت قديم خراب .. فذهبوا فطافوا فوجدوا المال مخبئاً في الخربة ..
هذا في حاله صلى الله عليه وسلمـ مع الزبير .. يعطي القوس باريها ..
وكان الصحابة يتعامل بعضهم مع بعض على هذا الأساس ..
لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلمـ مرض الموت .. واشتد عليه الوجع ..
لم يستطع القيام ليصلي بالناس ..
فقال وهو على فراشه : مروا أبا بكر فليصل بالناس ..
وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً .. وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
في حياته وبعد مماته .. وهو صديقه في الجاهلية والإسلام ..
وهو أبو زوجة النبيـ صلى الله عليه وسلمـ عائشة .. وهو ..
وكان يحمل في صدره جبلاً من حزن بسبب مرض النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلمـ أن يبلغوا أبا بكر ليصلي بالناس ..
قال بعض الحاضرين عند النبي صلى الله عليه وسلمـ ..إن أبا بكر رجل أسيف .. أي رقيق ..
إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس .. أي من شدة التأثر والبكاء ..
وكان النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يعلم ذلك عن أبي بكر .. أنه رجل رقيق يغلبه البكاء ..
خاصة في هذا الموطن ..
لكنه صلى الله عليه وسلمـ كان يشير إلى أحقية أبي بكر بالخلافة من بعده ..
يعني : إذا أنا غير موجود فأبو بكر يتولى المسئولية ..
فأعاد صلى الله عليه وسلمـ الأمر : مروا أبا بكر فليصل بالناس .. حتى صلى أبو بكر ..
ومع رقة أبي بكر .. إلا أنه كان ذا هيبة .. وله حدة غضب أحياناً تكسوه جلالاً ..
وكان رفيق دربه عمر رضيـ الله عنه يراعي ذلك منه ..
انظر إليهم جميعاً رضيـ الله عنهمـ .. وقد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ..
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلمـ .. ليتفقوا على خليفة ..
اجتمع المهاجرون والأنصار .. وانطلق عمر إلى أبي بكر واصطحبا إلى السقيفة ..
قال عمر : فأتيناهم في سقيفة بني ساعدة .. فلما جلسنا تشهد خطيب الأنصار ..
وأثنى على الله بما هو له أهل ثم قال ..
أما بعد فنحن أنصار الله .. وكتيبة الإسلام .. وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا ..
وقد دفت دافة من قومكم وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا .. ويغصبونا الأمر ..
فلما سكت أردت أن أتكلم ، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني ..
أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر .. وكنت أداري منه بعض الحِدّة ..
فقال أبو بكر : على رسلك يا عمر .. فكرهت أن أغضبه ..
فتكلم وهو كان أعلم مني وأوقر .. فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته ..
أو قال مثلها .. أو أفضل منها حتى سَكَتَ ..
قال أبو بكر : أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ..
ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش .. هم أوسط العرب نسباً وداراً ..
وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ..
وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا ..
ولم أكره شيئا مما قاله غيرها .. كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم ..
أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ..
سكت الناس .. فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك .. وعذيقها المرجب ..
منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ..
قال عمر : فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف ..
فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته ، ثم بايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار ..
نعم .. كل واحد من الناس له مفتاح تستطيع به فتح أبواب قلبه .. وكسب محبته والتأثير عليه ..
وهذا تلاحظه في حياة الناس .. أفلم تسمع زملاء عملك يوماً يقولون : المدير .. مفتاحه فلان ..
إذا أردتم شيئاً فاجعلوا فلاناً يطلبه لكم .. أو يقنع المدير به ..
فلماذا لا تجعل مهاراتك مفاتيح لقلوب الناس .. فتكون رأساً لا ذيلاً ..
نعم كن متميزاً .. وابحث عن مفتاح قلب أمك وأبيك وزوجتك وولدك ..
اعرف مفتاح قلب مديرك في العمل .. زملائك ..
ومعرفة هذه المفاتيح تفيدنا حتى في جعلهم يتقبلون النصح الذي يصدر منا لهم ..
إذا أحسنا تقديم هذا النصح بأسلوب مناسب .. فهم ليسوا سواء في طريقة النصح ..
بل حتى في إنكار الخطأ إذا وقع منهم ..
وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وقد جلس يوماً في مجلسه المبارك يحدث أصحابه ..
فبينما هم على ذلك .. فإذا برجل يدخل إلى المسجد ..
يتلفت يميناً ويساراً .. فبدل أن يأتي ويجلس في حلقة النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
توجه إلى زاوية من زوايا المسجد .. ثم جعل يحرك إزاره !!
عجباً !! ماذا سيفعل ؟!
رفع طرف إزاره من الأمام ثم جلس بكل هدوء .. يبول ..!!
عجب الصحابة .. وثاروا .. يبول في المسجد !!
وجعلوا يتقافزون ليتوجهوا إليه .. والنبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
يهدئهم .. ويسكن غضبهم .. ويردد : لا تزرموه .. لا تعجلوا عليه .. لا تقطعوا عليه بوله ..
والصحابة يلتفتون إليه .. وهو لعله لم يدر عنهم .. لا يزال يبول ..
والنبيـ صلى الله عليه وسلمـ يرى هذا المنظر .. بول في المسجد .. ويهدئ أصحابه !!
آآآه مااااا أحلمه !!
حتى إذا انتهى الأعرابي من بوله .. وقام يشد على وسطه إزاره ..
دعاه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بكل رفق ..
أقبل يمشي حتى إذا وقف بين يديه .. قال له صلى الله عليه وسلمـ بكل رفق ..
إن هذه المساجد لم تبن لهذا .. إنما بنيت للصلاة وقراءة القرآن ..
انتهى .. نصيحة باختصار ..
فَهِم الرجل ذلك ومضى .. فلما جاء وقت الصلاة أقبل ذاك الأعرابي وصلى معهم ..
كبر النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بأصحابه مصلياً .. فقرأ ثم ركع ..
فلما رفع صلى الله عليه وسلمـ من ركوعه قال : سمع الله لمن حمده ..
فقال المأمومون : ربنا ولك الحمد ..
إلا هذا الرجل قالها وزاد بعدها : اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً !!
وسمعه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. فلما انتهت الصلاة ..
التفت صلى الله عليه وسلمـ إليهم وسألهم عن القائل .. فأشاروا إليه ..
فناداه النبي صلى الله عليه وسلمـ فلما وقف بين يديه فإذا هو الأعرابي نفسه ..
وقد تمكن حب النبيـ صلى الله عليه وسلمـ من قلبه حتى ود لو أن الرحمة تصيبهما دون غيرهما ..
فقال له صلى الله عليه وسلمـ معلماً : لقد تحجرت واسعاً !!
أي إن رحمة الله تعالى تسعنا جميعاً وتسع الناس .. فلا تضيقها علي وعليك ..
فانظر كيف ملك عليه قلبه .. لأنه عرف كيف يتصرف معه .. فهو أعرابي أقبل من باديته ..
لم يبلغ من العلم رتبة أبي بكر وعمر .. ولا معاذ وعمار .. فلا يؤاخذ كغيره ..
وإن شئت فانظر أيضاً إلى معاوية بن الحكم رضيـ الله عنه .. كان من عامة الصحابة ..
لم يكن يسكن المدينة .. ولم يكن مجالساً للنبيـ عليه الصلاة والسلام ..
وإنما كان له غنم في الصحراء يتتبع بها الخضراء ..
أقبل معاوية يوماً إلى المدينة فدخل المسجد ..
وجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وأصحابه ..
فسمعه يتكلم عن العطاس .. وكان مما علم أصحابه أن إذا سمع المسلم أخاه عطس فحمد الله
فإنه يقول له : يرحمك الله .. حفظها معاوية .. وذهب بها ..
وبعد أيام جاء إلى المدينة في حاجة .. فدخل المسجد ..
فإذا النبيـ عليه الصلاة والسلامـ يصلي بأصحابه .. فدخل معهم في الصلاة ..
فبينما هم على ذلك إذ عطس رجل من المصلين ..
فما كاد يحمد الله .. حتى تذكر معاوية أنه تعلم أن المسلم إذا عطس فقال الحمد لله ..
فإن أخاه يقول له يرحمك الله .. فبادر معاوية العاطس قائلاً بصوت عالٍ : يرحمك الله ..
فاضطرب المصلون .. وجعلوا يلتفتون إليه منكرين .
فلما رأى دهشتهم .. اضطرب وقال : وااااثكل أُمِّياه !!.. ما شأنكم تنظرون إليّ ؟ ..
فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ليسكت ..
فلما رآهم يصمّتونه صمت ..
فلما انتهت الصلاة .. التفت صلى الله عليه وسلمـ إلى الناس ..
وقد سمع جلبتهم وأصواتهم وسمع صوت من تكلم .. لكنه صوت جديد لم يعتد عليه ..
فلم يعرفه .. فسألهم : من المتكلم .. فأشاروا إلى معاوية ..
فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام إليه ..
فأقبل عليه معاوية فزعاً لا يدري بماذا سيستقبله .. وهو الذي أشغلهم في صلاتهم ..
وقطع عليهم خشوعهم ..قال معاوية رضيـ الله عنه: فبأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلمـ ..
والله ما رأيـت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه .. والله ما كهرني .. ولا ضربني .. ولا شتمني ..
وإنما قال : يا معاوية .. إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ..
إنما هي التسبيح والتكبير .. وقراءة القرآن .. انتهى .. نصيحة باختصار .. ففهمها معاوية ..
ثم ارتاحت نفسه .. واطمأن قلبه .. فجعل يسأل النبيـ عليه الصلاة والسلامـ عن خواصّ أموره ..
فقال : يا رسول الله .. إني حديث عهد بجاهلية .. وقد جاء الله بالإسلام ..
وإن منا رجالاً يأتون الكهان ( وهم الذين يدعون علم الغيب ) .. يعني فسألونهم عن الغيب ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : فلا تأتهم .. يعني لأنك مسلم .. والغيب لا يعلمه إلا الله ..
قال معاوية : ومنا رجال يتطيرون ( أي يتشاءمون بالنظر إلى الطير ) ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : ذاك شيء يجدونه في صدورهم .. فلا يصدنهم ..
( أي لا يمنعهم ذلك عن وجهتهم .. فإن ذلك لا يؤثر نفعاً ولا ضراً ) ..
هذا تعامله صلى الله عليه وسلمـ مع أعرابي بال في المسجد .. ورجل تكلم في الصلاة ..
عاملهم مراعياً أحوالهم .. لأن الخطأ من مثلهم لا يستغرب ..
أما معاذ بن جبل فقد كان من أقرب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ومن أكثرهم حرصاً على طلب العلم ..
فكان تعامل النبي صلى الله عليه وسلمـ مع أخطائه مختلفاً عن تعامله مع أخطاء غيره ..
كان معاذ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ العشاء ..
ثم يرجع فيصلي بقومه العشاء إماماً بهم في مسجدهم .. فتكون الصلاة له نافلة ولهم فريضة ..
رجع معاذ ذات ليلة لقومه ودخل مسجدهم فكبر مصلياً بهم ..
أقبل فتى من قومه ودخل معه في الصلاة .. فلما أتم معاذ الفاتحة قال " ولا الضالين " فقالوا " آمين " ..
ثم افتتح معاذ سورة البقرة !!
كان الناس في تلك الأيام يتعبون في العمل في مزارعهم ورعيهم دوابهم طوال النهار ..
ثم لا يكادون يصلون العشاء حتى يأوون إلى فرشهم ..
هذا الشاب .. وقف في الصلاة .. ومعاذ يقرأ ويقرأ ..
فلما طالت الصلاة على الفتى .. أتم صلاته وحده .. وخرج من المسجد وانطلق إلى بيته ..
انتهى معاذ من الصلاة ..
فقال له بعض القوم : يا معاذ .. فلان دخل معنا في الصلاة .. ثم خرج منها لما أطلت ..
فغضب معاذ وقال : إن هذا به لنفاق .. لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
بالذي صنع فأبلغوا ذلك الشاب بكلام معاذ .. فقال الفتى ..
وأنا لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بالذي صنع ..
.فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى ..
فقال الفتى : يا رسول الله .. يطيل المكث عندك ثم يرجع فيطيل علينا الصلاة ..
والله يا رسول الله إنا لنتأخر عن صلاة العشاء مما يطول بنا معاذ ..
فسأل الله النبي صلى الله عليه وسلمـ معاذاً : ماذا تقرأ ؟!
فإذا بمعاذ يخبره أنه يقرأ بالبقرة .. و .. وجعل يعدد السور الطوال ..
فغضب النبي صلى الله عليه وسلمـ لما علم أن الناس يتأخرون عن الصلاة بسبب الإطالة ..
وكيف صارت الصلاة ثقيلة عليهم .. فالتفت إلى معاذ وقال : أفتان أنت يا معاذ ..؟!
يعني تريد أن تفتن الناس وتبغضهم في دينهم ..
ناقرأ بـ "السماء والطارق" ، "والسماء ذات البروج" ، "والشمس وضحاها" ، "والليل إذا يغشى" ..
ثم التفت صلى الله عليه وسلمـ إلى الفتى وقال له متلطفاً : كيف تصنع أنت يا بن أخي إذا صليت ؟
قال : أقرأ بفاتحة الكتاب .. وأسأل الله الجنة .. وأعوذ به من النار ..
ثم تذكر الفتى أنه يرى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يدعو ويكثر ..
ويرى معاذاً كذلك ..فقال في آخر كلامه : وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ ..
أي دعاؤكما الطويل لا أعرف مثله !!
فقال : إني ومعاذ حول هاتين ندندن .. يعني دعاؤنا هو فيما تدعو به .. حول الجنة والنار ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ للشاب : ولكن سيعلمـ معاذ إذا قدم القوم وقد خبروا أن العدو قد أتوا ..
ما أصنع .. يعني في الجهاد في سبيل الله ..
سيتبين لمعاذ إيماني وهو الذي يصفني بالنفاق !
فما لبثوا أياماً .. حتى قامت معركة فقاتل فيها الشاب .. فاستشهد رضيـ الله عنه ..
فلما علم به صلى الله عليه وسلمـ .. قال لمعاذ : ما فعل خصمي وخصمك ؟..
يعني الذي اتهمته يا معاذ بالنفاق ..
قال معاذ : يا رسول الله ، صدق الله وكذبتُ .. لقد استشهد ..
فتأمل الفرق في طبائع الرجال .. ومقاماتهم ..
وكيف أدى إلى اختلاف تعامل النبي صلى الله عليه وسلمـ معهم بل ..
انظر إلى تعامله صلى الله عليه وسلمـ مع أسامة بن زيد ..
وهو حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وقد تربى في بيته ..بعث النبي صلى الله عليه وسلمـ أصحابه إلى الحرقات من قبيلة جهينة ..
وكان أسامة بن زيد رضيـ الله عنه من ضمن المقاتلين بالجيش ..
ابتدأ القتال .. في الصباح ..
انتصر المسلمون وهرب مقاتلو العدو ..
كان من بين جيش العدو رجل يقاتل .. فلما رأى أصحابه منهزمين ..
ألقى سلاحه وهرب فلحقه أسامة ومعه رجل من الأنصار .. ركض الرجل وركضوا خلفه ..
وهو يشتد فزعاً ..حتى عرضت لهم شجرة فاحتمى الرجل بها ..
فأحاط به أسامة والأنصاري .. ورفعا عليه السيف ..
فلما رأى الرجل السيفين يلتمعان فوق رأسه .. وأحسَّ الموت يهجم عليه ..
انتفض وجعل يجمع ما تبقى من ريقه في فمه .. ويردد فزعاً : أشهد أن لا إله إلا الله ..
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. تحير الأنصاري وأسامة .. هل أسلم الرجل فعلاً ..
أم أنها حيلة افتعلها ..كانوا في ساحة قتال .. والأمور مضطربة ..
يتلفتون حولهم فلا يرون إلا أجساداً ممزقة..وأيدي مقطعة..قد اختلط بعضها ببعض ..
الدماء تسيل..النفوس ترتجف ..الرجل بين أيديهما ينظران إليه ..
لا بد من الإسراع باتخاذ القرار .. ففي أي لحظة قد يأتي سهم طائش أو غير طائش ..
فيرديهما قتيلين ..لم يكن هناك مجال للتفكير الهادئ ..فأما الأنصاري فكف سيفه ..
وأما أسامة فظن أنها حيلة فضربه بالسيف حتى قتله ..
عادوا إلى المدينة تداعب قلوبهم نشوة الانتصار ..وقف أسامة بين يدي النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
وحكى له قصة المعركة .. وأخبره بخبر الرجل وما كان منه ..
كان قصة المعركة تحكي انتصاراً للمسلمين .. وكان صلى الله عليه وسلمـ يستمع مبتهجاً ..
لكن أسامة قال : .. ثم قتلته ..
فتغير النبي صلى الله عليه وسلمـ ..وقال : قال لا إله إلا الله .. ثم قتلته ؟!!
قلت : يا رسول الله لم يقلها من قبل نفسه .. إنما قالها فرقا من السلاح ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ :قال لا إله إلا الله .. ثم قتلته !!
هلا شققت عن قلبه حتى تعلم أنه إنما قالها فرقاً من السلاح ..
وجعل صلى الله عليه وسلمـ يحد بصره إلى أسامة ويكرر : قال لا إله إلا الله ثم قتلته ..!!
قال لا إله إلا الله ثم قتلته ..!! ثم قتلته ..!!
كيف لك بلا إله إلا الله إذا جاءت تحاجك يوم القيامة !!
وما زال صلى الله عليه وسلمـ يكرر ذلك على أسامة ..
قال أسامة : فما زال يكررها علي حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يؤمئذ ..
:: رأي::
لا تحسب الناس نوعاً واحداً فلهم طبائع لست تحصيهن ألوان
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الستـــــــــــون : مع المخالفين ..
يقول الشيخـ :::: الكفار .. كان صلى الله عليه وسلمـ يعاملهم بالعدل ..
ويستميت في سبيل دعوتهم وإصلاحهم .. ويتحمل أذاهمـ ..
ويتغاضى عن سوئهم .. كيف لا .. وقد قال له ربه : ( وما أرسلناك إلا رحمة ) ..
لمن ؟! للمؤمنين ؟! لا .. ( إلا رحمة للعالمين ) ..
وتأمل حال اليهود .. يذمونه ويبتدئون بالعداوة .. ومع ذلك يرفق بهم ..
وعن عائشة قالت : إن اليهود مروا ببيت النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
فقالوا : السام عليكم ( أي : الموت عليك ) .. فقال صلى الله عليه وسلمـ :وعليكم ..
فلم تصبر عائشة لما سمعتهم .. فقالت : السام عليكم .. ولعنكم الله وغضب عليكم ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : مهلاً يا عائشة .. عليك بالرفق .. وإياك والعنف والفحش ..
فقالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ فقال : أو لم تسمعي ما قلت ؟!
رددت عليهم فيستجاب لي .. ولا يستجاب لهم فيّ ..نعم ..
ما الداعي إلى مقابلة السباب بالسباب ! أليس الله قد قال له :( وأعرض عن الجاهلين ) ..
وفي يوم .. خرجـ صلى الله عليه وسلمـ مع أصحابه في غزوة ..
فلما كانوا في طريق عودتهم .. نزلوا في واد كثير الشجر ..فتفرق الصحابة تحت الشجر وناموا ..
وأقبل صلى الله عليه وسلمـ إلى شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها ..
وفرش رداءه ونام ..في هذه الأثناء كان رجل من المشركين يتبعهم ..
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ خالياً .. أقبل يمشي بهدوء ..
حتى التقط السيف من على الغصن .. وصاح بأعلى صوته :يا محمد .. من يمنعك مني ؟
فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
والرجل قائم على رأسه .. والسيف صلتاً في يده .. يلتمع منه الموت ..
الرسول صلى الله عليه وسلمـ وحيداً .. ليس عليه إلا إزار .. أصحابه متفرقون عنه ..
نائمون .. والرجل يعيش نشوة القوة والانتصار ..
ويردد : من يمنعك مني ؟ من يمنعك مني ؟
فقال صلى الله عليه وسلمـ بكل ثقة : الله .. فانتفض الرجل وسقط السيف ..
فقام صلى الله عليه وسلمـ والتقط السيف وقال : من يمنعك مني ؟
فتغير الرجل .. واضطرب .. وأخذ يسترحم النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
ويقول : لا أحد .. كن خير آخذ ..
فقال له صلى الله عليه وسلمـ : تسلم ؟
قال : لا .. ولكن لا أكون في قوم هم حرب لك ..
فعفا عنه صلى الله عليه وسلمـ .. وأحسن إليه !!
وكان الرجل ملكاً في قومه .. فانصرف إليهم فدعاهم إلى الإسلام .. فأسلموا ..
نعم .. أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ..
بل حتى مع الأعداء الألداء كانـ صلى الله عليه وسلمـ له خلق عظيمـ ..
كسب به نفوسهم .. وهدى قلوبهم .. ودحر به كفرهم ..
لما ظهر صلى الله عليه وسلمـ بدعوته بين الناس .. جعلت قريش تحاول حربه بكل سبيل ..
وكان مما بذلته أن تشاور كبارها في التعامل مع دعوته صلى الله عليه وسلمـ ..
وتسارع الناس للإيمان به ..
فقالوا : أنظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا ..
وشتت أمرنا .. وعاب ديننا .. فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ..
فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة ..فقالوا : أنت يا أبا الوليد ..
وكان عتبة سيداً حليماً .. فقال : يا معشر قريش .. أترون أن أقوم إلى هذا فأكلمه ..
فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منها بعضها ..قالوا : نعم يا أبا الوليد ..
فقام عتبة وتوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. دخل عليه ..
فإذا صلى الله عليه وسلمـ جالس بكل سكينة ..
فلما وقف عتبة بين يديه .. قال : يا محمد ! أنت خير أم عبد الله ؟!
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلمـ تأدباً مع أبيه عبد الله ..
فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت صلى الله عليه وسلمـ ..
تأدباً مع جده عبد المطلب .. فقال عتبة : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك..
فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ .. وإن كنت تزعم أنك خير منهم ..
فتكلم حتى نسمع قولك .. وقبل أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلمـ بكلمة ..
ثار عتبة وقال ..
إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك !!.. فرقت جماعتنا .. وشتت أمرنا ..
وعبت ديننا .. وفضحتنا في العرب .. حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً ..
وأن في قريش كاهناً .. والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى ..
أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ..
كان عتبة متغيراً غضباناً .. والنبي صلى الله عليه وسلمـ ساكت يستمع بكل أدب ..
وبدأ عتبة يقدم إغراءات ليتخلى النبي صلى الله عليه وسلمـ عن الدعوة ..
فقال :أيها الرجل إن كنت جئت بالذي جئت به لأجل المال ..
جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً وان كنت إنما بك حب الرئاسة ..
عقدنا ألويتنا لك فكنت رأساً ما بقيت ..وإن كان إنما بك الباه والرغبة في النساء ..
فاختر أيَّ نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً ..!!وان كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن تراه ..
لا تستطيع رده عن نفسك .. طلبنا لك الطب .. وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ..
فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه ..
ومضى عتبة يتكلم بهذا الأسلوب السيء مع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ويعرض عليه عروضاً ويغريه .. والنبي عليه الصلاة والسلام ينصت إليه بكل هدوء ..
وانتهت العروض .. ملك .. مال .. نساء .. علاج من جنون !! سكت عتبة .. وهدأ .. ينتظر الجواب..
فرفع النبي عليه الصلاة والسلام بصره إليه وقال بكل هدووووء : أفرغت يا أبا الوليد ؟
لم يستغرب عتبة هذا الأدب من الصادق الأمين .. بل قال باختصار : نعم ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : فاسمع مني .. قال : أفعل ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : بسم الله الرحمن الرحيم " حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًاعَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًاوَنَذِيرًافَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَايَسْمَعُونَ "
ومضى النبي عليه الصلاة والسلام .. يتلوا الآيات وعتبة يستمع ..
وفجأة جلس عتبة على الأرض .. ثم اهتز جسمه .. فألقى يديه خلف ظهره .. واتكأ عليهما ..
وهو يستمع .. ويستمع .. والنبي يتلو .. ويتلو ..حتى بلغ قوله تعالى ..
( فَإِنْ أَعْرَضُوافَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةًمِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍوَثَمُودَ ) .. فانتفضـ عتبة لما سمع التهديد بالعذاب ..
وقفز ووضع يديه على فم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. ليوقف القراءة ..
فاستمر صلى الله عليه وسلمـ يتلو الآيات .. حتى انتهى إلى الآية التي فيها سجدة التلاوة فسجد ..
ثم رفع رأسه من سجوده .. ونظر إلى عتبة وقال : سمعت يا أبا الوليد ؟
قال : نعم .. قال :فأنت وذاك ..
فقام عتبة يمشي إلى أصحابه .. وهم ينتظرونه متشوقين ..
فلما أقبل عليهم .. قال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ..
فلما جلس إليهم .. قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟
فقال : ورائي أني والله سمعت قولاً ما سمعت مثله قط .. والله ما هو بالشعر ..
ولا السحر .. ولا الكهانة .. يا معشر قريش : أطيعوني واجعلوها بي ..
خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه .. فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ..
يا قوم !! قرأ بسم الله الرحمن الرحيم " حم * تنزيل من الرحمن الرحيم " حتى بلغ .. "
فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " فأمسكته بفيه .. وناشدته الرحم أن يكف ..
وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب .. فخفت أن ينزل بكم العذاب ..
ثم سكت أبو الوليد قليلاً متفكراً .. وقومه واجمون يحدون النظر إليه ..
فقال :والله إن لقوله لحلاوة .. وإن عليه لطلاوة .. وإن أعلاه لمثمر .. وإن أسفله لمغدق ..
وإنه ليعلو وما يعلى عليه .. وإنه ليحطم ما تحته .. وما يقول هذا بشر .. وما يقول هذا بشر ..
قالوا : هذا شعر يا أبا الوليد .. شعر ..
فقال : والله ما رجل أعلم بالأشعار مني .. ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني .. ولا بأشعار الجن ..
والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئاً من هذا ..
ومضى عتبة يناقش قومه في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
صحيح أن عتبة لم يدخل في الإسلام .. لكن نفسه لانت للدين .. فتأمل كيف أثر هذا الخلق الرفيع ..
ومهارة حسن الاستماع في عتبة مع أنه من أشد الأعداء وفي يوم آخر ..
تجتمع قريش .. فينتدبون حصين بن المنذر الخزاعي .. وهو أبو الصحابي الجليل عمران بن حصين ..
ينتبونه لنقاش النبيـ عليه الصلاة والسلام ورده عن دعوته ..
يدخل أبو عمران على النبيـ صلى الله عليه وسلمـ وحوله أصحابه ..
فيردد عليه ما تردده قريش دوماً .. فرقت جماعتنا .. شتت شملنا ..
والنبيـ صلى الله عليه وسلمـ ينصت بلطف ..حتى إذا انتهى ..
قال له صلى الله عليه وسلمـ بكل أدب ..أفرغت يا أبا عمران ..قال : نعم ..
قال : فأجبني عما أسألك عنه ..
قال : قل .. أسمع ..فقال صلى الله عليه وسلمـ :يا أبا عمران .. كم إلهاً تعبد اليوم ؟
قال : سبعة ..!! ستة في الأرض .. وواحداً في السماء ..!!
قال :فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك ؟ قال : الذي في السماء ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ بكل لطف : يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك ..
فما كان من حصين إلا أن أسلم في مكانه فوراً ..
ثم قال : يا رسول الله .. علمني الكلمتين اللتين وعدتني ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ :قل : اللهم ألهمني رشدي .. وأعذني من شر نفسي ..
آآآه ما أروع هذا التعامل الراقي ! وشدة تأثيره في الناس عند مخالطتهم ..
وهذا التعامل الإسلامي الدعوي يفيد في دعوة الكفار وجذبهم إلى الخير ..
سافر أحد الشباب للدراسة في ألمانيا فسكن في شقة ..
وكان يسكن أمامه شاب ألماني ، ليس بينهما علاقة ، لكنه جاره ..
سافر الألماني فجأة .. وكان موزع الجرائد يضع الجريدة كل يوم عند بابه ..
انتبه صاحبنا إلى كثرة الجرائد .. سأل عن جاره .. فعلم أنه مسافر ..
لَـمَّ الجرائد ووضعها في درج خاص .. وصار يجمعها كل يوم ويرتبها ..
لما رجع صاحبه بعد شهرين أو ثلاثة .. سلم عليه وهنأه بسلامة الرجوع ..
ثم ناوله الجرائد وقال له : خشيت أنك متابع لمقال .. أو مشترك في مسابقة ..
فأردت أن لا يفوتك ذلك .. نظر الجار إليه متعجباً من هذا الحرص ..
فقال : هل تريد أجراً أو مكافأة على هذا ؟
قال صاحبنا : لا .. لكن ديننا يأمرنا بالإحسان إلى الجار .. وأنت جار فلا بد من الإحسان إليك ..
ثم ما زال صاحبنا محسناً إلى ذلك الجار ..
حتى دخل في الإسلام .. هذه والله هي المتعة الحقيقية بالحياة ..
أن تشعر أنك رقم على اليمين .. تتعبد لله بكل شيء حتى بأخلاقك ..
وكم صدَّ أعداداً كبيرة من الكفار عن الدخول في الإسلام تعاملات فريق من المسلمين معهم..
فيظلمونهم عمالاً .. ويغشونهم متسوقين .. ويؤذونهم جيراناً ..
فهلمَّ نبدأ من جديد معهم ..
:: إضاءة ::
خير الداعين من يدعو بأفعاله قبل أقواله ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الحادي و الستـــــــــــون : اختر الكلام المناسب ..
يقول الشيخـ :::: يتبع ما سبق أيضاً طريقة الكلام مع الناس ..
ونوعية الأحاديث التي تثار معهم ..
فإذا جلست مع أحد فأثر الأحاديث المناسبة له ..
وهذا من طبيعة البشر ..
فالأحاديث التي تثيرها مع شاب تختلف عن الأحاديث مع الشيخ ..
ومع العالم تختلف عن الجاهل .. ومع الزوجة تختلف عن الأخت ..
لا أعني الاختلاف التام .. بحيث إن القصة التي تحكيها للأخت لا يصح أن تحكيها للزوجة !
أو التي تذكرها للشاب لا يصح أن يسمعها الشيخ !! لا ..
وإنما أعني الاختلاف اليسير الذي يطرأ على أسلوب عرض القصة وربما كيانها كله..
وبالمثال يتضح المقال ..
لو جلست مع ضيوف كبار في السن جاوزت أعمارهم الثمانين أقبلوا زائرين لجدك ..
فهل من المناسب أن تقص عليهم وأنت ضاحك مستبشر قصتك لما ذهبت مع زملائك للبر ؟!
وكيف أن فلاناً سجل هدفاً أثناء لعب الكرة .. وكيف ثبت الكرة برأسه ثم ضربها بركبته ..
لا شك أنه غير مناسب .. وكذلك لو تحدثت مع أطفال صغار ..
من غير المناسب أن تذكر لهم قصصاً تتعلق بتعامل الأزواج مع زوجاتهم ..
أظننا نتفق على ذلك ..
إذن من أساليب جذب الناس اختيار الأحاديث التي يحبونها .. وإثارتها ..
كأب له ولد متفوق .. من المناسب أن تسأله عنه ..
لأنه بلا شك يفخر به ويحب أن يذكره دائماً ..
أو رجل فتح دكاناً وكسب منه أرباحاً .. فمن المناسب أن تسأله عن دكانه وإقبال الناس عليه ..
لأن هذا يفرحه .. وبالتالي يحبك ويحب مجالستك ..
وقدكان النبي صلى الله عليه وسلمـ يراعي ذلك ..
فحديثه مع الشاب يختلف عن حديثه مع الشيخ .. أو المرأة .. أو الطفل ..
جابر بن عبد الله رضيـ الله عنه الصحابي الجليل .. قتل أبوه في معركة أحد ..
وخلف عنده تسع أخوات ليس لهن عائل غيره .. وخلف ديناً كثيراً ..
على ظهر هذا الشاب الذي لا يزال في أول شبابه ..
فكان جابر دائماً ساهم الفكر .. منشغل البال بأمر دَينه وأخواته ..
والغرماء يطالبونه صباحاً ومساءً ..
خرج جابر مع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ في غزوة ذات الرقاع ..
وكان لشدة فقره على جمل كليل ضعيف ما يكاد يسير .. ولم يجد جابر ما يشتري به جملاً ..
فسبقه الناس وصار هو في آخر القافلة ..
وكان النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يسير في آخر الجيش ..
فأدرك جابراً وجمله يدبُّ به دبيباً .. والناس قد سبقوه ..
فقال النبيـ صلى الله عليه وسلمـ :مالك يا جابر ؟
قال : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ..
فقال النبيـ صلى الله عليه وسلمـ :أنخه ..
فأناخه جابر وأناخ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ناقته ..
ثم قال : أعطني العصا من يدك أو اقطع لي عصا من شجرة ..فناوله جابر العصا ..
برَكَ الجمل على الأرض كليلاً ضعيفاً ..
فأقبل صلى الله عليه وسلمـ إلى الجمل وضربه بالعصا شيئاً يسيراً ..
فنهض الجمل يجري قد امتلأ نشاطاً .. فتعلق به جابر وركب على ظهره ..
مشى جابر بجانب النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..فرحاً مستبشراً ..
وقد صار جمله نشيطاً سابقاً ..
التفت صلى الله عليه وسلمـ إلى جابر .. وأراد أن يتحدث معه ..
فما هي الأحاديث التي اختارها النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ليثيرها مع جابر ..
جابر كان شاباً في أول شبابه ..
هموم الشباب في الغالب تدور حول الزواج .. وطلب الرزق ..
قال صلى الله عليه وسلمـ : يا جابر .. هل تزوجت ..؟
قال جابر : نعم ..
قال : بكراً .. أم ثيباً ..
قال : بل ثيباً ..
فعجب النبي صلى الله عليه وسلمـ كيف أن شاباً بكراً في أول زواج له ..
يتزوج ثيباً .. فقال ملاطفاً لجابر : هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك ..
فقال جابر : يا رسول الله .. إن أبي قتل في أحد .. وترك تسع أخوات ليس لهن راعٍ غيري ..
فكرهت أن أتزوج فتاة مثلهن فتكثر بينهن الخلافات ..
فتزوجت امرأة أكبر منهن لتكون مثل أمهن .. هذا معنى كلام جابر ..
رأى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أن أمامه شاب ضحى بمتعته الخاصة لأجل أخواته..
فأراد صلى الله عليه وسلمـ أن يمازحه بكلمات تصلح للشباب .. فقال له ..
لعلنا إذا أقبلنا إلى المدينة أن ننزل في صرار .. فتسمع بنا زوجتك فتفرش لك النمارق ..
يعني وإن كنت تزوجت ثيباً إلا أنها لا تزال عروساً تفرح بك إذا قدمت وتبسط فراشها ..
وتصف عليه الوسائد .. فتذكر جابر فقره وفقر أخواته ..
فقال : نمارق !! والله يا رسول الله ما عندنا نمارق ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : إنه ستكون لكم نمارق إن شاء الله ..
ثم مشيا .. فأراد صلى الله عليه وسلمـ أن يهب لجابر مالاً ..
فالفت إليه وقال : يا جابر .. قال : لبيك يا رسول الله ..
فقال : أتبيعني جملك ؟ تفكر جابر فإذا جمله هو رأس ماله ..
هكذا كان وهو كليل ضعيف .. فكيف وقد صار قوياً جلداً !!
لكنه رأى أنه لا مجال لرد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قال جابر : سُمْه يا رسول الله .. بكم ؟
فقال صلى الله عليه وسلمـ :بدرهم !!
قال جابر : درهم !! تغبنني يا رسول الله ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : بدرهمين ..
قال : لا .. تغبنني يا رسول الله ..
فما زالا يتزايدان حتى بلغا به أربعين درهماً .. أوقية من ذهب ..
فقال جابر : نعم .. ولكن أشترط عليك أن أبقى عليه إلى المدينة ..
قال صلى الله عليه وسلمـ : نعم ..
فلما وصلوا إلى المدينة .. مضى جابر إلى منزله وأنزل متاعه من على الجمل
ومضى ليصلي مع النبي صلى الله عليه وسلمـ وربط الجمل عند المسجد ..
فما خرج النبي صلى الله عليه وسلمـ قال جابر : يا رسول الله هذا جملك ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : يا بلال .. أعط جابراً أربعين درهماً وزده ..
فناول بلال جابراً أربعين درهماً وزاده ..
فحمل جابر المال ومضى به يقلبه بين يديه .. متفكراً في حاله !! ماذا يفعل بهذا المال ؟!
أيشتري به جملاً .. أم يبتاع به متاعاً لبيته .. أم ..
وفجأة التفت رسول الله صلى الله عليه وسلمـ إلى بلال وقال : يا بلال .. خذ الجمل وأعطه جابراً ..
جبذ بلال الجمل ومضى به إلى جابر .. فلما وصل به إليه .. تعجب جابر ..
هل ألغيت الصفقة ؟! قال بلال : خذ الجمل يا جابر .. قال جابر : ما الخبر !!..
قال بلال : قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلمـ أن أعطيك الجمل .. والمال
فرجع جابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وسأله عن الخبر ..
أما تريد الجمل !! .. فقال صلى الله عليه وسلمـ : أتراني ماكستك لآخذ جملك ..
يعني أنا لم أكن أطالبك بخفض السعر لأجل أن آخذ الجمل
وإنما لأجل أن أقدر كم أعطيك من المال معونة لك على أمورك ..
فما أرفع هذه الأخلاق .. يختار ما يناسب الشاب من أحاديث ..
ثم لما أراد أن يحسن إليه ويتصدق عليه .. غلف ذلك باللطف والأدب ..
وفي أحد الأيام يجلس إلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ شاب اسمه جليبيب ..
من خيار شباب الصحابة .. لكنه كان فقيراً معدماً ..
وكان رضيـ الله عنه في وجهه دمامة ..
جلس يوماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فما هي الأحاديث التي حرص النبيـ صلى الله عليه وسلمـ على إثارتها معه ؟
شاب في ريعان شبابه .. أعزب ..
هل يتحدث معه عن أنساب العرب والرفيع منها والوضيع ؟
أم يتحدث عن الأسواق وأحكام البيوع ؟
لا .. فهذا شاب له نوع خاص من الأحاديث يفضله على غيره ..
أثار معه صلى الله عليه وسلمـ موضوع الزواج والحديث حوله ..
فلطالما طرب الشباب لهذه المواضيع .. ثم عرض عليه رسول الله التزويج ..
فقال : إذن تجدني كاسداً ..
فقال :غير أنك عند الله لست بكاسد ..
فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلمـ يتحين الفرص لتزويج جليبيب ..
حتى جاء رجل من الأنصار يوماً يعرض ابنته الثيب ..
على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. ليتزوجها ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : نعم يا فلان .. زوجني ابنتك ..
قال : نعم ونعمين .. يا رسول الله ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : إني لست أريدها لنفسي ..
قال : فلمن ؟! قال : لجليبيب ..
قال الرجل متفاجئاً : جليبيب !! جليبيب !! يا رسول الله !! حتى استأمر أمها ..
أتى الرجل زوجته فقال : إن رسول الله يخطب ابنتك ..
قالت : نعم .. ونعمين .. زوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قال : إنه ليس يريدها لنفسه .. قالت : فلمن ؟ قال : يريدها لجليبيب ..
فتفاجأت المرأة أن تُزف ابنتها إلى رجل فقير دميم ..
فقالت : حَلْقَى !! لجليبيب ..؟ لا لعمر الله لا أزوج جليبيباً .. وقد منعناها فلاناً وفلاناً ..
فاغتم أبوها لذلك .. وقام ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فصاحت الفتاة من خدرها بأبويها : من خطبني إليكما ؟
قالا : رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قالت : أتردان على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
أمره ؟ ادفعاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فإنه لن يضيعني ..
فكأنما جلَّت عنهما .. واطمأنّا ..
فذهب أبوها إلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ فقال : يا رسول الله ..
شأنك بها فزوِّجها جليبيباً .. فزوجها النبيـ صلى الله عليه وسلمـ جليبيباً ..
ودعا لها وقال : اللهم صب عليهما الخير صباً .. ولا تجعل عيشهما كداً كداً ..
فلم يمض على زواجه أيام .. حتى خرج النبيـ صلى الله عليه وسلمـ في غزوة ..
وخرج معه جليبيب .. فلما انتهى القتال .. وبدأ الناس يتفقد بعضهم بعضاً ..
سألهم النبيـ صلى الله عليه وسلمـ : هل تفقدون من أحد قالوا : نفقد فلاناً وفلاناً ..
فسكت قليلاً ثم قال : هل تفقدون من أحد ؟
قالوا : نفقد فلانا وفلانا .. فسكت ثم قال : هل تفقدون من أحد ؟
قالوا : نفقد فلاناً وفلاناً .. قال : ولكني أفقد جليبيباً ..
فقاموا يبحثون عنه .. ويطلبونه في القتلى .. فلم يجدوه في ساحة القتال ..
ثم وجدوه في مكان قريب .. إلى جنب سبعة من المشركين قد قتلهم ثم قتلوه ..
فوقف النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ينظر إلى جثته .. ثم قال : قتل سبعة ثم قتلوه ..
قتل سبعة ثم قتلوه .. هذا مني وأنا منه ..
ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وسلمـ على ساعديه .. وأمرهم أم يحفروا له قبره ..
قال أنس : فمكثنا نحفر القبر ..
وجليبيب ماله سرير غير ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
حتى حفر له ثم وضعه في لحده .. قال أنس : فوالله ما كان في الأنصار أيم أنفق منها ..
أي تسابق الرجال إليها كلهم يخطبها بعد جليبيب ..
هكذا كان صلى الله عليه وسلمـ يختار لكل أحد ما يناسبه من أحاديث ..
حتى لا تمل مجالسه .. جلس صلى الله عليه وسلمـ يوماً مع زوجه عائشة ..
فما الأحاديث المناسب إثارتها بين الزوجين ..؟
هل كلمها عن غزو الروم ؟ ونوع الأسلحة التي استخدمت في القتال ؟
كلا فليست هي أبو بكر !! أم حدثها عن فقر بعض المسلمين وحاجتهم ؟ كلا فليست عثمان !!
إنما قال لها بعاطفة الزوجية : إني لأعرف إن كانت راضية عني وإذا كنت غضبى ..!!
قالت : كيف ؟
قال :إذا كنت راضية قلت : لا ورب محمد ( صلى الله عليه وسلمـ ) ..
وإذا كنت غضبى قلت : لا ورب إبراهيم ( صلى الله عليه وسلمـ ) ..
فقالت : نعم .. والله يا رسول الله لا أهجر إلا اسمك .. فهل نراعي هذا نحن اليوم ؟
:: وجهة نظر ::
تحدث مع الناس بما يستمتعون هم باستماعه .. لا بما تستمتع أنت بحكايته ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثاني و الستـــــــــــون : كن لطيفاً عند أول لقاء ..
يقول الشيخـ :::: انتشر في بعض أرياف مصر برهة من الزمن أن الرجل العروس ..
قبيل ليلة عرسه يخبئ في غرفته قطاً .. فإذا دخل بزوجته إلى مكان فراش الزوجية ..
حرك كرسياً ليخرج ذلك القط .. فإذا خرج أقبل العروس يستعرض قواه أمام زوجته ..
وقبض على القط المسكين .. ثم خنقه وعصره .. حتى يموت بين يديه ..!! أتدري لماذا ؟!
لأجل أن يطبع صورة الرعب والهيبة منه في ذهن زوجته من أول لقاء ..
وأذكر أني لما تخرجت من الجامعة .. وتعينت معيداً في إحدى الكليات ..
أوصاني معلم قديم قائلاً : في أول محاضرة لك عند الطلاب ..
شُدَّ عليهم .. وانظر إليهم بعين حمراء !! حتى يخافوا منك وتفرض قوة شخصيتك من البداية ..
تذكرت هذا .. وأنا أكتب هذا الباب .. فأيقنت أن من الأمور المقررة عند جميع الناس ..
أن اللقاء الأول في الغالب يطبع أكثر من 70% من الصورة عنك .. وهي ما يسمى بالصورة الذهنية ..
أذكر أن مجموعة من الضباط سافروا إلى أمريكا في دورة تدريبية ..
كانت الدورة في التعامل الوظيفي ..
في أول يوم .. حضروا إلى القاعة مبكرين .. جعلوا يتحدثون .. ويتعارفون ..
دخل عليهم المدرس فجأة فسكتوا .. فوقعت عين المدرس على طالب لا يزال متبسماً ..
فصرخ به : لماذا تضحك ؟ قال : عذراً .. ما ضحكت ..
قال : بلى تضحك ..
ثم جعل يؤنبه : أنت إنسان غير جاد .. المفروض أن تعود لأهلك على أول رحلة طيران ..
لا أتشرف بتدريس مثلك ..
والطالب المسكين قد تلون وجهه .. وجعل ينظر إلى مدرسه .. ويلتفت إلى زملائه ..
ويحاول حفظ ما تبقى من ماء وجهه ..
ثم حدق المدرس فيه النظر عابساً وأشار إلى الباب وقال : أخرج ..
قام الطالب مضطرباً .. وخرج ..
نظر المدرس إلى بقية الطلاب وقال : أنا الدكتور فلان .. سأدرسكم مادة كذا ..
ولكن قبل أن أبدأ الشرح .. أريدكم أن تعبئوا هذه الاستمارة .. دون كتابة الاسم ..
ثم وزع عليهم استمارة تقييم للمدرس .. فيها خمسة أسئلة :
ما رأيك بأخلاق مدرسك ؟ .. ما رأيك بطريقة شرحه ؟ .. هل يقبل الرأي الآخر ؟ ..
ما مدى رغبتك في الدراسة لديه مرة أخرى ؟ .. هل تفرح بمقابلته خارج المعهد ؟ ..
كان أمام كل سؤال منها .. اختيارات : ممتاز .. جيد .. مقبول .. ضعيف ..
عبأ الطلاب الاستمارة وأعادوها إليه ..
وضعها جانباً .. وبدأ يشرح تأثير فن التعامل في الجو الوظيفي ..
ثم قال : أوه !.. لماذا نحرم زميلكم من الاستفادة ..
فخرج إليه .. وصافحه وابتسم له .. وأدخله القاعة ..
ثم قال : يبدو أنني غضبت عليك قبل قليل من غير سبب حقيقي ..
لكني كنت أعاني من مشكلة خاصة .. أدت بي أن أصب غضبي عليك ..
فأنا أعتذر إليك .. فأنت طالب حريص ..
يكفي في الدلالة على حرصك تركك لأهلك وولدك ومجيؤك هنا ..
أشكرك .. بل أشكركم جميعاً على حرصكم .. ومن أعظم الشرف لي أن أدرس مثلكم ..
ثم تلطف معهم وضحك قليلاً ..
ثم أخذ مجموعة جديدة من الاستمارات وقال :
ما دام أن زميلكم فاته تعبئة الاستمارة فما رأيكم أن تعبئوها كلكم من جديد ..
ووزع عليهم الأوراق .. فعبئوها وأعادوها إليه ..
فأخرج الاستمارات التي عبئوها في البداية .. وأخرج الأخيرة وجعل يقارن بينها ..
فإذا الخانة الخاصة بـ ضعيف في التعبئة الأولى كلها مليئة ..
أما الثانية فليس فيها ضعيف ولا مقبول .. أبداً ..
فضحك وقال لهم :
كان ما رأيتم دليلاً عملياً على تأثير التعامل السيء على بيئة العمل بين المدير وموظفيه ..
وما فعلته بزميلكم كان تمثيلاً أردت أن أجريه أمامكم .. لكن المسكين صار ضحية ..
فانظروا كيف تغيرت نظرتكم بمجرد تغير تعاملي معكم ..
هذا من طبيعة الإنسان .. فلا بد من مراعاته .. خاصة مع من تلتقي بهم لمرة واحدة فقط ..
كان المعلم الأول يأسر قلوب الناس من أول لقاء ..
بعد فتح مكة .. تمكن الإسلام ..
وبدأت الوفود تتسابقـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ في المدينة ..
قدم وفد عبد القيس .. على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فلما رآهم وهم على رحالهم قبل أن ينزلوا .. بادرهم قائلاً : مرحباً بالقوم .. غير خزايا .. ولا ندامى ..
فاستبشروا .. وتواثبوا من رحالهم .. وأقبلوا إليه يتسابقون للسلام عليه ..
ثم قالوا :
يا رسول الله .. إن بيننا وبينك هذا الحي من المشركين من مضر ..
وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام .. حين يقف القتال ..
فحدثنا بجميل من الأمر .. إن عملنا به دخلنا الجنة .. وندعو به من وراءنا ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ: آمركم بأربع .. وأنهاكم عن أربع ..
آمركم بالإيمان بالله .. وهل تدرون ما الإيمان بالله ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم ..
قال : شهادة أن لا إله إلا الله .. وإقام الصلاة .. وإيتاء الزكاة .. وأن تعطوا الخمس من الغنائم ..
وأنهاكم عن أربع : عن نبيذ في الدباء .. والنقير والحنتم .. والمزفت ..
وفي موقف آخر ..
كان صلى الله عليه وسلمـ مسافراً مع أصحابه ليلة .. فساروا في ليلهم مسيراً طويلاً ..
حتى إذا كان آخر الليل .. نزلوا في طرف الطريق ليناموا ..
فغلبتهم أعينهم حتى طلعت الشمس وارتفعت ..
فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر .. ثم استيقظ عمر ..
فقعد أبو بكر عند رأسه صلى الله عليه وسلمـ .. فجعل يكبر ويرفع صوته ..
حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلمـ .. فنزل وصلى بهم الفجر ..
فلما انتهى من صلاته التفت فرأى رجلاً من القوم لم يصل معهم ..
فقال : يا فلان .. ما يمنعك أن تصلي معنا ؟
قال : أصابتني جنابة .. ولا ماء ..
فأمره صلى الله عليه وسلمـ أن يتيمم بالصعيد .. ثم صلى ..
ثم أمر صلى الله عليه وسلمـ أصحابه بالارتحال ..
وليس معهم ماء .. فعطشوا عطشاً شديداً .. ولم يقفوا على بئر ولا ماء ..
قال عمران بن حصين :
فبينما نحن نسير فإذا نحن بامرأة على بعير .. ومعها مزادتان ( قربتان ) ..
فقلنا لها :أين الماء ؟!
قالت : إنه لا ماء ..
فقلنا :كم بين أهلك وبين الماء ؟
قالت : يوم وليلة ..
فقلنا : انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قالت :وما رسول الله ..!!
فسقناها معنا طمعاً أن تدلنا على الماء ..
حتى أقبلنا بها إلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
فسألها عن الماء .. فحدثته بمثل الذي حدثتنا به .. غير أنها شكت إليه أنها أم أيتام ..
فتناول صلى الله عليه وسلمـ مزادتها .. فسمى الله .. ومسح عليها ..
ثم جعل صلى الله عليه وسلمـ يفرغ من قربتيها في آنيتنا .. فشربنا عطاشاً أربعين رجلاً ..
حتى روينا ..وملأنا كل قربة معنا ..
ثم تركنا قربتيها .. وهما أكثر ما تكون امتلاءً ..
ثم قال صلى الله عليه وسلمـ .. هاتوا ما عندكم .. أي طعام ..
فجمع لها من كسر الخبز والتمر ..
فقال لها : اذهبي بهذا معك لعيالك .. واعلمي أنا لم نرزأك من مائك شيئاً ..
غير أن الله سقانا .. ثم ركبت المرأة بعيرها .. مستبشرة بما حصلت من طعام ..
حتى وصلت أهلها .. فقالت : أتيت أسحر الناس .. أو هو نبي كما زعموا ..
فعجب قومها من قصتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فلم يمر عليهم زمن حتى أسلمتـ وأسلموا .. نعم .. أعجبت بتعامله وكرمه معها من أول لقاء ..
وفي يوم أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فسأله مالاً .. فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلمـ قطيعاً من غنم بين جبلين ..
فرجع الرجل إلى قومه .. فقال :
يا قوم .. أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة ..
قال أنس : وقد كان الرجل يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ما يريد إلا الدنيا ..
فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه .. وأعز عليه .. من الدنيا وما فيها ..
:: اقتراح ::
أول لقاء يطبع 70% من الصورة عنك فعامل كل إنسان على أن هذا هو اللقاء الأول والأخير بينكما
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
أشكرك كثيرا على هذا الموضوع المتميز
وعلى المجهود الرائع
تحياتي
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثالث و الستـــــــــــون : الناس كمعادن الأرض ..
يقول الشيخـ :::: لو تأملت في الناس لوجدت أن لهم طبائع كطبائع الأرضـ ..
فمنم الرفيق اللين .. ومنهم الصلب الخشن .. ومنهم الكريم كالأرض المنبتة الكريمة ..
ومنهم البخيل كالأرض الجدباء التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً ..
إذن الناس أنواع .. ولو تأملت لوجدت أنك عند تعاملك ..
مع أنواع الأرض تراعي حال الأرض وطبيعتها .. فطريقة مشيك على الأرض الصلبة ..
تختلف عن طريقتك في المشي على الأرض اللينة .. فأنت حذر متأنِّ في الأولى ..
بينما أنت مرتاح مطمئن في الثانية .. وهكذا الناس ..
قال صلى الله عليه وسلمـ ( إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرضـ ..
فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم :
الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ) ..
فعند تعاملك مع الناس انتبه إلى هذا .. وانتبهي .. سواء تعاملت مع ..
قريب كأب وأم وزوجة وولد .. أو بعيد كجار وزميل وبائع .. ولعلك تلاحظ أن طبائع الناس ..
تؤثر فيهم حتى عند اتخاذ قراراتهم .. وحتى تتيقن ذلك .. اعمل هذه التجربة ..
إذا وقعت بينك وبين زوجتك مشكلة .. فاستشر أحد زملائك ممن تعلم أنه صلب خشن ..
قل له : زوجتي كثيرة المشاكل معي .. قليلة الاحترام لي .. فأشر عليَّ ..
كأني به سيقول : الحريم ما يصلح معهن إلا العين الحمراء !! دقَّ خشمها !
خل شخصيتك قوية عليها !! كن رجلاً !!
وبالتالي قد تثور أنت ويخرب عليك بيتك بهذه الكلمات .. أكمل التجربة ..
اذهب إلى صديق آخر تعرف أنه هين لين لطيف .. وقل له ما قلت للأول ..
ستجد حتماً أنه يقول : يا أخي هذه أم عيالك .. وما فيه زواج يخلو من مشاكل ..
اصبر عليها .. وحاول أن تتحملها .. وهذه مهما صار فهي زوجتك .. وشريكتك في الحياة ..
فانظر كيف صارت طبيعة الشخص تؤثر في آرائه وقراراته ..
لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلمـ أن يقضي القاضي بين اثنين وهو عطشان !
أو جوعان ! أو حابس لبول أو غائط ! لأن هذه الأمور قد تغير نفسيته ..
وبالتالي قد تؤثر عليه في اتخاذ قراره في الحكم ..
كان في الأمم السابقة رجل سفاح !! سفاح ؟! نعم سفاح ..
لم يقتل رجلاً واحداً ولا اثنين .. ولا عشرة .. وإنما قتل تسعاً وتسعين نفساً ..
لا أدري كيف نجا من الناس وانتقامهم .. لعله كان مخيفاً جداً ..
إلى درجة أنه لا أحد يجرؤ على الاقتراب منه .. أو أنه كان يتخفى في البراري والمغارات ..
لا أدري بالضبط .. المهم أنه ارتكب 99 جريمة قتل !!
ثم حدثته نفسه بالتوبة .. فسأل عن أعلم أهل الأرض فدلوه على عابد في صومعته ..
لا يكاد يفارق مصلاه .. يمضي وقته ما بين بكاء ودعاء .. هين لين عاطفته جياشة ..
دخل هذا الرجل على العابد .. وقف بين يديه ثم فجعه بقوله .. أنا قتلت تسعاً وتسعين نفساً ..
فهل لي من توبة ؟
هذا العابد .. أظنه لو قتل نملة من غير قصد لقضى بقية يومه باكياً متأسفاً ..
فكيف سيكون جوابه لرجل قتل بيده 99 نفساً ..انتفض العابد ..
ولم يتخيل 99 جثة بين يديه يمثلها هذا الرجل الواقف أمامه ..
صاح العابد : لا .. ليس لك توبة .. ليس لك توبة .. ولا تعجب أن يصدر هذا الجواب ..
من عابد قليل العلم .. يحكم في الأمور بعاطفته .. هذا القاتل لما سمع الجواب ..
وهو الرجل الصلب الخشن .. غضب واحمرت عيناه ..
وتناول سكينه ثم انهال طعناً في جسد العابد حتى مزقه ..
ثم خرج ثائراً من الصومعة ..ومضت الأيام .. فحدثته نفسه بالتوبة مرة أخرى ..
فسأل عن أعلم أهل الأرض .. فدله الناس على رجل عالمـ ..
مضى يمشي حتى دخل على العالم .. فلما وقف بين يديه ..
فإذا به يرى رجلاً رزيناً يزينه وقار العلم والخشية ..
فأقبل القاتل إليه سائلاً بكل جرأة : إني قتلت مائة نفس !!
فهل لي من توبة فأجابه العالم فوراً : سبحاااان الله ..!! ومن يحول بينك وبين التوبة ؟!!
جواب رائع .. فعلاً من يحول بينه وبين التوبة ؟!
فالخالق في السماء لا تستطيع أي قوة في العالم ان تحول بينك وبين الإنابة إليه ..
والانكسار بين يديه .. ثم قال العالم الذي كان يتخذ قراراته بناء على العلم والشرع ..
لا بناء على طبيعته ومشاعره .. أو قل على عاطفته وأحاسيسه ..
قال العالم : لكنك بأرض سوء ..
عجباً ! كيف علم ؟ عرف ذلك بناء على كبر الجرائم وقلة الـمُدافع له الـمُنكِر عليه ..
فعلم أن البلد أصلاً ينتشر فيها القتل والظلم إلى درجة أنه لا أحد ينتصر للمظلوم ..
قال : إنك بأرض سوء .. فاذهب إلى بلد كذا وكذا ..
فإن بها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم .. ذهب الرجل يمشي تائباً منيباً ..
فمات قبل أن يصل إلى البلد المقصود نزلت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ..
فأما ملائكة الرحمة فقالت : أقبل تائباً منيباً وأما ملائكة العذاب ..
فقالت : لم يعمل خيراً قط .. فبعث الله إليهم ملكاً في صورة رجل ليحكم بينهم ..
فكان الحكم أن يقيسوا ما بين البلدين .. بلد الطاعة وبلد المعصية ..
فإلى أيتهما كان أقرب فإنه لها .. وأوحى الله تعالى إلى بلد الرحمة أن تقاربي ..
وإلى بلد المعصية أن تباعدي .. فكان أقرب إلى بلد الطاعة فأخذته ملائكة الرحمة ..
حتى المفتين في المسائل الشرعية تجد مع الأسف أن بعضهم تغلبه عاطفته أحياناً ..
أذكر أن أحد جيراني كان كثير الخلافات مع زوجته .. اشتد الخلاف يوماً فطلقها تطليقه ..
ثم راجعها .. ثم اشتد أخرى .. فطلقها ثانية .. ثم راجعها ..
وكنت كلما قابلته أحذره وأوصيه .. وأذكره بأبنائه الصغار ..
وأهمية اعتبارهم والعناية بهم .. وأكرر عليه ..
لم يبق لك إلا طلقة واحدة .. الثالثة .. فإن أوقعتها لم تحل لك مراجعتها..
إلا بعد زواجها من آخر وتطليقه لها .. فاتق الله .. ولا تخرب بيتك ..
حتى جاءني يوماً متغير الوجه وقال : يا شيخ تخاصمنا وطلقتها الثالثة !!
وهذا الكلام منه ليس غريباً .. إنما الغريب أنه قال بعدها ..
ما تعرف لي شيخاً حبيباً يفتيني الآن أراجعها !!
فعجبت منه .. ثم تأملت في الحال فاكتشفت ما تقرر قبل قليل ..
أن كثيراً من الناس تختلف آراؤهم وربما اختياراتهم الفقهية تأثراً بعاطفته وطبيعته ..
وبعض الناس تعلم من طبيعته أنه شديد الحب للمال .. فلا تعجب إذا رأيته يذل نفسه..
لأرباب الأموال .. يهمل أولاده وبيته لأجل جمعه .. يقتر على من يعول ..
لا تعجب فهو طماع .. بل إن اتخاذه لقراراته وتبنيه لقناعاته ينبني كثيراً على هذه الطبيعة ..
فإذا أردت أن تتعامل معه أو تطلب منه شيئاً فضع في نفسك قبل أن تتكلم أنه محب للمال ..
فحاول أن لا تعارض هذه الطبيعة فيه حتى تحصل على ما تريد منه ..
ولأن الأمثلة مفاتيح الفهوم .. خذ مثالاً .. نفرض أنك زرت مستشفى ..
وقابلت مصادفة صديقاً قديماً كان زميلاً لك أيام الجامعة ..
فدعوته إلى وليمة غداء في بيتك .. فوافق ..فذهبت إلى السوق واشتريت حاجات ..
ثم رجعت إلى البيت لتستعد وجعلت تتصل بعدد من زملائكم السابقين ..
تدعوهم لمشاركتكم الوليمة ورؤية صاحبك .. من بين هؤلاء صديق من البخلاء
الذين استولى حب المال على قلوبهم .. اتصلت به فرحب وحيَّا ..
فلما أخبرته عن الوليمة .. قال : آآه .. يا ليتني أستطيع الحضور ورؤية فلانـ ..
لكني مرتبط بشغل هااام .. فبلغه سلامي .. ولعلي أراه في وقت آخر ..
فأدركت أنت من معرفتك بطبيعته أنه يخشى أن يجيء ..
فيضطر إلى أن يدعو الضيف إلى بيته ويصنع له وليمة تكلفه مبلغاً وقدره .. !!
وهو يريد التوفير ..
فقلت له : عموماً هذا الضيف لن يبقى في البلد سيسافر بعد الغداء مباشرة ..
فقال : آآآ .. إذن سأؤجل شغلي وآتي لرؤيته !!
وبعض من تخالطهم من الناس يكون اجتماعياً أسرياً .. يحب أسرته ..
لا يصبر على فراقهم .. اطلب منه أي شيء إلا أن يبتعد عن أولاده بسفر أو نحوه ..
فلا تكلفه ما لا يطيق ..إلى غير ذلك من طبائع الناس ..
يعجبني بعض الناس الذي يملك فن اصطياد جميع القلوب ..
فإذا سافر مع بخلاء اقتصد حتى لا يحرجهم فأحبوه .. وإن جالس عاطفيين ..
زاد من نسبة عاطفته فأحبوه ..
وإن مشى مع فكاهيين مرحين ضحك ومزح وجاملهم فأحبوه ..
يلبس لكل حالة لبوسها .. إما نعيمها وإما بؤسها ..وعُد بذاكرتك قليلاً معي ..
وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وقد أقبل بالكتائب لفتح مكة ..
كان أبو سفيان قد خرج إلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ قبل أن يدخل مكة ..
فأسلم .. في قصة طويلة .. الشاهد منها أنه لما أسلمـ ..
قال العباس : يا رسول الله .. إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ ..نعم .. من دخل دار أبي سفيان فهو آمنـ ..
ومن أغلق عليه بابه فهو آمن .. ومن دخل المسجد فهو آمن ..
فلما ذهب أبو سفيان لينصرف إلى مكة .. نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فإذا هو الذي استنفر قريشاً لحربه في بدر .. واستنفرها لحربه في أحد ..
ثم استنفرها لحربه في الخندق .. وإذا رجل قائد .. قد طحنته الحرب وطحنها ..
وإذا هو حديث عهد بإسلام ..فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
أن يريه قوة الإسلام .. فقال صلى الله عليه وسلمـ ..
يا عباس ..قال : لبيك يا رسول الله .. قال : احبس أبا سفيان بمضيق الوادي ..
عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها .. أي أوقفه على طريق الجيش ..
وهو يدخل مكة .. فخرج العباس بأبي سفيان .. حتى وقف معه بمضيق الوادي ..
حيث تتدفق الكتائب كالسيل إلى مكة .. وجعلت الكتائب تمر عليه براياتها ..
فلما مرت الكتيبة الأولى قال : يا عباس من هؤلاء ؟
قال العباس : سليم .. قال : مالي ولسليم ..!! ثم مرت به الثانية ..
قال : يا عباس من هؤلاء ؟ قال : مزينة .. قال : مالي ولمزينة ..!!
حتى نفدت الكتائب .. وهو ما تمر كتيبة إلا سأل العباس عنها ..
فإذا أخبره .. قال : مالي ولبني فلان ..
حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلمـ في كتيبته الخضراء ..
وفيها المهاجرون والأنصار .. قد غطوا أجسادهم بالحديد ..
فلا يرى منهم إلا عيونهم ..
فقال : سبحان الله يا عباس ! من هؤلاء ؟
فقال العباس .. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ في المهاجرين والأنصار ..
قال : هذا الموت الأحمر .. والله ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ..
ثم قال : والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً !
قال العباس : يا أبا سفيان .. إنها النبوة .. فقال أبو سفيان .. فنعم إذن ..
فلما تجاوزتهم الخيل .. صاح به العباس .. النجاءَ إلى قومك ..
فمضى أبو سفيان سريعاً إلى مكة .. وجعل يصرخ بأعلى صوته ..
يا معشر قريش .. هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ..
فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..قالوا : قاتلك الله ! وما تغني عنا دارك ؟
قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن .. ومن دخل المسجد فهو آمن ..
فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد ..
فلله در نبيه صلى الله عليه وسلمـ كيف أثر في نفس أبي سفيان بما يصلح له ..
ومما يحسن ههنا .. أن تعرف طبيعة الشخص ونفسيته قبل أن تتكلم معه ..
فإن معرفة طبيعته .. وماذا يناسبه .. يفيدك عند التعامل أو الكلام معه ..
في غزوة الحديبية . .خرج رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب .. كانوا ألفاً وأربع مائة ..
ساقوا معهم الهدى وأحرموا بالعمرة ليعلم الناس أنهم إنما خرجوا زائرين ..
لهذا البيت معظمين له .. وساق صلى الله عليه وسلمـ معه سبعين من الإبل ..
هدياً إلى البيت الحرام .. وصلوا مكة .. فمنعتهم قريش من دخولها ..
عسكر النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بأصحابه في موضع اسمه الحديبية ..
جعلت قريش ترسل إليه الرجل تلو الرجل للتفاوض معه ..فبعثوا إليه أولاً مكرز بن حفص ..
كان مكرز رجلاً من قريش .. لكنه لا يلتزم بعهد ولا ميثاق .. بل هو فاجر غادر ..
فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ مقبلاً قال .. هذا رجل غادر ..
لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. كلمه بما يصلح لمثله ..
وأخبره أنه ما جاء يريد حرباً .. إنما جاء معتمراً ..
ولم يكتب معه عهداً لأنه يعلم أنه ليس أهلاً لذلك ..
رجع مكرز إلى قريش فأخبرهم ..فبعثوا حليس بن علقمة .. سيد الأحابيش ..
وكان الأحابيش قوم من العرب سكنوا مكة تعظيماً للحرم وعناية بالكعبة ..
فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ قال : إن هذا من قوم يتألهون ..
أي يتعبدون .. فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه ..
فلما رأى الهدي من إبل وغنم .. تسيل عليه من عرض الوادي ..
في قلائده وحباله مربوطاً مهيئاً ليذبح في الحرم ..
قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله .. قد أضناه الجوع والعطش ..
لما رأى سيد الأحابيش ذلك .. انتفض .. ولم يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
إعظاماً لما رأى .. وكيف يمنع المعتمرون عن البيت الحرام !!
رجع إلى قريش .. فقال لهم ذلك .. فقالوا له : اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك ..
فغضب الحليس .. وقال : يا معشر قريش .. والله ما على هذا حالفناكم ..
ولا على هذا عاهدناكم ..
أيصد عن بيت الله من جاءه معظماً له ؟
والذي نفس الحليس بيده .. لتخلن بين محمد وبين ما جاء له من العمرة ..
أو لأنفرن بالأحايش نفرة رجل واحد ..
قالوا : مَهْ .. كُفَّ عنا .. حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به .. ثم أرادوا ..
أن يبعثوا رجلاً شريفاً .. فاختاروا عروة بن مسعود الثقفي ..
فقال : يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم ..
من التعنيف وسوء اللفظ .. وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد ..
قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم .. فخرج عروة .. وكان ملكاً في قومه ..
له شرف ومكانة .. وله ترفع على الناس ..
فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ جلس بين يديه ..
ثم قال يا محمد !! أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم ؟
إنها قريش .. قد خرجت معها العوذ المطافيل .. قد لبسوا جلود النمور ..
يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً .. وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً ..
وكان أبو بكر خلف النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
واقفاً .. فقال أبو بكر : امصص بظر اللات ! أنحن ننكشف عنه ؟
تفاجأ ملك قومه بهذا الجواب .. فلم يتعود على مثله ..
لكنه في الحقيقة كان يحتاج إلى جرعة كهذه تخفض ما في رأسه من كبرياء ..
فقال عروة متأثراً : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أبي قحافة ..
قال : أما والله لولا يد كانت لك عندي لكفأتك بها .. ولكن هذه بهذه ..
وجعل عروة يلين العبارات بعدها .. ويكلم النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
ويلمس لحية النبي .. والمغيرة بن شعبة الثقفي ..
واقف وراء رأس رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. قد غطى وجهه الحديد ..
فكان كلما قرب عروة يده من لحية رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قرعها شعبة بطرف السيف .. ثم يمدها ثانية .. فيقرعها شعبة بطرف السيف ..
فلما مدها الثالثة .. قال شعبة : اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قبل ألا تصل إليك يدك .. أي أقطعها !!
فقال عروة : ويحك ما أفظك وأغلظك ! ومن هذا يا محمد ؟
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وقال ..
هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة الثقفي ..
فقال عروة : أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس !
ثم قام عروة من عند النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
وعاد إلى قريش .. فاسمع ما قال ..
قال : يا معشر قريش .. والله لقد رأيت كسرى وقيصر والنجاشيـ ..
والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً ..
فوقع في قلب قريش من الرهبة ما لم يقع من قبل .. فأرسلت قريش سهيل بن عمرو ..
فمضى يمشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. قال : سهل أمركمـ ..
ثم كتبوا بينهم صلح الحديبية .. هذا جانب من معرفته صلى الله عليه وسلمـ ..
لأنواع الناس .. واستعمال المفتاح المناسب في التعامل مع كل أحد ..
وهذه الأنواع من طباع الناس تلاحظها حتى في إلقاء الكلمات أو السواليف معهم ..
ويمكنك أن تشاهد دليل ذلك بنفسك ..
حاول أن تلقي قصة مبكية أمام جمع من الناس .. وانظر إلى أنواع تأثرهم ..
أذكر أني ألقيت يوماً خطبة ضمنتها قصة مقتل عمر رضيـ الله عنه ..
ولما وصلت إلى كيفية طعن أبي لؤلؤة المجوسي لعمر رضيـ الله عنه ..
قلت بصوت عالٍ : وفجأة خرج أبو لؤلؤة من المحراب على عمر ..
ثم طعنه ثلاث طعنات .. وقعت الأولى في صدره والثانية في بطنه ..
ثم استجمع قوته وطعن بالخنجر تحت سرته ..
ثم جررررر الخنجر حتى خرجت بعض أمعائه ..
لاحظتُ وأنا أنظر في الوجوه أن الناس تنوعوا في كيفية تأثرهم ..
فمنهم من أغمض عينيه فجأة وكأنه يرى الجريمة أمامه ..
ومنهم من بكى ..
ومنهم من كان يستمع دون أدنى تأثر وكأنه ينصت إلى حكاية ما قبل النوم !!
قل مثل ذلك لو عرضت قصة حمزة رضيـ الله عنه لما وقع شهيداً في معركة أحد ..
وكيف شقوا بطنه فأخرجوا كبده .. وقطعوا أذنيه .. وجدعوا أنفه ..
وهو سيد الشهداء وأسد الله ورسوله .. وعموماً ..
علمتني الحياة أن الناس لا يخلون من أن يوجد من بينهم غليظ ..!!
لا يحسن ضبط عباراته .. ولا مجاملة السامعين ..
أذكر أن رجلاً من هذا الصنف جلس مرة في مجلس عام ..
فذكر قصة وقعت له مع أحد البائعين ..
فقال في معرض حديثه : وهذا البائع ضخم جداً كأنه **** ..
ثم قال : يشبه خالد !! وأشار إلى رجل بجانبه !!
فلا أدري كيف صار يشبه خالداً .. وهو كأنه **** !!
وقبل الختام .. هنا سؤال كبير ..
هل يمكنك تغيير طباعك لتتناسب مع طباع من تخالطه ..؟
نعم .. كان عمر رضيـ الله عنه مشهوراً بين الناس بقوته وصرامته ..
وفي يوم من الأيام .. اختلف رجل مع زوجته .. وجاء يسأل عمر كيف يتعامل معها ..
فلما وقف عند بيت عمر وكاد أن يطرق الباب سمع زوجة عمر تصرخ به ..
وعمر ساكت .. لم يصرخ .. لم يضرب ..
فولى الرجل ظهره للباب وكرّ راجعاً متعجباً ..
أحس عمر بصوت عند الباب فخرج ونادى الرجل .. ما خبرك ؟
قال : يا أمير المؤمنين .. جئت أشتكي إليك امرأتي فسمعت امرأتك تصرخ بك !!
فقال عمر : يا رجل إنها امرأتي .. حليلة فراشي .. وصانعة طعامي ..
وغاسلة ثيابي .. أفلا أصبر منها على بعض السوء ..
وعموماً : بعض الناس لا علاج له فلا بد من التكيف معه ..
يشتكي إليَّ بعض الناس من شدة غضب أبيه .. أو بخل زوجته .. أو ..
فأَعْرضُ عليه بعض طرق العلاج فيفيدني أنه جربها كلها ولم تنفع ..
فما الحل ..؟! الحل أن يصبر على أخلاقهم .. ويغمرَ سيء أخلاقهم في بحر حَسَنِها ..
ويتكيف مع واقعه قدر المستطاع .. فبعض المشاكل ليس لها حل ..
:: نتيجة ::
معرفتك بطبيعة الشخص الذي تخالطه تجعلك قادراً على كسب محبته ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الرابع و الستـــــــــــون : مراعاة النفسيات ..
يقول الشيخـ :::: تتقلب أمزجة الناس في حياتهم بين حزن وفرح ..
وصحة ومرض .. وغنى وفقر .. واستقرار واضطراب ..
وبالتالي يتنوع تقبلهم لبعض الأنواع من التعاملات ..
أو ردهم لها بحسب حالتهم الشعورية وقت التعامل ..
فقد يقبل منك النكتة والطرفة ويتقبل المزاح في وقت استقراره وراحة باله ..
لكنه لا يتقبل ذلك في وقت حزنه ..
فمن غير المناسب أن تطلق ضحكة مدوية في عزاء ..!!
لكنها تحتمل منك في نزهة برية ..
وهذا أمر مقرر عند جميع العقلاء وليس هو المقصود بحديثي هنا ..
إنما المقصود هو مراعاة النفسيات والمشاعر الشخصية عند الحديث مع الناس ..
أو التصرف معهم .. افرض أن امرأة طلقها زوجها وليس لها أب ولا أم ..
قد ماتا .. وجعلت تجمع أغراضها لتعيش مع أخيها وزوجته ..
فبينما هي كذلك إذ دخلت عليها جارتها في الضحى زائرة .. فرحبت المطلقة بها ..
ووضعت لها القهوة والشاي .. فجعلت الزائرة تبحث عن أحاديث لتؤانسها ..
فسألتها المطلقة .. بالأمس رأيتكم خارجين من المنزل ..
فقالت الجارة : إي والله .. أبو فلان أصر علي أن نتعشى خارج البيت فذهبت معه ..
ثم مر السوق واشترى لي فستاناً لعرس أختي ..
ثم وقف عند محل ذهب ونزل واشترى لي سواراً ألبسه في العرس ..
ولما رجعنا إلى البيت رأى الأولاد في ملل فوعدهم آخر الأسبوع أن يسافر بهم ..
والمطلقة المسكينة تستمع إلى ذلك وتتخيل حالها بعد قليل في بيت زوجة أخيها !!
السؤال : هل يناسب إثارة هذا النوع من الأحاديث مع امرأة فشلت في مشروع الزواج ؟!!
هل تظن أن هذا المطلقة ستزداد محبة لهذه الجارة ؟.. ورغبة في مجالستها دائماً ؟..
وفرحاً بزيارتها لها ؟.. نتفق جميعاً على جواب واحد نصرخ به قائلين : لاااااا ..
بل سيمتلئ قلبها حقداً وقهراً .. إذن ما الحل ؟ هل تكذب عليها ؟
لا .. ولكن تتكلم باختصار .. كأن تقول : والله كان عندنا بعض الأشغال قضيناها ..
ثم تصرف الكلام إلى موضوع آخر تصبرها به على كربتها ..
أو افرضـ .. أن صديقين اختبرا نهاية المرحلة الثانوية .. فنجح أحدهما وتخرج بتفوق ..
والثاني رسب في عدد من المواد ..
أو تخرج بنسبة ضعيفة لا تؤهله للقبول في شيء من الجامعاتـ ..
فهل تَرَى من المناسب عندما يزور المتفوقُ صاحبه أن يسهب في الحديثـ ..
حول الجامعات التي تم قبوله فيها .. والميزات التي ستمنح له ..؟
قطعاً جوابنا جميعاً : لا .. إذن ما الحل ؟
الحل أن يذكر له عموميات يخفف بها عنه ..
كأن يشتكي من كثرة الزحام في الجامعات .. وقلة القبول ..
وخوف كثير من المتقدمين إليها من عدم القبول .. حتى يخفف عن صاحبه مصابه ..
فيرغب عند ذلك في مجالسته أكثر .. ويحبه ويأنس بقربه .. ويشعر أنه قريب من قلبه ..
وقل مثل ذلك لو التقى شابان أحدهما أبوه كريم يغدق عليه الأموال ..
والآخر أبوه بخيل لا يكاد يعطيه ما يكفيه ..
فمن غير المناسب أن يتحدث ابن الكريم بإغداق أبيه عليه .. وكثرة المال لديه .. و ..
لأن هذا النوع من الكلام يضيق به صدر صديقه .. ويذكره بمأساته مع أبيه ..
ويستثقل الجلوس مع هذا الصديق ويشعر ببعده عنه في همه ..
لذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلمـ إلى مراعاة مشاعر الآخرين ونفسياتهم ..
فقال : لا تطيلوا النظر إلى المجذوم .. والمجذوم هو المصاب بمرض ظاهر في جلده ..
قد جعله مشوهاً في منظره .. فمن غير المناسب أنه إذا مر بقوم أن يطيلوا النظر إلى جلده ..
لأن هذا يذكره بمصيبته فيحزن .. وفي موقف غاية في المراعاة واللطف ..
يتعامل صلى الله عليه وسلمـ مع والد أبي بكر رضيـ الله عنه ..
فإنه صلى الله عليه وسلمـ لما أقبل بجيوش المسلمين إلى مكة لفتحها ..
قال أبو قحافة أبو أبي بكر رضيـ الله عنه .. وكان شيخاً كبيراً .. أعمى ..
قال لابنة له من أصغر ولده ..
أي بنية .. اظهري بي على جبل أبي قبيس لأنظر صدق ما يقولون ..
هل جاء محمد ؟.. فأشرفت به ابنته فوق الجبل .. فقال : أي بنية ماذا ترين ؟
قالت : أرى سواداً مجتمعاً مقبلاً ..
قال : تلك الخيل ..
قالت : وأرى رجلاً يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلاً ومدبراً ..
قال : أي بنية ذلك الوازع الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها ..
ثم قالت : قد والله يا أبتِ انتشر السواد ..
فقال : قد والله إذاً دفعت الخيل ووصلت مكة .. فأسرعي بي إلى بيتي ..
فإنهم يقولون من دخل داره فهو آمن ..
فانحطت الفتاة به مسرعة من الجبل ..
فتلقته خيل المسلمين .. قبل أن يصل إلى بيته ..
فأقبل أبو بكر إليه .. فاحتفى به مرحباً ..
ثم أخذ بيده يقوده .. حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلمـ في المسجد ..
فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فإذا شيخ كبير .. قد ضعف جسمه ..
ورق عظمه .. واقتربت منيته ..
وإذا أبو بكر رضيـ الله عنه .. ينظر إلى أبيه .. وقد فارقه منذ سنينـ ..
وانشغل عنه بخدمة هذا الدين ..
التفت إلى أبي بكر رضيـ الله عنه فقال مطيباً لنفسه .. ومبيناً قدره الرفيع عنده ..
هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟!
كان أبو بكر يعلم أنهم في حرب .. قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وأن وقته أضيق .. وأشعاله أكثر من أن يتفرغ للذهاب لبيت شيخ يدعوه للإسلامـ ..
فقال أبو بكر شاكرا ً.. يا رسول الله .. هو أحق أن يمشي إليك .. من أن تمشي أنت إليه ..
فأجلس النبي عليه الصلاة والسلام .. أبا قحافة بين يديه .. بكل لطف وحنان ..
ثم مسح على صدره .. ثم قال : أسلم ..
فأشرق وجه أبي قحافة .. وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ..
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. انتفض أبو بكر منتشياً مسروراً .. لم تسعه الدنيا فرحاً ..
تأمل النبي صلى الله عليه وسلمـ في وجه الشيخ .. فإذا الشيب يكسوه بياضاً ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ :غيروا هذا من شعره .. ولا تقربوه سواداً ..
نعم كان يراعي النفسيات في تعامله ..
بل إنه صلى الله عليه وسلمـ لما دخل مكة قسم جيشه إلى كتائب ..
وأعطى راية إحدى الكتائب .. إلى الصحابي البطل سعد بن عبادة رضيـ الله عنه ..
كانت الراية مفخرة لمن يحملها .. ليس له فقط بل له ولقومه ..
جعل سعد ينظر إلى مكة وسكانها ..
فإذا هم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وضيقوا عليه .. وصدوا عنه الناس .. وإذا هم الذين قتلوا سمية وياسر ..
وعذبوا بلالاًُ وخباباً .. كانوا يستحقون التأديب فعلاً .. هز سعد الرايية ..
وهو يقول : اليوم يوم الملحمة ** اليوم تستحل الحرمة ..
سمعته قريش فشق ذلك عليهم .. وكبر في أنفسهم .. وخافوا أن يفنيهم بقتالهم ..
فعارضت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وهو يسير ..
فشكت إليه خوفهم من سعد .. وقالت :
يا نبي الهدى إليك لجائيُّ ***** قريش ولات حين لجـــــاء
حين ضاقت عليهم سعة الأرض **** وعاداهم إله السماء
إن سعداً يريد قاسمة الظهـر **** بأهل الحجون و البطحاء
خزرجي لو يستطيع من الغيـظ **** رمانا بالنسر والعواء
فانهينه إنه الأسد الأسـود **** والليث والغٌ في الدماء
فلئن أقحم اللواء ونادى **** يا حماة اللواء أهل اللواء
لتكونن بالبطاح قريش **** بقعةَ القاع في أكف الإماء
إنه مصلت يريد لها القت صموت كالحية الصماء ..
فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. هذا الشعر ..
دخله رحمة ورأفة بهم .. وأحب ألا يخيبها إذ رغبت إليه ..
وأحب ألا يغضب سعداً بأخذ الراية منه بعد أن شرفه بها ..
فأمر سعداً فناول الراية لابنه قيس بن سعد .. فدخل بها مكة..
وأبوه سعد يمشي بجانبه ..
فرضيت المرأة وقريش لما رأت يد سعد خالية من الراية ..
ولم يغضب سعد لأنه بقي قائداً لكنه أريح من عناء حمل الراية وحملها عنه ابنه ..
فما أجمل أن نصيد عدة عصافير بحجر واحد .. حاول أن لا تفقد أحداً ..
كن ناجحاً واكسب الجميع .. وإن تعارضت مطالبهم ..
:: اتفاق ::
نحن نتعامل مع القلوب .. لا مع الأبدان ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الخامس و الستـــــــــــون : اهتم بالآخرينــ ..
يقول الشيخـ :::: الناس عموماً يحبون أن يشعروا بقيمتهم ..
لذا تجدهم أحياناً يقومون ببعض التصرفات ليلفتوا النظر إليهم ..!
وقد يخترعون قصصاً وبطولات لأجل أن يهتم الناس بهم ..
أو يعجبوا بهم أكثر لو رجع رجل إلى بيته قادماً من عمله متعباً ..
فلما دخل صالة البيت رأى أولاده الأربعة كل منهم على حال ..
أكبرهم عمره أحدى عشرة سنة .. يتابع برنامجاً في التلفاز ..
والثاني يأكل طعاماً بين يديه ..
والثالث يعبث بألعابه .. والرابع يكتب في دفاتره ..
فسلم الأب بصوت مسموع .. السلام عليكمـ ..فلم يلتفت إليه أحد ..
ذاك منهمك مع برنامجه .. والثاني مأخوذ بألعابه .. والثالث مشغول بطعامه ..
إلا الرابع .. فإنه لما التفت فرأى أباه .. نفض يده من دفاتره وأقبل مرحباً ضاحكاً ..
وقبل يد أبيه .. ثم رجع إلى دفاتره .. أي هؤلاء الأربعة سيكون أحب إلى الأب ؟
أجزم أن جوابنا سيكون واحداً .. أحبهم إليه الرابع .. ليس لأنه يفوقهم جمالاً أو ذكاءً ..
وإنما لأنه أشعر أباه بأنه إنسان مهم عنده .. كلما أظهرت الاهتمام بالناس أكثر ..
كلما ازدادوا لك حياً وتقديراً ..
كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلمـ يراعي ذلك في الناسـ ..
يشعر كل إنسان أن قضيته قضيته .. وهمه همه ..
قام صلى الله عليه وسلمـ على منبره يوماً يخطب الناس ..
فدخل رجل من باب المسجد .. ونظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ثم قال : يا رسول الله .. رجل يسأل عن دينه .. ما يدري ما دينه ؟!
فالتفتـ صلى الله عليه وسلمـ إليه .. فإذا رجل أعرابيـ ..
قد لا يكون مستعداً أن ينتظر حتى تنتهي الخطبة ..
ويتفرغ له النبي صلى الله عليه وسلمـ ليحدثه عن دينه ..
وقد يخرج الرجل من المسجد ولا يعود إليه .. وقد بلغ الأمر عند الرجل أهمية عالية ..
لدرجة أنه يقطع الخطبة ليسأل عن أحكام الدين !!
كان صلى الله عليه وسلمـ يفكر من وجهة نظر الآخر لا من وجهة نظره هو فقط ..
نزل من على منبره الشريف .. ودعا بكرسي فجلس أمام الرجل ..
وجعل يلقنه ويفهمه أحكام الدين .. حتى فهم ..ثم قام من عنده ..
ورجع إلى منبره وأكمل خطبته ..
آآآه ما أعظمه وأحلمه .. تربى أصحابة في مدرسته ..
فكانوا يظهرون الاهتمام بالآخرين .. والاحتفاء بهم ..
ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم ..
ومن ذلك ما فعله طلحة مع كعب رضيـ الله عنه ..
كعب بن مالك رضيـ الله عنه شيخ كبير .. نجلس إليه .. بعدما كبر سنه ..
ورق عظمه .. وكف بصره .. وهو يحكي ذكريات شبابه .. في تخلفه عن غزوة تبوك ..
وكانت آخر غزوة غزاها النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
آذن النبيـ صلى الله عليه وسلمـ الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوهم
وجمع منهم النفقات لتجهيز الجيش .. حتى بلغ عدد الجيش ثلاثين ألفاً ..
وذلك حين طابت الظلال الثمار .. في حر شديد .. وسفر بعيد ..
وعدو قوي عنيد ..
كان عدد المسلمين كثيراً .. ولم تكن أسماؤهم مجموعة في كتاب ..
قال كعب : وأنا أيسر ما كنت .. قد جمعت راحلتين ..
وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد
وأنا في ذلك أصغي إلى الظلال .. وطيب الثمار ..
فلم أزل كذلك .. حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
غادياً بالغداة .. فقلت : أنطلق غدا إلى السوق فأشتري جهازي .. ثم ألحق بهم ..
فانطلقت إلى السوق من الغد .. فعسر علي بعض شأني .. فرجعت ..
فقلت : أرجع غدا إن شاء الله فألحق بهم .. فعسر عليَّ بعض شأني أيضاً ..
فقلت : أرجع غدا إن شاء الله .. فلم أزل كذلك ..حتى مضت الأيام ..
وتخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فجعلت أمشي في الأسواق ..
وأطوف بالمدينة .. فلا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق .. أو رجلاً قد عذره الله ..
نعم تخلف كعب في المدينة .. أما رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقد مضى بأصحابه الثلاثين ألفاً .. حتى إذا وصل تبوك .. نظر في وجوه أصحابه ..
فإذا هو يفقد رجلاً صالحاً ممن شهدوا بيعة العقبة ..
فيقول صلى الله عليه وسلمـ : ما فعل كعب بن مالك ؟!
فقال رجل : يا رسول الله .. خلّفه برداه والنظر في عطفيه ..
فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت .. والله يا نبي الله ما علمنا عليه إلا خيراً ..
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قال كعب : فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلمـ غزوة تبوك ..
وأقبل راجعاً إلى المدينة .. جعلت أتذكر .. بماذا أخرج به من سخطه ..
وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ..
حتى إذا وصل المدينة .. عرفتُ أني لا أنجو إلا بالصدق ..
فدخل النبي صلى الله عليه وسلمـ المدينة .. فبدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ..
ثم جلس للناس .. فجاءه المخلفون .. فطفقوا يعتذرون إليه ..
ويحلفون له .. وكانوا بضعة وثمانين رجلاً ..
فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ علانيتهم .. واستغفر لهم ..
ووكل سرائرهم إلى الله .. وجاءه كعب بن مالك .. فلما سلم عليه ..
نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلمـ .. ثم تبسَّم تبسُّم المغضب ..
أقبل كعب يمشي إليه صلى الله عليه وسلمـ .. فلما جلس بين يديه ..
فقال له صلى الله عليه وسلمـ .. ما خلفك ..
ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ يعني اشتريت دابتك ..
قال : بلى .. قال : فما خلفك ؟!
لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر .. ولقد أعطيت جدلاً ..
ولكني والله لقد علمت .. أني إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي ..
ليوشكن الله أن يسخطك علي .. ولئن حدثتك حديث صدق .. تجد عليَّ فيه ..
إني لأرجو فيه عفوَ الله عني ..
يا رسول الله .. والله ما كان لي من عذر .. والله ما كنت قط أقوى ..
ولا أيسر مني حين تخلفت عنك .. ثم سكت كعب ..
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلمـ إلى أصحابه ..
وقال : أما هذا .. فقد صدقكم الحديث .. فقم .. حتى يقضي الله فيك ..
قام كعب يجر خطاه .. وخرج من المسجد .. مهموماً مكروباً ..
لا يدري ما يقضي الله فيه .. فلما رأى قومه ذلك .. تبعه رجال منهم ..
وأخذوا يلومونه .. ويقولون ..
والله ما نعلمك أذنبت ذنباً قط قبل هذا .. إنك رجل شاعر أعجزت ألا تكونـ ..
اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بما اعتذر إليه المخلفون ! ..
هلا اعتذرت بعذر يرضى عنك فيه .. ثم يستغفر لك ..
فيغفر الله لك .. قال كعب .. فلم يزالوا يؤنبونني ..
حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي ..
فقلت : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم .. رجلان قالا مثل ما قلت ..
فقيل لهما مثل ما قيل لك .. قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع ..
وهلال بن أمية .. فإذا هما رجلان صالحان قد شهدا بدراً .. لي فيهما أسوة ..
فقلت : والله لا أرجع إليه في هذا أبداً .. ولا أكذب نفسي ..
ثم مضى كعب رضيـ الله عنه .. يسير حزيناً .. كسير النفس ..
وقعد في بيته .. فلم يمضِ وقت .. حتى نهى النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
الناس عن كلام كعب وصاحبيه ..
قال كعب .. فاجتنبنا الناس .. وتغيروا لنا .. فجعلت أخرج إلى السوق ..
فلا يكلمني أحد .. وتنكر لنا الناس .. حتى ما هم بالذين نعرف ..
وتنكرت لنا الحيطان .. حتى ما هي بالحيطان التي نعرف .. وتنكرت لنا الأرض ..
حتى ما هي بالأرض التي نعرف ..
فأما صاحباي فجلسا في بيوتهما يبكيان .. جعلا يبكيان الليل والنهار ..
ولا يطلعان رؤوسهما .. ويتعبدان كأنهما الرهبان ..
وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلدَهم .. فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ..
وأطوف في الأسواق .. ولا يكلمني أحد ..
وآتي المسجد فأدخل ..وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فأسلم عليه ..فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟
ثم أصلي قريباً منه .. فأسارقه النظر .. فإذا أقبلت على صلاتي .. أقبل إلي ..
وإذا التفتُّ نحوه .. أعرض عني .. ومضت على كعب الأيام .. والآلام تلد الآلام ..
وهو الرجل الشريف في قومه ..بل هو من أبلغ الشعراء .. عرفه الملوك والأمراء ..
وسارت أشعاره عند العظماء .. حتى تمنوا لقياه .. ثم هو اليوم ..
في المدينة .. بين قومه .. لا أحد يكلمه .. ولا ينظر إليه ..
حتى .. إذا اشتدت عليه الغربة .. وضاقت عليه الكربة ..
نزل به امتحان آخر :فبينما هو يطوف في السوق يوماً ..
.إذا رجل نصراني جاء من الشام ..
فإذا هو يقول : من يدلني على كعب بن مالك .. ؟
فطفق الناس يشيرون له إلى كعب .. فأتاه .. فناوله صحيفة من ملك غسان ..
عجباً !! من ملك غسان ..!!إذن قد وصل خبره إلى بلاد الشام ..
واهتم به ملك الغساسنة .. عجباً !! فماذا يريد الملك ؟!! فتح كعب الرسالة فإذا فيها ..
" أما بعد .. يا كعب بن مالك .. إنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك ..
ولست بدار مضيعة ولا هوان .. فالحق بنا نواسك "..
فلما أتم قراءة الرسالة .. قال رضيـ الله عنه .. إنا لله .. قد طمع فيَّ أهل الكفر ..!!
هذا أيضاً من البلاء والشر .. ثم مضى بالرسالة فوراً إلى التنور ..
فأشعله ثم أحرقها فيه ..ولم يلتفت كعب إلى ***** الملك ..
نعم فُتح له باب إلى بلاط الملوك .. وقصور العظماء ..
يدعونه إلى الكرامة والصحبة ..والمدينة من حوله تتجهمه ..
والوجوه تعبس في وجهه .. يسلم فلا يرد عليه السلام ..ويسأل فلا يسمع الجوابـ ..
ومع ذلك لم يلتفت إلى الكفار .. ولم يفلح الشيطان في زعزعته ..
أو تعبيده لشهوته ..ألقى الرسالة في النار .. وأحرقها ..
ومضت الأيام تتلوها الأيام .. وانقضى شهر كامل .. وكعب على هذا الحال ..
والحصار يشتد خناقه .. والضيق يزداد ثقله ..
فلا الرسول صلى الله عليه وسلمـ يُمضي .. ولا الوحي بالحكم يقضي ..
فلما اكتملت أربعون يوماً .. فإذا رسول من النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
يأتي إلى كعب .. فيطرق عليه الباب .. فيخرج كعب إليه .. لعله جاء بالفرج ..
فإذا الرسول يقول له ..
إن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يأمرك أن تعتزل امرأتك ..
قال : أُُطَلِّقها .. أم ماذا ؟
قال : لا .. ولكن اعتزلها ولا تقربها .. فدخل كعب على امرأته
وقال : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ..
وأرسل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ إلى صاحبي كعب بمثل ذلك ..
فجاءت امرأة هلال بن أمية .. فقالت : يا رسول الله .. إن هلال بن أمية شيخ كبير ضعيف ..
فهل تأذن لي أن أخدمه ..؟ قال : نعم .. ولكن لا يقربنك ..
فقالت المرأة : يا نبي الله .. والله ما به من حركة لشيء ..
ما زال مكتئباً .. يبكي الليل والنهار .. منذ كان من أمره ما كان ..
ومرت الأيام ثقيلة على كعب .. واشتدت الجفوة عليه .. حتى صار يراجع إيمانه ..
يكلم المسلمين ولا يكلمونه .. ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فلا يرد عليه ..
فإلى أين يذهب ..!! ومن يستشير !؟
قال كعب رضيـ الله عنه : فلما طال عليَّ البلاء ..
ذهبت إلى أبي قتادة .. وهو ابن عمي .. وأحب الناس إليَّ ..
فإذا هو في حائط بستانه .. فتسورت الجدار عليه ..
ودخلت .. فسلمت عليه .. فوالله ما رد علي السلام ..
فقلت : أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فسكت .. فقلت : يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فسكت ..فقلت : أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فقال : الله ورسوله أعلم .. سمع كعب هذا الجواب ..
من ابن عمه وأحب الناس إليه .. لا يدري أهو مؤمن أم لا ؟
فلم يستطع أن يتجلد لما سمعه .. وفاضت عيناه بالدموع ..
ثم اقتحم الحائط خارجاً .. وذهب إلى منزله .. وجلس فيه ..
يقلب طرفه بين جدرانه .. لا زوجة تجالسه .. ولا قريب يؤانسه ..
وقد مضت عليهم خمسون ليلة ..
من حين نهى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ الناس عن كلامهم ..
وفي الليلة الخمسين .. نزلت توبتهم على النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
في ثلث الليل ..
وكان صلى الله عليه وسلمـ في بيت أم سلمة .. فتلا الآيات ..
فقالت أم سلمة رضيـ الله عنها ..
يا نبي الله .. ألا نبشر كعب بن مالك .. قال : إذاً يحطمكم الناس ..
ويمنعونكم النوم سائر الليلة . .فلما صلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
الفجر .. آذن الناس بتوبة الله عليهم.. فانطلق الناس يبشرونهم ..
قال كعب .. وكنت قد صليت الفجر على سطح بيت من بيوتنا ..
فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى .. قد ضاقت علي نفسي ..
وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت .. وما من شيء أهم إليّ .. من أن أموت ..
فلا يصلي عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلمـ ..
أو يموت .. فأكون من الناس بتلك المنزلة .. فلا يكلمني أحد منهم .. ولا يصلي عليَّ ..
فبينما أنا على ذلك .. إذ سمعت صوت صارخ .. على جبل سلع بأعلى صوته يقول ..
ياااااا كعب بن مالك ! .. أبشر .. فخررت ساجداً .. وعرفت أن قد جاء فرج من الله ..
وأقبل إليَّ رجل على فرس .. والآخر صاح من فوق جبل ..
وكان الصوت أسرع من الفرس ..
فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني .. نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه ..
والله ما أملك غيرهما .. واستعرت ثوبين .. فلسبتهما ..
وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فتلقاني الناس فوجاً ..
فوجاً .. يهنئوني بالتوبة .. يقولون : ليهنك توبة الله عليك ..
حتى دخلت المسجد .. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ جالس بين أصحابه ..
فلما رأوني والله ما قام منهم إليَّ إلا طلحة بن عبيد الله .. قام فاعتنقني وهنأني ..
ثم رجع إلى مجلسه .. فوالله ما أنساها لطلحة ..
فمشيت حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فسلمت عليه ..
وهو يبرق وجهه من السرور .. وكان إذا سُرَّ استنار وجهه .. حتى كأنه قطعة قمر ..
فلما رآني قال : أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك ..
قلت : أمن عندك يا رسول الله .. أم من عند الله ؟
قال :لا .. بل من عند الله .. ثم تلا الآيات .. فجلست بين يديه ..
فقلت : يا رسول الله ! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ..
وإلى رسوله .. فقال : أمسك عليك بعض مالك .. فهو خير لك ..
فقلت : يا رسول الله ! إن الله إنما نجاني بالصدق ..
وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت .. نعم .. تاب الله على كعب وصاحبيه ..
وأنزل في ذلك قرءاناً يتلى .. فقال عز وجل :
] لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ
مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَاب َ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ ..
والشاهد من هذه القصة .. أن طلحة رضيـ الله عنه ..
لما رأى كعباً قام إليه واعتنقه وهنأه .. فزادت محبة كعب له ..
حتى كان يقول بعد موت طلحة .. وهو يحكي القصة بعدها بسنين ..
فوالله لا أنساها لطلحة .. وماذا فعل طلحة حتى يأسر قلب كعب ؟ فعل مهارة رائدة ..
اهتمَّ به .. شاركه فرحته .. فصار له عنده حظوة ..
الاهتمام بالناس ومشاركتهم في مشاعرهم يأسر قلوبهمـ ..
لو كنت في زحمة الامتحانات .. ووصلت إلى هاتفك المحمول رسالة مكتوب فيها ..
بشرني عن امتحاناتك والله إن بالي مشغول عليك وأدعو لك ، صديقك : إبراهيم ..
أليس ستزداد محبتك لهذا الصديق ؟ بلى .. ولو كان أبوك مريضاً في المستشفى ..
فبقيت معه في غرفته وأنت مشغول البال عليه ..
واتصل بك صديق وسألك عنه .. وقال : تحتاج مساعدة ؟
نحن في خدمتك .. فشكرته .. ثم في المساء اتصل
وقال : إذا الأهل يحتاجون أي شيء أشتريه لهم .. فأخبرني .. فشكرته ودعوت له ..
ألا تشعر أن قلبك ينجذب إليه أكثر ..؟
بينما لو اتصل بك آخر وقال : فلان .. نحن خارجون إلى نزهة في البحر ..
هاه تذهب معنا ؟ فقلت : والله والدي مريض ولا أستطيع ..
فبدل أن يدعو له ويعتذر أن لم يسأل عن حاله ..
قال لك : أدري أنه مريض لكن هو في المستشفى وعنده ممرضون ..
ولن يستفيد من بقائك تعال معنا استمتع واسبح و .. قالها وهو يمازحك ضاحكاً ..
وكأن مرض والدك لا يعنيه .. كيف ستكون نظرتك إليه ؟
بلا شك أن قدره في قلبك ينخفض لأنه لم يهتم بهمومك ..
من أحرج ما وقع لي من مواقف ..
أني كنت مسافراً إلى جدة لعدة أيام .. كنت مشغولاً جداً ..
وصلتني رسالة خلالها على هاتفي من أخي سعود كتب فيها ..
أحسن الله عزاءك في ابن عمنا فلان توفي في ألمانيا ..
اتصلت بأخي فأخبرني أن ابن عمنا هذا .. وهو شيخ كبير ..
ذهب قبل يومين لعلاج القلب في ألمانيا وتوفي أثناء إجراء العملية ..
وأن جثمانه سيصل قريباً إلى مطار الرياض .. دعوت له وترحمت عليه ..
وأنهيت المكالمة .. بعدها بيومين انتهت أعمالي في جدة وذهبت إلى المطار
أنتظر وقت إقلاع رحلتي للرياض ..
في هذه الأثناء كان يمر بي عدد من الشباب فإذا رأوني عرفوني ..
وأقبلوا مسلمين وكانوا أحياناً من الشباب المراهقين لهم قصات شعر غريبة ..
ومع ذلك كنت أمازحهم وأطلق التعليقات عليهم تحبباً وتلطفاً ..
انشغلت بمكالمة هاتفية .. فلما أنهيتها فإذا شاب يلبس بنطالاً وقميصاً ..
يراني فيقبل مسَلّماً مصافحاً ..
رحبت به وقلت مازحاً : ما هذه الأناقة .. أنت اليوم كأنك عريس .. ونحو هذه العبارات ..
سكت الشاب قليلاً ثم قال ..
ما عرفتني .. أنا فلان .. الآن وصلت من ألمانيا معي جثمان أبي ..
وأنا متوجه إلى الرياض الآن على أقرب رحلة ..في الحقيقة ..
كأنما صب علي برميل ماء بارد .. صرت محرجاً جداً .. أبوه مات ..
وجثمانه معه في الطائرة وأنا أمازحه وأضحك .. إن هذا لشيء عجاب !!
سكتُّ قليلاً ثم قلت : آآآآسف .. والله ما انتبهت إليك .. فأنا هنا منذ أيام ..
فأحسن الله عزاءك وغفر لوالدك .. وإن كنتُ في الحقيقة معذوراً ..
في عدم انتباهي إلى شخصه .. فقد كنت لا أقابله إلا قليلاً ..
وأراه بثوبه وغترته .. فلما لبس البنطال وجاءني فجأة في زحمة شباب من جدة ..
لم يقع في نفسي أنه فلان ..
فمن الاهتمام بالناس مشاركتهم في مشاعرهم وإشعارهم أن همهم هو همك ..
وأنك تحب الخير لهم ..
ومن هذا المنطلق تجد أن الشركات المتطورة يكون عندها إدارة للعلاقات العامة ..
مهمتها إرسال التهاني والتبريكات في المناسبات .. وتقديم الهدايا .. ونحو ذلك ..
الناس كلما أشعرتهم بقيمتهم وأظهرت الاهتمام بهم ملكت قلوبهم وأحبوك ..
خذ أمثلة سريعة من الواقع : لو دخل شخص إلى مكان مليء بالناس ..
فلم يجد مكاناً يجلس فيه .. فتفسحت قليلاً .. وأوسعت له مكاناً وقلت ..
تفضل يا فلان .. تعال هنا .. لشعر باهتمامك وأحبك ..
أو لو كنتم في حفل عشاء ..
وأقبل يحمل طعامه يتلفت يبحث عن طاولة فيها مكان فارغ ..
فجهزت له كرسياً وقلت : حياك الله يا فلان .. تفضل هنا .. لشعر باهتمامك أيضاً ..
عموماً أشعر الناس بقيمتهم .. يحبوك ..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يحرص على ذلك أيما حرص ..
انظر إليه وقد قام يخطب على منبره يوم جمعة ..
وفجأة فإذا بأعرابي يدخل إلى المسجد ويتخطى الصفوف ..
وينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ويصيح قائلاً : يا رسول الله .. رجل لا يدري ما دينه ! فعلمه دينه ..
فنزل النبي صلى الله عليه وسلمـ من منبره ..
وتوجه إلى الرجل وطلب كرسياً فجلس عليه ..
ثم جعل يتحدث مع الرجل ويشرح له الدين إلى أن فهم .. ثم عاد إلى منبره ..
قمة الاهتمام بالناس .. ومن يدري ربما لو أهمله لخرج الرجل ..
وبقي جاهلاً بدينه إلى أن يموت ..
ولو نظرت في شمائله صلى الله عليه وسلمـ ..
لوجدت من بينها أنه كان إذا صافحه أحد لم ينزع صلى الله عليه وسلمـ ..
يده من يد المصافح .. حتى ينزع ذاك يده أولاً ..
وكان صلى الله عليه وسلمـ إذا كلمه أحد التفت إليه جميعاً ..
أي التفت بوجهه وجسمه إليه يستمع وينصت ..
:: اتفاق ::
نحن نتعامل مع القلوب .. لا مع الأبدان ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ السادس و الستـــــــــــون : كن لماحاً..
يقول الشيخـ :::: قسم كبير من الأشياء التي نمارسها في الحياة ..
نفعلها لأجل الناس لا لأجل أنفسنا ..
عندما تُدعى لوليمة عرس .. فتلبس أحسن ثيابك ..
إنما تفعل ذلك لأجل لفت انتباه الناس وجذب إعجابهم .. لا لأجل لفت انتباه نفسك ..
وتفرح إذا لاحظت أنهم أُعجبوا بجمال هيئتك .. أو رونق ثيابك ..
وعندما تؤثث مجلس ضيوفك .. وتتكلف في تزويقه والعناية به ..
إنما تفعل ذلك أيضاً لأجل نظر الناس .. لا لأجل نظر نفسك ..
بدليل أنك تعتني بغرفة استقبال الضيوف أكثر من عنايتك بالصالة الداخلية ..
أو بحمام أطفالك !!
عندما تدعو أصحابك إلى طعام .. ألا ترى أن زوجتك .. وربما أنت ..
تعتني بترتيب الطعام وتنويعه أكثر من العادة .. بلى ..
وكلما زادت أهمية هؤلاء الأصحاب .. زادت العناية بالطعامـ ..
وكم تكون سعادتنا غامرة عندما يثنيـ أحد على لباسنا أو ديكورات بيوتنا ..
أو لذة طعامنا .. وقد قال صلى الله عليه وسلمـ : " وليأت إلى الناس الذي يحب أن يأتوا إليه "
أي عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ..
كيف ..؟!
رأيت على صاحبك ثوباً جميلاً ..
انتبه له .. أثن عليه .. أسمعه كلمات رنانة ..
ما شاء الله !! ما هذا الجمال !! اليوم كأنك عريس !!
زارك يوماً فشممت من ثيابه عطراً فواحاً جميلاً .. أثن عليه .. تفاعل معه ..
كن لماحاً .. فهو ما وضع الطيب إلا لأجلك .. ردد عبارات جميلة ..
ما هذه الروائح .. ما أحسن ذوقك ..
دعاك شخص لطعام .. أثن على طعامه ..
فإنك تعلم أن أمه أو زوجته أو أخته وقفت ساعات في المطبخ لأجلك ..
أو لأجل المدعويين عموماً .. وأنت منهم ..
أو أنه على الأقل تعب في إحضاره من المطعم ومحل الحلويات .. و ..
فأسمعه كلمات تجعله يشعر أنك ممتن له بما قدم لك .. وأن تعبه لم يذهب سُدَى ..
دخلت بيت أحد أصدقائك .. أو دخلتي بيت إحدى صديقاتك .. فرأيت أثاثاً جميلاً ..
فأثن على الأثاث .. والذوق الرفيع .. ( لكن انتبه لا تبالغ حتى لا يشعر أنه استهزاء ) ..
حضرت في مجلس عام .. فسمعت حمد يتكلم مع الحاضرين بانطلاق ..
وقد أحيا المجلس .. وأسعد الحاضرين .. أثن عليه .. خذ بيده إذا قمتم ..
قل له : ما شاء الله ..!! ما هذه القدرات !! بصراحة ما ملَّح المجلس إلا حضورك ..
جرب افعل ذلك .. فسوف يحبك ..رأيت موقفاً جميلاً لولد مع أبيه .. قبَّل يدَه ..
قرَّبَ إليه نعليه .. أثن على الولد .. كن لماحاً ..لبس ثوباً جديداً .. أثن عليه .. كن لماحاً ..
زرت أختك .. رأيت عنايتها بأولادها .. كن لماحاً .. أثن عليها ..
رأيت عناية صاحبك بأولاده .. أو روعة ترحيبه بضيوفه .. كن جريئاً .. لماحاً ..
أثن عليه .. أخرج ما في صدرك من الإعجاب به ..
ركبت مع شخص في سيارته .. أو استأجرت تاكسي .. لاحظت نظافة سيارته ..
حُسنَ قيادته .. كن لماحاً .. أثن عليه ..
قد تقول : هذه أمور عادية .. صحيح لكنها مؤثرة ..
لقد جربت ذلك بنفسي .. ومارست هذه المهارة مع أعداد من الناس ..
كباراً وصغاراً .. وعمالاً بسطاء .. ومدرسين ..
بل مارستها مع أشخاص يشغلون مناصب عليا .. ورأيت من تأثرهم أعاجيب ..
خاصة في الأشياء التي ينتظرها الناس منك .. كيف ؟
عريس .. رأيته بعد زواجه بأسبوع .. رجل حصل على شهادة عليا ..
شخص سكن بيتاً جديداً ..
كلهم بلا شك ينتظرون منك كلمات .. كن كما يتوقعون ..
كان عبد المجيد ابن عمي .. شاباً في المرحلة الثانوية ..
بعد تخرجه طلب مني الذهاب معه للجامعة لتسجيله فيها .. اتصلت به ..
ذات صباح ومررت على بيته بسيارتي ليرافقني للجامعة ..
كانت المشاعر تتزاحم في قلبه .. فهو ينتقل إلى مرحلة جديدة ..
ويفكر في الكلية التي ستقبله ..أول ما ركب سيارتي شممت رائحة عطره ..
كانت رائحة نفاثة جداً .. ويبدو أنه قد أفرغ العلبة كلها ذلك اليوم على ملابسه ..
بصراحة خنقني بالرائحة .. فتحت النوافذ لأتنفس ..
شعرت أن المسكين تكلف في تزويق ثيابه .. وتطييبها ..
ثم التفتُّ إليه وابتسمت وقلت :
ماااا شاااااء الله !!.. إيش هالروائح الحلوة !!
أخاف عميد الكلية أول ما يشم هالرائحة الحلوة يصرخ بأعلى صوته
يقول : مقبوووووول ..
لا تتصور مدى السرور الذي غطى على قلبه .. والبشر الذي طفح على وجهه ..
التفت إليَّ .. وقال بحماس : أشكرك يا أبا عبد الرحمن ..
أشكرك .. والله إنه عطر غااال .. وأضعه دائماً والناس ما يلاحظونه ..
ثم بدأ يشمه من طرف غترته ويقول : بالله عليك : ذوقي حلو ..؟!
آآآه .. مر على هذا الموقف أكثر من عشر سنوات ..
فقد تخرج عبد المجيد من الجامعة وتعين في وظيفة منذ سنوات ..
إلا أن ذلك الموقف لا يزال عالقاً في أذنه .. ربما ذكرني به مازحاً في بعض اللقاءات ..
نعم .. كن لماحاً .. التحكم بعواطف الناس وكسب محبتهم سهل جداً ..
لكننا في أحيان كثيرة نغفل عن ممارسة مهارات عادية نكسبهم بها ..
ولا تعجب إن قلت إن صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلمـ ..
كان يمارس هذه المهارات .. وأحسن منها ..
في أول سنين الإسلامـ .. لما ضيق على المسلمين في دينهم بمكة ..
هاجروا إلى المدينة ..تركوا ديارهم وأموالهم ..
قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة مهاجراً .. وكان في مكة تاجراً ممكناً ..
لكنه جاء المدينة فقيراً معدماً .. كحل سريع للمشكلة ..
آخى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بين المهاجرين والأنصار ..
آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري ..
كانت نفوسهم سليمة .. وقلوبهم صافية ..
فقال سعد لعبد الرحمن : أي أُخيَّ .. أنا أكثر أهل المدينة مالاً .. فأقسم مالي نصفين ..
فخذ نصفه وأبق لي نصفه .. ثم خشي سعد أن عبد الرحمن يريد أن يتزوج ..
ولا يجد زوجة ..فعرض عليه أن يزوجه ..
فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك .. دُلّني على السوق ..!!
صحيح .. عبد الرحمن ترك ماله في مكة واستولى عليه الكفار ..
لكنه كان ذا عقل راجح .. وخبرة تجارية واسعة .. دله سعد على السوق ..
فذهب فاشترى وباع فربح .. يعني اشترى بضاعة بالآجل ثم باعها حالة ..
فصار عنده رأس مال تاجر فيه ..
وكان يتقن فن البيع والشراء والمماكسة .. حتى جمع مالاً فتزوج ..
ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلامـ .. وعليه ودْعُ زعفران .. أي أثر طيب نساء ..!!
ليس غريباً فهو ( عريس ) ..النبي صلى الله عليه وسلمـ طبيب النفوس ..
كان لماحاً .. يترقب الفرص لاصطياد القلوب .. أول ما رآه .. انتبه لهذا التغير ..
وجعل ينظر إلى أثر الطيب ويقول لعبد الرحمن : " مهيم ؟ " .. أي ما الخبر ؟
ابتهج عبد الرحمن .. وقال : يا رسول الله .. تزوجت امرأة من الأنصار ..
عجب النبي صلى الله عليه وسلمـ .. كيف استطاع أن يتزوج وهو حديث عهد بهجرة ..!!
فقال : " فما أصدقتها ؟" ..
فقال : وزن نواة من ذهب .. فأراد صلى الله عليه وسلمـ ..
أن يزيد من فرحته .. فقال " أولِمْ ولو بشاة " ..
ثم دعا له النبي صلى الله عليه وسلمـ .. بالبركة في ماله وتجارته ..فحلت البركة عليه ..
قال عبد الرحمن وهو يصف كسبه وتجارته : فلقد رأيتني ..
ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً و فضة ..
وكان صلى الله عليه وسلمـ لماحاً حتى مع الضعفاء والمساكين ..
يشعرهم بقيمتهم .. يجعلهم يحسون أنه منتبه لهم .. وأنهم مهمون عنده ..
وأنه يقدر لهم أعمالهم التي يقومون بها مهما كانت متواضعة ..
فإذا افتقدهم .. ذَكَرهم بالخير .. وتلمّح أعمالهم .. فتشجع الآخرون أن يفعلوا كفعلهم ..
كان في المدينة امرأة سوداء .. مؤمنة صالحة .. كانت تكنس المسجد ..
كان صلى الله عليه وسلمـ يراها أحياناً .. فيعجب بحرصها .. مرت أيام ..
ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فسأل عنها ؟
فقالوا : ماتت يا رسول الله .. فقال : أفلا كنتم آذنتموني ..
فصغّروا أمرها .. وأنها مسكينة مغمورة لا تستحق أن يخبر عنها ..
رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وقالوا أيضاً : ماتت بليل ..
فكرهنا أن نوقظك .. فحرصـ صلى الله عليه وسلمـ ..
على أن يصلي عليها .. فعملها وإن رآه الناس صغيراً فهو عند الله كبير ..
ولكن كيف يصلي عليها وقد ماتت ودفنت ؟!
قال صلى الله عليه وسلمـ : دلوني على قبرها ..
فمشوا معه حتى أوقفوه على قبرها .. دلوه فصلى عليها ..
ثم قال صلى الله عليه وسلمـ .. إن هذه القبور .. مملوءة ظلمة على أهلها ..
وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم ..
فبالله عليك .. ما هو شعور من رأوه صلى الله عليه وسلمـ ..
ينتبه إلى هذا العمل الصغير من امرأة ضعيفة ..
كيف سيكون حماسهم للقيام بمثل فعلها وأعظم ..
دعني أهمس في أذنك ..
نحن في مجتمع لا يقدر أحياناً مثل هذه المهارات .. فانتبه !!
لا يطفئْ حماسَك فريق من الثقلاء الغلاظ الذين مهما لمحت ما عندهم من لطائف ..
وأثنيت عليهم بالكلمات الرقيقة الرنانة .. لم يتأثروا ..
أو ردوا على تلطفك بكلمات سامجة ممجوجة .. لا طعم لها .. بل ولا لون ولا رائحة !!
ومن لطائف هؤلاء .. أن شاباً .. أعرفه .. ُعي إلى وليمة كبيرة .. فيها أشخاص مهمون ..
مر على السوق في طريقه ..
ودخل محل عطور وأظهر أنه سيشتري فجعل الموظف يحتفي به ..
ويرش عليه من أنواع العطور ما غلا ثمنه وزكا ريحه .. ليختار من بينها ما يناسبه ..
فلما امتلأت ثياب صاحبنا طيباً .. قال للبائع بلطف : أشكرك ..
وإن أعجبني شيء منها فقد أعود إليك ..
ذهب سريعاً إلى الوليمة متداركاً رائحة العطر قبل أن تزول ..
جلس على العشاء بجانب صديقه خالد .. لم يلاحظ خالد الرائحة .. ولم يعلق بكلمة ..
فقال له صاحبنا باستغراب : ما تشم رائحة عطر جميلة ؟!
قال خالد : لا ..
فقال صحبنا : أكيد أنفك مسدود ..!!
فأجاب خالد فوراً : .. لو كان أنفي مسدوداً .. ما شممت رائحة عرقك ..!!
:: اعتراف ::
مهما بلغ الشخص من النجاح .. إلا أنه يبقى بشراً يطرب للثناء ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ السابع و الستـــــــــــون : النســـــــــاء ..
يقول الشيخـ :::: كان جدي يستشهد بمثل قديم : " من غاب عن عنزه جابت تيس " ..
بمعنى أن من لم تجد عنده زوجته .. ما يشبع عاطفتها .. ويروي نفسها ..
فقد تحدثها نفسها بالاستجابة لغيره .. ممن يملك معسول الكلام ..
وليس مقصودهم بهذا المثل تشبيه الرجل والمرأة بالتيس والعنز .. معاذ الله ..
المرأة شقيقة الرجل .. ولئن كان الله قد وهب الرجل جسماً قوياً ..
فقد وهبها عاطفة قوية ..
وكم رأينا سلاطين الرجال وشجعانهم تخور قواهم عند قوة عاطفة امرأة ..
ومن مهارات التعامل مع المرأة أن تعرف المفتاح ..
الذي تؤثر من خلاله فيها .. العاطفة .. تقاتلها بسلاحها ..
كان النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يوصيك بالإحسان إلى المرأة ..
واحترام عاطفتها .. لأجل أن تسعد معها ..
وأوصى الأب بالإحسان إلى بناته .. فقال :
( من عال جاريتين حتى تبلغا .. جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) ..
وأوصى بها أولادها فقال فإنه لما سأله رجل فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟
قال : أمك .. ثم أمك .. ثم أمك .. ثم أبوك ..
بل أوصى صلى الله عليه وسلمـ بالمرأة زوجها ..
وذمّ من غاضب زوجته أو أساء إليها ..
وانظر إليه صلى الله عليه وسلمـ وقد قام في حجة الوداعـ ..
فإذا بين يديه مائةُ ألف حاج ..
فيهم الأسود والأبيض .. والكبير والصغير .. والغني والفقير ..
صاحـ صلى الله عليه وسلمـ بهؤلاء جميعاً وقال لهم :
ألا واستوصوا بالنساء خيراً .. ألا واستوصوا بالنساء خيراً ..
وفي يوم من الأيام أطاف بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
نساء كثير يشتكين أزواجهن .. فلما علم النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
بذلك .. قام .. وقال للناس :
لقد طاف بآل محمد صلى الله عليه وسلمـ ..
نساء كثير يشتكين أزواجهن .. ليس أولائك بخياركمـ ..
وقال صلى الله عليه وسلمـ : ( خيرُكم خيرُكم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) ..
بل .. قد بلغ من إكرام الدين للمرأة .. أنها كانت تقوم الحروب .. وتسحق الجماجم ..
وتتطاير الرؤوس .. لأجل عرض امرأة واحدة ..
كان اليهود يساكنون المسلمين في المدينة ..
وكان يغيظهم نزولُ الأمر بالحجاب .. وتسترُ المسلمات ..
ويحاولون أن يزرعوا الفساد والتكشف في صفوف المسلمات .. فما استطاعوا ..
وفي أحد الأيام جاءت امرأة مسلمة إلى سوق يهود بني قينقاع ..
وكانت عفيفة متسترة .. فجلست إلى صائغ هناك منهم ..
فاغتاظ اليهود من تسترها وعفتها .. وودوا لو يتلذذون بالنظر إلى وجهها ..
أو لمسِها والعبثِ بها .. كما كانوا يفعلون ذلك قبل إكرامها بالإسلام ..
فجعلوا يريدونها على كشف وجهها .. ويغرونها لتنزع حجابها ..
فأبت .. وتمنعت ..
فغافلها الصائغ وهي جالسة .. وأخذ طرف ثوبها من الأسفل ..
وربطه إلى طرف خمارها المتدلي على ظهرها ..
فلما قامت .. ارتفع ثوبها من ورائها .. وتكشفت أعضاؤها .. فضحك اليهود منها..
فصاحت المسلمة العفيفة .. وودت لو قتلوها ولم يكشفوا عورتها ..
فلما رأى ذلك رجل من المسلمينـ .. سلَّ سيفه .. ووثب على الصائغ فقتله ..
فشد اليهود على المسلم فقتلوه ..
فلما علم النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بذلك .. وأن اليهود قد نقضوا العـهد ..
وتعرضوا للمسلمات .. حاصرهم .. حتى استسلموا ونزلوا على حكمه ..
فلما أراد النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أن ينكل بهم .. ويثأر لعرض المسلمة العفيفة ..
قام إليه جندي من جند الشيطان ..
الذين لا يهمهم عرض المسلمات .. ولا صيانة المكرمات ..
وإنما هم أحدهم متعة بطنه وفرجه ..
قام رأس المنافقين .. عبد الله بن أُبيّ ابن سلول ..
فقال : يا محمد أحسن في موالي اليهود وكانوا أنصاره في الجاهلية ..
فأعرض عنه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. وأبـَى ..
إذ كيف يطلب العفو عن أقوام يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا !!
فقام المنافق مرة أخرى .. وقال : يا محمد أحسن إليهمـ ..
فأعرض عنه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
صيانة لعرض المسلمات .. وغيرة على العفيفات ..
فغضب ذلك المنافق .. وأدخل يده في جيب درع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
وجرَّه وهو يردد : أحسن إلى مواليّ .. أحسن إلى مواليّ ..
فغضب النبيـ صلى الله عليه وسلمـ والتفت إليه وصاح به وقال : أرسلنيـ ..
فأبى المنافق .. وأخذ يناشد النبيـ صلى الله عليه وسلمـ العدول عن قتلهمـ ..
فالتفت إليه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ وقال : هم لكـ ..
ثم عدل عن قتلهم .. لكنه صلى الله عليه وسلمـ أخرجهم من المدينة ..
وطرَّدهم من ديارهم .. نعم المرأة العفيفة تستحق أكثر من ذلك ..
كانت خولة بنت ثعلبة رضيـ الله عنها من الصحابيات الصالحات ..
وكان زوجها أوس بن الصامت شيخاً كبيراً يسرع إليه الغضب ..
دخل عليها يوماً راجعاً من مجلس قومه .. فكلمها في شيء فردت عليه ..
فتخاصما .. فغضب فقال : أنت علي كظهر أمي .. وخرج غاضباً ..
كانت هذه الكلمة في الجاهلية إذا قالها الرجل لزوجته صارت طلاقاً ..
أما في الإسلام فلا تعلم خولة حكمها ..
رجع أوس إلى بيته .. فإذا امرأته تتباعد عنه ..
وقالت له : والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت ..
حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه ..
ثم خرجت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فذكرت له ما تلقى من زوجها .. وجعلت تشكو إليه ما سوء خلقه معها ..
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يصبرها ويقول : يا خويلة ابن عمك .. شيخ كبير .. فاتقي الله فيه ..
وهي تدافع عبراتها وتقول : يا رسول الله .. أكل شبابي .. ونثرت له بطني ..
حتى إذا كبرت سنيـ .. وانقطع ولدي .. ظاهر منيـ .. اللهمـ إني أشكو إليكـ ..
وهو صلى الله عليه وسلمـ ينتظر أن ينزل الله تعالى فيهما حكماً من عنده ..
فبينما خولة عند رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
إذ هبط جبريل من السماء على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
بقرآن فيه حكمها وحكم زوجها ..
فالتفت صلى الله عليه وسلمـ إليها وقال : يا خويلة .. قد أنزل فيك ..
وفي صاحبك قرآناً .. ثم قرأ "قد سمع الله قول التي تجادلك
في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير "
إلى آخر الآيات من أول سورة المجادلة ..
ثم قال لهاصلى الله عليه وسلمـ مُريه فليعتق رقبة ..
فقالت : يا رسول الله .. ما عنده ما يعتق ..
قال :فليصم شهرين متتابعين ..
قالت : والله إنه لشيخ كبير ما له من صيام ..
قال : فليطعمـ ستين مسكيناً وسقاً من تمر ..
قالت : يا رسول الله .. ما ذاك عنده ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ .. فإنا سنعينه بعرق من تمر ..
قالت : والله يا رسول الله .. أنا سأعينه بعرق آخر ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ ..قد أصبت وأحسنت ..
فاذهبي فتصدقي به عنه ..ثم استوصي بابن عمك خيراً ..
فسبحان من وهبه اللين والتحمل مع الجميع ..
حتى في مشاكلهم الشخصية .. يتفاعل معهم .. وقد جربت بنفسي ..
التعامل باللين والمهارات العاطفية مع البنت والزوجة .. وقبل ذلك الأم والأخت ..
فوجدت لها من التأثير الكبير .. ما لا يتصوره إلا من مارسه ..
فالمرأة لا يكرمها إلا كريم .. ولا يهينها إلا لئيمـ ..
::لمحة ::
ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثامن و الستـــــــــــون : لا تكن أُستاذيّاً !!..
يقول الشيخـ :::: قارن بين ثلاثة آباء .. رأى كل واحد ولده جالساً ..
عند التلفاز في أيام الامتحانات ..
فقال الأول لولده : يا محمد .. ذاكر دروسك ..
وقال الثاني : ماجد .. إذا ما ذاكرت دروسك والله لأضربك .. وأحرمك من المصروف .. و ..
أما الثالث فقال : صالح .. لو تذاكر دروسك .. أحسن لك من التلفاز .. صح ؟!
أيهم أحسن أسلوباً ..؟
لا شك أنه الثالث .. لأنه قدم أمره على شكل اقتراح ..
وكذلك في التعامل مع زوجتك .. سارة ليتك تعملين شاي ..
هند أتمنى أتغدى مبكراً اليوم .. وكذلك ..
عندما يخطئ إنسان .. عالج خطأه بأسلوب يجعله يشعر أن الفكرة فكرته هو ..
ولدك يغيب عن الصلاة في المسجد ..
قل له .. مثلاً .. سعد .. ما تريد تدخل الجنة .. بلى .. إذن حافظ على صلاتك ..
في يوم من الأيام .. وفي خيمة أعرابي في الصحراء ..
جعلت امرأة تتأوه تلد .. وزوجها عند رأسها ينتظر خروج المولود ..
اشتد المخاض بالمرأة حتى انتهت شدتها وولدت ..
لكنها ولدت غلاماً أسود !!
نظر الرجل إلى نفسه .. ونظر إلى امرأته فإذا هما أبيضان ..
فعجِبَ كيف صار الغلام أسود !! أوقع الشيطان في نفسه الوساوس ..
لعل هذا الولد من غيرك !!
لعلها زنى بها رجل أسود فحملت منه !! لعل ..
اضطرب الرجل وذهب إلى المدينة النبوية ..
حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وعنده أصحابه ..
فقال : يا رسول الله .. إن امرأتي ولدت على فراشي غلاماً أسود !!
وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط !!
نظر النبيـ صلى الله عليه وسلمـ إليه .. وكان قادراً على أن يسمعه موعظة ..
حول حسن الظن بالآخرين .. وعدم اتهام امرأته ..
لكنه أراد أن يمارس معه في الحل أسلوباً آخر ..
أراد أن يجعل الرجل يحل مشكلته بنفسه .. فبدأ يضرب له مثلاً يقرب له الجواب ..
فما المثل المناسب له ..؟ هل يضرب له مثلاً بالأشجار ؟ أم بالنخل ؟ أم بالفُرْس والروم ؟
نظر إليه صلى الله عليه وسلمـ فإذا الرجل عليه آثار البادية ..
وإذا هو مضطرب تتزاحم الأفكار في رأسه حول امرأته ..
فقال له صلى الله عليه وسلمـ : هل لك من إبل ؟
قال : نعم ..
قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر ..
قال : فهل فيها أسود ؟ قال : لا ..
قال : فيها أورق ؟ قال : نعم ..
قال : فأنى كان ذلك ؟!
يعني : ما دام أنها كلها حمر ذكوراً وإناثاً .. وليس فيها أي لون آخر ..
فكيف ولدت الناقة الحمراء ولداً أورق .. يختلف عن لونها ولون الأب ( الفحل ) ..
فكر الرجل قليلاً .. ثم قال : عسى أن يكون نزعه عرق ..
يعني قد يكون من أجداده من هو أورق .. فلا زال الشبه باقياً في السلالة ..
فظهر في هذا الولد ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ .. فلعل ابنك هذا نزعه عرق ..
سمع الرجل هذا الجواب ..فكر قليلاً فإذا هو جوابه هو .. والفكرة فكرته ..
فاقتنع وأيقن .. ومضى إلى امرأته ..
وفي يوم آخر .. جلسـ صلى الله عليه وسلمـ مع أصحابه .. فجعل يحدثهم عن أبوب الخير ..
وكان مما ذكره .. أن قال : وفي بضع أحدكم صدقة .. أي وطء أحدكم امرأته له فيه أجر ..
فعجب الصحابة وقالوا : يا رسول الله .. يأتي أحدنا شهوته .. ويكون له أجر ؟!!
فأجابهم صلى الله عليه وسلمـ بجواب يشعرون به أن الفكرة فكرتهم ..
فلا يحتاجون لنقاش لإقناعهم بها ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : أرأيتم لو وضعها في حرام .. أكان عليه وزر .. قالوا : نعم ..
قال : فكذلك لو وضعها في حلال كان له أجر .. بل حتى أثناء الحوار مع الآخر ..
تدرج معه عند النصح في الأشياء التي أنتما متفقان عليها ..
خرج صلى الله عليه وسلمـ .. إلى مكة معتمراً في ألف وأربعمائة من أصحابه ..
فمنعتهم قريش من دخول مكة ..
ووقعت أحداث قصة الحديبية المشهورة ..في آخر الأمر وبعد مشاورات طويلة ..
بين النبيـ صلى الله عليه وسلمـ وقريش .. اتفقوا على صلح ..
كان الذي تولى الاتفاق على بنود الصلح من جانب قريش هو سهيل بن عمرو ..
اتفق النبيـ صلى الله عليه وسلمـ مع سهيل على شروط ..
منها : أن يعود المسلمون أدراجهم إلى المدينة من غير عمرة ..
وأن من دخل في الإسلام من أهل مكة وأراد أن يهاجر إلى المدينة ..
فإن المسلمين في المدينة لا يقبلونه ..
أما من ارتد عن إسلامه وأراد الذهاب إلى المشركين في مكة فإنه يقبل ..!!
إلى غير ذلك من الشروط التي في ظاهرها أنها هزيمة للمسلمين وإذلال لهم ..
كانت قريش في الواقع خائفة من هذا العدد الكبير من المسلمين ..
وتعلم أن المسلمين لو شاءوا لفتحوا مكة .. ولهذا كانت قريش تضطر ..
إلى التلطف والمصانعة .. وكأني بهم .. ما كانوا يحلمون أن يظفروا ولا بربع هذه الشروط ..
كان أكثر الصحابة متضايقاً من شروط العقد ..لكن أنى لهم أن يعترضوا ..
والذي يكتب العقد ويمضيه رجل لا ينطق عن الهوى ..كان عمر متحفزاً ..
ينظر يميناً وشمالاً .. يتمنى لو يستطيع عمل شيء .. فلم يصبر ..
وثب عمر فأتى أبا بكر .. وأراد أن يناقشه ..
فمن حكمته .. لم يبدأ بالاعتراض .. وإنما بدأ بالأشياء التي هما متفقان عليها ..
وجعل يسأل أبا بكر أسئلة جوابها .. بلى .. نعم .. صحيح ..
فقال :يا أبا بكر .. أليس برسول الله ..؟!قال : بلى ..
قال : أولسنا بالمسلمين ؟! قال : بلى ..
قال : أوليسوا بالمشركين ؟! قال :بلى ..
قال : أولسنا على الحق ؟ قال : بلى ..
قال :أوليسوا على الباطل ؟قال : بلى ..
قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟!
فقال أبو بكر :يا عمر .. أليس هو رسول الله .؟
قال : بلى .. قال : فالزم غِرْزه .. فإني أشهد أنه رسول الله ..
أي كن وراءه تابعاً لا تخالفه أبداً .. كما أن غرزات الخيط في الثوب تكون متتابعة ..
قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله .. مضى عمر .. حاول أن يصبر .. فلم يستطع ..
فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقال : يا رسول الله .. ألست برسول الله ؟! قال : بلى ..
قال : أولسنا بالمسلمين .. ؟قال : بلى ..
قال : أوليسوا بالمشركين .. ؟! قال : بلى ..
قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟! فقال صلى الله عليه وسلمـ : أنا عبد الله ورسوله ..
لن أخالف أمره .. ولن يضيعني ..
سكت عمر .. ومضى الكتاب .. ورجع المسلمون إلى المدينة ..
ومضت الأيام .. ونقضت قريش العهد .. وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فاتحاً مكة .. مطهراً البيت الحرام من الأصنام ..
وأدرك عمر أنه كان في اعتراضه حينذاك على غير السبيل ..
فكان رضيـ الله عنه يقول : ما زلت أصوم .. وأتصدق .. وأصلي .. وأعتق ..
من الذي صنعت يومئذ .. مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ ..
حتى رجوت أن يكون خيراً .. فلله در عمر .. ودر رسول الله صلى الله عليه وسلمـ قبله ..
كيف نستفيد أكثر من هذه المهارة ؟
لو كان ولدك لا يعتني بحفظ القرآن .. وتريده أن يزداد حرصاً ..
ابدأ بالأشياء التي أنتما متفقان عليها .. ألا تريد أن يحبك الله ..
ألا تريد أن ترتقي في درجات الجنة .. سيجيبك حتماً : بلى ..
عندها قدم النصيحة على شكل اقتراح .. إذن فلو أنك شاركت في حلقة تحفيظ القرآن ..
وكذلك أنتِ : لو رأيتِ امرأة لا تعتني بحجابها ..
ابدئي معها بالأشياء التي أنتما متفقتان عليها ..
أنا أعلم أنك مسلمة .. وحريصة على الخير .. ستقول : صحيح .. الحمد لله ..
وامرأة عفيفة .. وتحبين الله .. ستقول : إي والله .. الحمد لله ..
عندها قدمي النصيحة على شكل اقتراح : فلو أنك اعتنيت بحجابك أكثر ..
وحرصت على الستر ..
هكذا يمكننا أن نحصل على ما نريد من الناس من غير أن يشعروا ..
:: بارقة ::
تستطيع أن تأكل العسل دون تحطيم الخلية ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ التاسع و الستـــــــــــون : أمسك العصا من النصف !!
يقول الشيخـ :::: أشكرك على اختيارك مهنة التدريس .. وقد آتاك الله أسلوباً حسناً ..
وطلابك يحبونك كثيراً .. ولكن .. ليتك ما تتأخر على الدوام في الصباحـ ..
أنت جميلة والبيت مرتب ولا أنكر أن الأولاد متعبون ..
ولكن .. أتمنى أن تهتمي بملابسهم أكثر هكذا كان أسلوب صالح مع الناس ..
يذكر الجوانب المشرقة عند المخطئ ثم ينبهه على أخطائه .. ليكون عادلاً ..
عندما تنتقد حاول أن تذكر جوانب الصواب في المخطئ .. قبل غيرها ..
حاول دائماً أن تشعر الذي أمامك أن نظرتك إليه مشرقة ..
وأنك عندما تنبهه على أخطائه لا يعني ذلك أنه سقط من عينك ..
أو أنك نسيت حسناته ولا تذكر إلا سيئاته ..
لا .. بل أشعره أن ملاحظاتك عليه تغوص في بحر حسناته ..
كان النبيـ صلى الله عليه وسلمـ محبوباً بين أصحابه ..
وكان يمارس أساليب رائعة في التعامل معهم ..
وقف مرة بينهم .. فشخص ببصره إلى السماء .. كأنه يفكر أو يترقب شيئاً ..
ثم قال : هذا أوانُ يختلس العلم من الناس .. حتى لا يقدروا منه على شيء ..
أي : يُعرض الناس عن القرآن وتعلمه .. وعن العلم الشرعي ..
فلا يحرصون عليه ولا يفهمونه ..
فيُختلسُ منهم .. أي : يرفع عنهم ..فقام صحابي جليل ..
هو زياد بن لبيد الأنصاري وقال بكل حماس : يا رسول الله ، وكيف يختلس منا ؟!
وقد قرأنا القرآن ! فوالله لنقرأنه ، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا ..
فنظر إليه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. فإذا شاب يتفجر حماساً وغيرة على الدين ..
فأراد أن ينبهه على فهمه .. فقال :ثكلتك أمك يا زياد ،إني كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة ..
وهذا ثناء على زياد .. أن يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
أمام الناس إنه من فقهاء المدينة ..
هذا ذكر لجوانب الصواب والصفحات المشرقة لزياد .. ثم قال صلى الله عليه وسلمـ ..
هذا التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم ؟! ..
أي ليست العبرة يا زياد بوجود القرآن ..
وإنما العبرة بقراءته ومعرفة معانيه والعمل بأحكامه ..
هكذا كان تعامله رائعاً .. وفي يوم آخر .. يمر صلى الله عليه وسلمـ ..
ببعض قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلامـ ..
وكان يختار أحسن العبارات لأجل ترغيبهم في الاستجابة له والدخول في الإسلام ..
فمر بقبيلة منهم .. اسمهم : بنو عبد الله .. فدعاهمـ إلى الله ..
وعرض عليهم نفسه .. وجعل يقول لهم : يا بنيـ عبد الله .. إن الله قد أحسن اسم أبيكم ..
يعني لستم ببني عبد العزى .. أو بني عبد اللات .. وإنما أنتم بنو عبد الله ..
فليس في اسمكم شرك فادخلوا في الإسلام ..
بل كان من براعته صلى الله عليه وسلمـ .. أنه كان يرسل رسائل غير مباشرة إلى الناس ..
يذكر فيها إعجابه بهم .. ومحبته الخير لهم .. فإذا بلغتهم هذه الرسائل ..
عملت فيهم من التأثير أكثر مما تعمله .. ربَّما .. الدعوة المباشرة ..
كان خالد بن الوليد رضيـ الله عنه بطلاً .. ولم يكن بطلاً عادياً ..
بل كان بطلاً مغواراً .. يضرب له ألف حساب .. وكان النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
يتشوق لإسلامه .. لكن أنى له ذلك .. وخالد ما ترك حرباً ضد المسلمين إلا خاضها ..
بل كان هو من أكبر أسباب هزيمة المسلمين في معركة أحد ..
قال فيه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يوماً .. لو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
فكيف كان تأثير ذلك ؟
خذ القصة من أولها .. كان خالد من أشداء الكفار وقادتهم ..
لا يكاد يفوت فرصة إلا حارب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلمـ أو ترصّد له ..
فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ مع المسلمين إلى الحديبية ..
وأرادوا العمرة ..خرج خالد في خيل من المشركين ..
فلقوا النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
وأصحابه بموضع يقال له : عسفان ..فقام خالد قريباً منهم يتحين الفرصة ..
ليصيب رسول الله صلى الله عليه وسلمـ برمية سهم أو ضربة سيف ..
جعل يترصد ويترقب .. فصلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
بأصحابه صلاة الظهر أمامهمـ .. فهموا أن يهجموا عليهم .. فلم يتيسر لهمـ ..
فكأن النبيـ صلى الله عليه وسلمـ علم بهمـ ..
فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف ..
أي قسم أصحابه إلى فريقينـ .. فريق يصلي معه وفريق يحرسـ ..
فوقع ذلك من خالد وأصحابه موقعاً .. وقال في نفسه : الرجل ممنوع عنا ..
أي هناك من يحميه ويمنع عنه الأذى !!
ثم ارتحل صلى الله عليه وسلمـ وأصحابه .. وسلكوا طريقاً ذات اليمين ..
لئلا يمروا بخالد وأصحابه ..
وصل صلى الله عليه وسلمـ إلى الحديبية ..
صالح قريشاً على أن يعتمر في العام القادم .. ورجع إلى المدينة ..
رأى خالد أن قريشاً لا يزال شأنها ينخفض في العرب يوماً بعد يوم ..
فقال في نفسه : أي شيء بقي ؟ أين أذهب ؟ إلى النجاشي ؟ ..
لا .. فقد اتبع محمداً وأصحابه عنده آمنون ..فأخرج إلى هرقل ؟.. لا ..
أخرج من ديني إلى نصرانية ؟.. أو يهودية ؟ وأقيم في عجم ؟..
فبنما خالد يفكر في شأنه .. ويتردد .. والأيام والشهور تمضي عليه ..
إذ جاء موعد عمرة المسلمين .. فأقبلوا إلى المدينة ..
دخل صلى الله عليه وسلمـ مكة معتمراً ..
فلم يحتمل خالد رؤية المسلمين محرمين .. فخرج من مكة ..
وغاب أياماً أربعة وهي الأيام التي قضاها النبيـ صلى الله عليه وسلمـ في مكة ..
قضى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ عمرته ..
وجعل ينظر في طرقات مكة وبيوتها .. ويستعيد الذكريات ..
تذكر البطل خالد بن الوليد .. فالتفت إلى الوليد بن الوليد .. وهو أخو خالد ..
وكان الوليد مسلماً قد دخل مع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ معتمراً ..
وأراد صلى الله عليه وسلمـ أن يبعث إلى خالد رسالة غير مباشرة ..
يرغبه فيها بالدخول في الإسلام ..
قال صلى الله عليه وسلمـ للوليد : أين خالد ؟ فوجئ الوليد بالسؤال ..
وقال : يأتي الله به يا رسول الله ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : " مثله يجهل الإسلام !!
ولو كان جعل نكايته وَحَدَّه مع المسلمين .. كان خيراً له ..
ثم قال : ولو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
استبشر الوليد .. وجعل يطلب خالداً ويبحث عنه في مكة .. فلم يجده ..
فلما عزموا على الرجوع للمدينة ..كتب الوليد كتاباً إلى أخيه ..
بسم الله الرحمن الرحيم .. أما بعد .. فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام ..
وعقلك عقلك ! ومثل الإسلام يجهله أحد ؟
وقد سألنيـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
عنك وقال : أين خالد ؟ فقلت : يأتي الله به ..
فقال : مثله جهل الإسلام !! ولو كان جعل نكايته وَحَدَّه مع المسلمين ..
كان خيراً له .. ولو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة ..
قال خالد : فلما جاءنيـ كتابه .. نشطت للخروج .. وزادني رغبة في الإسلام ..
وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
عني .. وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة .. فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة ..
فقلت : إن هذه لرؤيا حق ..
فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
قلت : من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ؟!
فلقيت صفوان بن أمية .. فقلت : يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه ؟
إنما نحن كأضراس يطحن بعضها بعضاً ..وقد ظهر محمد على العرب والعجم ..
فلو قدمنا على محمد واتبعناه .. فإن شرف محمد لنا شرف ؟
فأبى أشد الإباء .. وقال : لو لم يبق غيري ما اتبعته أبداً ..
فافترقنا .. وقلت في نفسي : هذا رجل مصاب .. قتل أخوه وأبوه بمعركة بدر ..
فلقيت عكرمة بن أبي جهل .. فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية ..
فقال لي مثل ما قال لي صفوان بن أمية .. قلت : فاكتم علي خروجي إلى محمد ..
قال : لا أذكره لأحد .فخرجت إلى منزلي .. فأمرت براحلتي فخرجت بها ..
إلى أن لقيت عثمان بن طلحة .. فقلت : إن هذا لي صديق ..
فلو ذكرت له ما أرجو .. ثم ذكرت من قتل من آبائه في حربنا مع المسلمين ..
فكرهت أن أذكِّره .. ثم قلت : وما علي أن أخبره .. وأنا راحل في ساعتي هذه !..
فذكرت له ما صار أمر قريش إليه .. وقلت ..
إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر .. لو صُب عليه ذنوب من ماء لخرج ..
وقلت له نحواً مما قلت لصاحبَيْ ..
فأسرع الإستجابة وعزم على الخروج معي للمدينة !..
فقلت له : إني خرجت هذا اليوم .. وأنا أريد أن أمضي للمدينة ..
وهذه راحلتي مجهزة لي على الطريق ..
قال : فتواعدنا أنا وهو في موضع يقال له "يأجج " ..
إن سبقني أقام ينتظرني .. وإن سبقته أقمت أنتظره ..
فخرجت من بيتي آخر الليل سَحَراً .. خوفاً من أن تعلم قريش بخروجنا ..
فلم يطلع الفجر حتى التقينا في "يأجج" .. فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة ..
فوجدنا عمرو بن العاص على بعيره .. قال : مرحباً بالقوم .. إلى أين مسيركم ؟
فقلنا : وما أخرجك ؟ فقال : وما أخرجكم ؟
قلنا : الدخول في الإسلام .. واتباعـ محمد صلى الله عليه وسلمـ ..
قال : وذاك الذي أقدمني .. فاصطحبنا جميعاً حتى دخلنا المدينة ..
فأنخنا بظهر الحرة ركابنا .. فأُخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فسر بنا ..
فلبست من صالح ثيابي .. ثم توجهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فلقيني أخي فقال :
أسرع .. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. قد أُخبر بك فسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم ..
فأسرعنا السّير .. فأقبلت إلى رسول الله أمشي ..
فلما رآني من بعيد تبسّم .. فما زال يتبسم إليَّ حتى وقفت عليه ..
فسلمت عليه بالنبوة .. فرد على السلام بوجه طلْق ..
فقلت : إني أشهد أن لا إله إلا الله .. وأنك رسول الله ..
فقال : " الحمد لله الذي هداك .. قد كنت أرى لك عقلاً .. رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير " ..
قلت : يا رسول الله .. إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك ..
معانداً للحق .. فادع الله أن يغفرها لي ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ .. " الإسلام يجب ما كان قبله " ..
قلت : يا رسول الله .. على ذلك .. فاستغفر لي ..
قال : " اللهم اغفر لخالد بن الوليد .. كل ما أَوْضع فيه .. من صد عن سبيل الله " ..
ومن يعدها كان خالد رأساً من رؤوس هذا الدين ..
أما إسلامه فكان برسالة غير مباشرة وصلت إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فما أحلمه صلى الله عليه وسلمـ وأحكمه ..
فلنتبع مثل هذه المهارات في التأثير في الناس ..
فلو رأيت شخصاً يبيع دخاناً في بقالة فأردت تنبيهه ..
فأثن أولاً على بقالته ونظافتها .. وادعُ له بالبركة في الربح ..
ثم نبهه على أهمية الكسب الحلال .. ليشعر أنك لم تنظر إليه بمنظار أسود ..
بل أمسكت العصا من النصف ..كن ذكياً ..
ابحث عن أي حسنات فيمن أمامك تغمر فيها سيئاته ..
أحسن الظن بالآخرين .. ليشعروا بعدلك معهم فيحبوك ..
:: لمحة ::
عندما يقتنع الناس أننا نلحظ حسناتهم .. كما نلحظ سيئاتهم .. يقبلون منا التوجيه ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ السبعــــــــــون : فهم الأخطاء ..
يقول الشيخـ :::: كما أن الناس يختلفون في طباعهم وأشكالهمـ ..
كذلك هم يختلفون في وجهات نظرهم .. وفي قناعاتهم وتصرفاتهمـ ..
فإذا شعرت أن أحداً خالف الصواب .. ونصحته وحاولت إصلاح خطئه ولم يقتنع ..
فلا تصنف اسمه من بين أعدائك .. وخذ الأمور بأريحية قدر المستطاع ..
فلو حاولت إصلاح خطأ عند أحد زملائك فلم يستجب .. فلا تقلب الصداقة عداوة ..
وإنما استمر في التلطف فلعله أن يبقى على خطئه ولا يزيد ..
وقد قيل : حنانيك بعض الشر أهون من بعضـ ..
إذا تعاملت مع الناس بهذه الأريحية .. فلم تغضب على كل صغيرة وكبيرة .. عشت سعيداً ..
قالت عائشة رضيـ الله عنها .. ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ لنفسه قط ..
وما ضرب شيئاً قط بيده .. ولا امرأة .. ولا خادماً ..
إلا أن يجاهد في سبيل الله .. وما نيل منه شيء قط .. فينتقم من صاحبه ..
إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله ..
إذن .. كان صلى الله عليه وسلمـ يغضب .. لكنه غضبه لله .. لا يغضب لنفسه ..
وحتى نفهم الفرق بين الغضبين :
افرض أن ولدك الصغير جاءك ذات صباح وطلب ريالاً أو ريالين مصروفاً للمدرسة ..
فبحثت في محفظة نقودك .. فلم تجد إلا فئة الخمسمائة ريال .. فأعطيتها له ..
وقلت : هذه خمسمائة ريال .. اصرف منها ريالين .. وأرجع الباقي ..
وأكدت عليه وكررت .. فلما رجع بعد الظهر فإذا المال كله قد صرفه ..
فماذا ستفعل ؟.. وكيف سيكون غضبك ..؟ قد تضرب وتعنف وتمنعه من مصروفه أياماً ..
ولكن لو رجعت مرة من صلاة العصر ووجدته يلعب بالكمبيوتر .. أو عند التلفاز ..
ولم يصل في المسجد .. فهل ستغضب كغضبك الأول ؟
أظننا نتفق أن غضبنا الأول سيكون أشد وأطول وأكثر تأثيراً من غضبنا الثاني ..
أما رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فكان غضبه لله ..
وكان يعرض النصيحة أحياناً ولا تقبل .. فياخذ الأمر بهدووووء .. فالهداية بيد الله ..
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ إلى تبوك على حدود الشام ..
اقترب من مملكة الروم .. فبعث دحية الكلبي رضيـ الله عنه رسولاً إلى هرقل ملك الروم ..
وصل دحية رضيـ الله عنه إلى هرقل .. دخل عليه ..
ناوله كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فلما أن رأى هرقل الكتاب دعا قسيسي الروم وبطارقتها ..
ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال :
" قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم .. وقد أرسل إليَّ أن يدعوني إلى ثلاث خصال ..
يدعوني : أن أتبعه على دينه ..أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ..
أو نلقي إليه الحرب .. ثم قال هرقل :والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن أرضنا ..
فهلمَّ فلنتبعه على دينه .. أو نعطيه مالنا على أرضنا .. فلما سمع القساوسة ذلك ..
ورأوا أنه يدعوهم لترك دينهم ! غضبوا .. ونخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم ..
أي سقطت أرديتهم من شدة الغضب والانتفاض !!
وقالوا : تدعونا إلى أن نذر النصرانية .. أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز .!!
أسقط في يد هرقل .. وأيقن أنه تورط بعرضه عليهم ..
وكان هؤلاء القساوية لهم سطوة وجمهور قوي ..
فعلم هرقل أنهم إن خرجوا من عنده .. أفسدوا عليه الروم ..
فجعل يهدئهم .. ويقول : إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم ..
كان هرقل يعلم أن النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
هو الرسول الذي بشر به عيسى صلى الله عليه وسلمـ ..
فأراد أن يتأكد من ذلك ..
دعا هرقل رجلاً من عرب قبيلة "تجيب" .. كان من نصارى العرب ..
وقال له : ادع لي رجلاً حافظاً للحديث .. عربيَّ اللسان .. أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ..
مضى ذاك التجيبي .. وجاء برجل من بني تنوخ .. من نصارى العرب ..
دفع هرقل كتاباً لهذا التنوخي ليوصله لرسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وقال له : اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ..
فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال ..
انظر هل يذكر صحيفته إلى التي كتب بشيء ..؟
وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ؟ وانظر في ظهره هل به شيء يريبك ؟
مضى التنوخي كفارقاً للشام .. حتى وصل إلى تبوك ..
فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ جالس بين ظهراني أصحابه ..
محتبياً على الماء .. فوقف التنوخي عليهم .. وقال : أين صاحبكم ؟
قيل : ها هو ذا .. فأقبل يمشي حتى جلس بين يديه ..
فناوله كتاب هرقل ..
فأخذه صلى الله عليه وسلمـ .. فوضعه في حِجْره .. ثم قال : " ممن أنت " .. ؟
قال : أنا أخو تنوخ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : " هل لك إلى الإسلام .. الحنيفية .. ملة أبيك إبراهيم ؟
كان صلى الله عليه وسلمـ راغباً في دخول هذا الرجل في الإسلام ..
في الحقيقة لم يكن هناك ما يمنع التنوخي من اتباع الحق ..
إلا التعصب لدين قومه .. فحسب !!
فقال التنوخي بكل صراحة : إني رسول قوم .. وعلى دين قومي ..
لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم ..
فما رأى صلى الله عليه وسلمـ هذا التعصب .. لم يغضب .. ولم يعمل مشكلة ..
وإنما ضحك وقال :
" إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " ..
ثم قال صلى الله عليه وسلمـ بكل هدوء :
يا أخا تنوخ .. إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه والله ممزقه وممزق ملكه ..
وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرق ملكه ..
وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها ..
فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير ..
تذكر التنوخي وصية هرقل .. وقال في نفسه : هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي ..
فخشي أن ينساها .. فأخذ سهماً من جعبته فكتبها في جنب سيفه ..
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ناول الصحيفة رجلاً عن يساره ..
فقال التنوخي : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟
قالوا : معاوية ..
بدأ معاوية رضيـ الله عنه يقرأ .. فإذا هرقل قد كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين !! فأين النار ؟
فقال صلى الله عليه وسلمـ : " سبحان الله **************** **************** ***********!* أين الليل إذا جاء النهار " .
فانتبه التنوخي أن هذه الثانية التي أمره هرقل بترقبها ..
فأخذ سهماً من جعبته فكتبه في جلد سيفه ..
فلما أن فرغ معاوية من قراءة الكتاب ..
التفت صلى الله عليه وسلمـ إلى التنوخي .. الذي لم يقبل النصح ..
ولم يدخل في الدين .. وقال له متلطفاً :
إن لك حقاً وإنك لرسول .. فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها .. إنا سِفْر مُرمِلون ..
يعني أتمنى أن أعطيك هدية .. لكننا كما ترانا مسافرين جالسين على الرمال !!
فقال عثمان رضيـ الله عنه : أنا أجوزه يا رسول الله ..
ثم قام عثمان ففتح رحله .. فأتى بحلة ولباس فوضعها في حجر التنوخي ..
ثم قال صلى الله عليه وسلمـ الكريم : " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " ..
يعني يقوم بحق ضيافته !! فقال فتى من الأنصار : أنا ..
فقام الأنصاريـ وقام التنوخي يمشي معه ..
وباله مشغول بالأمر الثالث الذي أمره هرقل أن يتأكد له منه ..
وهو خاتم النبوة بين كتفي النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
مشى التنوخي خطوات .. وفجأة .. إذا برسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يصيح به : " تعال يا أخا تنوخ " ..!!
فأقبل التنوخي يهوي مسرعاً .. حتى قام بين يدي النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
فحل صلى الله عليه وسلمـ حبوته .. ثم أسقط رداءه عن ظهره .. فانكشف ظهره للتنوخي ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ :" هاهنا امض لما أمرت به " ..
قال التنوخي : فنظرت في ظهره .. فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف ..
مثل الحجمة الضخمة ..
:: فكرة ::
المقصود أن يدرك الناس أخطاءهم .. وليس شرطاً أن يصححوها أمامك .. فلا تغضب ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الحادي و السبعــــــــــون : اجعل معالجة الخطأ سهلة ..
يقول الشيخـ :::: تتنوع الأخطاء التي تقع من الناس كبراً وصغراً ..
ومهما كان حجم الخطأ فإنه يمكن علاجه ..
نعم قد لا يفيد العلاج في إصلاح ما أفسده الخطأ 100% ..
لكنه على الأقل يصلح أكثر الفاسد .. عدد غير قليل من الناس لا يسعى ..
إلى إصلاح أخطائه لشكه في قدرته أصلاً على علاجها ..
وأحياناً تكون طريقتنا في التعامل مع الأخطاء هي جزء من الخطأ نفسه ..
يقع ولدي في خطأ فألومه وأحقره وأعظِّم عليه الخطأ حتى يشعر بأنه ..
سقط في بئر ليس له قاع !! فييأس من الإصلاح .. ويبقى على ما هو عليه ..
وقد تقع في الخطأ زوجتي أو يقع فيه صديقي ..
فإذا أشعرته أنه أخطأ ولكن الطريق لم ينقطع بعد فمعالجة الخطأ سهلة ..
والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ..
جاء رجل إلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يبايعه على الهجرة ..
وقال : إني جئت أبايعك على الهجرة .. وتركت أبوي يبكيان ..
فلم يعنفه صلى الله عليه وسلمـ .. أو يحقر فِعْله .. أو يصغر عقله ..
فالرجل جاء بنية صالحة ويرى أنه فعل الأصلح ..
أشعره صلى الله عليه وسلمـ أن معالجة الخطأ سهلة ..
فقال له بكل بساطة : ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما وانتهى الأمر ..
كان صلى الله عليه وسلمـ يتعامل مع الناس بأساليب تربي فيهم الرغبة في الخير ..
وتشعرهم أنهم إلى الخير أقرب .. حتى وإن وقعوا في أخطاء ..
وبين يدي حادثة مروّعة .. الشاهد منها آخرُها ..
لكني سأوردها من أولها رغبة في الفائدة ..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلمـ إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه ..
فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه .. فلما أراد الخروج إلى غزوة بني المصطلق ..
أقرع بينهن فخرج سهم عائشة .. فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وذلك بعدما أنزل الحجاب .. وكانت تحمل في هودج .. فإذا نزلوا نزلت من هودجها ..
وقضت حاجاتها .. فإذا أرادوا الارتحال ركبت فيه ..
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ من غزوته ..
توجه قافلاً إلى المدينة .. حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلاً فبات به بعض الليل ..
ثم آذن الناس بالرحيل .. فبدأ الناس يجمعون متاعهم للرحيل ..
فخرجت عائشة لبعض حاجتها .. وفي عنقها عقد لها فيه جزع ظفار ..
فلما فرغت من حاجتها .. انسل العقد من عنقها وهي لا تدري ..
فلما رجعت العسكر .. وأرادت الدخول في هودجها .. لمست عنقها فلم تجد العقد ..
وقد بدأ الناس في الرحيل .. فرجعت سريعاً إلى مكانها الذي قضت فيه حاجتها ..
فأخذت تبحث عنه .. وأبطأت .. وجاء القوم فحملوا هودجها وهم يظنون أنها فيه ..
فاحتملوه .. فشدوه على البعير .. ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ..
وسار الجيش .. أما عائشة فبعد بحث طويل .. وجدت العقد .. فعادت إلى مكان الجيش ..
قالت عائشة :فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب .. قد انطلق الناس ..
فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي ..
فتلففت بجلبابي .. فبينما أنا جالسة في منزلي إذ غلبتني عيني فنمت ..
فوالله إني لمضطجعة إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل ..
وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته .. فلم يبت مع الناس ..
فرأى سواد إنسان نائم .. فأتاني فعرفني حين رآني ..
وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علينا ..
فلما رآني قال : إنا لله وإنا إليه راجعون .. ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ؟
فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ..
ووالله ما كلمني كلمة .. ولا سمعت منه غير استرجاعه ..
حتى أناخ راحلته .. فوطئ على يديها ..
فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس ..
فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدوني حتى أصبحنا .. فوجدناهم نازلين ..
فبينما هم كذلك .. إذ طلع الرجل يقود بي البعير ..
فقال أهل الإفك ما قالوا .. وارتجَّ العسكر .. ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ..
ثم قدمنا المدينة .. فلم ألبث أن مرضت واشتكيت شكوى شديدة ..
وأنا لا يبلغني من كلام الناس شيء ..
وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وإلى أبويَّ ..
وهم لا يذكرون لي منه قليلاً ولا كثيراً ..
إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بعض لطفه بي ..
كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي .. فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك ..
بل كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال : كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك ..
حتى وجدت في نفسي .. فلما رأيت جفاءه لي قلت ..
يا رسول الله .. لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني .. قال : لا عليك ..
فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان ..
حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة ..
فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت خالة أبي بكر رضيـ الله عنه ..
فوالله إنها لتمشي معي إذ تعثرت في مِرطها .. وسقطت أو كادت ..
فقالت : تعس مسطح .. قلت : بئس لعمر الله ما قلت .. تسبين رجلاً قد شهد بدراً ؟
فقالت : أي هنتاه .. أولم تسمعي ما قال ؟ أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ..
قلت : وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ..
قلت : أوقد كان هذا ؟ قالت : نعم والله لقد كان ..
فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت .. فازددت مرضاً إلى مرضي ..
فوالله ما زلت أبكي .. حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي ..
وقلت لأمي : يغفر الله لك .. تحدث الناس بما تحدثوا يه .. ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً ..
قالت :أي بنية خففي عليك الشأن .. فوالله لقلَّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها ..
ولها ضرائر إلا كثّرن .. وكثّر الناس عليها ..
قلت : سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا ؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت .. لا يرقأ لي دمع .. ولا أكتحل بنومـ ..
ثم أصبحت أبكي ..هذا حال عائشة ..
تتهم بذلك وهي الفتاة التي لم يتجاوز عمرها خمس عشرة سنة .. تتهم بالزنا ..
وهي العفيفة الشريفة .. زوجة أطهر الناس .. التي ما كشفت سترها .. ولا هتكت عرضها ..
هذا حالها تبكي في بيت أبويها ..
أما حال رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فلا يبعد حزناً وهماً .. عن عائشة ..
فلا جبريل يرسل .. ولا القرآن ينزل .. ويبقى صلى الله عليه وسلمـ متحيراً في أمره ..
وقد كبر عليه اتهام المنافقين .. وكلام الناس في عرضه زوجه ..
فلما طال الأمر عليه .. قام صلى الله عليه وسلمـ في الناس فخطبهم ..
فحمد الله .. وأثنى عليه .. ثم قال :
أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي .. ويقولون عليهم غير الحق ..
والله ما علمت عليهم إلا خيراً .. ويقولون ذلك لرجل .. والله ما علمت منه إلا خيراً ..
ولا يدخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي ..
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلمـ تلك المقالة ..
قام أمير الأوس سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفك إياهم ..
وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم ..
فلما سمع ذلك أمير الخزرج سعد بن عبادة قام .. وكان رجلاً صالحاً ..
لكن أخذته الحمية ..قام فقال : كذبت لعمر الله .. ما تضرب أعناقهم ..
أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ؟
ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ..
فقال أسيد بن حضير : كذبت لعمر الله .. والله لنقتلنه ..
ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ..
ثم ثار الناس بعضهم إلى بعض .. حتى كادوا أن يقتتلوا ..
ورسول الله صلى الله عليه وسلمـ قائم على المنبر ..
فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا .. وسكت ..
فلما رأى صلى الله عليه وسلمـ ذلك .. نزل فدخل بيته ..
ولما رأى أن الأمر لا يمكن حله من جهة عموم الناس ..
أراد أن يجد حلاً من جهة أهل بيته .. وأخص الناس به ..
فدعا علياً وأسامة بن زيد .. فاستشارهما ..
فأما أسامة فأثنى على عائشة خيراً وقال : يا رسول الله ..
أهلك وما نعلم منهم إلا خيراً .. وهذا الكذب والباطل ..
وأما علي فإنه قال : يا رسول الله إن النساء لكثير .. وإنك لقادر على أن تستخلف ..
وسل الجارية فإنها ستصدقك .. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بريرة ..
فقال : أي بريرة .. هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟
فقالت بريرة : لا .. والذي بعثك بالحق نبياً ..
والله ما أعلم إلا خيراً .. وما كنت أعيب على عائشة شيئاً ..
إلا أنها جارية حديثة السن .. فكنت أعجن عجيني .. فآمرها أن تحفظه فتنام عنه ..
فتأتي الشاة فتأكله .. نعم .. كيف ترى الجارية على عائشة ريبة ..
وهي الفتاة الصالحة التي رباها صديق الأمة أبو بكر .. وتزوجها سيد ولد آدم ..
بل كيف تقع في ريبة .. وهي أحب الناس إلى رسول الله ..
ولم يكن صلى الله عليه وسلمـ يحب إلا طيباً ..
فهي البريئة المبرأة .. ولكن الله يبتليها ليعظم أجرها .. ويرفع ذكرها ..
وتمضي على عائشة الأيام .. والآلام تلد الآلام.. وهي تتقلب على فراش مرضها ..
لا تهنأ بطعام ولا شراب .. وقد حاول رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
أن يحل المشكلة .. بخطبة على رؤوس الناس فكادت أن تقع الحرب بين المسلمين ..
وحاول أن يحلها في بيته ويسأل علياً وزيداً .. فلم يخرج بشيء ..
فلما رأى ذلك .. أراد أن ينهي الأمر من جهة عائشة ..
قالت رضي الله عنها : وبكيت يومي ذلك لا ترقأ لي دمعه .. ولا اكتحل بنوم ..
ثم بكيت ليلتي المقبلة لا ترقأ لي دمعه ولا أكتحل بنوم ..
وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي .. فأقبل يحث الخطى إلى بيت أبي بكر ..
فاستأذن .. ودخل عليها وعندها أبوها وأمها .. وامرأة من الأنصار ..
وهي أول مرة يدخل فيها بيت أبي بكر .. منذ قال الناس ما قالوا ..
وما رأى عائشة منذ قرابة الشهر ..
وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شيء في شأن عائشة ..
دخل صلى الله عليه وسلمـ على عائشة .. فإذا طريحة الفراش ..
وكأنها فرخ منتوف من شدة البكاء والهم ..
وإذا هي تبكي .. والمرأة تبكي معها .. لا يملكان من الأمر شيئاً ..
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فحمد الله وأثنى عليه ..
ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا .. وذكر صلى الله عليه وسلمـ ..
خبر الإفك .. وما أشيع من وقوعها في خطأ كبير .. ثم أراد صلى الله عليه وسلمـ ..
أن يبين لها أن الإنسان مهما وقع في خطأ فإن معالجة هذا الخطأ ليست صعبة ..
فقال لها : فإن كنت بريئه فسيبرئك الله عز وجل .. وإن كنت ألممت بذنب ..
فاستغفري الله عز وجل وتوبي إليه .. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب .. تاب الله عليه ..
هكذا .. حل سهل للخطأ .. إن كان قد وقع .. دون تعقيد وتطويل ..
قالت عائشة : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
مقالته .. قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ..
وانتظرت أبويَّ أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فلم يتكلما ..
فقلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فيما قال .. فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلمـ !
ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام ..
فلما استعجما علي .. استعبرت فبكيت ؟
ثم قلت : لا .. والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً ..
إني والله قد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ..
ولئن قلت لكم إني بريئة .. والله عز وجل يعلم إني بريئة .. لا تصدقوني ..
وإن اعترفت لكم بأمر .. والله يعلم أني منه بريئة .. تصدقوني ..
وإني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف :
] فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [ ..
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ..
وأنا والله أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ..
ولكن والله ما كنت أظن أن يَنزِلَ في شأني وحيٌ يتلى ..
ولشأني كان أحقرَ في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى ..
ولكن كنت أرجو أن يرى رسولُ الله صلى الله عليه وسلمـ ..
في النوم رؤيا يبرئني الله عز وجل بها ..
فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلمـ مجلسه .. ولا خرج من أهل البيت أحد ..
حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه .. وأنزل الله على نبيه ..
فأما أنا حين رأيته يوحى إليه .. فوالله ما فزعت .. وما باليت ..
قد عرفت أني بريئة .. وأن الله غير ظالمي .. وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ..
ما سُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
حتى ظننت لتخرجن أنفسهما .. فرقاً من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس ..
فلما سُرّي عنه صلى الله عليه وسلمـ .. فإذا هو يضحك ..
فجعل يمسح العرق عن وجهه .. وكان أول كلمة تكلم بها ..
أن قال .. أبشري يا عائشة قد أنزل الله عز وجل براءتك .. فقلت : الحمدلله ..
وأنزل الله تعالى : ] إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عظيم *
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ *
لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [ ..
وتوعد الله أولئك بقوله :] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ ..
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلمـ إلى الناس .. فخطبهم ..
وتلا عليهم ما أنزل الله من القران في ذلك .. ثم أقام حد القذف على من قذف ..
إذن .. ينبغي أن تتعامل مع المخطئ على أنه مريض يحتاج إلى علاج ..
لا أن تبالغ في كبته وتعنيفه .. لأنه قد يصل إلى درجة يشعر معها أنك فرحٌ بهذا الخطأ
والطبيب الناصح هو الذي يهتم بصحة مرضاه أكثر من اهتمامهم هم بأنفسهم ..
قال صلى الله عليه وسلمـ : إنما مثلي ومثل الناس .. كمثل رجل استوقد ناراً ..
فلما أضاءت ما حوله .. جعل الفَرَاشُ وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها ..
فجعل ينزعهن .. ويغلبنه فيقتحمن فيها !!
فأنا آخذٌ بحجَزِكُم عن النار .. وأنتم تقحمون فيها ..
:: رأي ::
أحياناً تكون طريقتنا في التعامل مع الأخطاء أكبر من الخطأ نفسه ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثاني و السبعــــــــــون : قابل الإساءة بالإحسان ..
يقول الشيخـ :::: عندما تتعامل مع الناس فإنهم يعاملونك في الغالب على ما يريدون هُمـ ..
لا على ما تريد أنت فليس كل من قابلته ببشاشة بادلك بشاشة مثلها ..
فبعضهم قد يغضب ويسيء الظن ويسألك : مم تضحكـ ؟!
ولا كل من أهديت له هدية .. رد لك مثلها ..
فبعضهم قد تهدي إليه ثم يغتابك في المجالس ويتهمك بالسفه وتضييع المال ..!!
ولا كل من تفاعلت معه في كلامه .. أو أثنيت عليه وتلطفت معه في عباراتك قابلك بمثلها ..
فإن الله قسم الأخلاق كما قسم الأرزاق ..
والمنهج الرباني هو : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن
فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ..
وبعض الناس لا حل له ولا إصلاح إلا أن تتعامل معه بما هو عليه .. فتصبر عليه أو تفارقه ..
ذُكر أن أشعب سافر مع رجل من التجار ..
وكان هذا الرجل يقوم بكل شيء من خدمة وإنزال متاع وسقي دوابـ ..
حتى تعب وضجر .. وفي طريق رجوعهما .. نزلا للغداء ..
فأناخا بعيريهما ونزلا .. فأما أشعب فتمدد على الأرض ..
وأما صاحبه فوضع الفرش .. وأنزل المتاع ..
ثم التفت إلى أشعب وقال : قم اجمع الحطب وأنا أقطع اللحم ..
فقال أشعب : أنا والله متعب من طول ركوب الدابة ..
فقام الرجل وجمع الحطب .. ثم قال : يا أشعب ! قم أشعل الحطب ..
فقال : يؤذيني الدخان في صدري إن اقتربت منه .. فأشعلها الرجل ..
ثم قال : يا أشعب ! قم أمسك علي لأقطع اللحم ..
فقال : أخشى أن تصيب السكين يدي .. فقطع الرجل اللحم وحده ..
ثم قال : يا أشعب ! قم ضع اللحم في القدر واطبخ الطعام ..
فقال : يتعبني كثرة النظر إلى الطعام قبل نضوجه ..
فتولى الرجل الطبخ والنفخ .. حتى جهز الطعام وقد تعب ..
فاضجع على الأرض .. وقال : يا أشعب ! قم جهز سفرة الطعام ..
وضع الطعام في الصحن ..
فقال أشعب :جسمي ثقيل ولا أنشط لذلك ..
فقام الرجل وجهز الطعام ووضعه على السفرة ..
ثم قال : يا أشعب ! قم شاركني في أكل الطعام ..
فقال أشعب :قد استحييت والله من كثيرة اعتذاري وها أنا أطيعك الآن ..
ثم قام وأكل !! فقد تلاقي من الناس من هو مثل أشعب .. فلا تحزن .. وكن جبلاً ..
كان المربي الأول صلى الله عليه وسلمـ يتعامل مع الناس بعقله لا بعاطفته ..
كان يتحمل أخطاء الآخرين ويرفق بهم ..
وانظر إليه صلى الله عليه وسلمـ وقد جلس في مجلس مبارك يحيط به أصحابه ..
فيأتيه أعرابي يستعينه في دية قتيل .. قد قتل .. هو أو غيره .. رجلاً ..
فأقبل يريد من النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أن يعينه بمال .. يؤديه إلى أولياء المقتول ..
فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ شيئاً .. ثم قال تلطفاً معه : أحسنت إليك ؟
قال الأعرابي : لا .. لا أحسنت ولا أجملت ..
فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه ..
فأشار النبيـ صلى الله عليه وسلمـ إليهم أن كفوا ..
ثم قام صلى الله عليه وسلمـ إلى منزله .. ودعا الأعرابي إلى البيت ..
فقال له : إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت ..
ثم زاده صلى الله عليه وسلمـ شيئاً من مال وجده في بيته ..
فقال : أحسنت إليك ؟
فقال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ..
فأعجبه صلى الله عليه وسلمـ هذا الرضى منه .. لكنه خشي أن يبقى ..
في قلوب أصحابه على الرجل شيء .. فيراه أحدهم في طريق أو سوق ..
فلا يزال حاقداً عليه .. فأراد أن يسلَّ ما في صدورهم ..
فقال له صلى الله عليه وسلمـ : إنك كنت جئتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت ..
وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء ..
فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي .. حتى يذهب عن صدورهم ..
فلما جاء الأعرابي .. قال صلى الله عليه وسلمـ : إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه ..
فقال ما قال .. وإنا قد دعوناه فأعطيناه .. فزعم أنه قد رضي ..
ثم التفت إلى الأعرابي وقال : أكذاكـ ؟
قال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ..
فلما هم الأعرابي أن يخرج إلى أهله ..
أراد صلى الله عليه وسلمـ أن يعطي أصحابه درساً في كسب القلوب ..
فقال لهمـ : إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه ..
فاتبعها الناس .. يعني يركضون وراءها ليمسكوها ..
وهي تهرب منهم فزعاً .. ولم يزيدوها إلا نفوراً ..
فقال صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي .. فأنا أرفق بها وأعلم بها ..
فتوجه إليها صاحب الناقة فأخذ لها من قشام الأرض .. ودعاها ..
حتى جاءت واستجابت .. وشد عليها رحلها .. واستوى عليها ..
ولو أني أطعتكم حيث قال ما قال .. دخل النار ..
يعني لو طردتموه .. لعله يرتدّ عن الدين .. فيدخل النار ..
وما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه ..
( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه
عداوة كأنه ولي حميم ) ..
ذُكر أنه صلى الله عليه وسلمـ لما فتح مكة .. جعل يطوف بالبيتـ ..
فأقبل فضالة بن عمير .. رجل يظهر الإسلام ..
فجعل يطوف خلف النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
ينتظر منه غفلة .. ليقتله ..!!
فلما دنا من النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
انتبه صلى الله عليه وسلمـ إليه .. فالتفت إليه وقال : أفضالة !!
قال : نعم .. فضالة يا رسول الله .. قال : ماذا كنت تحدث به نفسكـ ؟
قال : لاشيء .. كنت أذكر الله ..!!
فضحك النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. ثم قال : أستغفر الله ..
قال فضالة .. : ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يده على صدري ..
فسكن قلبي .. فوالله ما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يده عن صدري ..
حتى ما خلق الله شيء أحب إلي منه ..
ثم رجع فضالة إلى أهله .. فمر بامرأة كان يجالسها .. ويتحدث إليها ..
فلما رأته .. قالت : هلم إلى الحديث ..
فقال : لا .. ثم قال ..
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ** يأبى عليك الله و الإسلام
لو ما رأيت محمداً وقبيله ** بالفتح يوم تكسَّر الأصنامُ ..
لرأيت دين الضحى بينا ** والشرك يغشى وجهه الإظلام
وكان فضالة بعدها من صالحي المسلمين ..
كان صلى الله عليه وسلمـ يملك قلوب الناس بالعفو عنهمـ ..
يتحمل الأذى في سبيل التأثير فيهم .. وجرهم إلى الخير ..
كان أبو طالب يكف عن النبي ، صلى الله عليه وسلمـ كثيراً من أذى قريش ..
فلما مات أبو طالب .. ضيقت قريش كثيراً على النبيـ صلى الله عليه وسلمـ في مكة ..
ونالت من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبي طالب ..
فجعل صلى الله عليه وسلمـ يفكر في مكان آخر يلجأ إليه .. يجد فيه النصرة والتأييد ..
فخرج إلى الطائف يلتمس من قبيلة ثقيف النصرة والمنعة .. دخل الطائف ..
فتوجه إلى ثلاثة رجال هم سادة ثقيف وأشرافهم .. وهم أخوة ثلاثة ..
عبد ياليل بن عمرو .. وأخوه مسعود ..وحبيب ..
جلس اليهم .. دعاهم إلى الله .. كلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام ..
والقيام معه على من خالفه من قومه ..
فكان ردهم بذيئاً !! أما أحدهم فقال : أنا أمرط ثياب الكعبة .. إن كان الله أرسلك !!
وقال الآخر : أما وجد الله أحداً يرسله غيرك ؟!
وجعل الثالث يبحث متحذلقاً عن عبارة يرد بها .
. حرص على أن تكون أبلغ من كلام صاحبيه ..
فقال : والله لا أرد عليك أبداً .. لئن كنت رسولاً من الله كما تقول ..
لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام .. ولئن كنت تكذب على الله ..
فما ينبغي لي أن أكلمك ..
فقام صلى الله عليه وسلمـ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ..
وخشي أن تعلم قريش أنهم ردوه .. فيزدادون أذى له ..
فقال لهم : إن فعلتم ما فعلتم .. فاكتموا عليَّ ..
فلم يفعلوا .. بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم ..
فجعلوا يركضون وراء رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يسبونه ويصيحون به .. وقد اصطفوا صفين .. وهو يسرع الخطى بينهم ..
وكلما رفع رجلاً رضخوها بالحجارة ..وهو صلى الله عليه وسلمـ يحاول ..
أن يسرع فيخطاه ليتقي ما يرمونه به من حجارة ..
وجعلت قدماه الشريفتان صلى الله عليه وسلمـ تسيلان بالدماء ..
وهو الكهل الذي جاوز الأربعين .. فأبعد عنهم .. ومشى .. ومشى ..
حتى جلس في موضع آمن يستريح ..
تحت ظل نخلة ..وهو منشغل البال .. كيف ستستقبله قريش .. كيف سيدخل مكة ..
فرفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم اليك أشكو ضعف قوتي ..
وقلة حيلتي .. وهواني على الناس .. يا أرحم الراحمين .. أنت رب المستضعفين ..
وأنت ربي .. إلى من تكلني ! إلى بعيد يتجهمني .. أم إلى عدو ملكته أمري !
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي .. ولكن عافيتك هي أوسع لي ..
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات .. وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ..
من أن تنزل بي غضبك .. أو تحل عليَّ سخطك .. لك العتبى حتى ترضى ..
ولا حول ولا قوة الا بك .. فبينما هو كذلك ..
فإذ بسحابة تظله صلى الله عليه وسلمـ .. وإذا فيها جبريل عليه السلام ..
فناداه : يا محمد .. إن الله قد سمع قول قومك لك .. وما ردوا عليك ..
وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ..
وقبل أن ينطق صلى الله عليه وسلمـ بكلمة .. ناداه ملك الجبال ..
السلام عليك يا رسول الله .. يا محمد .. إن الله قد سمع قول قومك لك ..
وأنا ملك الجبال .. قد بعثني اليك ربك لتأمرني ما شئت ..
ثم قبل أن ينطق صلى الله عليه وسلمـ .. أو يختار .. جعل ملك الجبال يعرض عليه ويقول ..
إن شئت تطبق عليهم الأخشبين .. وهما جبلان عظيمان في جانبي مكة ..
وجعل ملك الجبال ينتظر الأمر ..فإذا به صلى الله عليه وسلمـ ..
يطأ على حظوظ النفس وشهوة الانتقام .. ويقول
بل .. أستأني بهم .. فإني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً ..
:: كن بطلاً ::
وإن الذي بيني وبين بني أبي **** وبين بني عمــي لمخـتـلف جداً
فإن أكلوا لحمـي وفرت لحومهم **** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً
وليســوا إلى نـصــري سراعـــاً **** وإن همدعوني إلى نصر أتيتهم شداً
ولا أحمـل الحقــد القديــم عليهم **** وليس رئيـس القوم من يحمل الحقد
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثالث و السبعــــــــــون : لا تلمني !! انتهى الأمر .. ؟
يقول الشيخـ :::: يظن بعض الناس أنه عندما يلوم الآخرين على أخطائهمـ ..
التي ربما تكون لا ترى إلا بالمجهر .. يظن أنه يتقرب منهم أكثر ..
أو أنه يقوي شخصيته بذلك .. الحق أنه ليس الذكاء والفطنة أن تستطيع اللوم ..
وإنما هو أن تتجنبه قدر المستطاع .. وتسعى إلى إصلاح الأشخاصـ ..
بأساليب لا تجرح .. ولا تحرج .. أحياناً تحتاج في بعض الأمور أن تتعامى ..
خاصة الأشياء الدنيوية .. والحقوق الخاصة ..
ليس الغبي بسيد في قومه *** لكن سيد قومه المتغابي
والملوم يعتبر اللوم سهماً حاداً يوجه إليه .. لأنه يشعره بنقصه ..
هذا أولاً .. ثانياً .. تجنب النصح في الملأ قدر المستطاعـ ..
تغمدني بنصحك في انفرادي *** وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصـــح بين النـاس نــوع *** من التوبيخ لا أرضى استـماعـه
بل .. إذا انتشر خطأ معين .. واضطررت إلى النصح العام ..
فاعمل بقاعدة : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا .. كما تقدم معنا .. إذنـ ..
اللوم كالسوط الذي يجلد به اللائم ظهر الملومـ ..
وبعض الناس ينفر الآخرين إما بكثرة لومه ..
أو بلومه على أمور انتهت ولا يقدم اللوم أو يؤخر فيها شيئاً ..
أذكر أن رجلاً فقيراً .. تغرب عن أهله إلى بلد آخر .. واشتغل سائق شاحنة ..
كان في أحد الأيام متعباً لكنه ركب الشاحنة ومضى بها في طريق طويل بين مدينتينـ ..
غلبه النوم أثناء الطريق .. فجعل يصارعه وأسرع قليلاً ..
فتجاوز سيارة أمامه دون أن ينتبه إلى الطريق فإذا أماه سيارة صغيره فيها ثلاثة أشخاصـ ..
حاول أن يتفاداها .. لم يستطع .. فاصطدم بها وجهاً لوجه .. ثار الغبار ..
وجعل المارة يوقفون سياراتهم ويتفرجون على الحادثـ ..
نزل سائق الشاحنة .. ونظر إلى السيارة المصدومة ..
وإلى من بداخلها فإذا هم موتى .. أنزلهم الناس واتصلوا بالإسعافـ ..
قعد سائق الشاحنة ينتظر وصول الإسعاف ..
ويفكر فيما سيحصل له بعد الحادث من سجن ودية ..
ويفكر في أولاده الصغار .. وزوجته ..
مسكين .. هموم انهدت عليه كالجبال ..!! جعل الناس يمرون به ويلومونه ..
عجباً ..!! أهذا وقت اللوم .. ألا يمكن أن يؤجل قليلاً ؟
قال أحدهم : لماذا تسرع ؟ هذه عواقب السرعة ..
وقال آخر : أكيد أنك كنت نعسان ومع ذلك استمريت في القيادة ..!
لم توقف سيارتك وتنام ..؟
وقال ثالث : المفروض أن مثلك لا تصرف لهم رخص قيادة !!
كانوا يقولون هذه العبارات بأسلوب حاد .. فيه تعنيف وصراخـ ..
كان الرجل واجماً .. جالساً على صخرة ساكتاً .. متكئاً برأسه على يديه ..
وفجأة هوى على جنبه .. و .. و ..
مااات ..قتلوه بلومهم .. ولو صبروا قليلاً لكان خيراً له ولهمـ ..
ضع نفسك موضع الملوم .. المخطئ .. وفكر من وجهة نظره ..
فأحياناً لو كنت مكانه قد تقع في خطأ أكبر من خطئه ..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يراعي ذلك كثيراً ..
لما انصرفـ صلى الله عليه وسلمـ من خيبر .. أطالوا المسير حتى تعبوا ..
فلما أقبل الليل .. نزلوا في موضع في الطريق ليناموا ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننامـ ؟
كان بلال رضيـ الله عنه متحمساً فقال : أنا يا رسول الله أحفظه عليك ؟
فاضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. ونزل الناس فناموا ..
وقام بلال يصلي حتى تعب .. وقد كان متعباً من طول الطريق قبل ذلك ..
فقعد واستند إلى بعيره مستريحاً .. واستقبل الفجر يرمقه .. فغلبته عينه .. فناااام ..
كان الجميع في تعب شديد .. فطال نومه ونومهم .. ومضى الليل ..
وطلع الصبح .. والكل نيام .. ولم يوقظهم إلا حر الشمسـ ..
استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وهبَّ الناس من نومهم ..
فلما رأوا الشمس اضطربوا .. وكثر لغطهم ..
الكل ينظر إلى بلال .. التفتـ صلى الله عليه وسلمـ ..
إلى بلال وقال : ماذا صنعت بنا يا بلال ؟
فأجاب بلال بجواب مختصر .. لكنه موضح للواقع تماماً ..
قال : يا رسول الله .. أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ..يعني أنا بشر ..
حاولت أن أقاوم النوم .. فلم أستطع .. غلبني النوم كما غلبكم !!
فقال صلى الله عليه وسلمـ :صدقت .. وسكت عنه ..نعم فما فائدة اللوم هنا ..
فلما رأى صلى الله عليه وسلمـ اضطراب الناسـ ..
قال صلى الله عليه وسلمـ : ارتحلوا .. فارتحلوا .. فمشى شيئاً يسيراً ..
ثم نزل ونزلوا .. فتوضأ وتوضئوا .. ثم صلى بالناس .. فلما سلم ..
أقبل على الناس فقال : إذا نسيتم الصلاة .. فصلوها إذا ذكرتموها ..
فلله دره ما أعقله وأحكمه صلى الله عليه وسلمـ ..
كان مدرسة لكل قائد ..
ليس مثل بعض الرؤساء اليوم لا تكاد عصا اللوم والتقريع تنزل من يده ..
بل كان صلى الله عليه وسلمـ يضع نفسه مكان من تحته ويفكر بعقولهمـ ..
ويتعامل مع القلوب قبل الأجساد .. يعلم أنهم بشر .. وليسوا آلات !!
في السنة الثامنة من الهجرة .. جمع الروم جيشاً .. وأقبل من جهة الشام ..
لقتال النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. وأصحابه .. وقيل إنه صلى الله عليه وسلمـ ..
جمع جيشاً لغزوهم ابتداءً ..بدأ صلى الله عليه وسلمـ يجهز جيشاً لإرساله إليهم ..
فلم يزل يحث الناس حتى جمع ثلاثة آلاف .. فزودهم بما وجد من سلاح وعتاد ..
قال لهم : أميركم زيد بن حارثة .. فإن أصيب زيد ..
فجعفر بن أبي طالب على الناسـ ..
فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة .. وخرج معهم صلى الله عليه وسلمـ يودعهم ..
وخرج الناس يودعون الجيش ..
ويقولون : صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحينـ ..
كان عبد الله بن رواحة مشتاقاً إلى الشهادة فقال :
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً **** وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة **** بحربة تنفذ الأحشــاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ياأرشد الله من غازٍوَقد رشدا ..
ثم مضى الجيش حتى نزلوا "معان" من أرض الشام ..
فبلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ..
وانضم إليه من القبائل حوله مائة ألف .. فصار جيش الروم مائتي ألف ..
فلما تيقن المسلمون من ذلك .. أقاموا في "معان" ليلتين ينظرون في أمرهم ..
فقال بعضهم : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ نخبره بعدد عدونا ..
فإما أن يمدنا بالرجال .. أو يأمرنا بما يشاء فنمضي له .. وكثر كلام الناس في ذلك ..
فقام عبد الله بن رواحة .. ثم صاح بالناس
وقال : يا قوم .. والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون ..
الشهادة في سبيل الله .. تفرون منها !!
وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة .. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ..
فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين .. إما ظهور وإما شهادة ..
فمضى الناس .. يسيرون .. حتى إذا دنوا من جيش الرومـ ..
في موقعة "مؤتة" فإذا أعداد عظيمة لا قبل لأحد بها ..
قال أبو هريرة رضيـ الله عنه : شهدت يوم مؤتة .. فلما دنا منا المشركون ..
رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة .. والسلاح .. والكراع .. والديباج .. والحرير .. والذهب ..
فبرق بصري .. فقال لي ثابت بن أرقم : يا أبا هريرة .. كأنك ترى جموعاً كثيرة ؟
قلت : نعم .. قال : إنك لم تشهد بدراً معنا .. إنا لم ننصر بالكثرة ..
ثم التقى الناس فاقتتلوا .. فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
حتى كثرت عليه الرماح وسقط صريعاً شهيداً رضيـ الله عنه ..
فأخذ الراية جعفر بكل بطولة .. فاقتحم عن فرس له شقراء فجعل يقاتل القوم ..
وهو يقول :
يا حبـذا الجنــة واقـترابها **** طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها **** كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت ..
فأخذ اللواء بشماله فقطعت .. فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ..
قال ابن عمر : وقفت على جعفر يومئذ .. وهو قتيل ..
فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره ..
فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء ..
إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعته نصفين .. فلما قتل جعفر ..
أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه ..
فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ويقول :
أقسـمــــت يا نفــس لتنزلنه **** لتنزلنـ أو لتكـرهنـه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة **** مالي أراك تكرهين الجنة
ثم قال :
يا نفس إلا تقتلي تموتي **** هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيـت فقد أعطيــت **** إن تفعلي فعلهما هديت
ثم نزل .. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم ..شد بهذا صلبك ..
فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت .. فأخذه من يده فانتهش منه نهشة ..
ثم سمع الحطمة في ناحية الناسـ ..
فقال : وأنت في الدنيا ! فألقاه من يده .. ثم أخذ سيفه ثم تقدم ..
فقاتل حتى قتل رضيـ الله عنه .. فوقعت الراية .. واضطرب المسلمون ..
وابتهج الكافرون .. والراية تطؤها الخيل .. ويغلوها الغبار ..
فأقبل البطل ثابت بن أرقم .. ثم رفعها .. وصاح ..
يا معاشر المسلمين .. هذه الراية .. فاصطلحوا على رجل منكم ..
فتصايح من سمعه وقالوا : أنت .. أنت .. قال : ما أنا بفاعل ..
فأشاروا إلى خالد بن الوليد .. فلما أخذ الراية .. قاتل بقوة ..
حتى إنه كان يقول : لقد اندقَّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ..
فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية ..
ثم انحاز خالد بالجيش .. وانحاز الروم إلى معسكرهم ..
خشي خالد أن يرجع بالجيش إلى المدينة من ليلته .. فيتبعهم الروم ..
فلما أصبحوا .. غير خالد مواقع الجيش .. فجعل مقدمة الجيش .. في المؤخرة ..
وجعل مؤخرة الجيش مقدمة .. ومن كانوا يقاتلون في يمين الجيش ..
أمرهم بالانتقال إلى يساره .. وأمر من في الميسرة أن يذهبوا للميمنة ..
فلما ابتدأ القتال .. وأقبل الروم ..
فإذا كل سرية منهم ترى رايات جديدة .. ووجوهاً جديدة ..
فاضطرب الروم .. وقالوا : قد جاءهم في الليل مدد .. فرعبوا في القتال ..
فقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة .. ولم يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلاً ..
وانسحب خالد بالجيش .. آخر النهار من ساحة القتال ..
ثم واصل مسيره نحو المدينة ..
فلما أقبلوا إلى المدينة .. لقيهم الصبيان يتراكضون إليهمـ ..
ولقيتهم النساء .. فجعلوا يحثون التراب في وجوه الجيش ..
ويقولون : يا فرار .. فررتم في سبيل الله ..
فلما سمع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ذلكـ ..
علم أنهم لم يكن أمامهم إلا ذلك ..وأنهم فعلوا ما بوسعهم ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ مدافعاً عنهم : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار ..
إن شاء الله عز وجل نعم انتهى الأمر .. وهم أبطال ماقصروا ..
لكنهم بشر والأمر كان فوق طاقتهم ..
إذن الصلاة على الميت الحاضر .. أحياناً انتهى الأمر فلا فائدة من اللومـ ..
كان هذا منهجه صلى الله عليه وسلمـ دائماً ..
لما سمع الكفار برسول الله صلى الله عليه وسلمـ قادماً بجيشه إلى مكة فاتحاً ..
دخلهم الرعب .. فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ..
من يقول لهم : من دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمنـ ..
ومن دخل المسجد فهو آمن .. ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..
فبدأ الناس يفرون من بين يديه صلى الله عليه وسلمـ ..
فاجتمع بعض فرسان قريش .. وأردوا أن يحاربوا .. فأبى عليهم قومهم ..
فاجتمع نفر منهم في مكان يقال له الخندمة .. اجتمع صفوان بن أمية ..
وعكرمة بن أبي جهل .. وسهيل بن عمرو .. وجمعوا ناساً معهم بالخندمة ليقاتلوا ..
وكان حماس بن قيس .. يعد سلاحاً قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
ويصلحه .. فقالت له امرأته : لماذا تعد ما أرى ؟ قال : لمحمد وأصحابه ..!!
كانت امرأته تعلم بقوة المسلمين ..
فقالت : والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء !
قال : والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم .. يعين ياسر بعضهم ويجيء بهم إليها خدماً ..
ثم قال مفتخراً :
إن يقبلوا اليوم فما لي علة .. هذا سلاح كامل وأله .. وذو غرارين سريع السلة ..
ثم خرج من عندها .. إلى موقع "الخندمة" .. حيث اجتمع أصحابه ..
فما هو إلا أن لقيهم المسلمون .. يتقدمهم سيف الله خالد بن الوليد ..
فابتدأ القتال .. وصال الأبطال ..فقتل في لحظة واحدة ..
أكثر من اثني عشر أو ثلاثة عشر .. من الكفار ..فلما رأى حماس بن قيس ذلك ..
التفت إلى صفوان وعكرمة .. فإذا هما يفران إلى بيوتهما ..فانهزم معهمـ ..
وذهب يعدو إلى بيته .. فدخله سريعاً ..
وأخذ يصيح بامرأته فزعاً :أغلقي علي بابي فإنهم يقولون من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن ..
فقالت : فأين ما كنت تقول ؟ أن تهزمهم .. وتخدمني بعضهم ..!!
فقال :
إنك لو شهدت يـوم الخندمة **** إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبـو يزيــد قائــم كـالمؤتمة **** واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة **** ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة
لهم نهيـت خلفنــا وهمهمة **** لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
صحيح .. لو رأت امرأته ما رأى من شدة القتال .. ما نطقت في لومه كلمة ..
وفي موقف آخر ..لما دخل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
مكة فاتحاً .. فقد كان يعلم عظمة البلد الحرام .. فقاتل قتالاً يسيراً ..
ثم قال : إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض .. وإنما حلَّ لي ساعة من نهار ..
فقيل له : يا رسول الله .. أنت تنهى عن القتل ..
وهذا خالد بن الوليد في كتيبته .. يقتل من لقيه من المشركين ؟
فقال صلى الله عليه وسلمـ : قم يا فلان .. فأت خالد بن الوليد ..
فقل له : فليرفع يده من القتل .. هذا الرجل يعلم أنهم الآن يعيشون حالة حرب ..
وأن النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أمرهم قريشاً بالبقاء في بيوتهم لئلا يقتلوا ..
فمن كان في غير بيته استحق المقاتلة ..
ففهم من قول النبي صلى الله عليه وسلمـ : يرفع يده من القتل ..
أي يقتل كل من وقف أمامه .. حتى يرفع يده بالسيف لأنه لا يجد من يقتل ..!!
فأتى الرجل خالداً فصاح به : يا خالد .. إن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يقول : اقتل من قدرت عليه ! فقتل خالد سبعين إنساناً ..
فأتي رجل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. قال : يا رسول الله .. هذا خالد يقتل ..
فعجب النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. كيف يقتل وقد نهاه ..؟ !فأرسل إلى خالد ليأتيه ..
فأتاه .. فقال صلى الله عليه وسلمـ : " ألم أنهك عن القتل ؟ "
فعجب خالد وقال : يا رسول الله .. جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه ..
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلمـ إلى ذاك الرجل .. فجاء ورأى خالداً ..
فقال له صلى الله عليه وسلمـ :" ألم أقل يرفع يده من القتل ؟ "
فأدرك الرجل خطأه .. لكن الأمر انتهى .. فقال : يا رسول الله .. أردتَّ أمراً ..
وأراد الله أمراً .. فكان أمرُ الله فوق أمرك .. وما استطعتُ إلا الذي كان ..
فسكت عنه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ وما ردَّ عليه شيئاً ..
من تأمل في مسيرة الحياة .. وجد هذا الأمر ظاهراً ..
أحياناً يكون الشخص قد فعل أحسن ما يستطيع ..
ركبت مع أحد الشباب في سيارته .. فإذا قيادته جيدة ..
وكنت أعلم أنه وقع له حادث تصادم قبل اسبوع .. فسألته : ألاحظ أن قيادتك جيدة ..
فلماذا صدمت قبل أسبوع ؟!قال : كان لا بد أن أصدم !! قلت عجباً !!
قال : نعم .. كان لا بد أن أصدم .. أتدري لماذا ؟ قلت : لماذا ؟!
قال : أقبلت بسيارتي على جسر .. وكنت مسرعاً ..
فلما نزلت منه فإذا السيارات أمامي متوقفة صفوفاً ..
لا أدري ما السبب .. حادث في الأمام .. أو نقطة تفتيش .. لا أدري ..
المهم أني تفاجات بها ..
كان أمامي أربعة مسارات كلها مليئة بالسيارات ..
وكنت مخيراً بين أن أنحرف عنها كلها وأسقط من فوق الجسر ..
أو أمسك فرامل بأقوى ما أستطيع وعندها ستلعب بي السيارة في الطريق ..
أو الاختيار الثالث .. وهو أهونها ..
قلت : وما هو ؟! قال : أن أصدم إحدى السيارات الأربع الواقفة أمامي ..
ضحكت .. وقلت .. هاه وماذا فعلت ؟ قال : خففت سرعتي قدر استطاعتي ..
واخترت أرخص السيارات التي أمامي .. و .. و .. صدمتها ..فكرت فيما قال ..
فرأيت أنه لا يستحق اللوم كثيراً .. وذلك أن الاختيارات التي كانت أمامه محدودة ..
يعني بعض المشاكل ليس لها حل شخص أبوه عصبي نصحه بجميع الأساليب ما نفع ماذا يفعل ؟
:: لفتة ::
ضع نفسك موضع الملوم وفكر من وجهة نظره .. ثم احكم عليه ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الرابع و السبعــــــــــون : فِرَّ من المشاكل !!
يقول الشيخـ :::: أظنه لو أجرى تحليلاً في مستشفى بدائي ..
لاكتشف في جسمه عشرة أنواع من الأمراض .. أهونها الضغط والسكر ..
كان المسكين يعذب نفسه كثيراً لأنه يطالب الناس بالمثالية التامة ..
دائماً تجده متضايقاً من زوجته .. كسرت الصحن الجديد .. نسيت كنس الصالة ..
أحرقت ثوبي الجديد بالمكواة .. وأولاده .. خالد إلى الآن لم يحفظ جدول الضرب ..
وسعد .. لم يظفر بتقدير ممتاز .. وسارة .. وهند ..هذا حاله في بيته ..
أما بين زملائه .. فأعظم .. أبو عبد الله قصدني لما ذكر قصة البخيل ..!
والبارحة أبو أحمد يعنيني لما تكلم عن السيارات القديمة .. نعم يقصد سيارتي ..
نعم .. كان ينظر إليَّ ..إلى آخر مواقف وتفكيرات هذا الرجل المسكين ..
قديماً قالوا في المثل : إن أطاعك الزمان وإلا فأطعه ..
أذكر أن أعرابياً .. من أصدقائي .. كان يردد مثلاً حفظه من جده ..
كان يسمعني إياه كثيراً إذا بدأت أتفلسف عليه ببعض المعلومات ..
فكان يخرج زفيراً طوييييلاً من صدره ثم يقول : ياااا شيخ ..
اليد اللي ما تقدر تلويها صافحها ..!! .. وإذا تفكرت في هذا وجدته صحيحاً ..
فنحن إذا لم نعود أنفسنا على التسامح وتمشية الأمور .. أو بمعنى آخر التغابي ..
وعدم الإغراق في التفسيرات والظنون .. وإلا فسوف نتعب كثيراً ..
ليس الغبي بسيد في قومه **** لكن سيد قومه المتغابي
وأذكر أن شاباً متحمساً أقبل إلى شيخه يريده أن يساعده ..
في اختيار زوجة تكون رفيقة دربه حتى الممات ..
فقال الشيخ : ما هي الصفات التي ترغب وجودها في زوجتك ؟
فقال : منظرها جميل .. وقوامها طويل .. وشعرها حرير.. ورائحتها عبير ..
لذيذة الطعام .. عذبة الكلام .. إن نظرت إليها سرتني .. وإن غبت عنها حفظتني ..
لا تخالف لي أمراً .. ولا أخشى منها شراً .. لها دين يرفعها .. وحكمة تنفعها ..
وراح يسرد من صفات الكمال المتفرقة في النساء ويجمعها في امرأة واحدة ..
فلما أكثر على الشيخ .. قال له : يا ولدي .. عندي طلبك ..
قال : أين ؟ قال : في الجنة بإذن الله .. أما في الدنيا فعود نفسك التسامح ..
نعم في الدنيا عود نفسك التسامح .. لا تعذب نفسك بالبحث عن مشاكل لإثارتها ..
والنقاش حولها .. فيوماً تصرخ في وجه جليس : أنت تقصدني بكلامك ؟
ويوماً في وجه ولدك : أنت تريد أن تحزنني بكسلك ؟
ويوماً في وجه زوجتك : أنت تتعمدين إهمال بيتك ؟ ...
وقد كان منهج النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. التسامح عموماً .. فكان يستمتع بحياته ..
كان يدخل صلى الله عليه وسلمـ على أهله أحياناً .. في الضحى .. وهو جائع ..
فيسألهم : هل عندكم من شيء .. عندكم طعام ..
فيقولون : لا .. فيقول صلى الله عليه وسلمـ : إني إذا صائم ..
ولم يكن يصنع لأجل ذلك مشاكل .. ما كان يقول : لِمَ لم تصنعوا طعاماً ..
لِم لم تخبروني لأشتري .. إني إذا صائم .. وانتهى الأمر ..
وكان في تعامله مع الناس .. يتعامل بكل سماحة ..
قال كلثوم بن الحصين .. كان من خيار الصحابة ..
قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ غزوة تبوك ..
فسرت ذات ليلة معه ونحن بوادي "الأخضر" .. أطالوا المشي .. فجعل يغلبه النعاس ..
وجعلت ناقته تقترب من ناقة النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
ويستيقظ فجأة .. فيبعدها ..
خوفاً من أن يصيب رحل ناقته رجل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
حتى غلبته عينه في بعض الطريق .. فزاحمت راحلته راحلة النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
وضرب رحله رجل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. فآلمه ..
فقال النبيـ صلى الله عليه وسلمـ من حر ما يجد : " حسّ " ..
فاستيقظ كلثوم .. فاضطرب وقال يا رسول الله .. استغفر لي ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ بكل سماحة : سِرْ .. سِرْ ..
نعم : سِرْ .. ولم يعمل قضية .. لماذا تضايقني ؟ الطريق واسع ! ما الذي جاء بك بجانبي ؟!
لا .. لم يتعب نفسه .. ضربة رجل .. وانتهت ..
كان هذا أسلوبه صلى الله عليه وسلمـ دائماً ..
جلس يوماً بين أصحابه .. فأقبلت إليه امرأة ببردة ..
قطعة قماش فقالت :يا رسول الله .. إني نسجت هذه بيدي.. أكسوكها ..
فأخذها النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. وكان محتاجاً إليها .. وقام ودخل بيته .. فلبسها ..
ثم خرج إلى أصحابه وهي إزاره ..
فقال رجل من القوم : يا رسول الله .. اكسنيها .. فقال صلى الله عليه وسلمـ : نعم ..
ثم رجع صلى الله عليه وسلمـ .. فخلعها وطواها ..
ولبس إزاراً قديماً .. ثم أرسل بها إلى الرجل ..
فقال الناس للرجل : ما أحسنت .. سألته إياها وقد علمت أنه لا يرد سائلاً ؟!
فقال الرجل : والله ما سألته .. إلا لتكون كفني يوم أموت ..
فلما مات الرجل .. كفنه أهله فيها .. ما أجمل احتواء الناس بهذه التعاملات ..
قام صلى الله عليه وسلمـ يوماً يؤم أصحابه في صلاة العشاء ..
فدخل إلى المسجد طفلان .. الحسن والحسين .. ابنا فاطمة رضيـ الله عنها ..
فأقبلا إلى جدهما رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وهو يصلي ..
فكان إذا سجد ..وثب الحسن والحسين على ظهره .. فإذا أراد صلى الله عليه وسلمـ ..
أن يرفع رأسه .. تناولهما بيديه من خلفه تناولاً رفيقاً ..
ووضعهما عن ظهره .. فجلسا جانباً ..فإذا عاد لسجوده .. عادا فوثبا على ظهره ..
حتى قضى صلى الله عليه وسلمـ صلاته ..فأخذهما بكل رفق .. وأقعدهما على فخذيه ..
فقام أبو هريرة رضيـ الله عنه.. فقال : يا رسول الله .. أردُّهما ..؟ يعني أعيدهما لأمهما ..؟
فلم يعجل صلى الله عليه وسلمـ عليهما ..ثم لبث قليلاً .. فبرقت برقة من السماء ..
فقال لهما صلى الله عليه وسلمـ : الحقا بأمكما .. فقاما فدخلا على أمهما .. وفي يوم آخر ..
خرج النبي صلى الله عليه وسلمـ .. على أصحابه في إحدى صلاتي الظهر أو العصر ..
وهو حامل الحسن أو الحسين .. فتقدم إلى موضع صلاته .. فوضعه ..
ثم كبر مصلياً بالناس .. فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلمـ سجدة .. أطالها ..
حتى خشي عليه أصحابه أن يكون قد أصابه شيء ..
ثم رفع من سجوده .. وبعد انتهاء الصلاة .. سأله أصحابه .. قالوا : يا رسول الله ..
لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها ..!! أشيء أمرت به ؟ أو كان يوحى إليك ؟
فقال صلى الله عليه وسلمـ : كل ذلك لم يكن .. ولكن ابني ارتحلني .. فكرهت أن أعجله ..
حتى يقضي حاجته ودخل صلى الله عليه وسلمـ ..
يوماً على أم هانئ بنت أبي طالب رضيـ الله عنه .. وكان جائعاً ..
فقال : هل عندك من طعام نأكله ؟
فقالت : ليس عندي إلا كسر يابسة .. وإني لأستحي أن أقدمها إليك ..
فقال : هلمي بهن .. فأتته بهن .. فكسرهن في ماء .. وجاءت بملح فذرته عليه ..
فجعل صلى الله عليه وسلمـ .. يأكل هذا الخبز مخلوطاً بالماء ..
فالتفت إلى أم هانئ وقال : هل من إدام ؟
فقالت : ما عندي يا رسول الله إلا شيء من "خلٍّ" .. فقال : هلميه ..
فجاءته به .. فصبه على طعامه .. فأكل منه ..
ثم حمد الله عز وجل .. ثم قال : نعم الإدام الخل .. نعم .. كان يعيش حياته كما هي ..
يتقبل الأمور بحسب ما هي عليه ..
وفي رحلة الحج ..خرج صلى الله عليه وسلمـ مع أصحابه .. فنزلوا منزلاً ..
فذهب النبيـ صلى الله عليه وسلمـ فقضى حاجته .. ثم جاء إلى حوض ماء فتوضأ منه ..
ثم قام صلى الله عليه وسلمـ ليصلي .. جاء جابر بن عبد الله رضيـ الله عنه ..
فوقف عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وكبّر مصلياً معه .. فأخذ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بيده .. فأداره حتى أقامه عن يمينه ..
ومضيا في صلاتهما ..فجاء جبار بن صخر رضيـ الله عنه .. فتوضأ ..
ثم أقبل فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فأخذ صلى الله عليه وسلمـ بأيديهما جميعاً .. بكل هدوء .. فدفعهما حتى أقامهما خلفه ..
وفي يوم كان صلى الله عليه وسلمـ جالساً ..
فأقلبت إليه أم قيس بنت محصن بابن لها حديث الولادة ..
ليحنكه ويدعو له ..فأخذه صلى الله عليه وسلمـ فجعله في حجره ..
فلم يلبث الصغير أن بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
وبلل ثيابه بالبول فلم يزد النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
على أن دعا بماء فنضحه على أثر البول .. وانتهى الأمر .. لم يغضب .. ولم يعبس ..
فلماذا نعذب نحن أنفسنا ونصنع من الحبة قبة ..
ليس شرطاً أن يكون كل ما يقع حولك مرضياً لك 100% ..
وإن تجد عيباً فسدَّ الخللا **** جل من لا عيب فيه وعلا
بعض الناس يحرق أعصابه .. ويكبر القضايا .. وبعض الآباء والأمهات كذلك ..
وربما بعض المدرسين والمدرسات كذلك ..ولا تفتش عن الأخطاء الخفية ..
وكن سمحاً في قبول أعذار الآخرين .. خاصة من يعتذرون إليك حفاظاً على محبتهم معك ..
لا لأجل مصالح شخصية ..
اقبل معاذير من يأتيـك معتــذراً **** إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيـك ظاهره **** وقد أجلّك من يعصيك مستتراً
وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وقد رقى منبره يوماً ..
وخطب بأصحابه فرفع صوته حتى أسمع النساء العواتق في خدورها داخل بيوتهن ..!!
فقال صلى الله عليه وسلمـ : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه ..
لا تغتابوا المسلمين .. ولا تتبعوا عوراتهم .. فإنه من يتبع عورة أخيه ..
يتبع الله عورته .. ومن يتبع الله عورته .. يفضحه ولو في جوف بيته ..
نعم لا تتصيد الأخطاء .. وتتبع العورات .. كن سمحاً ..
وكان صلى الله عليه وسلمـ حريصاً على عدم إثارة المشكلات أصلاً ..
في مجلس هادئ مع بعض أصحابه .. صفت فيه النفوس .. واطمأنت القلوب ..
قال صلى الله عليه وسلمـ لأصحابه : ألا لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً ..
فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ..
:: لا تعذب نفسك ::
لا تثر على نفسك الغبار ما دام ساكناً .. وإن ثار فسدَّ أنفك بِكُمِّك .. واستمتع بحياتك ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الخامس و السبعــــــــــون : مفاتيح الأخطاء!
يقول الشيخـ :::: التعامل مع الأخطاء فن .. فلكل باب مفتاح .. وللقلوب دروب ..
إذا وقع أحد في خطأ كبير .. وانتشر خبره في الناسـ ..
وبدأ الناسـ يترقبون ماذا تفعل فأشغلهم بشيء ..
حتى يكون عندك وقت لدراسة الأمر .. حتى لا يتجرّأ أحد على مثل فعله ..
أو يتعودوا على مثل هذا الخطأ ..
خرج صلى الله عليه وسلمـ مع أصحابه في غزوة بني المصطلق .. وأثناء رجوعهمـ ..
نزلوا يستريحونـ .. فأرسل المهاجرون غلاماً لهم اسمه : جهجاه بن مسعود ..
ليستقي لهم من البئر ماءً .. وأرسل الأنصار غلاماً لهم اسمه سنان بن وبر الجهني ..
ليستقي لهم أيضاً .. فازدحم الغلامان على الماء ..
فكسع أحدهما صاحبه .. أي ضربه على مؤخرته ..
فصرخ الجهني : يااااا معشر الأنصار ..وصرخ جهجاه : يااااا معشر المهاجرينـ ..
فثار الأنصار .. وثار المهاجرون ..واشتد الخلاف .. والقوم قادمون من حرب ..
ولا يزالون بسلاحهم !! فانطلق صلى الله عليه وسلمـ ..
حتى اطفأ ما بينهمـ .. فتحركت الأفاعيـ ..
غضب عبد الله بن أبي بن سلول .. وعنده رهط من قومه الأنصار ..
فقال : أوقد فعلوها !! قد نافرونا .. وكاثرونا في بلادنا ..
والله ما أعدُّنا وجلابيب قريش هذه .. إلا كما قال الأول : سَـمِّن كلبك يأكلك ..
وجوِّع كلبك يتبعك !! ثم قال الخبيث : أما والله لئن رجعنا الى المدينة ..
ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ ..ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ..
أحللتموهم بلادكمـ .. وقاسمتموهم أموالكمـ ..
أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكمـ .. لتحولوا إلى غير داركمـ ..
وجعل الخبيث يهدد ويتوعد .. والذين عنده من أنصاره المنافقين ..
يؤيدونه ويشجعونه ..كان من بين الجالسين غلام صغير .. اسمه زيد ابن أرقمـ ..
فمضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فأخبره الخبر ..
وكان عمر بن الخطاب جالساً عند النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
فثار .. كيف يجرؤ هذا المنافق على رسول الله بهذا الأسلوب القبيح ..
ورأى عمر أن قتل الأفعى أولى من قطع ذيلها ..
ورأى أن قتل ابن سلول صلى الله عليه وسلمـ .. يقضي على الفتنة في مهدها ..
ولكن أن يقتله رجل من قومه الأنصار .. أسلم من أن يقتله رجل من المهاجرين ..
فقال عمر : يا رسول الله ..من مر به عباد ابن بشر الأنصاري فليقتله ..
لكن رسول الله كان أحكمـ ..فهم قادمون من حرب .. والناس بسلاحهمـ ..
والنفوس مشحونة .. وليس من المناسب إثارتهم أكثر ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : فكيف يا عمر اذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟!
لا يا عمر .. ولكن آذن الناس بالرحيل .. وكان الناس قد نزلوا للتوّ واستظلوا ..
فكيف يأمرهم بالرحيل .. في شدة الحر والشمس ..
ولم تكن عادته صلى الله عليه وسلمـ أن يرتحل في شدة الحر ..
ارتحل الناسـ ..وبلغ عبد الله بن سلول أن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
أخبره زيد بن أرقم بما سمع منه ..
فأقبل ابن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وجعل يحلف بالله .. ما قلت .. ولا تكلمت به .. كذب عليَّ الغلامـ ..
وكان ابن سلول رئيساً في قومه .. شريفا عظيما ..
فقال الأنصار : يا رسول الله .. عسى أن يكون الغلام أوْهمَ في حديثه ..
ولم يحفظ ما قال الرجل .. وجعلوا يدافعون عن ابن سلول ..
فأقبل سيد من سادة الأنصار .. أسيد بن حضير .. فحياه بتحية النبوة وسلمـ عليه ..
وقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. والله لقد رحت في ساعة منكرة ..
ما كنت تروح في مثلها !!
فالتفت إليه وقال : أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال : أي صاحب يا رسول الله ؟
قال : عبد الله بن أبي .. قال : وما قال ؟
قال :زعم أنه ان رجع الى المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ ..
فثار أسيد وقال : فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئتـ ..
هو والله الذليل .. وأنت العزيز ..ثم قال أسيد مخففاً على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يا رسول الله .. ارفق .. لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ..
فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً ..
فسكت النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. ومضى براحلته ..
والناس منهم من يجمع متاعه .. ومنهم من يرحل راحلته .. وجعلت الحادثة تنتشر ..
وصارت أحاديث الجيشـ .. لماذا ارتحلنا في هذا الوقت ..
ماذا قال ؟ كيف تعامل معه ؟ صدق ابن سلول .. لا بل كذب ..
وبدأت الشائعات تزيد .. والكلام يزاد فيه ويُنقَص .. واضطرب الجيش ..
وهم في طريقهم من قتال .. ويمرون بقبائل أعداء يتربصون بهم ..
فشعر صلى الله عليه وسلمـ أن الجيش بدأ ينقسمـ ..
فأراد أن يشغلهم عن المشكلة .. وعن النقاش فيها .. لأنهم يزيدون أوارها ..
ويشعلون الفتنة بين المهاجرين والأنصار ..
وصار الناسـ يترقبون متى ينزلون حتى يجتمع بعضهم إلى بعض ويتحدثوا في الأمر ..
فمشى صلى الله عليه وسلمـ بالناس يومهم ذلك والشمس فوقهمـ ..
ومشى ومشى حتى غابت الشمسـ .. فظن الناس أنهم سينزلون للصلاة ويرتاحون ..
فلم ينزل إلا دقائق معدودات .. صلوا ثم أمرهم فارتحلوا ..
وواصل المشيـ ليلتهم حتى أصبح .. ثم نزل فصلى الفجر .. ثم أمرهم فارتحلوا ..
ومشوا صباحهمـ حتى تعبوا .. وآذتهم الشمس ..
فلما شعر أن الإرهاقـ والتعب سيطر عليهمـ .. فليس فيهم جهد للكلامـ ..
أمرهم فنزلوا .. فما كادتـ أجسادهم تمس الأرضـ ..
حتى وقعوا نياما .. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عما حدث ..ثم أيقظهمـ ..
وارتحل بهم .. وواصل حتى دخل المدينة .. وتفرق الناس في بيوتهم عند أهليهمـ ..
وأنزل الله تعالى سورة المنافقينـ : ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَاتُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ
حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَايَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا
إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُوَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَايَعْلَمُونَ ) ..
فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ثم أخذ بأذن الغلام زيد بن أرقم .. وقال : هذا الذي أوفى لله بأذنه ..
وبدأ الناس يسبون ابن سلول .. ويلومونه .. فالتفت صلى الله عليه وسلمـ ..
إلى عمر وقال : أرأيت يا عمر .. لو قتلته يوم ذكرتـ ذلكـ ..
لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ..
ثم سكت عنه صلى الله عليه وسلمـ .. فلم يتعرض له بشيء ..
وأحياناً إذا وقع الخطأ أمام الناس قد تحتاج أن تنكر عليه بأسلوب مناسبـ ..
وإن كان أمام الناسـ .. بينما رسول الله صلى الله عليه وسلمـ جالساً يوماً مع أصحابه ..
وكانوا في أيام قحط .. واحتباس مطر .. وقلة زرع .. إذ أتاه أعرابيـ ..
فقال : يا رسول الله جهدت الأنفس .. وضاعت العيال .. ونهكت الأموال ..
وهلكتـ الأنعام ..فاستسقـ الله لنا .. فإنا نستشفعـ بك على الله ..
ونستشفع بالله عليك .. فتغير رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
لما سمعه يقول نستشفع بالله عليك .. فالشفاعة والواسطة تكون من الأدنى إلى الأعلى ..
فلا يجوز أن يقال إن الله يشفع عند خلقه .. بل يأمرهم جل جلاله ..
لأنه أعلى وأرفع .. فقال صلى الله عليه وسلمـ .. ويحك !! أتدري ما تقول ؟!!
ثم جعل صلى الله عليه وسلمـ يقدس الله .. ويردد .. سبحااان الله .. سبحااان الله ..
فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه .. ثم قال ..
ويحك !! إنه لا يُسْتَشفعُ بالله على أحد من خلقه .. شأنُ الله أعظم من ذلكـ ..
ويحك !! أتدري ما الله ؟! إن عرشه على سماواته لهكذا ..
وقال بأصابعه مثل القبة عليه .. وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكبـ ..
ولكن إذا وقع الخطأ من الشخص لوحده قد يكون هناك شيء من اللين ..
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ إلى بيت عائشة صريعآ رضيـ الله عنها في ليلتها ..
فوضع نعليه من رجليه .. ووضع رداءه .. واضطجع على فراشه .. فلبث كذلك ..
حتى ظن أن عائشة قد رقدت فقام من على فراشه ولبس رداءه ونعليه رويداً ..
ثم فتح الباب رويداً .. وخرج .. وأغلقه رويداً .. فلما رأت عائشة ذلك ..
دخلتها غَيْرةُ النساء .. وخشيت أنه ذهب إلى بعض نسائه ..
فقامت .. ولبست درعها .. وخمارها .. وانطلقت في إثره .. تمشي وراءه ..
دون أن يشعر بها فانطلق صلى الله عليه وسلمـ .. يمشي في ظلمة الليل ..
حتى جاء مقبرة البقيع .. فوقف عندها .. ينظر إلى قبور أصحابه ..
الذين عاشوا عابدين .. وماتوا مجاهدين ..
واجتمعوا تحت الثرى .. ليرضى عنهم من يعلم السرَّ وأخفى ..
أخذ صلى الله عليه وسلمـ ينظر إلى قبورهم .. ويتذكر أحوالهمـ ..
ثم رفع يديه فدعا لهم .. ثم أخذ ينظر إلى القبور .. ثم رفع يديه ثانية فدعا لهمـ ..
ثم لبث ملياً .. ثم رفعها فاستغفر لهم ..وأطال القيام .. وعائشة تنظر إليه من بعيد ..
ثم التفت صلى الله عليه وسلمـ وراءه راجعاً .. فلما رأت ذلك عائشة ..
انحرفت إلى ورائها راجعة .. خشية أن يشعر بها ..
فأسرع صلى الله عليه وسلمـ مشيه .. فأسرعت عائشة ..
فهرول .. فهرولتْ .. فأحضرَ .. أي جرى مسرعاً - فأحضرتْ وجرتـ ..
حتى سبقته إلى البيت فدخلت ..ونزعت درعها وخمارها ..
وأقبلت إلى فراشها فاضطجعت عليه .. كهيئة النائمة .. ونفَسها يتردد في صدرها ..
فدخل صلى الله عليه وسلمـ البيت .. فسمع صوت نَفَسها ..
فقال : مالك يا عائش .. حشياً رابية ..
قالت : لا شيء .. قال : لتخبرني .. أو ليخبرني اللطيف الخبير ..
فأخبرته بالخبر .. وأنها غارت عليه .. فانطلقت تنظر أين يذهبـ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : أنت الذي رأيتُ أمامي ؟ قالت : نعمـ ..
فدفعها في صدرها .. دفعة .. ثم قال :أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ..
فقالت عائشة : مهما يكتمِ الناسُـ .. يعلمه الله عز وجل ..؟
قال : نعم .. ثم قال صلى الله عليه وسلمـ ..
مبيناً لها خبر خروجه : إن جبريل عليه السلام .. أتاني حين رأيتـ ..
ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك ..فنادانيـ ..
فأخفى منك فأجبته وأخفيته منكـ .. وظننت أنك قد رقدت .. فكرهت أن أوقظكـ ..
وخشيت أن تستوحشي .. فأمرني أن آتي أهل البقيع فأستغفرَ لهم .. نعم ..
كان صلى الله عليه وسلمـ .. سهلاً لـيِّناً لا يكبر الأخطاء ..
بل كان يرددها في الناس ويقول كما عند مسلم : لا يفرك مؤمن مؤمنة ..
إن كره منها خلقاً .. رضي منها آخر ..
أي لا يبغضها بغضاً تاماً .. لأجل خلق عندها .. أو طبعٍ يلازمها ..
بل يغفر سيئتها لحسنتها .. فإذا رأى خطأها تذكر صوابها ..
وإذا شاهد سوءها تذكر حسنها .. ويتغاضى عما يكرهه من خلقها .. وما لا يرضاه من تعاملها ..
:: إضاءة ::
ليس اللوم على من لا يقبل النصيحة .. وإنما على من يقدمها بأسلوب غير مناسب ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ السادس و السبعــــــــــون : ارض بما قسم الله لك ..
يقول الشيخـ :::: كنت في رحلة إلى أحد البلدان لإلقاء عدد من المحاضراتـ ..
كان ذلك البلد مشهوراً بوجود مستشفى كبير للأمراض العقلية ..
أو كما يسميه الناس "مستشفى المجانين" ..
ألقيت محاضرتين صباحاً .. وخرجت وقد بقي على أذان الظهر ساعة ..
كان معيـ عبد العزيز .. رجل من أبرز الدعاة ..التفت إليه ونحن في السيارة ..
قلت : عبد العزيز .. هناك مكان أود أن أذهب إليه ما دام في الوقت متسعـ ..
قال : أين ؟ صاحبك الشيخـ عبد الله .. مسافر .. والدكتور أحمد اتصلت به ولم يجبـ ..
أو تريد أن نمر المكتبة التراثية .. أو ..قلت : كلا .. بل : مستشفى الأمراض العقلية ..
قال : المجانين !! قلت : المجانينـ ..
فضحك وقال مازحاً : لماذا .. تريد أن تتأكد من عقلكـ ..
قلت : لا .. ولكن نستفيد .. نعتبر .. نعرف نعمة الله علينا ..
سكت عبد العزيز يفكر في حالهم .. شعرت أنه حزينـ ..
كان عبد العزيز عاطفياً أكثر من اللازم أخذني بسيارته إلى هناكـ ..
أقبلنا على مبنى كالمغارة .. الأشجار تحيط به من كل جانب .. كانت الكآبة ظاهرة عليه..
قابلنا أحد الأطباء .. رحب بنا ثم أخذنا في جولة في المستشفى ..
أخذ الطبيب يحدثنا عن مآسيهم .. ثم قال : وليس الخبر كالمعاينة ..
دلف بنا إلى أحد الممراتـ .. سمعت أصواتاً هنا وهناك ..
كانت غرف المرضى موزعة على جانبي الممر ..
مررنا بغرفة عن يميننا .. نظرت داخلها فإذا أكثر من عشرة أسرة فارغة ..
إلا واحداً منها قد انبطح عليه رجل ينتفض بيديه ورجليه ..
التفتُّ إلى الطبيب وسألته : ما هذا !!
قال : هذا مجنون .. ويصاب بنوبات صرع .. تصيبه كل خمس أو ست ساعاتـ ..
قلت : لا حول ولا قوة إلا بالله .. منذ متى وهو على هذا الحال ؟
قال : منذ أكثر من عشر سنوات ..كتمت عبرة في نفسي .. ومضيت ساكتاً ..
بعد خطوات مشيناها .. مررنا على غرفة أخرى .. بابها مغلقـ ..
وفي الباب فتحة يطل من خلالها رجل من الغرفة .. ويشير لنا إشارات غير مفهومة ..
حاولت أن أسرق النظر داخل الغرفة .. فإذا جدرانها وأرضها باللون البنيـ ..
سألتـ الطبيب : ما هذا ؟!! قال : مجنون ..
شعرت أنه يسخر من سؤالي .. فقلت : أدري أنه مجنون ..
لو كان عاقلاً لما رأيناه هنا .. لكن ما قصته ؟
فقال : هذا الرجل إذا رأى جداراً .. ثار وأقبل يضربه بيده .. وتارة يضربه برجله ..
وأحياناً برأسه .. فيوماً تتكسر أصابعه .. ويوماً تكسر رجله .. ويوماً يشج رأسه ..
ويوماً .. ولم نستطع علاجه .. فحبسناه في غرفة كما ترى ..
جدرانها وأرضها مبطنة بالإسفنجـ .. فيضرب كما يشاء .. ثم سكت الطبيبـ ..
ومضى أمامنا ماشياً ..أما أنا وصاحبي عبد العزيز ..
فظللنا واقفين نتمتم : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به ..
ثم مضينا نسير بين غرف المرضى ..
حتى مررنا على غرفة ليس فيها أسرة .. وإنما فيها أكثر من ثلاثين رجلاً ..
كل واحد منهم على حال .. هذا يؤذن .. وهذا يغني .. وهذا يتلفت ..
وهذا يرقص ..وإذا من بينهم ثلاثة قد أُجلسوا على كراسي ..
وربطت أيديهم وأرجلهم .. وهم يتلفتون حولهم .. ويحاولون التفلت فلا يستطيعون ..
تعجبت وسألت الطبيب : ما هؤلاء ؟ ولماذا ربطتموهم دون الباقين ؟
فقال : هؤلاء إذا رأوا شيئاً أمامهم اعتدوا عليه .. يكسرون النوافذ ..
والمكيفاتـ .. والأبواب ..لذلك نحن نربطهم على هذا الحال .. من الصباح إلى المساء ..
قلت وأنا أدافع عبرتي : منذ متى وهم على هذا الحال ؟
قال : هذا منذ عشر سنوات .. وهذا منذ سبع .. وهذا جديد ..
لم يمض له إلا خمس سنين !! خرجت من غرفتهم .. وأنا أتفكر في حالهم ..
وأحمد الله الذي عافاني مما ابتلاهم .. سألته : أين باب الخروج من المستشفى ؟
قال : بقي غرفة واحدة .. لعل فيها عبرة جديدة .. تعال ..
وأخذ بيدي إلى غرفة كبيرة .. فتح الباب ودخل .. وجرني معه ..
كان ما في الغرفة شبيهاً بما رأيته في غرفة سابقة .. مجموعة من المرضى ..
كل منهم على حال .. راقص .. ونائم .. و .. و .. عجباً ماذا أرى ؟؟
رجل جاوز عمره الخمسينـ .. اشتعل رأسه شيباً .. وجلس على الأرض القرفصاء ..
قد جمع جسمه بعضه على بعضـ .. ينظر إلينا بعينين زائغتين .. يتلفت بفزعـ ..
كل هذا طبيعي .. لكن الشيء الغريب الذي جعلني أفزع .. بل أثور ..
هو أن الرجل كان عارياً تماماً ليس عليه من اللباس ولا ما يستر العورة المغلظة ..
تغير وجهي .. وامتقع لوني .. والتفت إلى الطبيب فوراً .. فلما رأى حمرة عيني ..
قال لي .. هدئ من غضبكـ .. سأشرح لك حاله ..هذا الرجل كلما ألبسناه ثوباً
عضه بأسنانه وقطعه .. وحاول بلعه ..
وقد نلبسه في اليوم الواحد أكثر من عشرة ثيابـ .. وكلها على مثل هذا الحال ..
فتركناه هكذا صيفاً وشتاءً .. والذين حوله مجانين لا يعقلون حاله ..
خرجت من هذه الغرفة .. ولم أستطع أن أتحمل أكثر ..
قلت للطبيب : دلني على الباب .. للخروج .. قال : بقي بعض الأقسامـ ..
قلت : يكفي ما رأيناه .. مشى الطبيب ومشيت بجانبه ..
وجعل يمر فيـ طريقه بغرف المرضى .. ونحن ساكتانـ ..
وفجأة التفت إليّ وكأنه تذكر شيئاً نسيه ..
وقال : يا شيخ .. هنا رجل من كبار التجار .. يملك مئات الملايين ..
أصابه لوثة عقلية فأتى به أولاده وألقوه هنا منذ سنتين ..
وهنا رجل آخر كان مهندساً في شركة .. وثالث كان ..
ومضى الطبيب يحدثني بأقوام ذلوا بعد عز .. وآخرين افتقروا بعد غنى .. و ..
أخذت أمشي بين غرف المرضى متفكراً ..
سبحان من قسم الأرزاق بين عباده .. يعطي من يشاء .. ويمنع من يشاء ..
قد يرزق الرجل مالاً وحسباً ونسباً ومنصباً .. لكنه يأخذ منه العقل ..
فتجده من أكثر الناس مالاً .. وأقواهم جسداً ..
لكنه مسجون في مستشفى المجانين ..
وقد يرزق آخر حسباً رفيعاً .. ومالاً وفيراً .. وعقلاً كبيراً .. لكنه يسلب منه الصحة ..
فتجده مقعداً على سريره .. عشرين أو ثلاثين سنة .. ما أغنى عنه ماله وحسبه ..!!
ومن الناسـ من يؤتيه الله صحة وقوة وعقلاً ..
لكنه يمنعه المال فتراه يشتغل حمال أمتعة في سوق أو تراه معدماً فقيراً ..
يتنقل بين الحرف المتواضعة لا يكاد يجد ما يسد به رمقه ..
ومن الناس من يؤتيه .. ويحرمه .. وربك يخلق ما يشاء ويختار .. ما كان لهم الخيرة ..
فكان حرياً بكل مبتلى أن يعرف هدايا الله إليه قبل أن يعد مصائبه عليه ..
فإن حرمك المال فقد أعطاك الصحة .. وإن حرمك منها .. فقد أعطاك العقل ..
فإن فاتك .. فقد أعطاك الإسلام .. هنيئاً لك أن تعيش عليه وتموت عليه ..
فقل بملء فيك الآن بأعلى صوتكـ : الحممممدلله ..
وكذلك كان الصحابة الكرام رضيـ الله عنهمـ ..
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. عمرو بن العاص رضيـ الله عنه..
جهة الشامـ .. في غزوة ذات السلاسل .. فلما صار إلى هناك رأى كثرة عدوه ..
فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يستمده ..
فبعث إليه صلى الله عليه وسلمـ أبا عبيدة بن الجراح .. أميراً على مدد ..
فيه المهاجرون الأولون .. وفيهم أبو بكر وعمر .. وقال صلى الله عليه وسلمـ ..
لأبي عبيدة حين وجهه : لا تختلفا .. فخرج أبو عبيدة ..
حتى إذا قدم على عمرو قال له عمرو : إنما جئت مدداً لي ..
فقال له أبو عبيدة : لا ولكنـ على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه ..
وكان أبو عبيدة رجلاً ليناً سهلاً .. هيناً عليه أمر الدنيا ..
فقال له عمرو : بل أنت مددي ..
فقال له أبو عبيدة : يا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلمـ قد قال لي :
لا تختلفا .. وإنك إن عصيتني أطعتك ..
فقال له عمرو .. فإني أمير عليك .. وإنما أنت مدد لي ..
قال : فدونك .. فتقدم .. عمرو بن العاص رضيـ الله عنه .. فصلى بالناس ..
وبعد الغزوة .. كان أول من وصل المدينة .. عوف بن مالك رضيـ الله عنه ..
فمضى إلى رسول صلى الله عليه وسلمـ ..
فلما رآه .. قال له صلى الله عليه وسلمـ .. أخبرني ..
فأخبره عن الغزوة .. وما كان بين أبي عبيدة وعمرو بن العاص ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : يرحم الله أبا عبيدة بن الجراحـ ..
نعم .. يرحم الله أبا عبيدة رضيـ الله عنه ..
:: فكرة ::
انظر للجوانب المشرقة من حياتك .. قبل أن تنظر للمظلمة .. لتكون أسعد ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ السابع و السبعــــــــــون : نختلف ونحن إخوانـ !
يقول الشيخـ :::: ذُكر أن الشافعيـ رحمه الله تناظر يوماً مع أحد العلماء ..
حول مسألة فقهية عويصة .. فاختلفا .. وطال الحوار .. حتى علت أصواتهما ..
ولم يستطعـ أحدهما أن يقنع صاحبه ..وكأن الرجل تغير وغضبـ ..
ووجد في نفسه ..فلما انتهى المجلس وتوجها للخروجـ ..
التفت الشافعيـ إلى صاحبه .. وأخذ بيده وقال :
ألا يصح أن نختلف ونبقى إخواناً ..! وجلس بعض علماء الحديث يوماً .. عند الخليفة ..
فتكلمـ رجل في المجلس بحديث ..فاستغرب العالم منه ..
وقال :ما هذا الحديث !! من أين جئت به ؟
تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ؟ ..
فقال الرجل : بل هذا حديث .. ثابتـ ..
قال العالم : لا .. هذا حديث لم نسمع به .. ولم نحفظه ..
وكان في المجلسـ وزير عاقل ..
فالتفت إلى العالم وقال بهدوء : يا شيخـ ..
هل حفظت جمييييع أحاديثـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..؟
قال : لا .. قال : فهل حفظتـ نصفها ؟ قال : ربما ..
فقال : فاعتبر هذا الحديث من النصف الذي لم تحفظه ..وانتهت المشكلة ..
كان الفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك صاحبين لا يفترقانـ ..وكانا عالمين زاهدينـ ..
عنَّ لعبدالله بن المبارك فخرج للقتال والرباط في الثغور ..
وبقي الفضيل بن عياض في الحرم يصلي ويتعبد ..
وفي يوم رق فيه القلب .. وأسبلت الدمعة ..
كتب الفضيل إلى ابن المبارك كتاباً يدعوه فيه إلى المجيء والتعبد في الحرم ..
والاشتغال بالذكر وقراءة القرآنـ ..
فلما قرأ ابن المبارك الكتاب .. أخذ رقعة وكتب إلى الفضيل :
ياعــابد الحرميــن لو أبصرتنـــا *** لعلمت أنك في العبادة تلعـب
من كان يخضــب خده بدموعه ***فنحــــورنا بدمائنـــا تتـخـضـب
أو كان يتعب خيلــه في باطـل *** فخيولنا يوم الصبيحة تتـعــب
ريح العبير لكــم ونحن عبيــرنا *** رهج السنابك والغبار الأطيـب
ولقد أتانا من مـقـال نبـيــــــنـا *** قول صحيح صــادق لا يكــذب
لا يستوي وغبار خيل الله في *** أنف امريء ودخان نار تلهــب
هذا كتــاب الله ينـطـق بيننـــا *** ليس الشهيد بميت لا يكــذب
ثم قال : إن من عباد من فتح الله في الصيام .. فيصوم ما لا يصومه غيره ..
ومنهم من فتح له في قراءة القرآن .. ومنهم من فتح له في طلب العلم ..
ومنهمـ من فتح في الجهاد .. ومنهمـ من فتح له في قيام الليل ..
وليس ما أنت عليه بأفضل مما أنا عليه ..
وما أنا عليه .. ليسـ بأفضل مما أنت عليه .. وكلانا على خير ..
وهكذا كان منهج الصحابة .. اجتمع الكفار وتألبوا لحرب المسلمين في المدينة ..
وجاؤوا في جيش لم تشهد العرب مثله كثرة وعتاداً ..
فحفر المسلمون خندقاً لم يستطع الكفار أن يتجاوزوه لدخول المدينة ..
فعسكر الكفار وراء الخندق .. وكان في المدينة قبيلة بني قريظة ..
وهم يهود يتربصون بالمؤمنينـ ..فأقبلوا إلى الكفار يمدونهمـ ..
ويعيثون في المدينة فساداً ونهباً ..
وقد انشغل المسلمون عنهم بالرباط عند الخندقـ ..
ومضت الأيام عصيبة .. حتى أرسل الله على الكفار ريحاً وجنوداً ..
من عنده فتمزق جيشهم .. وانقلبوا خائبين ..
يجرون أذيال هزيمتهم في ظلمة الليل ..
فلما أصبحـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
انصرفـ عن الخندق راجعاً إلى المدينة ..
ووضع المسلمون السلاحـ .. ورجعوا إلى بيوتهمـ ..
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بيته .. ووضع السلاح واغتسل ..
فلما كانت الظهر .. جاءه جبريل ..
فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. من خارج البيت ..
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فزعاً ..
فقال له جبريل عليه السلام : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟
قال : نعم ..
قال جبريل : ما وضعت الملائكة السلاح بعد .. وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ..
طلبناهمـ حتى بلغنا حمراء الأسد ..
إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة .. فإني عامد إليهم فمزلزل بهمـ ..
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلمـ مؤذناً فأذن في الناسـ ..
" من كان سامعاً مطيعاً .. فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة " ..
فتسابق الناس إلى سلاحهم .. وسمعوا وأطاعوا .. ومضوا إلى ديار بني قريظة ..
فدخل عليهم وقت العصر وهم في الطريقـ ..
فقال بعضهم لا نصليـ العصر إلا في بني قريظة ..
وقال بعضهم : بل نصلي لم يرد منا ذلك .. يعني إنما أراد الإسراع إليهم ..
فصلوا العصر وأكملوا مسيرهمـ ..
وأخرها الآخرون .. حتى وصلوا بني قريظة .. فصلوها ..
فذكر ذلك للنبيـ صلى الله عليه وسلمـ فلم يعنف واحداً من الفريقين ..
فحاصرهم النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. حتى نصره الله عليهم ..
:: وجهة نظر::
ليست الغاية أن نتفق .. لكن الغاية أن لا نختلف ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثامن و السبعــــــــــون : الرفق .. إلا زانه ..
يقول الشيخـ :::: تكرر على ألسنتنا كثيراً عندما نعجب بشخص ما ..
أن نصفه قائلينـ .. فلان رزين .. فلان ثقيل .. فلان راكد ..
وإذا أردنا مذمة شخصـ قلنا : فلان عجول .. فلان خفيّفـ ..
أما رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فيقول : ما كان الرفق في شيء إلا زانه ..
وما نزع من شيء إلا شانه .. هل تستطيع تحريك طن الحديد بأصبع ؟
نعم : إذا أحضرت رافعة .. ثم ربطته برفق .. وأحكمت ربطه ..
ثم رفعته .. فإذا تعلق في الهواء .. حركه بأصغر أصابعكـ ..
اتفقـ صديقان على أن يتقدما لرجل لخطبة ابنتيه .. كانت إحداهما أكبر منـ الأخرى ..
قال أحدهما للآخر : أنا آخذ الصغيرة .. وأنت تأخذ الكبيرة ..
فصاح صاحبه : لااااا .. بل أنت خذ الكبيرة .. وأنا آخذ الصغيرة ..
فقال الأول : طيب .. أنت تأخذ الصغيرة .. وأنا آخذ التي أصغر منها ..قال : موافقـ ..!!
ولم يدرك أن صاحبه ما غير قراره .. سوى أنه غير أسلوب الكلام برفقـ ..
وفي الحديث : إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق ..
وإذا أراد الله بأهل بيت شراً . نزع منهم الرفق .. وفيه : إن الله رفيق يحب الرفق ..
ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .. وما لا يعطي على ما سواه ..
الرفيقـ .. الهين اللين .. محبوب عند الناس .. تطمئن إليه النفوسـ .. وتثق فيه ..
خاصة إذا صاحبـ ذلك وزن للكلام .. وقدرة على التعامل الرائعـ ..
من أشهر طلابـ علماء الحنفية الإمام أبو يوسف القاضيـ ..هو أشهر طلابـ أبي حنيفة ..
كان أبو يوسف في صغره فقيراً .. وكان أبوه يمنعه من حضور درس أبي حنيفة ..
ويأمره بالذهاب للسوق لتكسب كان أبو حنيفة حريصاً عليه .. وإذا غاب عاتبه ..
فاشتكى أبو يوسف يوماً إلى أبي حنيفة حاله مع والده ..
فاستدعى أبو حنيفة والد أبي يوسف وسأله : كم يكسب الولد كل يومـ ؟
قال : درهمان .. قال : أنا أعطيك الدرهمين .. ودعه يطلب العلمـ ..
فلازم أبو يوسف شيخه سنين .. فلما بلغ أبو يوسف سن الشباب .. ونبغ على أقرانه ..
أصابه مرض أقعده ..فزاره أبو حنيفة .. وكان المرض شديداً متمكناً منه ..
فلما رآه أبو حنيفة حزن .. وخاف عليه الهلاكـ ..
وخرج وهو يكلم نفسه قائلاً : آآآه يا أبا يوسف .. لقد كنت أرجوك للناس من بعدي !!
ومضى أبو حنيفة يجر خطاه حزيناً إلى حلقته وطلابه ..
ومضت يومان .. فشفي أبو يوسف .. واغتسل ولبس ثيابه ليذهب لدرس شيخه ..
فسأله من حوله : إلى أين تذهب ؟ قال : إلى درس الشيخ ..
قالوا : إلى الآن تطلب العلم ؟ أنت قد اكتفيت .. أما بلغك ما قال فيك الشيخ ؟
قال : وما قال ؟! قالوا : قد قال : كنت أرجوك للناس من بعدي ..
أي أنك قد حصلت كل علم أبي حنيفة .. فلو مات الشيخ اليوم جلست مكانه ..
فأعجبـ أبو يوسف بنفسه ..ومضى إلى المسجد ورأى حلقة أبيـ حنيفة في ناحية ..
فجلس في الناحية الأخرى .. وبدأ يدرس ويفتي ..
التفتـ أبو حنيفة إلى الحلقة الجديدة .. فسأل : حلقة من هذه ؟
قالوا : هذا أبو يوسف .. قال : شُفي من مرضه ؟!
قالوا : نعم .. قال : فلم لم يأت إلى درسنا ؟!
قالوا :حدثوه بما قلت .. فجلس يدرس الناس واستغنى عنك ..
ففكر أبو حنيفة كيف يتعامل مع الموقف برفق .. وجعل يفكر ثم قال :
يأبى أبو يوسفـ إلا أن نقشِّر له العصا !! ثم التفت إلى أحد طلابه الجالسينـ ..
وقال : يا فلان .. اذهبـ إلى الشيخ الجالس هناك .. يعني أبا يوسف ..
فقل له : يا شيخ .. عنديـ مسألة .. فسيفرح بك ويسألك عن مسألتك .. فما جلس إلا ليسأل !!
فقل له : رجل دفع ثوباً له إلى خياط ليقصره .. فلما جاءه بعد أيام يريد ثوبه جحده الخياط ..
وأنكر أنه أخذ منه ثوباً .. فذهب الرجل إلى الشرطة فاشتكاه فأقبلوا واستخرجوا الثوب من الدكان ..
والسؤال : هل يستحق الخياط أجرة تقصير الثوب أم لا يستحقـ ؟
فإن أجابك وقال : يستحقـ .. فقل له : أخطأت ..
وإن قال : لا يستحق .. فقل له : أخطأتـ ..
فرح الطالب بهذه المسألة المشكلة .. ومضى على أبي يوسف وقال : يا شيخ .. مسألة ..
قال : ما مسألتك ؟ قال : رجل دفع ثوباً إلى خياطـ ..
فأجاب أبو يوسف على الفور قائلاً : نعم يستحق الأجرة .. ما دام أتم العمل ..
فقال السائل : أخطأتَ ..فعجب أبو يوسف .. وتأمل في المسألة أكثر ..
ثم قال :لا .. لا يستحق الأجرة ..فقال السائل : أخطأتـ ..
فنظر أبو يوسف إليه .. ثم سأله : بالله من أرسلكـ ..
فأشار إلى أبي حنيفة .. وقال : أرسلني الشيخ ..
فقام أبو يوسف من مجلسه .. ومضى حتى وقف على حلقة أبي حنيفة ..
وقال : يا شيخ .. مسألة ..فلم يلتفت أبو حنيفة إليه ..
فأقبل أبو يوسف حتى جثى على ركبتيه بين يدي الشيخ .. وقال بكل أدب : يا شيخ .. مسألة
قال : ما مسألتك ؟ .. قال : تعرفها ..
قال : مسألة الخياط والثوب ؟ .. قال : نعم ..
قال : اذهب وأجب .. ألست شيخاً .. قال : الشيخ أنت ..
فقال ابو حنيفة : ننظر في مقدار تقصير الخياط للثوب .. فإن كان قصره على مقاس الرجل ..
فمعنى ذلك أنه قام بالعمل كاملاً .. ثم بدا له أن يجحد الثوب ..
فيكون قام بالعمل لأجل الرجل .. فيستحق عليه الأجرة ..
وإن كان قصره على مقاس نفسه .. فمعنى ذلك أنه قام بالعمل لأجل نفسه ..
فلا يستحق على ذلك أجرة .. فقبل أبو يوسف رأس أبي حنيفة .. ولازمه حتى مات أبو حنيفة ..
ثم قعد أبو يوسف للناسـ من بعده .. فلو استعمل الزوجان الرفق مع بعضهما ..
وكذلك الأبوان .. والمدراء .. والمدرسونـ ..
نستعمل الرفق دائماً .. في سواقة السيارة .. في التدريس .. في البيع والشراء ..
وإن كان المرء قد يحتاج الشدة أحياناً .. حتى في النصح .. وهذا هو الحكمة في النصيحة ..
وهي وضع الأمور في مواضعها ..وقد كان غضبه صلى الله عليه وسلمـ دائماً ..
إن غضب .. في الأمور الدينية ..
فما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلمـ لنفسه قط .. إلا أن تنتهك حرمة من محارم الله ..
قابل عمر بن الخطاب رضيـ الله عنه يوماً رجلاً من اليهود ..
فأطلعه على كلام في التوراة .. فأعجبه .. فأمره فنسخه له ..
ثم جاء عمر بهذه الصحيفة من التوراة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقرأها عليه .. فلاحظ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أن عمر معجب بما معه ..
وأن التلقي عن الديانات السابقة .. إن فُتح المجال له ..
اختلط ذلك بالقرآن .. والتبس الأمر على الناس .. وكيف يفعل عمر ذلك ..
وينسخ .. ويكتب .. دون استئذان النبي صلى الله عليه وسلمـ .. !!
فغضب صلى الله عليه وسلمـ .. وقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟!
أي شاكّون في شريعتي ..والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ..
لا تسألوهم عن شيء .. فيخبروكم بحق فتكذبوا به .. أو بباطل فتصدقوا به ..
والذي نفسي بيده لو أن موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعنيـ ..
والله يا معشر قريش لقد جئتكم بالذبحـ ..
في أوائل بعثة النبي صلى الله عليه وسلمـ .. كان صلى الله عليه وسلمـ ..
يأتي عند الكعبة وقريش في مجالسهم .. ويصلي .. ولا يلتفت إليهم ..
وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى .. وهو صابر ..
وفي يوم .. اجتمع أشرافهم في الحجر .. فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط .. سفّهَ أحلامنا .. وشتم آباءنا ..
وعاب ديننا .. وفرق جماعتنا .. وسب آلهتنا .. وصرنا منه على أمر عظيمـ ..
فبينما هم في ذلك .. إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فأقبل يمشي حتى استلم الركن .. ثم مر بهم طائفاً بالبيت . .فغمزوه ببعض القول ..
فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فرفق بهم .. وسكت عنهمـ .. ومضى ..
فلما مر بهم الثانية .. غمزوه بمثلها ..فتغير وجهه أيضاً .. فسكت عنهم .. ومضى في طوافه
فمر بهم الثالثة .. فغمزوه بمثلها .. فرأى أن الرفق لا يصلح مع أمثال هؤلاء ..
فوقف عليهم وقال : أتسمعون يا معشر قريش !! أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ..
ووقف أمامهمـ فلما سمع القوم هذا التهديد .. الذبح .. وهو الصادق الأمينـ ..
انتفضوا .. حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع ..
حتى أن أشدهم عليه ليتلطف معه .. وصاروا يقولون : انصرف أبا القاسم راشدا ..
فما كنت جهولاً ..فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلمـ عنهم .. نعمـ ..
إذا قيل : حلم ، قل : فللحلم موضع .. وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وإن كان المتتبع لسيرة النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يجد أنه كان يغلب ..
الرفق دائماً .. انتبه !! ليس الضعف والجبن .. وإنما الرفقـ ..
ومن مواقف الرفقـ .. أنه بعد وقعة بدر بشهر ..
أراد أبو العاص زوج زينب بنت النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أن يرسلها إلى المدينة عند أبيها ..
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلمـ زيد بن حارثة .. ورجلاً من الأنصار ..
فقال : كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها فتأتياني بها ..
فخرجا مكانهما .. فأمرها أبو العاص بالتجهز .. فبدأت في جمع متاعها ..
فبينما هي تتجهز .. لقيتها هند بنت عتبة .. زوجة أبي سفيانـ ..
فقالت : يا ابنة محمد .. ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟
قالت : ما أردت ذلك .. فقالت : أي ابنة عم .. أن أردت أن تفعلي ..
فإن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك .. أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ..
فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني .. أي لا تخجليـ ..
فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال ..
قالت زينب : والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل .. ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلكـ ..
فلما أتمت جهازها .. قدّم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيراً ..
فركبته و أخذ قوسه و كنانته ..
ثم خرج بها نهاراً يقود بها و هي في هودج لها ..
فرآها الناس .. و تحدث بذلك رجال من قريش .. كيف تخرج إليه ابنته وقد فعل بنا ما فعل في بدر ..
فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ..
وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود .. فروعها بالرمح و هي في الهودج ..
فقيل : إنها كانت حاملاً ففزعت .. وطرحت ولدها ..
وأقبل الكفار يتسابقون إليها .. ومعهم السلاح ..وهي ليس معها إلا أخو زوجها كنانة ..
فلما رأى ذلك .. وبرك على الأرض .. ثم نثر كنانته وصف رماحه بين يديه .. ثم قال ..
و الله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما .. وكان رامياً ..
فتكركر الناس عنه وتراجعوا ..وأخذوا ينظرون إليه من بعيد ..
لا هو يقدر على الذهاب .. ولا هم يجترئون على الاقتراب منه
حتى بلغ أبا سفيان أن زينب خرجت إلى أبيها ..
فأقبل في جلة جمع من قريش .. فلما رأى كنانة قد تجهز بنبله ..
ورأى القوم قد استوفزوا لقتاله ..صاح به وقال : يا أيها الرجل .. كف عنا نبلك حتى نكلمك ..
فكف نبله .. فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه .. فقال :
إنك لم تصب .. خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية ..
وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا في بدر .. و ما دخل علينا من محمد .. قتل أشرافنا .. ورمل نساءنا
فإذا رآك الناس .. وتسامعت القبائل .. أنك خرجت بابنته علانية ..
على رؤوس الناس من بين أظهرنا .. أن ذلك عن ذل أصابنا .. وأن ذلك ضعف منا ووهنـ ..
ولعمري مالنا بحبسها من أبيها من حاجة .. ومالنا من ثأر عليها ..
ولكن ارجع بالمرأة .. حتى إذا هدأت الأصوات .. وتحدث الناس أن قد رددناها ..
فسُلّها سراً .. وألحقها بأبيها .. فلما سمع كنانة ذلك .. اقتنع به .. وعاد بها ..
فأقامت ليالي في مكة .. حتى إذا هدأت الأصوات .. خرج بها ليلة من الليالي .. فمشى بها ..
حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ..فقدما بها ليلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
:: وحي ::
ما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ التاسع و السبعــــــــــون : بين الحي .. والميت ..
يقول الشيخـ :::: كانـ ثقيلاً على الناسـ على زملائه جيرانه ..
إخوانه .. حتى على أولاده .. نعمـ .. كان ثقيل الدمـ ..
طالما سمعهمـ مراراً يقولون : يا أخي ما عندك مشاعر !!
لم يكن يتفاعل معهمـ أبداً .. أتاه ولده يوماً فرحاً مستبشراً ..
يلوّح بدفتر الواجبـ .. وقد وقع المدرس فيه كلمة " ممتاز " .. لم يلتفت الأب إليه ..
وإنما قال : طيبـ .. عاديـ .. والله لو أنك جايب شهادة الدكتوراه !!
كان المنتظر غير ذلك .. طالب عنده في الفصل .. كان خفيف الدمـ ..
لاحظ ثقل الدرس ( والمدرس !!) فلطف الجوَّ بنكتة أطلقها ..
فلم تتحركـ تعابير وجه المدرس وإنما قال : تستخف دمكـ ؟!
كنت أتمنى أن يكونـ تصرفه غير ذلك .. دخل إلى البقالة ..
فقال له العامل البسيط : الحمدلله جاءتني رسالة من أهلي ..
لم يتفاعل .. هلا سأل نفسه لماذا أخبره أصلاً .. ليشاركه فرحته ..
زار أحد زملائه .. فوضع له القهوة والشاي ..
ثم دخل البيت وجاء بطفله الأول حديث لاولاده .. قد لفه في مهاده ..
ولو استطاع أن يلفه بجفون عينيه لفعل .. ثم وقف به بين يديه
وقال : ما رأيك في هذا البطل ؟
فنظر إليه ببرود .. وقال .. ما شاء الله .. الله يخلي لك إياه ..
ثم رفع فنجال الشاي ليشرب .. كان المنتظر أن يتفاعل أكثر .. يأخذ الغلام بين يديه ..
يقبله .. يمدح جماله .. وصحته .. لكن صاحبنا كان ( غبياً ) عندما تتعامل مع الناسـ ..
قسـ الأمور بأهميتها عندهم .. لا عندك أنت ..
فكلمة "ممتاز" بالنسبة لولدك أغلى عنده من شهادة الدكتوراه عند الدكتور ..
وهذا المولود عند صاحبك أغلى عنده من الدنيا .. كلما رآه ودَّ أن يشق قلبه ويسكنه فيه ..
أفلا يستحق منك حبك لصاحبك أن تشاركه ولو بعض شعوره ..
أحياناً يكون بعض الناسـ متحمساً لشيء معينـ ..
لذلك تجد الذينـ لا يتفاعلون مع الناسـ يشتكيـ أحدهم دائماً ..
لماذا أولادي لا يحبونـ ( السوالف ) معي ..
فنقول : لأنهم يحكون لك النكتة فلا تتفاعل .. ويروون قصصهم في مدارسهمـ ..
وكأنهم يكلمونـ جداراً .. حتى ذكر لك شخصـ قصة .. أنت تعرفها .. فلا مانع من التفاعل معه ..
قال عبدالله ابن المباركـ : والله إن الرجل ليحدثنيـ بالحديث ..
وأنا أعرفه من قبل أن تلده أمه فأسمعه منه .. وكأني أول مرة أسمعه .. ما أجمل هذه المهارة ..
قبيل معركة الخندقـ .. عمل المسلمون في حفر الخندق حتى أحكموه ..
وكان من بينهمـ رجل اسمه جعيل ..
فغيره النبيـ صلى الله عليه وسلمـ إلى عمرو .. فكان الصحابة يشتغلون ..
ويعملون .. ويرددون قائلين :
سماه من بعد جعيل عمراً ***وكان للبائس يوماً ظهراً
فكانوا إذا قالوا : عمراً .. قال معهمـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ : عمراً ..
وإذا قالوا : ظهراً .. قال لهم : ظهراً .. فيتحمسونـ أكثر .. ويشعرون أنه معهمـ ..
والله لولا الله ما اهتدينا .. ولما أقبل الليل عليهمـ اشتد البرد .. واستمروا يحفرونـ ..
فخرجـ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..فرآهم يحفرون بأيديهم راضينـ ..
مستبشرين .. فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ قالوا ..
نحن الذين بايعوا محمداً **** على الجهاد ما بقينا أبدا
فقال مجيباً لهمـ : اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة ..
ويستمر تفاعله معهمـ .. طوال الأيامـ .. فسمعهمـ وقد علاهم الغبار .. وهم يرددون ..
والله لولا الله ما اهتدينا **** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا **** وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا **** إذا أرادوا فتنة أبينا
فكان يرفعـ صوته متفاعلاً معهمـ قائلاً : أبينا .. أبينا ..
وكانـ صلى الله عليه وسلمـ إذا مازحه أحد تفاعل معه .. وضحك وتبسمـ ..
دخل عليه عمر وهو صلى الله عليه وسلمـ غضبان على نسائه ..
لما أكثرن عليه مطالبته بالنفقة ..فقال عمر : يَا رَسُولَ اللَّهِ ..
لَوْ رَأَيْتَنا وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍـ .. نَغْلِبُ النِّسَاءَ ..
فكنا إذا سألت أحدَنا امرأتُه نفقةً قام إليها فوجأ عنقها ..
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ .. فطفقـ نساؤنا يتعلمنـ من نسائهمـ ..
فَتَبَسَّمَـ النَّبِيّـُ صلى الله عليه وسلمـ .. ثم زاد عمر الكلامـ ..
فازداد تبسمـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
وتقرأ في أحاديث أنه تبسم حتى بدت نواجذه ..
وكانـ صلى الله عليه وسلمـ يتعامل مع أنواع من الناس لا يقدرون التعامل الراقيـ ..
ولا يتفاعلون معه .. بل ينغلقون ويتعجلونـ .. ومع ذلك كان يصبر عليهمـ ..
كانـ صلى الله عليه وسلمـ .. يوماً نازلاً بموضعـ يقال له "الجعرانة " بين مكة والمدينة ..
ومعه بلال .. فجاءه صلى الله عليه وسلمـ أعرابي ..
يبدو أنه كان قد طلبـ من النبيـ صلى الله عليه وسلمـ حاجة فوعده بها ولم تتيسر بعد ..
وكان الأعرابي مستعجلاً .. فقال : يا محمد .. ألا تنجز لي ما وعدتني ؟
فقال له صلى الله عليه وسلمـ متلطفاً : أبشر .. وهل هناك كلمة أرق منها ..!!
فقال الأعرابيـ بكل صلافة : قد أكثرت علي من أبشر !
فغضب النبيـ صلى الله عليه وسلمـ من عبارته .. لكنه كتم غيظه ..
والتفت إلى أبيـ موسى وبلال وكانا جالسين بجانبه ..
فقال : رد البشرى فاقبلا أنتما .. فاستبشرا ..
ثم دعا صلى الله عليه وسلمـ بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجَّ فيه ..
ثم قال : اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا .. أي ببركة هذا الماء ..
فأخذا القدح ففعلا ..وكانت أم سلمة رضيـ الله عنها قريبة منهم .. جالسة وراء ستار ..
فأرادت أن لا تفوتها البركة .. فنادت من وراء الستر : أفضلا لأمكما .. أي أبقيا لها منه ..
فأفضلا لها منه طائفة .. إذن كان لطيف المعشر .. أنيس المجلس .. متحملاً ..
لا يعمل قضية وخلافاً من كل شيء .. جلسـ صلى الله عليه وسلمـ يوماً مع عائشة ..
فأخذت تحدثه بأحاديث نساء .. وهو يتفاعل معها .. وهي تفصل الكلام وتطيل ..
وهو على كثرة مشاغله يستمع ويتفاعل ويعلق ..
حتى قضتـ حديثها .. فحدثته أنه جلستـ إحدى عشرة امرأة .. في أيام الجاهلية ..
فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً ..
فجعلنـ يتذاكرن أزواجهن بما فيهم ولا يكذبنـ !!
قالت الأولى : زوجي لحم جمل غث على رأس جبل .. لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ..
تشبه زوجها بالجبل الوعر الذيـ وضعوا فوقه لحم جمل كبير غير جيد ..
فلا يحرصـ أحد للوصول إليه لصعوبة الوصول إليه .. وهو لا يستحقـ التعب لأجله ..
أي : لسوء خلقه .. وأنه يتكبر .. مع أنه ليس عنده ما يتكبر بسببه فهو بخيل فقير ..
قالت الثانية : زوجي لا أبث خبره .. إني أخاف أن لا أذره .. إن أذكره أذكر عجره وبجره ..
أي : زوجها كثير العيوبـ .. وتخشى إذا ذكرت ما فيه أن يبلغه ذلك فيطلقها ..
وهي متعلقة به بسبب أولادها .. لكنها لم تمدحه فإن له عُجَر وبُجَر !!
والعجر : أن تنعقد العروقـ في الجسد حتى تصير منتفخة .. فتؤلمـ ..
والبُجَر انتفاخ عروقـ في البطنـ .. !!
قالت الثالثة :زوجي العَشَنَّق إن أنطقـ أطلقـ وإن أسكت أُعلَّق وهو على حد السِّنان الـمُذَلَّقـ ..
أي : زوجها طويل قبيح .. سيء الخلق .. ولا يتسامح معها بل على مثل حد السيفـ !!
فهي مهددة بالطلاق كل لحظة .. لا يحتمل كلامها ..
ومتى اشتكتـ إليه شيئاً طلقها .. ولا يعاملها معاملة الأزواجــ .. فهي عنده كالمعلقة ..
قالت الرابعة :زوجي كـ لَـيْـلِ تِهامة .. لا حَرٌ ولا قَرٌ .. ولا مخافة ولا سآمة ..
ليل تهامة لا رياح فيه فيطيب لأهله .. فوصفت زوجها بجميل العشرة ..
واعتدال الأخلاقـ .. فلا أذى عنده ..
قالت الخامسة :زوجي إن دخل فَـهِد .. وإن خرجـ أَسِد .. ولا يسأل عما عَـهِد ..
أي : إذا دخل بيته صار كالفهد وهو الحيوان المعروف وهو كريم نشيطـ ..
وغذا خرج من البيتـ وخالط الناسـ فهو أسد لشجاعته ..
وهو أيضاً سمحٌ لا يدققـ في السؤال عن ما يأخذه أهله أو يصرفونه ..
قالت السادسة :زوجي إن أكل لفَّ .. وإن شرب اشتفَّ ..وإن اضطجع التفَّ ..
ولا يُولِج الكفَّ .. ليعلم البثَّ .. أي : إن زوجها يكثر الأكل حتى يلفه لفاً فلا يبقي لهم شيئاً ..
والشراف يشفّه شفاً .. يشربه كله .. وإذا نام التفَّ باللحاف ولم يدع لزوجته شيئاً ..
وإذا حزنت لم يقرب كفه إليها أو يلاطفها ليعلم سبب حزنها ..
قالت السابعة : زوجي غياياء أو عياياء ( أي غبي !! ) طباقاء ( أحمق !)
كل داء له داء جميع العيوب فيه ! إن حدثته سبك .. لا يقبل حديثاً ولا مؤانسة ..
بل يسب ويلعن دوماً .. وإن مازحته : شجًك .. ضرب رأسك فجرحه ! ..
أو فلًك .. ضرب الجلد فجرحه ..أو جمع كلاًّ لكِ .. يضرب كل المواضع الرأس والجسد ! ..
قالت الثامنة : زوجي .. المس مس أرنب .. أي ناعم رقيق .. والريح ريح زرنب ..
وهو نباتـ طيبـ الرائحة ..وأنا اغلبه والناس يغلبـ ..
أي سهل معها ينصاعـ لما تريد .. لكنه بطل يغلب الناسـ وشخصيته أمامهم قوية ..
قالت التاسعة :زوجي رفيع النجاد .. بيته واسع مفتوح للضيوف .. عظيم الرماد ..
كثير إشعال النار استقبالاً للضيوفـ وطبخاً لهمـ ..
قريب البيت من الناد .. المجلس الذي يجلس فيه مع أصحابه ..
وهو النادي قريب من بيته لحرصه على أهله
..لا يشبع ليله يضاف .. لا يأكل كثيراً عند الناسـ ..
ولا ينام ليلة يُخَاف .. إذا كان هناكـ خطر بالليل من عدو أو غيره ..
يظل مستيقظاً يحرس ويراقب ..قالت العاشرة : زوجي مالك .. وما مالكـ ؟! ..
مالك خير من ذلك ..له إبل كثيرات المبارك ..قليلات المسارح ..وإذا سمعنـ المزهر ..
أيقنَّ أنهن هوالك .. زوجها اسمه مالك .. مهما وصفته لن تحيط بأوصافه الجميلة ..
إبله دائماً قريبة منه وقل ما تسرح أي تذهب للرعيـ ..
لتكون جاهة للحلب منها ونحرها للضيوفـ ..
وإذا سمعتـ افبل صوت المزهر السكين تُحَدّ وتجهّز ..
أبي زرع ؟! فما بن أبي زرع !!مضجعه كمسل شطبة .. ينام نوماً رفيقاً بأدب ..
ويشبعه ذراع الجفرة .. لا يأكل كثيراً ..بنت أبي زرع ؟! فما بنت أبي زرعـ !!
طوع أبيها وطوع أمها ..وملء كسائها .. متسترة ..وغيظ جارتها ..
تغار جاراتها من جمالها ولذة عيشها ..جارية أبي زرع ؟! فما جارية أبي زرعـ !!
الخادمة !! لا تبث حديثنا تبثيثاً .. لا تنشر أسرار البيتـ .. ولا تنفث ميرتنا تنفيثاً ..
لا تبدد طعام البيتـ وتعبث به .. ولا تملأ بيتنا تعشيشاً ..
لا تهمل البيت فيمتلأ بالأوساخـ ..
ثمـ قالتـ : خرج أبو زرع والأوطاب تمخضـ .. خرج من بيته يوماً في وقت ربيعـ ..
فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين .. رأى امرأة جالسة حولها طفلان جميلان قويا البنية ..
يلعبان من تحت خصرها برمانتين .. يلعبان بثدييها .. فطلقني ونكحها ..
أعجبته .. فطلق أم زرع وتزوجها !! .. فنكحت بعده رجلا سرياً ..
تزوجت ام زرع رجلاً كريماً ..ركبـ شرياً .. ركب خيلاً سابقاً ..وأخذ خطياً ..
وأراح علي نعماً ثرياً .. أكرمها وأهداها لأنه ثري .. وأعطاني من كل رائحة زوجاً ..
أكثر لها من الأطياب ويعطيها اثنين من كل شيء لتستعمل وتهدي إن شاءتـ ..
وقال : كليـ أم زرع ..وميري أهلكـ .. أهدي لأهلك وأعطيهمـ ..
ثم قالت : فلو جمعت كل شيء أعطانيه ..ما بلغ أصغر آنية أبي زرع ..
لا يزال قلبها معلقاً بأبي زرع ..!! ما الحب إلا للحبيب الأول ..
كان صلى الله عليه وسلمـ يستمع بكل غنصات إلى عائشة وهي تحدثه ..
ولم يظهر لها ضجراً ولا مللاً .. مع تعبه وكثرة مشاغله .. وتراكم همومه ..
حتى إذا انتهتـ عائشة من حديثها ..
قال صلى الله عليه وسلمـ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع .. إذن .. اتفقنا ..
على أهمية إظهار اللطف والاهتمام بالناس .. فإذا جاءك ولدك متزيناً بثوبـ جميل ..
ما رأيك يا أبيـ ؟ .. تفاعل ..
ابنتك .. زوجتك .. زوجك .. ولدك .. زميلتك ..كل من تخالطهم كنـ حياً متفاعلاً ..
أحياناً تكون ناسياً الموضوع .. قال لك .. مثلاً : أبشرك الوالد شُفي من مرضه ..
فلا تقل : أصلاً .. متى مرض ؟!!أو : أخي خرج من السجنـ ..
لا تقل : والله ما دريت أصلاً أنه دخل السجنـ .. وأخيراً .. يا جماعة ..
التشجيعـ والتفاعل ينفع حتى مع الحيوانات ..
قال أبو بكر الرقيـ : كنت بالبادية ..فوافيت قبيلة من قبائل العرب ..
فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه ..فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيداً بقيد ..
ورأيت جِمالا قد ماتتـ بين يدي البيتـ ..
وقد بقى منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه ..
فقال لي الغلامـ : أنت ضيف .. ولك حقـ .. فتشفع فيَّ إلى مولايـ ..
فإنه مكرم لضيفه .. فلا يرد شفاعتكـ في هذا القدر .. فعساه يحل القيد عنيـ ..
فسكت عنه .. ولم أدر ما جرمه ..فلما أحضروا الطعام .. امتنعتـ ..
وقلت : لا آكل .. ما لم أشفع في هذا العبد .. فقال السيد : إن هذا العبد قد أفقرني ..
وأهلَكَ جميعَ ماليـ ..فقلت : ماذا فعل ؟!فقال : إن له صوتاًً طيباً ..
وإني كنتـ أعيشـ من ظهور هذه الجمال .. فحمَّلها أحمالاً ثقالاً ..
وكان ينشد الأشعار ويحدو بها .. حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته ..
فلما حطت أحمالها .. ماتت كلها .. إلا هذا الجمل الواحد ..
ولكن أنت ضيفيـ .. فلكرامتك قد وهبته لك .. وأطلق الغلامـ من قيده ..
فاشتقتـ إلى سماع هذا الصوتـ ..
فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك ..
لينشط الجمل للعمل .. فانطلقـ الغلامـ بصوت حسن .. فلما رفع صوته ..
سمعه الجمل فهام وهاج ونسي نفسه .. حتى قطع حباله ..
ووقعت أنا على وجهي من حسن الصوتـ .. فما أظن أني سمعت قط صوتاً أطيبـ منه ..
:: طور نفسك بالتدريب ::
كن حياً لا ميتاً .. تفاعل بكلامك .. بتعبيرات وجهك .. حتى يأنس الآخرون بك ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثمانــــــــون : اجعل لسانك عذباً ..
يقول الشيخـ :::: لا تخلو حياتنا من مواقف نحتاج فيها إلى تقديم توجيهات ونصائح للآخرين ..
الولد .. الزوج .. الصديق .. الجار .. الأبوين ..تختلف نهايات النصائح .. باختلاف بداياتها ..
أعني : إن كانت البداية بأسلوب مناسب .. ومدخل لطيف .. انتهت كذلك ..
وإن كانت بأسلوب جاف .. ومدخل عنيف .. انتهت كذلك ..
عندما ننصح الناس .. فنحن في الواقع نتعامل مع قلوبهم .. لا أجسادهم ..
لذلك تجد بعض الأبناء يتقبل من أمه ولا يتقبل من أبيه .. أو العكس ..
والطلاب يتقبلون من مدرس .. دون الآخر وأول البراعة في النصيحة ..
أن لا تكثر منها وتدقق على كل صغير وكبير ..
حتى لا يشعر الآخرون أنك مراقب لحركاتهم وسكناتهم .. فتثقل عليهم ..
ليس الغبي بسيد في قومه *** لكن سيد قومه المتغابي
وإن استطعت أن تقدم النصيحة على شكل اقتراح .. فافعل ..
لو قللت الملح في الطعام .. لكان أحسن ..لو تغير ملابسك بثياب أجمل ..
لو ما تتأخر عن مدرستك مرة أخرى .. أفضل ..ما رأيك لو فعلت كذا ..
أقترح عليك كذا وكذا ..أحسن من قولك ..
يا قليل الأدب .. كم مرة قلت لك .. أنت ما تفهم .. إلى متى أعلمك ؟!!
اجعله يحتفظ بماء وجهه .. ويشعر بقيمته حتى وهو مخطئ ..
لأن المقصود علاج أخطائه لا الانتقام منه أوإهانته يعني يا جماعة بالعبارة الصريحة ..
لا أحد يحب أن يتلقى الأوامر ..
أراد صلى الله عليه وسلمـ يوماً أن يوجه عبد الله بن عمر للتعبد بصلاة الليل ..
فما دعاه وقال : يا عبد الله قم الليل ..وإنما قدم النصيحة على شكل اقتراح ..
وقال : نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل ..
وفي رواية قال : يا عبد الله لا تكن مثل فلان .. كان يقوم الليل ..
بل إن استطعت أن تلفت نظره إلى الأخطاء من حيث لا يشعر فهو أولى ..
عطس رجل عند عبدالله بن المبارك .. فلم يقل الحمدلله ..
فقال عبدالله : ماذا يقول العاطس إذا عطس ؟
قال : الحمدلله .. فقال : عبدالله : يرحمك الله ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمـ كذلك ..كان إذا انصرف من صلاة العصر ..
دخل على نسائه واحدة واحدة ..
فيدنو من إحداهن .. ويتحدث معها ..فدخل على زينب بمن جحش ..
فوجد عندها عسلاً .. وكان صلى الله عليه وسلمـ يحب العسل والحلواء ..
فاحتبس عندها أكثر ما كان يحتبس عند غيرها ..
فغارت عائشة وحفصة .. وتواصتا من دخل عليها تقول له ..
أجد منك ريح مغافير .. وهو شراب حلو يشبه العسل .. ولكن له رائحة سيئة ..
وكان صلى الله عليه وسلمـ يشتد عليه أن يوجد منه الريح من بدنه أو فمه ..
لأنه يناجي جبريل .. ويناجي الناس ..
فلما دخل على حفصة .. سألته ماذا أكل ؟ فقال : شربت عسلاً عند زينب ..
فقالت : إني أجد منك ريح مغافير .. فقال : لا بل شربت عسلاً .. ولن أعود له ..
ثم قام ودخل على عائشة .. فقالت له عائشة مثل ذلك ..
ومضت الأيام .. وكشف الله له القضية كلها .. وبعد أيام ..
أسر إلى حفصة رضيـ الله عنها حديثاً .. فأظهرته .. فدخل عليها يوماً ..
وعندها الشفاء بنت عبدالله .. وكانت صحابية تتعلم الطب .. وتعالج الناس ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ للشفاء : ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة ..
ورقية النملة كلام كانت نساء العرب تقوله .. يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع ..
ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال : العروس تحتفل ..
وتختضب وتكتحل .. وكل شيء تفتعل .. غير أن لا تعصي الرجل ..
فأراد بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضاً بأن تردد جملة ..
غير أن لا تعصي الرجل .. أحد السلف استلف منه رجل كتاباً فرده إليه بعد أيام ..
وعليه آثار طعام ً فسكت صاحب الكتاب وبعد أيام جاءه صاحبه يستعير منه كتاباً
آخر فأعطاه الكتاب في طبق ..!! فقال الرجل : إنما أريد الكتاب .. فما بال الطبق ؟!
فقال : الكتاب لتقرأ فيه والطبق لتحمل عليه طعام فأخذ الكتاب ومضى فقد وصلت الرسالة..
وأذكر أن أحدهم كان يعود إلى بيته ليلاً .. وينزع ثوبه .. يعلقه على الشماعة .. وينام ..
فتأتي زوجته .. وتفتح محفظة النقود .. ثم تأخذ الصرف الموجود ..
من فئة الريال .. والخمسة .. فإذا استيقظ صباحاً وذهب إلى عمله ..
واحتاج أن يحاسب في بقالة ونحوها .. لم يجد صرفاً فراقبها .. حتى فهم القضية ..
فرجع إلى بيته يوماً .. وقد جعل في جيبه ضفدعاً ..
ونزع ثوبه كالعادة .. واضطجع كهيئة النائم .. وأخذ يشخر ..
وهو يراقب الثوب ..فأقبلت زوجته لتأخذ ما يتيسر ..كالعادة !!
أقبلت إلى الثوب تمشي رويداً .. أدخلت يدها بهدوووء ..
فلمست الضفدع .. فتحرك فجأة .. فصرخت : آآآآه.. يدي ..
ففتح الزوج عينيه .. وقال : وأنا .. آآآه .. جيبي ..ليتنا نستعمل هذا الأسلوب ..
مع جميع الناس ..أولادنا إذا وقعوا في أخطاء .. ومع طلابنا ..
نايف أحد الأصدقاء كان له أم صالحة لا ترضى أن يبقى في البيت صور أبداً لأن الملائكة لا تدخل بيتاً ..
فيه *** ولا صورة .. كان عندها طفلة صغيرة .. عندها ألعاب متنوعة إلا الدُّمى ..
أهدت إليها خالتها دُمية .. عروسة .. وقالت لها : العبي بها في غرفتك ..
واحذري أن تراها أمك ..وبعد يومين .. علمت الأم ..
فأرادت أن تقدم النصيحة بأسلوب مناسب ..
جلسوا على الطعام .. فقالت أم نايف : يا أولاد ..!! من يومين ..
وأنا أشعر أن البيت ليس فيه ملائكة !! لا أدري لماذا خرجت .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
والبنت الصغيرة تسمع وهي ساكته .. وبعد الغداء رجعت الصغيرة إلى غرفتها ..
فإذا بين يديها ألعاب كثيرة .. والعروسة من بينها .. فالتقطتها ..
وجاءت بها إلى الأم وقال : ماما .. هذه التي طردت الملائكة افعلي بها ماشئت !!
يعني دع المنصوح يحتفظ بماء وجهه .. ويمكن أن تأكل العسل من غير أن تحطم الخلية ..
لا تنصحه كأنه قد كفر بفعله ..بل وأحسن الظن به ..
واعتبر أنه وقع في الخطأ من غير قصد .. أو من غير أن يعلم ..
كانت الخمر في أول الإسلام لم تحرم بعد .. وفي يوم أقبل عامر بن ربيعة ..
الصحابي الجليل من سفر .. فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلمـ راوية خمر ..
جرة كاملة مملوءة خمراً ..
نظر النبيـ صلى الله عليه وسلمـ إلى الخمر مستغرباً .. والتفت إلى عامر بن ربيعة ..
وقال : أما علمت أنها قد حرمت ..؟ قال :حرمت ؟! لا .. ما علمت يا رسول الله ..
قال : فإنها قد حرمت .. فحملها عامر .. فأسرَّ إليه بعضهم بأن يبيعها ..
فسمعه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ فقال : لا .. إن الله إذا حرم شيئاً .. حرم ثمنه ..
فأخذها رضيـ الله عنه فاهراقها على التراب ..
وانتبه أن تمدح نفسك وأنت تنصح .. فترفع نفسك وتسحب المنصوح إلى القاع ..
لا أحد يرضى بذلك ..بعض الآباء .. مثلاً .. إذا نصح ولده بدأ يذكر أمجاده ..
أنا كنت وكنت .. ولعل الولد يعلم تاريخ والده .. !!
:: باختصار ::
الكلمة الطيبة .. صدقة ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الحادي والثمانــــــــــــين : حفظ السر ..
يقول الشيخـ :::: اشتهر قديماً : كل سرٍ جاوز الإثنين .. شاعـ ..
ومن اللطائفـ أن أحدهم سئل : من الإثنين ؟ فأشار إلى شفتيه .. وقال : هذانـ !!
لا أذكر أني همستـ في أذن أحد من الناس بسرّ .. واستأمنته إياه ..
ثم فاجأني قائلاً : يا محمد .. اسمحـ لي لا أستطيع أن أكتمه ..
بل كل شخصـ يضرب بيده صدره .. ويقول : والله لو وضعوا الشمس في يمينيـ ..
والقمر في شماليـ .. أو السيف على رقبتيـ .. على أن أخبر بسرك .. ما أخبرتـ !!
ثم إذا اطمأننت ووثقت .. وكشفت له أسرارك .. تصبّر شهرين أو ثلاثة ..
ثم حدث به .. فلا يزال يُتناقل حتى يصلكـ ..
فوجدتـ أن سرك لا ينبغي أن يجاوز شفتيكـ .. فلا تكلف الناسـ ما لا يطيقونـ ..
إذا ضاقـ صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيقـ ..
جربت كثيراً من الناسـ .. فوجدتهم كذلكـ ..
والمشكلة أنك تأتيهم على سبيل الاستشارة .. فيشيرون عليك .. ثم يفضحون سركـ ..
فيسقطون من عينكـ .. ويصبحون من أبغض الناس إليكـ ..
ومن أعجبـ ما في التاريخ ..أنه قبل معركة بدر ..
لما سمع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. بقافلة قريش مقبلة وأراد قتالها ..
خرج صلى الله عليه وسلمـ إليها مع أصحابه .. فلما شعر بهم أبو سفيانـ ..
استأجر رجلاً اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري .. وقال اذهب وأخبر قريشاً بالخبر ..
فمضى ضمضمـ .. مسرعاً إلى مكة .. كان وصوله مكة يحتاج أن يسير أياماً ..
وأهل مكة لا يدرون عن شيء من ذلكـ ..
وفي ليلة من الليالي رأت عاتكة بنت عبد المطلب .. رؤيا أفزعتها ..
فلما أصبحتـ بعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلبـ ..
فقالت له .. يا أخي .. والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ..
وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة .. فاكتم عليَّ ما أحدثك ..
ولا تحدث به أحداً .. قال لها : نعم .. وما رأيتـ ؟
قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير .. حتى وقف بوادي "الأبطح" ..
ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..!
فأرى الناسـ قد اجتمعوا إليه .. ثم مضى فدخل المسجد والناس يتبعونه ..
فبينما هم حوله .. إذ صعد به بعيره فوق الكعبة ..
ثم صرخ بمثلها : انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاثـ ..
ثم صعد به بعيره على رأس جبل أبي قبيس .. فصرخ بمثلها ..
انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاثـ ..
ثم أخذ صخرة فقذفها من أعلى الجبل .. فأقبلت تهوي من فوق الجبل ..
حتى إذا كانتـ بأسفل الجبل تكسرتـ ..
فما بقي بيتـ من بيوت مكة إلا دخلته كسرة من الصخرة ..
فاضطرب العباس وقال : والله إن هذه لرؤيا ! ثم خشي أن تنتشر فيصيبه أذى ..
فقال لها محذراً : وأنت فاكتميها لا تذكريها لأحد ..
ثم خرج العباسـ منشغل البال بأمر هذه الرؤيا .. فلقي الوليد بن عتبة وسط الطريقـ ..
وكان له صديقاً .. فحدثه بالرؤيا .. وقال له : اكتمها .. فلا تخبر بها أحداً ..
فمضى الوليد ..فلقي ابنه عتبة فحدثه بها .. ثم لم يمض سويعاتـ ..
حتى حدث بها عتبة .. ثم تناقلها الناسـ .. وفشا الحديث بها في أهل مكة ..
حتى تحدثت بها قريش في مجالسها .. وفي الضحى ذهب العباس ليطوف بالكعبة ..
فإذا أبو جهل جالس في رَهْط من قريش .. في ظل الكعبة .. يتحدثون برؤيا عاتكة !!
فلما رأى أبو جهل العباسَ قال : يا أبا الفضل .. إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ..
فلما أقبل إليه العباسـ وجلس معهمـ ..
قال له أبو جهل :يا بني عبد المطلب .. متى حدثت فيكم هذه النبية ؟
قال : وما ذاك ؟ قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة .. قال العباس : وما رأتـ ؟
قال : يا بني عبد المطلب .. أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكمـ ؟
قد زعمتـ عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاثـ ..
فسننتظر بكم ثلاثة أيامـ .. فإن يك حقاً ما تقول .. فسيكونـ ..
وإن تمضـ الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكمـ كتاباً أنكم أكذب أهل بيت العرب ..
فاضطرب العباسـ .. وما رد عليه شيئاً .. وجحد الرؤيا .. وأنكر أن تكونـ رأت شيئاً ..
ثم تفرقوا .. فلما أقبل العباسـ إلى بيته ..
لم تبق امرأة من بني عبد المطلبـ .. إلا جاءت إليه غاضبة ..
تقول : أقررتم لهذا الفاسقـ الخبيث أن يقع في رجالكم ..ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ..
أما فيكم حمية .. فاحتمى العباسـ .. وثار .. وقال : والله ..
لئن عاد أبو جهل إلى مثل كلامه .. لأفعلن وأفعلن .. فلما كان اليوم الثالثـ .. من رؤيا عاتكة ..
ذهب العباسـ إلى المسجد .. وهو مغضبـ ..
فلما دخل المسجد رأى أبا جهل .. فمشيـ نحوه يتعرضه ليعود لبعض ما قال فيقع به ..
فإذا بأبي جهل يخرجـ من باب المسجد يشتد مسرعاً ..
فعجب العباس من سرعته ..!! فقد كان مستعداً لخصومة وعراك ..
فقال العباسـ في نفسه : ماله لعنه الله ؟! أكلّ هذا خوفٌ مني أن أشاتمه ؟!
وإذا أبو جهل قد سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري الذي أرسله أبو سفيان ليستعين بأهل مكة ..
وإذا ضمضم يصرخ في الوادي واقفاً على بعيره ..
قد جدع أنف بعيره .. والدم يسيل على وجه البعير ..
وقد شق ضمضمـ قميصه وهو يقول : يا معشر قريش اللطيمة .. اللطيمة ..
أموالكمـ مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها ..
ثم صاح بأعلى صوته : الغوث .. الغوث ..
عندها تجهزتـ قريش وخرجت .. وكان من أمرها في معركة بدر ما كان ..
فتأمل كيف انتشر السر في لمحة عين .. مع قوة الحرص وشدة الاستئمانـ ..!!
ومن نشر السر أيضاً ..أن عمر رضيـ الله عنه لما أسلم .. أراد أن ينشر الخبر ..
فأقبل إلى رجل منهم .. هو أعظمهم نشراً للإشاعة ..
فقال : يا فلان .. إني محدثك بسرٍ .. فاكتم عنيـ ..!
قال : ما سركـ ؟ .. قال : أشعرتـ أني قد أسلمتـ .. فانتبه .. لا تخبر أحداً ..
ثم تولى عنه عمر .. فما كاد يغيب عنه ..
حتى جعل الرجل يطوف بالناس ويردد : أعلمتَ أن عمر أسلمـ ..!!
أعلمتَ أن عمر أسلمـ ..!! عجباً !! وكالة أنباء متنقلة ..
وفي يوم من الأيام بعث النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أنساً رضيـ الله عنه في حاجة ..
فمرَّ بأمه .. فسألته .. إلى ماذا أرسلك النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ؟
فقال : والله .. ما كنت لأفشيـ سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
هكذا كانـ أنس وهو صغير .. في شدة حفظه للسر ..
وأنى لك اليومـ أن تجد مثل أنس ..
قالت عائشة رضيـ الله عنه .. أقبلت فاطمة تمشيـ ..
كأن مشيتها مشية النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. فقال النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
مرحباً بابنتي .. ثم أجلسها عن يمينه .. أو عن شماله ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فبكتـ .. فقلت لها : لم تبكينـ ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فضحكتـ فقلت : ما رأيت كاليوم .. فرحاً أقرب من حزنـ ..
فسألت فاطمة عما قال لها النبيـ صلى الله عليه وسلمـ؟
فقالت : ما كنتـ لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
حتى قبض النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..فسألتها ؟
فقالتـ : أسر إليَّ : إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتينـ ..
ولا أراه إلا حضر أجليـ .. وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي .. فبكيتـ ..
فقال : أما ترضينـ أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة .. أو نساء المؤمنينـ .. فضحكت لذلكـ ..
:: قالوا ::
من عرف سرك أسرك ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثاني والثمانــــــــــــين : من ركل القطة ؟!
يقول الشيخـ :::: قبل أن تجيب على السؤال .. اسمع القصة كاملة ..
كان يعمل سكرتيراً لمدير سيء الأخلاقـ ..
لا يطبقـ مهارة واحدة من مهارات التعامل مع الناسـ ..
كانـ هذا المدير يراكم الأعمال على نفسه .. ويحملها ما لا تطيقـ ..
صاح بسكرتيره يوماً .. فدخل ووقف بين يديه ..
قال : سَمْـ .. تفضل ؟ صرخ به : اتصلت بهاتف مكتبك .. ولم ترد ..
قال : كنت في المكتب المجاور .. آسفـ ..
قال بضجر : كل مرة آسفـ .. آسفـ .. خذ هذه الأوراقـ .. ناولها لرئيس قسم الصيانة ..
وعد بسرعة .. مضى متضجراً .. وألقاها على مكتب رئيس قسم الصيانة ..
وقال : لا تؤخرها علينا قال : طيبـ ضعها بأسلوب مناسبـ ..
قال : مناسبـ .. غير مناسبـ .. المهم خلصها بسرعة .. تشاتما .. حتى ارتفعت أصواتهما ..
ومضى السكرتير إلى مكتبه .. بعد ساعتينـ أقبل أحد الموظفين الصغار في الصيانة ..
إلى رئيسه وقال : سأذهب لأخذ أولادي من المدرسة وأعود ..
صرخ الرئيس : وأنت كل يوم تخرجـ ..
قال : هذا حاليـ من عشر سنوات .. أول مرة تعترض عليَّ ..
قال : أنت ما يصلح معك إلا العين الحمراء .. ارجع لمكتبكـ ..
مضى المسكين إلى مكتبه .. وتولى أحد المدرسين إيصالهمـ ..
لما طال وقوفهم في الشمس .. عاد هذا الموظف إلى بيته غاضباً ..
فأقبل إليه ولده الصغير معه لعبة ..
وقال : بابا .. هذه أعطانيها المدرس لأننيـ ..
صاح به الأب : اذهب لأمك .. ودفعه بيده ..
مضى الطفل باكياً .. فأقبلت إليه قطته الجميلة تتمسح برجليه كالعادة ..
فركلها برجله فضربت بالجدار .. السؤال : من ركل القطة ؟
أظنك .. تبتسمـ .. وتقول : المدير ..صحيح المدير ..
لماذا لا نتعلم فنَّ توزيع الأدوار ..
والأشياء التي لا نقدر عليها نقول بكل شجاعة .. هذه ليست في أيدينا .. لا نقدر ..
خاصة أن تصرفاتك قد يتعدى ضررها إلى أقوام لم يكونوا طرفاً في المشكلة أصلاً ..
وانتبه أن يستثيرك الآخرونـ .. ويحرجونك فتضطر لوعود .. قد لا تستطيع تنفيذها ..
انتقل معي إن شئت إلى المدينة .. وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وقد جلسـ في مجلسه المباركـ .. بعدما انتشر الدينـ .. ووُحِّد رب العالمينـ ..
جعل رؤساء القبائل يأتون إليه مذعنين مؤمنينـ .. ومنهم من كانوا يأتون صاغرين حاقدينـ ..
وفي يوم أقبل رئيس من رؤساء العرب .. له في قومه ملك ومنعه ..
أقبل عامر بن الطفيل .. وكان قومه يقولون له لما رأوا انتشار الإسلامـ ..
يا عامر إن الناسـ قد أسلموا فأسلم .. وكان متكبراً متغطرساً ..
فكان يقول لهم : والله لقد كنت أقسمت ألا أموت حتى تملِّكني العرب عليهم وتتبعَ عقبي ..
فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش !!
ثم لما رأى تمكن الإسلامـ .. وانصياع الناسـ لرسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ركب ناقته مع بعض أصحابه ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وهو بين أصحابه الكرام ..
فلما وقفـ بين يدي النبيـ عليه الصلاة والسلامـ قال : يا محمد خالني ..
أي قف معي على انفراد .. وكان صلى الله عليه وسلمـ حذراً من أمثال هؤلاء ..
فقال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده ..
فقال : يا محمد خالنيـ ..
فأبى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. فلا زال يكرر .. يا محمد قم معي أكلمْك ..
يا محمد قم معي أكلمْك .. حتى قام معه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فاجتر عامر إليه أحد أصحابه اسمه إربد ..
وقال : إني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاضربه بالسيف ..
فجعل إربد يده على سيفه واستعد ..
فانفرد الاثنان إلى الجدار .. ووقف معهما رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يكلمـ عامراً ..
وقبض أربد بيده على السيف .. فكلما أراد أن يسله يبست يده .. فلم يستطع سل السيف ..
وجعل عامر يشاغل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وينظر إلى إربد ..
وإربد جامد لا يتحرك .. فالتفت صلى الله عليه وسلمـ ..
فرأى أربد وما يصنع .. فقال : يا عامر بن الطفيل .. أسلمـ ..
فقال عامر : يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت ؟
فقال صلى الله عليه وسلمـ لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ..
قال عامر : أتجعل لي الملك من بعدك إن أسلمتـ ؟
لم يشأ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ أن يعد عامراً بوعد قد لا يتحققـ ..
فكان صريحاً جريئاً معه .. وقال : ليس ذلك لك ولا لقومكـ ..
فخفف عامر الطلب قليلاً .. وقال : أسلم على أن لي الوبر ولك المدر ..
أي أكون ملكاً على البادية وأنت على الحاضرة ..
فإذا به صلى الله عليه وسلمـ .. أيضاً لا يريد أن يلزم نفسه بوعود .. لا يدري تتحقق أم لا ..
فقال : لا ..عندها غضبـ عامر وتغير وجهه .. وصاح بأعلى صوته ..
والله يا محمد .. لأملأنها عليكـ خيلاً جرداً .. ورجالاً مرداً .. ولأربطن بكل نخلة فرساً ..
ولأغزوك بغطفانـ بألف أشقر وألف شقراء .. ثم خرجـ يزبد ويرعد ..
فجعل صلى الله عليه وسلمـ ينظر إليه وهو مولٍّ ..
ثم رفع صلى الله عليه وسلمـ بصره إلى السماء وقال : اللهم اكفني عامراً .. واهْدِ قومه ..
خرج عامر مع أصحابه حتى إذا فارق المدينة .. تعب من المسير ..
فصادف امرأة من قومه يقال لها سلولية وكانت في خيمة لها .. وكانت امرأة فاجرة ..
يذمها الناسـ ويتهمون من دخل بيتها ..فلم يجد مأوى آخر ..
فنزل عن فرسه مضطراً ونام في بيتها ..
فاخذته غدة وانتفاخ في حلقه كما يظهر في أعناق الإبل فيقتلُها .. ففزع واضطربـ ..
وجعل يتلمس الورم ويقول : غدة كغدة البعير .. وموت في بيت سلولية ..
أي : لا موتـ يشرّف .. ولا مكانـ يشرّف ..
كان يتمنى أن يموتـ في ساحة قتال .. بسيوف الأبطال ..
فإذا به يموت بمرض حيوانات .. في بيت فاجرة !!
تباً .. للذل والمهانة ..
فأخذ يصيح بهم : قربوا فرسيـ ..
فقربوه .. فوثب على فرسه .. وأخذ رمحه .. وصار يجول به الفرسـ ..
وهو يصيح من شدة الألمـ .. ويتحسس عنقه بيده ..
ويقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ..
فلم تزل تلك حاله يدور به فرسه .. حتى سقط عن فرسه ميتاً ..
تركه أصحابه .. ورجعوا إلى قومهمـ ..
فلما دخلوا ديارهم .. أقبل الناس إلى إربد يسألونه : ما وراءك يا أربد ؟
فقال : لا شيء .. والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء ..
لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله ..
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له ليبيعه ..
فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما .. وأنزل الله عز وجل في حال عامر وأربد ..
" اللّهُ يَعْلَمُ مَاتَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَاتَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَاتَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ
وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِاللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَيُغَيِّرُ مَابِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَابِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَمَرَدَّ لَهُ وَمَالَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ * هُوَ الَّذِي
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَ طَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ
وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَيَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَاهُوَ بِبَالِغِهِ
وَمَادُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ " ..
نعمـ .. لا تلتزمـ إلا بما تثق أنه يمكنك الوفاء به .. بعونـ الله ..
قام صلى الله عليه وسلمـ مرة خطيباً في الناس .. فتكلم عن الآخرة وأحوالها ..
ثم صاح قائلاً : يا فاطمة بنت محمد .. سليني من مالي ما شئتـ ..
فإني لا أغنيـ عنك من الله شيئاً ..
وأخيراً .. مع التأكيد على أهمية عدم الالتزامـ بالشيء إلا وأنت قادر عليه ..
إلا أنه ينبغي عند الاعتذار أن نستعمل أسلوباً ذكياً ..
فمثلاً : جاء إليك لتبحثـ لأخيه عن وظيفة .. لأن أباك مسؤول كبير .. أو أخاك .. أو أنتـ ..
فاعتذر بأسلوب يحفظ ماء وجهه ويجعله يشعر أنك تشاركه الهم .. قل .. مثلاً ..
يا فلان .. أنا أشعر بمعاناتكـ .. وأخوك أعتبره أخيـ ..
ولئن كان إخواني خمسة فهو السادس .. لكن المشكلة أنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً الآن فاعذرني ..
وأسأل الله أن يوفق أخاك .. مع ابتسامة لطيفة .. وتعبيراتـ وجه مناسبة ..
فكأنك بهذا الرد الجميل قضيت له ما يريد .. أليس كذلكـ ..؟
:: وجهة نظر ::
كن صريحاً مع نفسك .. جريئاً مع الناس .. واعرف قدراتك والتزم بحدودها ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثالث والثمانــــــــــــين : الاهتمامـ بالمظهر ..
يقول الشيخـ :::: كان أبو حنيفة جالساً يوماً بين طلابه في المسجد يدرسـ ..
وكان به ألمـ في ركبته .. وقد مد رجله .. واتكأ على جدار ..
في هذه الأثناء .. أقبل رجل عليه لباسـ حسنـ .. وعمامة حسنة .. ومظهر مهيبـ ..
كان وقوراً في مشيته .. جليلاً في خطوته ..
أفسحـ له لطلاب حتى جلس بجانب أبي حنيفة ..
فلما رأى ابو حنيفة مظهره .. ورزانته .. ورتابة هيئته ..
استحى من طريقة جلسته وثنى رجله .. وتحمل ألم ركبته لأجله ..
استمر أبو حنيفة في درسه والرجل يسمعـ .. فلما انتهى من الدرسـ ..
بدأ الطلابـ يسألون .. فرفع ذلك الرجل يده ليسأل ..
التفت إليه الشيخـ .. وقال : ما سؤالكـ ؟
فقال :يا شيخـ .. متى وقت صلاة المغربـ ؟
قال : إذا غربت الشمسـ .. !!
قال : وإذا جاء الليل والشمسـ لمـ تغرب .. فماذا نفعل ؟!
فقال أبو حنيفة : آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه .. ومد رجله كما كانتـ ..
وسكتـ عن هذا السؤال المتناقض !!.. إذ كيف يأتي الليل والشمس لم تغربـ ؟!!
يقولون إن النظرة الأولى إليك تكوِّن في ذهن المقابل أكثر من 70% من تصوره عنك ..
ويبدو أنه عند التأمل ستجد أن النظرة الأولى تكون أكثر من 95% عنك ..
حتى تتكلمـ .. أو تعرِّف بنفسكـ ..
ولو مشيت في ممر في مستشفى أو شركة وبجانبك شخص عليه ثياب حسنة ..
وعليه وقار في مشيته .. لرأيتـ أنك .. ربما لا شعورياً ..
إذا وصلتـ إلى باب في الممر التفتَّ إليه وقلت له : تفضل .. طال عمركـ !!
ولو ركبت سيارة أحد أصدقائك فرأيتها فوضى .. هنا فردة حذاء مرمي ..
وهنا روق شاورما .. وهما منديل .. وأشرطة كاسيت متناثرة ..
لكونتـ فكرة عن الشخص مباشرة أنه فوضوي .. غير مبال بالترتيبـ ..
وكذلكـ في لباسـ الناسـ .. ومظهرهم العام ..
والذي أعنيه هنا هو الاهتمام بالمظهر لا الإسراف في اللباس أو السيارة ..
أو الأثاث .. أوغيرها ..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلمـ يعتني بهذه النواحي كثيراً ..
فكانـ له حلة حسنة يلبسها في العيدين والجمعة ..
وكانتـ له حلة يلبسها في استقبال الوفود ..
كانـ يعتنيـ بمظهره ورائحته ..وكان يحب الطيبـ ..
قال أنسـ رضيـ الله عنه .. كانـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ .. إذا مشا تكفأ ..
وما مسستـ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ولا شممتـ مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
وكانتـ يدُه مطيبةً كأنما أخرجت من جؤنة عطار ..
وكانـ صلى الله عليه وسلمـ .. يعرف بريح الطيبـ إذا أقبل ..
وقال أنسـ رضيـ الله عنه ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلمـ لا يرد الطيب ) ..
قال أنسـ : ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وكانـ صلى الله عليه وسلمـ أحسنـ الناسـ وجهاً .. كان وجهه مستنيراً كالشمسـ ..
وكانـ إذا سُرّ استنـار وجهه .. حتى كأن وجهه قطعة قمر ..
قال جابر بن سمرة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلمـ في ليلة مضيئة مقمرة ..
فجعلتـ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وإلى القمر .. وعليه حلة حمراء ..
فإذا هو عندي أحسنـ من القمر ..
وكان يأمر المسلمينـ بذلك يأمر المسلمينـ بمراعاة صلى الله عليه وسلمـ المظهر ..
عن أبي الأحوص عن أبيه رضيـ الله عنه .. قال : أتيت النبيـ وعليّ ثوب دون ( أي ردئ ) ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : ألك مال ؟ قلت : نعمـ ..
قال : منـ أي المال ؟ قلت : من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيقـ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ .. فإذا آتاك الله مالاً .. فلُيرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه ..
وقال صلى الله عليه وسلمـ : ( من أنعمـ الله عليه نعمة .. فإنـ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) ..
وعن جابر بن عبدالله رضيـ الله عنه قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
زائراً في منزلنا فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره ..
فقال : أما كان يجد هذا ما يُسكن به شعره ؟ ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة..
فقال : أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه ؟ ..
وقال : ( من كانـ له شعر فليكرمه ) .. وكانـ يحرّص على حسن السمتـ ..
وجمال الشكل .. واللباس .. وطيب الرائحة ..
وكانـ يردد في الناسـ قائلاً : ( إن الله جميل يحبـ الجمال ) ..
:: تجربة ::
النظرة الأولى إليك تطبع في ذهن المقابل 70% من تصوره عنك ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الرابع والثمانــــــــــــين : الكرمـ ..
يقول الشيخـ :::: قال لهمـ : من سيدكم ؟ قالوا : سيدنا فلانـ .. على أننا نبخِّله ..
فقال : وأي داء أدوأُ من البخل ؟!! بل سيدكمـ الأبيض الجعد فلانـ ..
هكذا جرى النقاشـ بين إحدى القبائل وبين رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
لما أسلموا فسألهمـ عن سيدهم ليقره عليهم بعد إسلامهمـ أو يغيره ..
نعمـ وأي داء أدوأ من البخل .. ما أقبح البخل وما أعرض الناسـ عنه .. وما أثقله عليهمـ ..
لا يكاد يقيمـ في بيته وليمة يتحبب بها إليهمـ .. ولا يكاد يهديـ هدية ..
ولا يكاد يعتني بجمال مظهره .. ولا يهتم بزكاء برائحته .. توفيراً للمال .. ورضاً بالدون ..
أما الكريمـ فهو مفضال على أصحابه .. قريبـ من أحبابه ..
إن اشتاقوا للاجتماع والأنس ففي بيته .. وإن نقص على أحدهم شيء تفضل عليه به ..
فيأسر نفوسهمـ بكرمه .. ويستعبد قلوبهمـ بإحسانه ..
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم **** فطالما استعبد الإنسان إحسان
وينبغيـ عند إكرامـ غيرك أن تكون نيتك حسنة .. للتآلف مع إخوانك المسلمينـ ..
وكسبـ مودتهمـ .. والتقربـ إلى الله بالإحسانـ إليهمـ ..
لا لأجل شهرة أو رئاسة أو كسبـ مديحهم وثنائهمـ ..
قال صلى الله عليه وسلمـ : أول من تسعر بهم النار ثلاثة ..
وذكر منهمـ رجلاً كان ينفق ليقال جواد أي كريمـ ..
فلمـ يعمل ابتغاء وجه الخالقـ وإنما ابتغى وجه المخلوقـ .. رياءً وسمعة ..
وإليك الحديثـ كاملاً : قال سفيان : دخلت المدينة .. فإذا أنا برجل قد اجتمع الناسـ عليه ..
فقلتـ : من هذا ؟ قالوا : أبو هريرة .. فدنوتـ منه حتى قعدت بين يديه .. وهو يحدث الناسـ ..
فلما سكتـ وخلا .. قلت : أنشدكـ الله .. بحقـ وحقـ ..
لما حدثتنيـ حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وعلمته ..
فقال أبو هريرة : أفعل .. لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
عقلته وعلمته .. ثم نشغ أبو هريرة نشغة ( شهق ) .. فمكث قليلاً .. ثمـ أفاقـ ..
فقال : لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وأنا وهو في هذا البيت .. ليس فيه أحد غيري وغيره .. ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ..
فمكث بذلك .. ثم أفاق .. ومسح وجهه ..
فقال ..أفعل .. لأحدثنك بحديث حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وأنا وهو في هذا البيتـ .. ليسـ فيه أحد غيري وغيره ..
ثم نشغـ أبو هريرة نشغة أخرى .. ثمـ مال خارّاً على وجهه .. وأسندته طويلاً ..
ثم أفاق .. فقال : حدثنيـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
إن الله عز وجل إذا كان يومـ القيامة .. نزل إلى العباد ليقضي بينهمـ .. وكل أمة جاثية ..
فأول منـ يدعو به : رجل جمع القرآنـ .. ورجل يقتل في سبيل الله .. ورجل كثير المال ..
فيقول الله للقارىء : ألم أعلمكـ ما أنزلت على رسوليـ ؟
قال : بلى يا رب .. قال : فماذا عملت فيما علمتـ ؟
قال : كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار ..
فيقول الله له : كذبت .. وتقول الملائكة له : كذبتـ ..
فيقول الله عز وجل : أردت أن يقال : فلان قارىء .. فقد قيل ..
ويؤتى بصاحب المال فيقول : ألمـ أوسع عليك حتى لمـ أدعك تحتاج إلى أحد ؟
قال : بلى .. قال : فماذا عملت فيما آتيتكـ ؟
قال : كنتـ أصل الرحم .. وأتصدقـ ..
فيقول الله : كذبتـ .. وتقول الملائكة : كذبتـ ..
ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جواد .. فقد قيل ذلك ..
ويؤتى بالرجل الذي قتل في سبيل الله .. فيقال له : فيم قتلتـ ؟
فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك .. فقاتلت حتى قتلتـ ..
فيقول الله : كذبتـ .. وتقول الملائكة له : كذبتـ ..
ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جريء .. فقد قيل ذلكـ ..
ثمـ ضربـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ على ركبتيـ فقال : يا أبا هريرة ..
أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة..
فإذا أحسنتـ النية في كرمك فأبشر بالخير ..
وأولى من تحسنـ إليهم ليحبوك ويكرموك .. أهل بيتكـ .. الأمـ .. الأب .. الزوجة .
الأولاد .. ثمـ الأقرب قالأقرب .. ابدأ بنفسكـ ثم بمن تعول ..
وكفى بالمرء إثماً أن يضيعـ من يعول ..
ولا بد من التفريقـ بين الكرم والإسرافـ ..
دلف رجل في شارع قديم فمر ببيت متهالكـ ..
فإذا فتاة صغيرة قد جلست على عتبة الباب بثياب رثة .. وهيئة فقيرة .. فسألها : من أنتـ ؟
قالت : أنا ابنة حاتم الطائيـ ..
فقال : عجباً !! ابنة حاتم الطائي الكريم الجواد .. على هذا الحال ؟!!
فقالت : كرم أبي صيرنا إلى ما ترى !!
كانـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ أكرم الناسـ ..
ولمـ يكنـ جشعاً ينظر في مصلحة نفسه ولا يلتفتـ إلى غيره كلا .. قال ابو هريرة رضيـ الله عنه ..
والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوعـ ..
وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوعـ ..
ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه .. فمر أبو بكر ..
فسألته عن آية من كتاب الله .. ما سألته إلا ليستتبعني .. فلم يفعل ..
ثمـ مرَّ عمر .. فسألته عن آية من كتابـ الله .. ما سألته إلا ليستتبعني .. فمر فلمـ يفعل ..
ثمـ مرَّ بيـ أبو القاسمـ صلى الله عليه وسلمـ .. فتبسم حين رآنيـ ..
وعرفـ ما في وجهي وما في نفسيـ ..
ثمـ قال : أبا هر .. قلتـ : لبيكـ يا رسول الله .. قال : اِلْحَقْـ ..
ومضى .. فاتبعته .. فدخل .. فاستأذن .. فأذن ليـ .. فدخلتـ ..
فوجد لبناً فيـ قدحـ .. فقال : من أين هذا اللبنـ ؟
قالوا : أهداه لك فلان .. أو فلانة .. قال : أبا هر .. قلت : لبيك يا رسول الله ..
قال : اِلْحَقْ أهل الصفة .. فادعهم ليـ ..
قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام .. لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال ..
إذا أتته صدقة بعث بها إليهمـ ولم يتناول منها شيئاً .. وإذا أتته هدية أرسل إليهمـ ..
وأصاب منها وأشركهم فيها .. فساءني ذلكـ ..
وقلت : وما هذا اللبن في أهل الصفة !! كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها ..
فإذا جاءوا .. أمرني .. فكنت أنا أعطيهم .. وما عسى أن يبلغني من هذا اللبنـ ..
ولم يكنـ من طاعة الله .. وطاعة رسوله بدٌ .. فأتيتهم .. فدعوتهمـ ..
فأقبلوا .. فأذن لهمـ .. وأخذوا مجالسهم من البيت .. فقال : يا أبا هر ..
قلت : لبيكـ يا رسول الله .. قال : خذ .. فأعطهمـ ..
فأخذت القدحـ .. فجعلت أعطيه الرجلَ فيشرب حتى يروى .. ثم يرد عليَّ القدحـ ..
فأعطيه الآخر .. فيشربـ حتى يروى .. ثم يرد علي القدحـ ..
فأعطيه الآخر فيشربـ حتى يروى .. ثم يرد علي القدحـ ..
حتى انتهيت إلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. وقد روي القوم كلهمـ ..
فأخذ القدح فوضعه على يده .. فنظر إليَّ فتبسمـ فقال : أبا هر ..
قلت : لبيك يا رسول الله .. قال بقيت أنا وأنت ؟
قلت : صدقت يا رسول الله .. قال : اقعد فاشربـ .. فقعدت فشربتـ ..
فقال : اشرب .. فشربتـ فما زال يقول : اشربـ .. حتى قلت : لا ..
والذي بعثك بالحقـ .. ما أجد له مسلكاً ..
قال : فأرنيـ .. فأعطيته القدحـ .. فحمد الله وسمَّى .. وشربـ الفضلة ..
وللكرمـ أسرار ..أحياناً لا تتكرمـ على الشخص مباشرة ..
وإنما تتكرمـ على من يحبهمـ .. فيحبك زارني أحد الأصدقاء يوماً ..
وكان يحمل كيساً فيه عدد من الحلويات والألعاب ..
أظنها لم تكلفه بضعة ريالات .. وضعها بجانب الباب لما دخل .. وقال : هذه للأولاد ..
فرح بها الصغار .. وفرحت بها أنا لأنه أشعرني أنه يحب إدخال السرور على أولادي ..
كان أحد السلفـ عالماً .. لكنه كان فقيراً ..
فكانـ طلابه يهدون إليه بين فترة وأخرى .. أنواعاً من الهدايا .. تمر .. دقيقـ ..
وكان الطالبـ إذا أهدى إليه .. لم يزل الشيخ مكرماً مقبلاً عليه .. ما دامتـ هديته باقية ..
فإذا انتهتـ .. رجع إلى طبعه الأول ..
ففكر أحد طلابه بهدية يحملها إلى الشيخ .. تكون معقولة الثمن .. وتطول مدة بقائها ..
فأهدى إليه كيسـ ملحـ ..ولو استشرتنيـ فيـ هديتينـ ستهديـ إحداهما إلى صديقـ ..
أولهما زجاجة عطر رائع .. ثمينـ ..
أو ساعة حائطية تكتب عليها إهداءً باسمه .. لاخترت الساعة .. لأنها يطول بقاؤها ..
ويراها دائماً .. وأذكر أن أحد طلابيـ أهديته ساعة حائطية فيها إهداء باسمه ..
وتخرجـ من الكلية .. ومرت السنينـ ..
ثم زرت إحدى المدن فتفاجأت به يحضر المحاضرة ويدعونيـ إلى بيته ..
فلما دخلتـ مجلسـ الضيوف فإذا به يشير إلى الساعة معلقة على الحائط ..
ويقول : هذه أغلى هدية عندي .. وقد مر على تخرجه سبع سنينـ ..
بقي أن تعلمـ أن هذه الساعة لمـ تكلف إلا شيئاً يسيراً .. لكنـ قيمتها المعنوية أعلى وأكبر ..
:: وجهة نظر ::
كسب قلوب الناس فرص قد لا تتكرر
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الخامس والثمانــــــــــــين : اللسان .. ملكـ !!
يقول الشيخـ :::: تأملت فيما يحدث التباغض والشقاقـ بين الناسـ ..
ويجعل بعضهمـ أثقل من الجبل على الآخرينـ .. فلا يحبون رؤيته ولا مجالسته ..
ولا السفر معه .. ولا حضور وليمة هو مدعو إليها ..
وجدتـ أن أكثر يوصل الشخصـ إلى هذا المستوى البغيضـ هو اللسانـ ..
فكمـ من خصومات وقعتـ بين إخوان .. وأزواج .. و .. بسببـ مسبة أو غيبة أو شتمـ ..!!
لسانـ الفتى نصف ونصف فؤاده .. فلم يبق إلا صورة اللحم والدمـ ..
ذُكر أن ملكاً معظماً رأى في منامه أن أسنانه تساقطت ..
فاستدعى أحد المعبرينـ .. وقص عليه الرؤيا وسأله عن تعبيرها ؟!
فتغير المعبر لما سمعها .. وجعل يردد : أعوذ بالله .. أعوذ بالله ..
تمضيـ عليك السنينـ .. ويموت أولادك وأهلك جميعاً .. وتبقى في ملكك وحدكـ ..
فصاحـ الملك .. وغضبـ .. وسبـ ولعن .. وأمر بالمعبر أنـ يسحبـ ويجلد ..
ثمـ دعا بمعبر آخر .. وقص عليه الرؤيا .. وسأله عن تعبيرها ..
فاستهل ذاك المعبر .. وتبسمـ .. وأظهر البشاشة .. وقال : أبشر .. خير .. خير .. أيها الملكـ ..
هذا معناه أنك سيطول عمرك جداً .. حتى تكون آخر أهلك موتاً ..
وتبقى طول عمركـ ملكاً .. فاستبشر الملكـ وأمر له بالأعطيات .. وبقي راضياً عليه ..
ساخطاً على الآخر !! مع أنك لو تأملتـ لوجدتـ أن التعبيرين متماثلان متطابقانـ ..
لكنـ الأول عبر بأسلوبـ والآخر عبر بأسلوب آخر .. نعمـ .. اللسان سيد الأعضاء ..
وفي الحديث .. قال صلى الله عليه وسلمـ : إذا أصبح ابنـ آدمـ فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ..
فتقول : اتقـ الله فينا .. فإنما نحنـ بك .. فإن استقمت استقمنا .. وإن اعوججت اعوججنا ..
نعمـ .. والله إنه لسيد .. سيد في خطبة الجمعة .. وسيد فيـ الإصلاح بين الناسـ ..
وسيد في التسويق .. وسيد في المحاماة ..
ولا يعني هذا أنه إذا فقده الإنسان .. انتهت حياته .. كلا بل صاحب الهمة يبقى بطلاً ..
لمـ يكنـ أبو عبد الله يختلف كثيراًُ عن بقية أصدقائي ..
لكنه والله يشهد ..من أحرصهم على الخير ..
له عدة نشاطات دعوية من أبرزها ما يقوم به أثناء عمله ..
فهو يعمل مترجما في معهد الصمـ البكمـ ..
اتصل بي يوما وقال : ما رأيك أن أحضر إلى مسجدك اثنين من منسوبيـ معهد الصمـ ..
لإلقاء كلمة على المصلينـ ..
تعجبتـ !! وقلت : صمـ يلقون كلمة على ناطقينـ ؟
قال : نعمـ .. وليكن مجيئنا يوم الأحد ..انتظرت يومـ الأحد بفارغ الصبر ..
وجاء الموعد ..وقفتـ عند باب المسجد أنتظر .. فإذا بأبي عبد الله يقبل بسيارته ..
وقف قريباً من الباب .. نزل ومعه رجلان .. أحدهما كان يمشي بجانبه ..
والثاني قد أمسكه أبو عبد الله يقوده بيده ..
نظرتـ إلى الأول فإذا هو أصمـ أبكمـ .. لا يسمعـ ولا يتكلمـ .. لكنه يرى ..
والثاني أصمـ .. أبكمـ .. أعمى .. لا يسمع ولا يتكلم ولا يرى ..
مددت يديـ وصافحتـ أبا عبد الله .. كانـ الذي عنـ يمينه .. وعلمتـ بعدها أن اسمه أحمد ..
ينظر إليّ مبتسماً .. فمددت يديـ إليه مصافحاً ..
فقال ليـ أبو عبد الله .. وأشار إلى الأعمى ..
سلمـ أيضاً على فايز .. قلت : السلامـ عليكمـ .. فايز ..
فقال أبو عبد الله : أمسك يده .. هو لا يسمعكـ ولا يراكـ ..
جعلتـ يدي في يده .. فشدني وهز يديـ ..
دخل الجميع المسجد .. وبعد الصلاة جلس أبو عبد الله على الكرسي ..
وعن يكينه أحمد .. وعن يساره فايز ..
كان الناسـ ينظرون مندهشينـ .. لم يتعودوا أن يجلس على كرسي المحاضرات أصمـ ..
التفتـ أبو عبد الله إلى أحمد وأشار إليه .. فبدأ أحمد يشير بيديه .. والناسـ ينظرونـ ..
لم يفهموا شيئاً .. فأشرت إلى أبي عبد الله .. فاقترب إلى مكبر الصوتـ ..
وقال : أحمد يحكي لكم قصة هدايته .. ويقول لكم .. ولدت أصم .. ونشأت في جدة ..
وكانـ أهلي يهملونني .. لا يلتفتون إليّ .. كنتـ أرى الناس يذهبون إلى المسجد ..
ولا أدريـ لماذا ! أرى أبي أحياناً يفرش سجادته ويركعـ ويسجد .. ولا أدري ماذا يفعل ..
وإذا سألتـ أهلي عن شيء .. احتقروني ولم يجيبونيـ ..
ثم سكتـ أبو عبد الله والتفت إلى أحمد وأشار له ..
فواصل أحمد حديثه .. وأخذ يشير بيديه .. ثم تغير وجهه .. وكأنه تأثر ..
خفض أبو عبد الله رأسه .. ثمـ بكى أحمد .. وأجهش بالبكاء .. تأثر كثير من الناسـ ..
لا يدرون لماذا يبكيـ .. واصل حديثه وإشاراته بتأثر .. ثم توقفـ ..
فقال أبو عبد الله : أحمد يحكي لكم الآن فترة التحول في حياته ..
وكيفـ أنه عرفـ الله والصلاة بسببـ شخصـ في الشارعـ عطفـ عليه وعلمه ..
وكيفـ أنه لما بدأ يصليـ شعر بقدر قربه من الله .. وتخيل الأجر العظيم لبلائه ..
وكيفــ أنه ذاق حلاوة الإيمانـ ..
ومضى أبو عبد الله يحكي لنا بقية قصة أحمد ..
كان أكثر الناس مشدوداً متأثراً ..
لكنيـ كنتـ منشغلاً .. أنظر إلى أحمد تارة .. وإلى فايز تارة أخرى ..
وأقول في نفسيـ .. هاهو أحمد يرى ويعرف لغة الإشارة .. وأبو عبد الله يتفاهم معه بالإشارة ..
ترى كيفـ سيتفاهمـ معـ فايز .. وهو لا يرى ولا يسمعـ ولا يتكلمـ ..!!
انتهى أحمد من كلمته .. ومضى يمسحـ بقايا دموعه ..
التفتـ أبو عبد الله إلى فايز .. قلتـ في نفسيـ : هه ؟؟ ماذا سيفعل ؟!!
ضربـ أبو عبد الله بأصابعه على ركبة فايز .. فانطلقـ فايز كالسهمـ .. وألقى كلمة مؤثرة ..
تدري كيفـ ألقاها ؟بالكلامـ ؟ كلا .. فهو أبكمـ .. لا يتكلمـ ..
بالإشارة ؟ كلا .. فهو أعمى .. لم يتعلم لغة الإشارة ..
ألقى الكلمة بـ ( اللمس ) .. نعمـ باللمسـ .. يجعل أبو عبد الله ( المترجم ) يده بين يدي فايز ..
فيلمسه فايز لمسات معينة .. يفهم منها المترجم مراده ..
ثم يمضيـ يحكي لنا ما فهمه من فايز .. وقد يستغرقـ ذلك ربع ساعة ..
وفايز ساكن هادئ لا يدريـ هل انتهى المترجم أم لا .. لأنه لا يسمع ولا يرى ..
فإذا انتهى المترجمـ من كلامه .. ضربـ ركبة فايز .. فيمد فايز يديه ..
فيضعـ المترجمـ يده بين يديه .. ثم يلمسه فايز للمسات أخر ..
ظل الناسـ يتنقلون بأعينهم بين فايز والمترجمـ .. بين عجب تارة .. وإعجاب أخرى ..
وجعل فايز يحث الناس على التوبة .. كان أحياناً يمسك أذنيه .. وأحياناً لسانه ..
وأحياناً يضعـ كفيه على عينيه .. فإذا هو يأمر الناسـ بحفظ الأسماع والأبصار عن الحرامـ ..
كنتـ أنظر إلى الناسـ .. فأرى بعضهمـ يتمتمـ : سبحان الله ..
وبعضهمـ يهمسـ إلى الذي بجانبه .. وبعضهمـ يتابع بشغف .. وبعضهم يبكيـ ..
أما أنا فقد ذهبت بعيييييداً ..
أخذتـ أقارن بين قدراته وقدراتهمـ .. ثم أقارن بين خدمته للدين وخدمتهمـ ..
الهمـ الذي يحمله رجل أعمى أصمـ أبكمـ .. لعله يعدل الهم الذي يحمله هؤلاء جميعاً ..
والناس ألف منهم كواحد **** وواحد كالألف إن أمر عنا
رجل محدود القدراتـ .. لكنه يحترقـ في سبيل خدمة هذا الدينـ ..
يشعر أنه جنديـ من جنود الإسلامـ .. مسئول عنـ كل عاصـ ومقصر ..
كانـ يحرك يديه بحرقة .. وكأنه يقول يا تاركـ الصلاة إلى متى ..؟
يا مطلق البصر فيـ الحرامـ إلى متى ..؟ يا واقعاً في الفواحشـ ؟ يا آكلاً للحرام ؟
بل يا واقعاً في الشركـ ؟ كلكمـ إلى متى .. أما يكفيـ حرب الأعداء لديننا .. فتحاربونه أنتم أيضاً !!
كانـ المسكينـ يتلونـ وجهه ويعتصر ليستطيعـ إخراجـ ما في صدره ..
تأثر الناسـ كثيراً .. لمـ ألتفت إليهمـ .. لكنيـ سمعتـ بكاء وتسبيحاتـ ..
انتهى فايز من كلمته .. وقامـ .. يمسك ابو عبد الله بيده ..
تزاحمـ الناسـ عليه يسلمونـ ..كنت أراه يسلمـ على الناسـ ..
وأحسـ أنه يشعر أن الناسـ عنده سواسيه ..يسلمـ على الجميع ..
لا يفرقـ بين ملك ومملوك ورئيسـ ومرؤوسـ .. وأمير ومأمور ..
يسلمـ عليه الأغنياء والفقراء .. والشرفاء والوضعاء .. والجميعـ عنده سواء ..
كنتـ أقول في نفسيـ ليت بعضـ النفعيينـ مثلك يا فايز ..
أخذ أبو عبد الله بيد فايز .. ومضى به خارجاً من المسجد ..
أخذتـ أمشيـ بجانبهما .. وهما متوجهان للسيارة ..
والمترجمـ وفايز يتمازحانـ في سعادة غامرة ..
آآآه ما أحقر الدنيا ..كمـ من أحد لم يصبـ بربع مصابكـ يا فايز ولم يستطعـ أن ينتصر على الضيقـ والحزنـ ..
أينـ أصحابـ الأمراض المزمنة .. فشل كلويـ .. شلل ..
جلطاتـ .. سكريـ .. إعاقاتـ .. لماذا لا يستمتعون بحياتهمـ .. ويتكيفون مع واقعهمـ ..
ما أجمل أن يبتليـ الله عبده ثم ينظر إلى قلبه فيراه شاكراً راضياً محتسباً ..
مرت الأيامـ .. ولا تزال صورة فايز مرسومة أمامـ ناظريـ ..
:: حقيقة ::
الإنسان لا لحمه يؤكل .. ولا جلده يلبس .. فماذا فيه غير حلاوة اللسان !!
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ السادس والثمانــــــــــــين : المفتاحـ ..
يقول الشيخـ :::: المدحـ .. هو مفتاحـ القلوبـ ..
نعمـ .. من أجمل مهارات الكلامـ أن تكون مبدعاً في تعويد نفسكـ على اكتشافـ صواب الآخرينـ ..
ومدحهمـ والثناء عليهمـ به .. قبل الانتباه إلى خطئهمـ ..
ويتأكد ذلك عندما تريد أنـ تنبه شخصاً إلى خطأ ما ..
كثير منـ الناسـ يرد النصيحة لا لأجل تكبره عنها .. أو عدم اقتناعه بخطئه ..
وإنما لأن الناصحـ لمـ يسلك الطريقـ الصحيحـ لتقديم النصيحة ..
هبـ أنك ذهبت إلى مستشفى حكوميـ لعلاجـ ..
فلما أقبلتـ إلى موظفـ الاستقبال فإذا وراء الزجاجـ شابـ مراهق يقلبـ جريدة بين يديه ..
وبيده سيجاره .. غير مبال بما حوله ..
وإذا شيخـ كبير أعمى يقف متعباً في يده اليمنى طفل صغير ..
وفيـ الأخرى ورقة مراجعة ينتظر أن يحوله الموظفـ إلى الطبيبـ ..
وإذا بجانبه عجوز كبيرة بيدها طفلة تبكيـ وقد تمكنتـ الحمى من جسدها ..
وتنتظر أيضاً الموظفـ أنـ يفرغـ من قراءة أخبار ناديه المفضل ليحولها لطبيبـ الأطفال ..
لما رأيتـ هذا المنظر ثارتـ أعصابك .. ولا نلومك على ذلكـ ..
فصرختـ بالموظفـ : هيه !! أنتـ جالسـ فيـ مستشفى أو فيـ ... ما تخاف الله ؟!!
المرضى يئنونـ من الألمـ وأنت تقرأ جريدة !! لا وتدخنـ أيضاً !! والله عجبـ ..
مثلكـ ما يربيه إلا شكوى لمدير المستشفى .. أو المفروضـ أن تفصل من عملكـ ..
وبدأت تهيل هذه العبارات كالبرق عليه ..هبـ أنه .. لم يرد عليكـ .. ولم يقابل صراخكـ بصراخـ ..
هبـ فعلاً أنه ألقى جريدته .. وأنهى تحويل المرضى إلى الأطباء ..
هل تعتبر نفسكـ نجحتـ في حل المشكلة .. كلا ..
أنتـ هنا عالجتـ الموقفـ لكنكـ لم تعالجـ المشكلة ..
لأنه وإن استجابـ إليك الآن إلا أنه سيعود إلى تصرفه المشينـ غداً وبعد غدٍ ..
إذن كيفـ أتصرفـ ؟!!
تعال إليه واكظمـ غيظكـ .. تعامل مع الموقف بعقل لا بعاطفة ..
لا تدعـ المناظر المؤذية تؤثر في تصرفاتك ..
ابتسمـ .. وإن كنت مغضباً .. وإن كانت الابتسامة صفراء لا مشكلة ..
ابتسمـ .. وقل : السلامـ عليكمـ ..
سيقول وهو ينظر إلى لاعبه المفضل : عليكمـ السلامـ .. انتظر لحظة ..
قل أي كلمة تجعله يلتفت إليكـ .. كأن تقول : كيف الحال ؟ .. مساكـ الله بالخير ..
سيرفع رأسه .. حتماً .. إليك ويقول : الحمد لله بخير ..
في هذه المرحلة تكون قد قطعت نصف المشوار ..
تلطف إليه بأي عبارة تمدحه بها .. قل له مثلاً : تصدق !
المفروض مثلك ما يعمل في استقبال مستشفى .. سيتغير ويقول : لماذا ؟
قل : لأنـ هذا الوجه المنير إذا رآه المريضـ زال مرضه فلا يحتاجـ إلى طبيبـ ..
سيبتسمـ متعجباً من جرأتك .. يا بطل .. وتنبلج أساريره ..
وقد صار الآن مهيئاً لقبول لنصيحة .. ويقول : ماذا عندكـ ؟
عندها قل : يا أخيـ الحبيبـ ترى هذا الشيخـ الكبير .. وهذه العجوز المسكينة ..
ليتكـ تنهي لهما إجراءات الدخول على الطبيبـ ..
سيتناول أوراقهما .. ويحولهما للطبيبـ .. ثمـ يتناول ورقتكـ ..
فإذا انتهى منكـ وسلمكـ الورقة .. فقل له : سبحان الله .. هذه أول مرة أراكـ ..
ومع ذلك فقد دخلتـ إلى قلبي ..
لا أدري كيفـ !! والله إنكـ أحب إليَّ من آلافـ الناسـ ..
( وفعلاً أنت صادق فهو مسلمـ أحب إليك حتماً من ملايينـ غير المسلمين ) ..
سيفرحـ ويشكر لك لطفك .. فقل : وعندي كلمات أود أن تسمعها لكنيـ أخاف أن تغضبك ..
سيقول : لا .. لا .. تفضل .. عندها قدم له النصيحة .. أنتـ قد منّ الله عليك بهذه الوظيفة ..
وفي واجهة المستشفى .. وأنتـ قدوة لغيركـ ..
فليتكـ تتلطف قليلاً مع المراجعين .. وتهتم بهمـ ..
لعل دعوة صالحة ترفعـ لك في ظلمة الليل منـ فمـ عجوز عابدة .. أو شيخـ زاهد ..
أجزمـ أنه سيخفضـ رأسه وأنت تتكلمـ .. ويردد : أشكركـ .. جزاك الله خيراً ..
وكذلكـ استعمل هذه الأساليب مع كل شخص تعالج سلوكه ..
مثل شخص يتهاون بالصلاة .. أو أب يهمل بناته فيتكشفنـ .. ويتساهلن بالحجابـ ..
أو شابـ عاق لوالديه .. لأجل أن يقبلوا منكـ لا بد أن تمارس المهارات المناسبة ..
نعمـ .. استخدمـ العبارات اللطيفة في إصلاحـ خطأ الآخر .. كن مؤدباً .. محترماً لرأيه ..
قل له : أنا ما أنصحكـ إلا لأني أعلم .. أنك تقبل النصح ..
وفيـ التنزيل العزيز يقول الله : ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ..
وقد كان المربي الحكيم صلى الله عليه وسلمـ ..
يستعمل طرقاً ومهارات تجعل من يعدل سلوكهم لا يملكون إلا أن يقبلوا منه ..
أراد يوماً أن يعلم معاذ بن جبل ذكراً يقوله بعد الصلاة ..
فأقبل إلى معاذ وقال : يا معاذ .. والله إني أحبكـ ..
فلا تدعنـ في دبر كل صلاة أنـ تقول : اللهمـ أعني على ذكركـ وشكركـ وحسنـ عبادتكـ ..
بالله عليكـ .. ما علاقة المقطع الأول من الكلام "والله إني أحبك " ..
بالمقطعـ الثاني " لا تدعن أن تقول اللهم أعني على ذكرك "..
قد يكون الأنسبـ لقوله إني أحبك أن يقول بعدها وأريد أن أزوجك ابنتيـ .. مثلاً ..
أو أعطيك مالاً .. أو أدعوك إلى طعامـ ..
ولكنـ أن يتبع خبر المحبة تعليمه ذكراً منـ أذكار الصلاة ..!! فهذا يحتاج إلى تأمل ..
أتدريـ ما موقع قوله : " والله إني أحبك " ؟ إنه التهيئة لقبول النصيحة ..
فإذا ارتاحتـ نفسـ معاذ واستبشر ، أعطاه النصيحة ..
وفيـ موقفـ آخر .. قبضـ صلى الله عليه وسلمـ يد عبد الله بن مسعود بيده اليمنى ..
ثمـ وضعـ يده اليسرى فوقها .. كنوعـ من العطفـ والتهيئة ..
ثم قال : يا عبد الله .. إذا جلستـ في التشهد ..
فقل : التحياتـ لله والصلولات والطيبات السلامـ عليك أيها النبيـ ورحمة الله وبركاته ..
ومضتـ السنينـ وماتـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فكان عبد الله يفخر بذلك ..
ويقول علمنيـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ التشهد وكفيـ بينـ كفيه ..
وفيـ يوم آخر لاحظ صلى الله عليه وسلمـ أن عمر رضيـ الله عنه ..
إذا طاف بالكعبة وحاذى الحجر الأسود .. زاحم الناسـ وقبله .. وكان صلباً قوي البدن ..
وربما زاحم الضعفاء .. فأراد صلى الله عليه وسلمـ أن يعدل سلوكه ..
فقال .. على سبيل التهيئة لقبول النصيحة : يا عمر إنك رجل قويـ ..
فرحـ عمر بهذا الثناء .. فقال صلى الله عليه وسلمـ : فلا تزاحمن عند الحجر ..
ومرة أراد أن ينصح ابن عمر بقيام الليل .. فقال : نعمـ الرجل عبد الله لو كانـ يقومـ الليل ..
وفيـ رواية قال : يا عبد الله لا تكنـ مثل فلانـ .. كانـ يقومـ الليل ..
لا تكنـ مثل فلان .. كان يقومـ الليل .. فترك قيامـ الليل ..
نعم .. كانـ صلى الله عليه وسلمـ يستعمل هذا الأسلوبـ الرائع مع جميع الناسـ ..
ومع الوجهاء خاصة ..في بداية بعثة النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
كانـ الناسـ ما بين مقبل ومدبر .. وكان رجل في المدينة اسمه سويد بن الصامت ..
وكانـ رجلاً شريفاً فيـ قومه .. عاقلاً شاعراً .. يحفظ كلامـ الحكماء ..
حتى قيل إنه كانـ يحفظ كل ما روي عنـ لقمان الحكيمـ ..
حتى بلغ من إعجاب الناسـ به أنهم كانوا يسمونه : الكامل .. لجلده وشعره ..
وشرفه ونسبه .. وهو الذي يقول :
ألا رب من تدعو صديقاً ولو ترى **** مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشهد ما كان شاهـداً **** وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يســرك بـاديـه وتـحـت أديمـه **** نميمة غش تبتري عقب الظهر
تبيـن لـك العـينان مـا هـو كاتـم**** من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
قدمـ سويد بن الصامت يوماً إلى مكة حاجاً .. أو معتمراً ..
فتحدث الناسـ بدخوله مكة .. وأقبلوا لرؤيته .. فسمع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
به فأقبل عليه .. فدعاه إلى الله .. وإلى الإسلامـ ..
وجعل يحدثه بالتوحيد والرسالة وأنه نبيـ يوحى إليه قرآنـ ..
وأن هذا القرآنـ هو كلامـ الله تعالى .. فيه عبر وأحكامـ ..
فقال له سويد : فلعل الذي معكـ مثل الذي معيـ ؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلمـ : ما الذي معكـ ؟
قال : معيـ مجلة لقمان .. يعني حكمة لقمانـ ..
فلمـ يعنفه صلى الله عليه وسلمـ أو يحقره .. مع أنه يضاهيـ كلامـ الله بكلام البشر ..
وإنما تلطف معه .. وقال صلى الله عليه وسلمـ : اعرضها عليـ ..
فشرعـ سويد يقرأ ما يحفظ منـ كلامـ لقمان وحِكَمِه ..
ورسول الله صلى الله عليه وسلمـ يستمعـ إليه بكل هدوووء ..
فلما انتهى سويد .. قال صلى الله عليه وسلمـ له : إن هذا لكلامـ حسن ..
ثمـ قال مشوقاً لسويد : والذيـ معيـ أفضل من هذا ..
قرآنـ أنزله الله تعالى علي .. هو هدى ونور ..
ثمـ تلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ القرآنـ .. ودعاه إلى الإسلامـ ..
وسويد يستمعـ منصتاً .. فلما فرغـ صلى الله عليه وسلمـ من كلامه ..
ظهر على سويد التأثر .. وقال : إن هذا لقول حسنـ ..
ثمـ انصرفـ سويد عنـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. ولا يزال متأثراً بما سمع ..
فقدمـ المدينة على قومه .. فلمـ يلبثـ أن وقعـ قتال بينـ قبيلتيـ الأوسـ والخزرجـ ..
وكانـ من قبيلة الأوس فقتلته الخزرجـ ..
وذلك قبل أن يهاجر النبيـ صلى الله عليه وسلمـ إلى المدينة ..
ولا يدرى هل أسلمـ أمـ لا ؟ وإن كانـ رجل من قومه ليقولونـ : إنا لنراه قد قتل وهو مسلمـ ..
:: باختصار ::
أسرف في المديح .. واقتصد في النقد ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ السابع والثمانــــــــــــين : الساحر ..
يقول الشيخـ :::: الكلامـ ببلاشـ .. يا أخيـ سَمِّعنا كلمة حلوة ..
هكذا بدأتـ المسكينة تعاتبـ زوجها ..
صحيحـ هو ما قصر معها في طعامـ ولا لباسـ .. ولكنه لمـ يكنـ يسحرها بمعسول الكلامـ .. !!
يجمعـ العقلاء أن أهمـ صفات البائعـ الماهر أن يكونـ ساحراً في كلامه ..
فيردد : من عيونيـ .. تفضل .. خل الحساب علينا .. تعبكـ راحة ..
وتزيد قيمة البائعـ كلما زادت عباراته جمالاً ..
فإنـ أضافـ إلى حسنـ العبارة جودة في وصفـ السلعة .. وقدرة على إقناعـ الزبونـ بالشراء ..
صار قد اكتسب نوراً على نور ..
ويجمعـ المجربونـ أنـ من أهمـ صفاتــ السكرتير أنـ يكونـ لسانه عذباً .. وعباراته حلوة ..
فيطربـ الأسماعـ بقوله : سَمْـ .. أبشر .. نحنـ ( خدّامينك ) ..
وربما شغفتـ زوجة بزوجها حباً .. وهو كثير البخل قليل الجمال .. لكنه يسحرها بعباراته ..
أذكر أنـ شاباً مراهقاً كانـ مغرماً بمغازلة الفتيات ..
وكانـ له قدرة عجيبة على الإيقاعـ بهنـ .. وكمـ منـ مسكينة صارتـ متيمة بحبه ..
عالقة بشراكه .. ومن العجبـ أنه لمـ يكنـ يملكـ سيارة فارهة يغريهنـ بركوبها ..
ولمـ تكنـ جيبه مليئة بالمال ليغدق عليهنـ الهدايا .. ولا تظننـ أنه أوتيـ وسامة أو جمالاً ..
كلا فإنيـ أسأل الله لكـ أن لا تبتلى بالنظر إلى وجهه !!
لكنه كانـ يغلقـ فمه على لسانـ .. لو تكلمـ مع حجر لفلقه .. ولو سمعه نهر لدفّقه ..
فكانـ يصطاد الفتياتـ بلسانه اصطياداً .. بل يسحرهنـ سحراً ..
وحـديثهـا السحـر الحـلال لـو أنـه **** لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت**** ود المحـدث أنـهـا لـم توجـز
أقبل يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ثلاثةُ رجال سادة في قومهمـ ..
قيسـ بن عاصم .. والزبرقانـ بن بدر .. وعمرو بنـ الأهتمـ ..وكلهمـ من قبيلة تميمـ ..
فبدؤوا يتفاخرونـ .. فقال الزبرقان : يا رسول الله .. أنا سيد تميمـ .. والمطاعـ فيهمـ ..
والمجابـ فيهمـ .. أمنعهمـ من الظلمـ .. فآخذ لهمـ بحقوقهمـ ..
ثمـ أشار إلى السيد الآخر عمرو بن الأهتمـ .. وقال : وهذا يعلم ذاك ..
فأثنى عمرو عليه وقال : والله يا رسول الله .. إنه لشديد العارضة .. مانع لجانبه ..
مطاعـ فيـ ناديه ..ثمـ سكتـ عمرو ..
فغضبـ الزبرقانـ .. وودَّ لو لأن عمرواً زاد في الثناء .. وظنـ أنه حسده على سيادته ..
فقال الزبرقان : والله يا رسول الله .. لقد علم ما قال .. وما منعه أن يتكلم به إلا الحسد ..
فغضب عمرو .. وقال :أنا أحسدك ؟!! فوالله إنك لئيم الخال .. حديث المال ..
أحمق الموالد .. مضيع في العشيرة .. والله يا رسول الله لقد صدقتـ فيما قلت أولاً ..
وما كذبتـ فيما قلتـ آخراً .. لكنيـ رجل رضيتـ فقلتـ أحسنَـ ما علمتـ ..
وغضبتـ فقلتُـ أقبحـ ما وجدتـ .. ووالله لقد صدقتـ في الأمرينـ جميعاً ..
فعجبـ صلى الله عليه وسلمـ منـ سرعة حجته .. وقوة بيانه .. ومهارات لسانه ..
فقال : إنـ منـ البيانـ لسحراً .. إنـ منـ البيانـ لسحراً ..
فكنـ مبدعاً فيـ مهارات لسانكـ .. فلو قال لكـ : ناولنيـ القلمـ .. قل : منـ عيونيـ .. تفضل ..
ولو قال .. لكن يا فلانـ عندي طلبـ : اطلبـ عيونيـ .. سَمْـ ..
أريد منكـ خدمة : تفضل .. خدمنا أناساً ما يساوونـ أثر رجليكـ ..
مارسـ هذا الأسلوبـ الذي يدغدغـ المشاعر .. مع أمكـ .. نعمـ أسمعها كلماتـ رقيقة لينة ..
مع أبيكـ .. زوجتكـ .. أولادكـ .. زملائكـ ..
فهذا الأسلوبـ لا يخسركـ شيئاً .. وتسحر به الآخرين .. وتزيل ما فيـ نفوسهمـ ..
وانظر إلى حال الأنصار رضيـ الله عنهمـ بعد معركة حنينـ ..
الأنصار الذين قاتلوا مع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ في بدر ثم قتلوا في أحد ..
وحوصروا فيـ الخندقـ .. ولا زالوا معه يقاتلونـ ويُقتَلونـ .. حتى فتحوا معه مكة ..
ثمـ مضوا إلى معركة حنينـ .. ففي الصحيحينـ ..
أنـ القتال اشتد أول المعركة .. وانكشفـ الناسـ عن رسول الله ..
فإذا الهزيمة تلوحـ أمامـ المسلمينـ .. فالتفتـ صلى الله عليه وسلمـ إلى أصحابه ..
فإذا همـ يفرون من بين يديه ..فصاحـ بالأنصار ..
يا معشر الأنصار .. فقالوا : لبيكـ يا رسول الله ..
وعادوا إليه .. وصفوا بينـ يديه ..ولا زالوا يدفعونـ العدو بسيوفهمـ ..
ويفدونـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بنحورهمـ .. حتى فر الكفار وانتصر المسلمونـ ..
وبعدما انتهتـ المعركة.. وجمعتـ الغنائمـ بينـ يدي النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
أخذوا ينظرون إليها ..وأحدهم يتذكر أولاده الجوعى ..
وأهلَه الفقرا .. ويرجو أنـ يناله من هذه الغنائمـ شيء يوسع به عليهمـ ..
فبينما همـ على ذلك ..فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يدعو الأقرعـ بن حابس .. ما أسلمـ إلا قبل أيامـ فيـ فتحـ مكة .. فيعطيه مائة من الإبل ..
ثمـ يدعو أبا سفيانـ ويعطيه مائة منـ الإبل ..ولا يزال يقسمـ النعمـ ..
بين أقوامـ .. ما بذلوا بذل الأنصار .. ولا جاهدوا جهادهمـ ..
ولا ضحوا تضحيتهمـ .. فلما رأى الأنصار ذلك ..
قال بعضهمـ لبعض : يغفر الله لرسول الله .. يعطي قريشاً ويتركنا .. وسيوفنا تقطر من دمائهمـ ..
فلما رأى سيدهمـ سعد بن عبادة رضيـ الله عنه ذلك ..
دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقال : يا رسول الله .. إنـ أصحابكـ منـ الأنصار وجدوا عليك فيـ أنفسهمـ .. قال : وما ذاكـ ؟!!
قال : لما صنعتـ في هذا الفئ الذي أصبتـ .. قسمتـ في قومكـ .. وأعطيتـ عطاياً عظاماً ..
فيـ قبائل العرب .. ولمـ يكنـ فيـ الأنصار منه شئ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟
قال : يا رسول الله .. ما أنا إلا امرؤ منـ قوميـ ..
فقال : فاجمعـ لي قومكـ .. فلما اجتمعوا .. أتاهمـ رسول الله ..
فحمد الله وأثنى عليه .. ثمـ قال : يا معشر الأنصار .. ما قالة بلغتني عنكمـ ؟
قالوا : أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة أسنانهم ..
فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطيـ قريشـ ويتركنا وسيوفنا تقطر منـ دمائهمـ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : يا معشر الأنصار .. ألم تكونوا ضلالاً فهداكمـ الله بي ..
قالوا : بلى ولله ورسوله .. المنة الفضل ..
قال : ألمـ تكونوا عالة فأغناكمـ الله .. وأعداءً فألف بينـ قلوبكمـ ..
قالوا : بلى ولله ورسوله .. المنة الفضل ..
ثمـ سكتـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وسكتوا .. وانتظرَ .. وانتظروا ..
فقال : ألا تجيبونيـ يا معشر الأنصار ..
قالوا : وبماذا نجيبكـ يا رسول الله .. ولله ولرسوله المنة والفضل ..
قال : أما والله لو شئتم لقلتم .. فلصَدَقتم ولصُدِّقتم ..
لو شئتم لقلتم : أتيتنا مكذباً فصدقناك .. ومخذولاً فنصرناك .. وطريداً فآويناك ..
وعائلاً فواسيناك .. ثم قال : يا معشر الأنصار ..
أوجدتمـ على رسول الله في أنفسكمـ .. في لعاعة من الدنيا .. تألفتـ بها قوماً ليسلموا ..
ووكلتمـ الى إسلامكمـ .. إن قريشاً حديثوا عهد بجاهلية ومصيبة ..
وإنيـ أردت أن أجبرهمـ .. وأتألفهمـ .. ألا ترضونـ يا معشر الأنصار ..
أنـ يذهبـ الناسـ بالشاة والبعير .. وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلمـ إلى بيوتكمـ ..
لو سلكـ الناسـ وادياً أو شعباً .. وسلكتـ الأنصار وادياً أو شعباً .. لسلكتـ وادي الأنصار ..
أو شعبـ الأنصار .. فوالذي نفس محمد بيده .. إنه لولا الهجرة ..
لكنتـ امرءاً من الأنصار .. اللهمـ ارحمـ الأنصار .. وأبناء الأنصار .. وأبناء أبناء الأنصار ..
فبكى القومـ حتى أخضلوا لحاهمـ .. وقالوا : رضينا برسول الله قَسْماً وحظاً..
ثمـ انصرفـ رسول الله وتفرقوا .. بل إنك بالعبارات الجميلة تستطيع أن تخدر الناس أحياناً ..
ذكر أنه كان فيـ صعيد مصر رجل غني متسلط يسمونه " الباشا " ..
كانـ يملك فدادينـ منـ المزارعـ .. كانـ متغطرساً يمارسـ أصنافـ الإذلال على المزارعين الصغار ..
دارت الزمان دورته فأصاب أرضه ما أتلفها .. فأصبح فقيراً بعد غنى .. كسيراً جاع أولاده ..
وهو ليسـ عنده مصدر يتكسبـ منه .. ولا يعرفـ صنعة غير الزراعة .. لكنـ أرضه تالفة ..
فخرجـ يبحثـ عنـ عمل .. أي عمل ..
أقبل على مزرعة لأحد الفلاحينـ الضعفاء الذينـ ذاقوا من إذلاله قديماً ..
دخل عليه .. وقال بكل مذلة : هل أجد عنكـ عملاً .. أقطف الثمر .. أو أنقي الحبوبـ ..
أو أقلم الأشجار .. أو ..فثار المزارع في وجهه
وقال : أنت تعمل عندي !! أنت المتكبر المتغطرس ..
الحمد لله أنـ استجابـ دعاءنا عليكـ وأذلكـ .. ثمـ طرده من بستانه ..
مضى يجر قدميـ خيبته .. حتى دخل بستاناً آخر .. فإذا بفلاحـ له معه ذكريات أليمة ..
فطرده كما طرده الأول ..مضى الباشا ( !! ) المسكينـ لا يلوي على شيء ..
ولا يريد أن يرجعـ إلى أولاده خالياً .. مر على مزرعة لفلاحـ ثالثـ .. فدخل ليجربـ حظه معه ..
رآه الفلاح فانبهر .. وقد ذاق أيضاً من إذلاله من قبل .. قال الباشا : أنا أبحثـ عنـ عمل ..
أولادي جوعى .. فأراد الفلاحـ أن يذله .. وأن ينتقمـ منه بأسلوبـ ذكيـ ..
فقال له : أهلاً أيها الباشا !! نورتـ بستانيـ !! منـ مثليـ اليوم الباشا الكبير يدخل أرضي !!
أنتـ الباشا الكبير .. أنتـ الباشا الوجيه !! أنتـ ..
وجعل يخدّره بهذه العباراتـ .. حتى صار الباشا منوماً تنويماً مغناطيسياً !!
ثمـ قال الفلاحـ : مرحباً وأهلاً .. عنديـ عمل .. لكني لا أدري هل يناسبك أم لا ؟
قال الباشا : وما هو ؟
قال : اليوم سوف أحرثـ الأرض .. وعندي محراثـ يجره ثورانـ .. ثور أبيض وثور أسود ..
والثور الأسود اليوم مريضـ ولا يستطيعـ أنـ يعمل .. والثور الأبيضـ لا يطيق جر الحراثة وحده ..
فأريدكـ أن تقوم اليومـ بوظيفة الثور الأسود .. فأنت قوي أيها الباشا ..
أنتـ قائد .. أنتـ رئيسـ .. تسير في الأمام دائماً ..
توجه الباشا بكل كبرياء إلى الحراثة .. ووقف بجانب الثور الأبيض ..
أقبل المزارع إليه وبدأ بالثور الأبيض وربطه بالحبال ليجر المحراث ..
ثمـ توجه إلى الباشا وهو يردد قائلاً : يا أحسنـ باشا فيـ العالمـ .. يا قويـ .. يا بطل ..
والباشا يتلفتـ في زهو .. ثمـ ربط الحبال فيـ كتفيـ الباشا ..
وركبـ هو على الحراثة معه السوط !! وصاحـ : امشـ .. وضربـ ظهر الثور فتحرك ..
وتحركـ الباشا يجر المحراثـ .. والفلاحـ يردد : جميل يا باشا .. ممتاز يا ملكـ ..
ويضربـ ظهر الثور .. ويصيحـ أقوى يا باشا .. أحسنـ يا باشا ..
والباشا المسكينـ لم يتعود على ذلكـ .. لكنه كان يجر بكل قوته ..
منـ الصباحـ حتى غابتـ الشمسـ .. وكأنه غائبـ العقل ..
فلما انتهى فك الفلاحـ عنه الحبال .. وهو يقول : والله شغلكـ جميل يا باشا ..
هذا أحسنـ يومـ مر عليـ يا باشا .. ثمـ بضع جنيهات .. ومضى الباشا إلى بيته ..
دخل على أولاده .. وقد تقرحتـ كتفاه .. وسالتـ الدماء من أسفل قدميه ..
والعرقـ يغرق ثيابه .. و .. لكنه لا يزال منتشياً مخدراً ..
سأله أولاده : هاه .. هل وجدت عملاً ..
فقال بكل فخر : نعمـ .. أنا الباشا .. كيف لا أجد عملاً ..
فقالوا : فماذا اشتغلتـ ؟!
فقال : اشتغلت .. هاه !! اشتغلت !!
وبدأ يصحو منـ تخديره .. ويدرك ما أصابه ..
قال : اشتغلتـ ثوراً !!!
:: قرار ::
اختر أطيب الكلام كما تختار أطيب الثمر ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الثامن والثمانــــــــــــين : الدعاء ..
يقول الشيخـ :::: لا أعنيـ هنا الكلامـ عنـ فضل الدعاء .. وآدابه وشروط إجابته ..
فهذا ليسـ له علاقة مباشرة بما نناقشه هنا وهو مهارات التعامل مع الناسـ ..
وإنما أعنيـ : كيفـ تجعل الدعاء مهارة في كسبـ الناسـ ؟..
ومنـ ذلكـ أن تدعو الله أيضاً أنـ يهديكـ إلى أحسنـ الأخلاقـ ..
كما كانـ الحبيبـ صلى الله عليه وسلمـ يدعو قائلاً :
(اللهم لك الحمد .. لا إله إلا أنت .. سبحانك وبحمدك .. ظلمت نفسي .. واعترفت بذنبي ..
فاغفر لي ذنوبي .. لا يغفر الذنوب إلا أنت .. اهدني لأحسن الأخلاق .. لا يهدي لأحسنها إلا أنت ..
واصرف عني سيئها .. إنه لا يصرف سيئها إلا أنت .. لبيك وسعديك والخير بيديك .. ) ..
نعود إلى أصل كلامنا .. كيف تجعل الدعاء مهارة فيـ كسبـ قلوبـ الناسـ ..؟..
الناسـ عموماً يحبون الدعاء لهمـ .. حتى عند السلامـ عليهمـ ولقائهمـ يفرحون إن دعوت لهمـ ..
فمعـ قولكـ : كيفـ الحال وما الأخبار ؟ أضف إليها : الله يحرسكـ ..
الله يجعلكـ مباركاً .. الله يثبت قلبكـ ..
ولا تكنـ عباراتـ دعائكـ مستهلكة أو اعتيادية مثل : الله يوفقك .. الله يحفظك ..
نعمـ هي دعاء حسن لكنـ السامع اعتاد عليه حتى لم يعد يرنـ فيـ أذنه عند سماعه ..
وإنـ قابلتـ أحداً معه أولاده .. فادعـ لهمـ وهو يسمعـ .. الله يقر بهمـ عينكـ ..
الله يجمعـ شملكمـ .. الله يرزقكـ برهمـ .. ونحو ذلكـ ..
أنا أحكي هذا عن تجربة .. لقد جربته كثيراً كثيراً .. فرأيته يسلبـ قلوبـ الناسـ سلباً ..
دعيتـ في ليلة من ليالي شهر رمضان قبل سنتينـ إلى لقاء مباشر في إحدى القنوات الفضائية ..
كانـ اللقاء حول أحوال العبادة في رمضانـ ..
وكانـ انعقاد اللقاء في مكة المكرمة في غرفة بأحد الفنادق مطلة على الحرمـ ..
كنا نتحدثـ عنـ رمضانـ .. والمشاهدونـ يرونـ منـ خلال النافذة ..
التي خلفنا المعتمرينـ والطائفينـ خلفنا على الهواء مباشرة ..
كانـ المنظر مهيباً .. والكلامـ مؤثراً .. حتى إنـ مقدمـ البرنامجـ رق قلبه وبكى أثناء الحلقة ..
كان الجو إيمانياً .. ما أفسده علينا إلا أحد المصورين !! كان يمسك كاميرا التصوير بيد ..
واليد الثانية فيها سيجارة .. وكأنه يريد أنـ لا تضيع عليه لحظة منـ ليل رمضانـ ..
إلا وقد أشبعـ رئتيه سيجاراً !! أزعجنيـ هذا كثيراً .. وخنقنيـ وصاحبيـ الدخانـ ..
لكن لم يكن بد من الصبر .. فاللقاء مباشر .. وما حيلة المضطر إلا ركوبها !!
مضتـ ساعة كاملة .. وانتهى اللقاء بسلامـ ..
أقبل إليّ المصور .. والسيجارة فيـ يده .. شاكراً مثنياً .. فشددتـ على يده وقلتـ ..
وأنتـ أيضاً أشكركـ على مشاركتكـ في تصوير البرامج الدينية ..
ولي إليك كلمة لعلك تقبلها .. قال : تفضل .. تفضل ..
قلت : الدخانـ والسجا .. فقاطعنيـ : لا تنصحنيـ .. والله ما فيه فائدة يا شيخ ..
قلت : طيبـ اسمعـ مني .. أنتـ تعلمـ أن السجاير حرامـ وأن الله يقول ..
فقاطعني مرة أخرى : يا شيخـ لا تضعـ وقتكـ ..
أنا مضى لي أكثر من أربعين سنة وأنا أدخن .. الدخان يجري في عروقي .. ما فيه فااائدة ..
كانـ غيرك أشطر !! قلت : يعني ما فيه فائدة ؟!! فأحرجـ مني وقال : ادع ليـ .. ادع ليـ ..
فأمسكتـ يده وقلت : تعال معيـ .. قلتـ تعال ننظر إلى الكعبة ..
فوقفنا عند النافذة المطلة على الحرم .. فإذا كل شبر فيه مليء بالناسـ ..
ما بينـ راكعـ وساجد .. ومعتمر وباكـ .. كانـ المنظر فعلاً مؤثراً ..
قلت : هل ترى هؤلاء ؟ قال : نعم ..
قلت : جاؤوا من كل مكانـ .. بيضـ وسود .. عربـ وأعاجمـ .. أغنياء وفقراء ..
كلهمـ يدعون الله أن يتقبل منهمـ ويغفر لهمـ ..
قال : صحيحـ .. صحيحـ .. قلتـ أفلا تتمنى أنـ يعطيكـ الله ما يعطيهمـ ؟ قال : بلى ..
قلت : ارفعـ يديكـ .. وسأدعو لكـ .. أمن على دعائيـ ..
رفعت يدي وقلت : اللهم اغفر له .. قال : آمين ..
قلت : اللهمـ ارفع درجته واجمعه مع أحبابه في الجنة .. اللهمـ ..
ولا زلتـ أدعو حتى رق قلبه وبكى .. وأخذ يردد : آمين .. آمين ..
فلما أردتـ أنـ أختمـ الدعاء ..
قلت :اللهم إن ترك التدخين فاستجب هذا الدعاء وإن لم يتركه فاحرمه منه ..
فانفجر الرجل باكياً .. وغطى وجهه بيديه وخرج من الغرفة ..
مضتـ عدة شهور .. فدعيت إلى مقر تلكـ القناة للقاء مباشر ..
فلما دخلتـ المبنى فإذا برجل بدينـ يقبل عليّـَ ثمـ .. يسلمـ عليـ بحرارة ..
ويقبل رأسيـ .. وينحني على يدي ليقبلها .. وهو متأثر جداً ..
فقلت له : شكر الله لطفكـ .. وأدبكـ .. وأقدر لك محبتكـ .. لكنـ اسمحـ لي فأنا لمـ أعرفكـ ..
فقال : هل تذكر المصور الذي نصحته قبل سنتينـ ليترك التدخينـ ؟!
قلت : نعمـ .. قال : أنا هو .. والله يا شيخـ إني لم أضع سيجارة في فميـ منذ تلك اللحظة ..
ما أجمل الذكرياتـ إذا كانتـ سارة ..
فيـ موسمـ الحجـ قبل ثلاث سنواتـ .. ذهبتـ لإلقاء كلمة فيـ إحدى حملاتـ الحجـ الكبرى ..
في صلاة العصر ..بعد الكلمة ازدحمـ الناسـ يسألونـ ويسلمونـ ..
حاولتـ التخلصـ السريعـ لارتباطيـ بمحاضرة بعدهمـ فوراً في حملة أخرى ..
لاحظتـ منـ بينهمـ شابـ يقدمـ رجلاً ويؤخر أخرى .. مستحٍـ أنـ يزاحمـ الناسـ ..
التفت إليه .. ومددت يديـ نحوه فصافحنيـ .. ثمـ سألته فيـ وسط الزحامـ .. : عندك سؤال ؟
قال : نعمـ .. فجررته إليَّ والناسـ مزدحمونـ .. حتى اقتربـ ..
قلت : ما سؤالكـ ؟
فقال وهو مستعجل : ذهبت لرمي الجمراتـ .. معيـ جدتيـ وأختيـ .. وكان زحاماً شديداً ..
و انتهى من سؤاله .. فأجبته عليه .. شممتـ منه خلال ذلك رائحة دخانـ ..
فتبسمتـ وسألته : تدخنـ ؟..قال : نعمـ ..
قلت : أسأل الله أن يغفر لكـ .. ويتقبل حجكـ .. إنـ تركتـ التدخينـ منـ هذه اللحظة ..
سكتـ الشابـ .. كانـ واضحاً من وجهه أنه تأثر بالكلام ..
مضتـ ثمانية أشهر .. فذهبتـ لإلقاء محاضرة فيـ إحدى المدنـ ..
أقبلتـ إلى المسجد .. فإذا شابـ وقور ينتظرنيـ عند بابه .. تفاجأتـ به لما رآنيـ ..
يقبل عليّ متحمساً ويسلم بحرارة ..
لمـ أعرفه .. لكني بادلته السلامـ والترحيبـ .. قال : هل عرفتنيـ ..
قلت : أشكر لكـ لطفكـ .. ومحبتكـ .. لكني لم أعرفكـ ..
قال : هل تذكر الشابـ المدخنـ الذي قابلته في الحج .. ونصحته بتركـ التدخينـ ؟
قلت : نعمـ .. نعمـ .. قال : أنا هو .. أبشركـ ولله الحمد أنيـ ما وضعتـ السيجارة في فميـ ..
منذ تلكـ اللحظة .. تركتـ التدخينـ .. فصلحتـ كثير من أمور حياتيـ ..
هززتـ يده مشجعاً .. ومضيتـ .. وقد أيقنتـ أن الدعاء للناسـ فيـ وجوههمـ ..
وهمـ يسمعونـ .. ربما يكونـ أكثر تأثيراً منـ النصحـ المباشر ..
ومثله لو رأيتـ شاباً باراً بأبيه .. فقلت له : جزاكـ الله .. الله يوفقكـ ..
الله يجعل أولادكـ بارين بكـ ..بلا شكـ أن هذا الدعاء سيكونـ دافعاً له أكثر ..
كانـ النبيـ الكريمـ .. عليه أفضل الصلاة والتسليمـ ..
مبدعاً فيـ استعمال الدعاء لدعوة الناسـ وكسبهمـ والتأثير فيهمـ لتقريبهمـ للدين ..
كانـ الطفيل بن عمرو سيداً مطاعاً في قبيلته دوسـ ..
قدمـ مكة يوماً فيـ حاجة .. فلما دخلها .. رآه أشرافـ قريشـ .. فأقبلوا عليه ..
وقالوا : منـ أنتـ ؟ قال : أنا الطفيل بن عمرو .. سيد دوس ..
فقالوا : إن ههنا رجل فيـ مكة يزعمـ أنه نبيـ .. فاحذر أنـ تجلسـ معه أو تسمعـ كلامه ..
فإنه ساحر .. إن استمعتـ إليه ذهب بعقلكـ ..
قال الطفيل : فو الله ما زالوا بي يخوفوننيـ منه .. حتى أجمعتـ ألا أسمع منه شيئاً ..
ولا أكلمه .. بل حشوتـ فيـ أذنيَّ كرسفا .. وهو القطنـ خوفاً منـ أنـ يبلغنيـ شيء منـ قوله ..
وأنا مارّ به .. قال الطفيل : فغدوتـ إلى المسجد ..
فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلمـ قائمـ يصليـ عند الكعبة ..
فقمتـ منه قريباً .. فأبى الله إلا أنـ يسمعنيـ بعضـ قوله ..
فسمعتـ كلاماً حسناً .. فقلتـ في نفسي : واثكل أمي ! والله إنيـ لرجل لبيبـ ..
ما يخفى عليَّـ الحسنُـ منـ القبيحـ .. فما يمنعنيـ أنـ أسمعـ منـ هذا الرجل ما يقول ..
فإن كان الذي به حسناً قبلته .. وإن كان قبيحاً تركته .. فمكثت حتى قضى صلاته ..
فلما قامـ منصرفاً إلى بيته تبعته ..
حتى إذا دخل بيته دخلتـ عليه .. فقلت : يا محمد .. إن قومكـ قالوا ليـ كذا وكذا ..
ووالله ما برحوا يخوفوننيـ منكـ حتى سددتـ أذنيـ بكرسف لئلا أسمعـ قولكـ ..
وقد سمعتـ منك قولاً حسناً .. فاعرضـ عليَّ أمركـ ..
فابتهجـ النبيـ عليه الصلاة والسلامـ .. وفرحـ .. وعرضـ الإسلامـ على الطفيل ..
وتلا عليه القرآن .. فتفكر الطفيل في حاله .. فإذا كل يوم يعيشه يزيده من الله بعداً ..
وإذا هو يعبد حجراً .. لا يسمعـ دعاءه إذا دعاه .. ولا يجيب نداءه إذا ناداه ..
وهذا الحقـ قد تبين له .. ثمـ بدأ الطفيل يتفكر في عاقبة إسلامه ..
كيفـ يغير دينه ودين آبائه !!.. ماذا سيقول الناسـ عنه ؟!
حياته التيـ عاشها .. أمواله التيـ جمعها .. أهله .. ولده .. جيرانه .. خلانه ..
كل هذا سيضطربـ .. سكتـ الطفيل .. يفكر .. يوازن بين دنياه وآخرته ..
وفجأة إذا به يضربـ بدنياه عرضـ الحائط .. نعمـ سوفـ يستقيمـ على الدينـ ..
وليرضـ من يرضى .. وليسخط من يسخط .. وماذا يكون أهل الأرض ..
إذا رضيـ أهل السماء .. ماله ورزقه بيد من في السماء ..
صحته وسقمه بيد منـ في السماء .. منصبه وجاهه بيد منـ فيـ السماء ..
بل حياته وموته بيد منـ فيـ السماء .. فإذا رضي أهل السماء .. فلا عليه ما فاته منـ الدنيا ..
إذا أحبه الله .. فلبيغضه بعدها منـ شاء .. وليتنكر له منـ شاء .. وليستهزئ به منـ شاء ..
فليتك تحلو والحياة مريــــرة **** وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر **** وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين **** وكل الذي فوق التراب تراب
نعمـ .. أسلمـ الطفيل في مكانه .. وشهد شهادة الحقـ ..
ثمـ ارتفعتـ همته .. فقال : يا نبي الله .. إني امرؤ مطاعـ فيـ قوميـ ..
وإنيـ راجعـ إليهمـ وداعيهمـ إلى الإسلامـ .. ثمـ خرجـ الطفيل من مكة ..
مسرعاً إلى قومه .. حاملاً همَّـ هذا الدين ..
يصعد به جبل .. وينزل به واد .. حتى وصل ديار قومه .. فلما دخلها .. أقبل إليه أبوه ..
وكانـ شيخاً كبيراً .. فقال الطفيل : إليكـ عنيـ يا أبتـ .. فلستـ منكـ ولستـ منيـ ..
قال : ولمـ يا بني ؟ قال : أسلمتـ وتابعتـ دينـ محمد صلى الله عليه وسلمـ ..
قال : أي بني ديني دينكـ ..قال : فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ..
ثم ائتني حتى أعلمك مما علمت ..
فذهب أبوه واغتسل وطهر ثيابه .. ثمـ جاء فعرضـ عليه الإسلامـ فأسلمـ ..
ثمـ مشى الطفيل إلى بيته .. فأتته زوجته مرحبة ..
فقال : إليك عنيـ .. فلستـ منكـ ولستـ منيـ ..
قالت : ولمـ ؟ بأبيـ أنت وأميـ .. قال : فرَّقـ بيني وبينك الإسلام ..
وتابعتـ دين محمد صلى الله عليه وسلمـ ..
قالت : فدينيـ دينكـ .. قال : فقلتـ فاذهبيـ فتطهريـ .. ثمـ ارجعيـ إليّـَ ..
فواّته ظهرها ذاهبة ثمـ خافتـ منـ صنمهمـ أن يعاقبها فيـ أولادها إن تركتـ عبادته ..
فرجعتـ إليه وقالت : بأبيـ أنت وأميـ .. أما تخشى على الصبية منـ ذي الشرى .. ؟
وذو الشرى صنمـ عندهمـ يعبدونه .. وكانوا يرون أن من ترك عبادته أصابه أو أصاب ولده بأذى
فقال الطفيل : اذهبيـ .. أنا ضامنـ لكـ أن لا يضرهمـ ذو الشرى ..
فذهبت فاغتسلت .. ثم عرض عليها الإسلام فأسلمت ..
ثمـ جعل الطفيل يطوفـ فيـ قومه .. يدعوهمـ إلى الإسلامـ بيتاً بيتاً ..
ويقبل عليهمـ فيـ نواديهمـ .. ويقفـ عليهمـ فيـ طرقاتهمـ ..
لكنهمـ أَبَوْا إلا عبادة الأصنامـ .. فغضبـ الطفيل .. وذهبـ إلى مكة ..
فأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فقال : يا رسول الله ..
إنـ دوساً قد عصتـ وأبتـ .. يا رسول الله .. فادع الله عليهم ..
فتغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام .. ورفعـ يديه إلى السماء ..
فقال الطفيل في نفسه .. هلكت دوْس .. فإذا بالرحيمـ الشفيقـ صلى الله عليه وسلمـ..
يقول : اللهمـ اهد دوساً .. اللهمـ اهد دوساً ..
ثمـ التفتـ إلى الطفيل وقال : ارجعـ إلى قومكـ .. فادعُهمـ .. وارفق بهمـ ..
فرجعـ إليهمـ .. فلمـ يزل بهمـ .. حتى أسلموا ..نعمـ .. ما أحسنـ قرعـ أبواب السماء ..
ليسـ الطفيل وقومه فقط .. وإنما غيرهمـ كثير ..
كانـ المسلمون في بداية الدعوة النبوية قلة .. لمـ يتعدوا ثمانية وثلاثين رجلا ..
فألـحّـَ أبو بكر يوماً على رسول الله في صلى الله عليه وسلمـ ..
الظهور أمامـ الناسـ بالدعوة والجهر بالإسلام ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : يا أبا بكر .. إنا قليل .. كانـ أبو بكر رضيـ الله عنه متحمساً ..
فلمـ يزل يلحّ على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ حتى اجتمعوا فخرجوا ..
يتقدمهمـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
توجهوا إلى المسجد .. تفرقوا فيـ نواحي المسجد .. كل رجل فيـ عشيرته ..
وقامـ أبو بكر فيـ الناسـ خطيباً .. يدعو إلى الإسلامـ .. ويذم آلهتهمـ ..
وثار المشركونـ على المسلمينـ .. فضربوهمـ في نواحي المسجد ضرباً شديداً ..
كانـ المشركونـ كثير .. فتفرقـ المسلمونـ .. أقبل جمعـ منهمـ إلى أبي بكر ..
وضربوه ضرباً شديداً ..فوقعـ على الأرضـ في شدة الرمضاء ..
فدنا منه الفاسقـ عتبة بن ربيعة .. فجعل يضربه بنعلينـ مخصوفينـ ..
ويفركهما على وجهه .. ثمـ قامـ على بطن أبيـ بكر .. حتى سالتـ الدماء من وجه أبي بكر ..
وتمزقـ لحم وجهه .. حتى ما يعرف فمه من أنفه .. وجاء بنو تيم قبيلة أبي بكر .. يتعادون ..
وأبعدوا الناسـ عنـ أبي بكر .. وحملوه فيـ ثوب حتى أدخلوه منزله ..
وهمـ لا يشكونـ أنه ميت .. ثمـ رجع قومه بنو تيم .. فدخلوا المسجد ..
وجعلوا يصرخونـ فيـ المشركين .. يقولونـ : والله لئنـ ماتـ أبو بكر لنقتلنـ عتبة بن ربيعة ..
ثمـ رجعوا الى أبي بكر .. وهو مغمى عليه .. لايدرونـ .. حي أو ميت !!
ظل أبو قحافة والد أبي بكر .. مع قومه .. واقفين عند أبي بكر .. يكلمونه ..
فلا يجيبهمـ ..وأمه تبكيـ عند رأسه .. فلما كان آخر النهار ..
فتحـ عينيه .. فكان أول كلمة قالها : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ. ؟!
رضيـ الله عن أبيـ بكر .. كان يهيمـ برسول الله صلى الله عليه وسلمـ حباً ..
يخافـ عليه أكثر مما يخافـ على نفسه ..كانـ كل من حوله .. أبوه أمه ..
قومه .. مشركين ..فغضبوا .. وجعلوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ثمـ قاموا .. وقالوا لأمـ أبي بكر : أطعميه شيئاً أو اسقيه ..
فجعلتـ أمه تلحـ عليه .. وهو يردد قائلاً : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..؟
فقالتـ : والله ماليـ علم بصاحبكـ .. فقال : اذهبيـ إلى أمـ جميل بنت الخطابـ .. فسليها عنه ..
وكانتـ أمـ جميل مسلمة تكتمـ إسلامها ..خرجتـ أمه حتى جاءتـ أمـ جميل ..
فقالت : إنـ أبا بكر يسألكـ عنـ محمد بن عبد الله ..
فقالت : ما أعرفـ أبا بكر .. ولا محمد بن عبد الله .. لكنـ أتحبينـ أنـ أمضيـ معكـ إلى ابنكـ ؟
قالت : نعمـ .. فمضت معها .. حتى دخلتـ على أبي بكر .. فوجدته صريعاً دنفاً ..
ممزقـ الوجه .. مرهقـ الجسد .. فلما رأته أمـ جميل صاحتـ ..
وقالت : والله إن قوماً نالوا هذا منكـ لأهل فسق وكفر .. وإني لأرجو أن ينتقمـ الله لك منهمـ .
قال : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وكانتـ أم أبيـ بكر بجانبها .. فخافتـ أمـ جميل أنـ يفضحـ أمر إسلامها .. فيؤذونها ..
فقالت : يا أبا بكر .. هذه أمكـ تسمـ .. قال : فلا شيء عليكـ فيها ..
قالت : أبشر .. فرسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. سالمـ صالحـ .. قال : فأين هو ؟
قالت : فيـ دار أبي الأرقمـ ..
فقالت أمه : قد علمتـ خبر صاحبكـ .. فقمـ فأكل طعاماً .. أو اشربـ ..
قال : فإنـ لله عليَّ أن لا أذوقـ طعاماً أو شراباً ..
حتى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بعينيـ .. فانتظرتا .. حتى إذا هدأ الناسـ ..
خرجتا به يتكيء عليهما .. فذهبتا به إلى بيت أبي الأرقم ..
حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فلما دخل فإذا وجه جريحـ ..
ودماء تسيل .. وثياب ممزقة .. فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فأكب عليه النبيـ صلى الله عليه وسلمـ يقبله .. وأكب عليه المسلمونـ يقبلونه ..
ورقَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلمـ رقة شديدة ..
حتى ظهر التأثر على وجهه الشريف صلى الله عليه وسلمـ ..
فأراد أبو بكر أن يخفف عليه .. فقال : بأبيـ وأميـ يا رسول الله .. ليسـ من بأسـ ..
إلا ما نال الفاسقـ من وجهيـ ..
ثمـ قال أبو بكر .. البطل الذي يحمل هم الدعوة .. ويحسن استثمار المواقف ..
كانـ جريحاً .. جائعاً عطشاناً .. ومعـ ذلك .. قال : يا رسول الله .. هذه أمي برة بوالديها ..
وأنت مبارك .. فادعها الى الله عز وجل .. وادع الله لها .. عسى الله أن يستنقذها بك من النار ..
فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..ثمـ دعاها الى الله عز وجل ..
فأسلمتـ فوراً في مكانها .. كانـ الدعاء أصلاً منـ الأصول التي يتعاملون بها ..
أسلمـ أبو هريرة رضيـ الله عنه .. وبقيت أمه كافرة .. كانـ يدعوها إلى الإسلامـ فتأبى ..
فدعاها يوماً .. وألـحَّ فأسمعته في رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. ما يكره ..
فضاقـ صدر أبي هريرة بذلكـ .. وذهبـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وهو يبكيـ ..
فقال : يا رسول الله .. إني كنت أدعو أميـ إلى الإسلام فتأبى علي ..
وإنيـ دعوتها اليومـ فأسمعتنيـ فيكـ ما أكره ..
فادعـ الله يا رسول الله أن يهديـ أمـ أبيـ هريرة إلى الإسلامـ ..
فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فرجعـ أبو هريرة إلى أمه ..
فلما كانـ على البابـ .. فإذا هو مغلقـ .. فحركه ليدخل .. فإذا بأمه تفتح له البابـ ..
وتقول : أشهد أن لا إله إلا الله .. وأنـ محمداً رسول الله ..
فرجعـ أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وهو يبكيـ من الفرحـ ..
وجعل يقول : أبشر يا رسول الله .. قد استجابـ الله دعوتكـ ..
وهدى الله أمـ أبي هريرة إلى الإسلامـ ..
ثمـ قال أبو هريرة : يا رسول الله .. أدعـ الله أن يحببنيـ وأميـ إلى عباده المؤمنينـ ..
ويحببهمـ إلينا . . فقال صلى الله عليه وسلمـ ..
اللهمـ حببـ عبيدكـ هذا وأمه إلى عبادكـ المؤمنينـ .. وحببهمـ إليهما ..
قال أبو هريرة : فما على الأرضـ مؤمن ولا مؤمنة .. إلا وهو يحبنيـ وأحبه ..
:: إضاءة ::
( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم )
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ التاسعـ والثمانــــــــــــين : قبل نجواكمـ .. صدقة ..
يقول الشيخـ :::: الطلباتـ الكبيرة تحتاجـ إلى تهيئة المطلوبـ منه قبل طلبها ..
لئلا يسارعـ إلى الرفضـ .. وهذا عامـ فيـ الطلباتـ الشفهية والمكتوبة ..
فلو أردتـ أن تكتبـ إلى غنيـ تطلبـ منه حاجة .. لناسبـ أنـ تكتبـ قبل حاجتكـ ..
شيئاً منـ الثناء على جوده وكرمه ومحبته للخير .. ثمـ بعد ذلك تكتبـ حاجتكـ ..
ومثله لو أردتـ حاجة من أبيكـ أو أخيكـ أو .. من يدريـ ربما .. زوجتكـ ..
يناسبـ أنـ تقدمـ قبلها بمقدمة ..فلو دعوتـ نفراً منـ أصدقائكـ إلى مأدبة غداء ..
وأردتـ أنـ تخبر زوجتكـ لتعد الطعامـ وتهيئ البيتـ .. لناسبـ أنـ تقول قبل ذلكـ ..
بصراحة طعامكـ لذيذ .. جميعـ أصدقائيـ يفرحونـ إذا دعوتهمـ لأجل أن يأكلوا منـ عمل يدك ..
تصدقينـ !! لقد أكلتـ فيـ أرقى المطاعمـ .. وما ذقتـ لذة كلذة طعامك أبداً ..
وبصراحة رأيتـ البارحة صديقاً لي جاء منـ سفر .. ومنـ بابـ المجاملة قلتـ له تغد معي غداً ..
فتفاجأتـ به أن وافقـ ..!! فدعوتـ معه بعضـ الأصدقاء .. فليتكـ تعملينـ لنا طعاماً ..
هذا الأسلوبـ أحسنـ منـ صراخكـ إذا دخلتـ بيتكـ : يا فلانة .. فلانة ..
فتجيبكـ : لبيكـ .. أنا قادمة .. وهي تظنـ أنك ستدعوها إلى نزهة ..
فتقول : بسرعة .. بسرعة .. المطبخ .. المطبخ .. عنديـ رجال سيأتون ..
لا تتأخريـ بالغداء .. وانتبهيـ أثناء إعداده .. و ..
ومثله لو أردتـ أنـ تطلبـ إجازة من مديرك ..أو تخبر أمكـ أو أباك بخبر ..
وقد قرأتـ في سيرة النبيـ الأكرمـ صلى الله عليه وسلمـ .. ما يدل على ذلك ..
كانـ النبي صلى الله عليه وسلمـ قد رضعـ في صغره قريباً منـ ديار هوازنـ ..
وكانـ يرجو أنـ يسلموا .. فبلغه .. أنـ هوازنـ قد جمعتـ جموعها .. فخرجـ إليهمـ .. وقاتلهمـ ..
فنصر الله نبيه صلى الله عليه وسلمـ عليهمـ .. فساقـ الغنائمـ ..
فأقبل بعضهمـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وهو نازل بالجعرانة ..
وقد قتل من قتل منـ رجالهمـ .. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
النساء والأطفال في مكانـ .. فقامـ منهمـ خطيبهمـ زهير بن صرد فقال ..
يا رسول الله إنما فيـ الحظائر منـ السبايا خالاتكـ .. وحواضنكـ .. اللاتي كن يكفلنكـ ..
ولو أنا ملحنا لابن أبي شمر .. أو النعمان بن المنذر ..
ثمـ أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك .. رجونا عائدتهم وعطفهم ..
وأنتـ رسول الله خير المكفولينـ .. ثمـ أنشأ يقول :
امنن علينا رسول الله في كـــرم **** فإنك المرء نرجوه و ننـــتظــــر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها **** إذ فوك تملؤه من محضها الدرر
لا تجعلنــــا كمن شالت نعامـتـــه **** و استبق منا فإنا معشر زهــر
إنا لنشــكـــر آلاء و إن كـفـــــــرت ****وعندنا بعد هذا اليوم مدخـــــر
وقد أدبـ الله المؤمنين ..
فقال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً" ..
وكانتـ العرب .. إذا أرادتـ أنـ تستنجد بأحد .. أو تطلبـ عونه ..
أول ما تلجأ إلى الكلامـ والأشعار .. فتحدثـ فيـ النفوسـ مالا تفعله السيوفـ ..
لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. يريد العمرة .. خافتـ قريشـ ..
وكاد النبي صلى الله عليه وسلمـ أن يقاتلهم .. لولا أنهم .. ألحوا عليه حتى كتب بينه
وبينهم .. هدنة لمدة عشر سنوات .. وقف للقتال .. وكان في صلح الحديبية .. لما كتب ..
أنه منـ شاء منـ القبائل أنـ يدخل فيـ عقد محمد وعهده دخل ومنـ شاء أنـ يدخل فيـ عقد
قريشـ وعهدهمـ دخل .. فتواثبتـ خزاعة وقالوا : نحن ندخل في عقد محمد وعهده ..
وتواثبتـ بنو بكر وقالوا : نحنـ ندخل فيـ عقد قريشـ وعهدهمـ ..
وكانـ بينـ هذينـ الحيينـ دماء وقتال ..
واشتدتـ ضغينة قريشـ على خزاعة .. لكنهمـ خافوا أنـ يصيبوهمـ بشيء ..
فينتصر لهمـ النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
فلما مضى منـ هدنة الحديبية .. نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً ..
وثبـ بنو بكر على خزاعة .. ليلاً بماء يقال له الوتير .. وهو قريبـ منـ مكة ..
وطلبوا الإعانة منـ قريشـ .. فقالتـ قريشـ : ما يعلمـ بنا محمد وهذا الليل وما يرانا منـ أحد ..
فأعانوهمـ عليهمـ بالكراعـ والسلاحـ .. وقاتلوهمـ معهمـ ..
ففزعتـ خزاعة .. وقتل منـ قتل منـ رجالهمـ ونسائهمـ وذراريهمـ ..
فلما رأى رجل منهمـ وهو عمرو بن سالمـ .. ما حل بقومه .. ركبـ بعيره .. وهربـ منـ يد قريشـ
حتى قدمـ على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ فيـ المدينة .. فدخلها فزعاً .. مصاباً
مكروباً .. ثمـ أقبل إلى المسجد .. عليه أثر الطريق ووعثاء السفر ..
ووقفـ بينـ يدي رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فقال :
يا رب إني ناشـــد محمــــــداً ****حلف أبيه وأبيـنــا الأتــلــدا
قد كنتم وِلْداً وكنــــا والـــــداً ****ثمت أسلمنا فلم ننزع يـــدا
فانصر رسول الله نصراً أبـــدا ****وادع عباد الله يأتوا مــــددا
فيهم رسول الله قــد تجـــردا****إن سيما خسفاً وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا****إن قريشاً أخلفوك الموعـدا
ونقّضوا ميثاقــــــك المؤكـــدا****وجعلوا لي في كداء رصـداً
وزعموا أن لست أدعـــو أحدا ****فهم أذل وأقــــــل عــــدداً
هم بيتونا بالوتيــر هجـــــــدا **** وقتلونـــــا ركعاً وسجــــــدا
فلما سمعـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ هذا الكلامـ .. والشعر .. والنداء .. انتفضـ ..
وغضبـ .. وقال :" نصرتـ يا عمرو بن سالمـ " ..
ثمـ قامـ .. مسرعاً .. وأمر الناسـ بالتجهز للخروجـ للقتال ..
ففزعـ الناسـ يتجهزون .. وهمـ لا يعلمونـ أينـ سيكونـ القتال ..
وقد خشيـ صلى الله عليه وسلمـ أنـ يخبر بوجهته .. فيصل الخبر إلى قريشـ ..
وسأل الله أنـ يعميـ على قريشـ خبره حتى يبغتهمـ فيـ بلادهمـ ..
ورسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. قد اشتد غضبه على قريشـ لخيانتهمـ ..
فكانـ يتجهز ويقول : كأنكمـ بأبيـ سفيانـ قد جاءكمـ يشد فيـ العقد ويزيد في المدة " ..
ثمـ أقبل نفر منـ خزاعة آخرينـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فيهمـ بديل بن ورقاء .. حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فأخبروه بما أصيبـ منهمـ .. ومظاهرة قريشـ بنيـ بكر عليهمـ ..
فوعدهمـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بالنصر ..
وقال لهمـ : " ارجعوا فتفرقوا فيـ البلدان " .. وخشيـ أنـ تعلمـ قريشـ بخبرهمـ معه ..
فتقاتلهمـ .. قبل وصوله إليهمـ .. فانصرفوا راجعينـ إلى ديارهمـ ..
فلقوا أبا سفيانـ بعسفانـ .. قد بعثته قريشـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يشد العقد ويزيد فيـ المدة .. وقد رهبوا أن يكونـ بلغه ما فعلوا .. فلما لقيـ أبو سفيان بديلاً ..
خشيـ أن يكونـ أقبل منـ عند رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقال : منـ أينـ أقبلت يا بديل ؟
فقال بديل : سرتـ فيـ خزاعة فيـ هذا الساحل فيـ بطنـ هذا الوادي ..
فسكتـ أبو سفيانـ .. فلما جاوزه بديل .. أقبل أبو سفيانـ إلى مبركـ ناقة بديل ..
فأخذ من بعرها ففته بيده .. فرأى فيه نوى التمر .. فعلمـ أنـ الناقة كانتـ بالمدينة ..
فهمـ الذينـ يطعمونـ دوابهمـ نوى التمر .. فقال أبو سفيانـ : أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً ..
ثمـ مضى أبو سفيان ..حتى وصل المدينة ..
فتوجه إلى بيتـ ابنته أمـ حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فلما دخل أقبل ليجلسـ على فراشـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فطوته منـ تحته .. فقال : يا بنية ما أدريـ أرغبتـ بي عنـ هذا الفراشـ .. أو رغبتـ به عنيـ ؟
فقالت : بل هو فراشـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ وأنتـ مشركـ نجسـ ..
فلمـ أحبـ أنـ تجلسـ على فراشه .. فعجبـ منها ..
وقال : يا بنية والله لقد أصابكـ بعدي شر !
ثمـ مضى أبو سفيانـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقال : يا محمد اشدد العقد وزدنا فيـ المدة ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : ولذلكـ قدمتـ ؟ هل كانـ منـ حدثـ قبلكمـ ؟!
قال : معاذ الله ! نحنـ على عهدنا وصلحنا يومـ الحديبية لا نغير ولا نبدل ..
فسكتـ عنه النبي صلى الله عليه وسلمـ .. فكرر عليه أبو سفيانـ ..
ورسول الله صلى الله عليه وسلمـ لا يجيبه ..
فخرجـ منـ عند رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
وأتى أبا بكر فقال : اشفعـ ليـ عند محمد .. أنـ يجدد العقد .. ويزيد فيـ المدة ..
أو امنعنيـ وقوميـ .. فقال أبو بكر : جواريـ فيـ جوار رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
ولا أمنعـ أحداً منه .. وأما أنا فوالله لو وجدتـ الذر تقاتلكمـ لأعنتها عليكمـ ..
فخرجـ أبو سفيانـ .. فأتى عمر بنـ الخطاب فكلمه ..
فقال عمر بنـ الخطابـ : أنا أشفعـ لكمـ عند رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ؟
بل ما كان من حلفنا جديداً فأخلقه الله ..وما كان منه مثبتاً فقطعه الله ..
وما كانـ منه مقطوعاً فلا وصله الله !
فلما سمعـ أبو سفيانـ ذلك .. تغير .. فكأنما لُطِمـ ..
فخرجـ أبو سفيانـ وهو يقول : جزيتـ من ذيـ رحمـ شراً ..
فلما يئسـ مما عندهم دخل على علي ..
فقال له : يا عليـ أنتـ أقربهم بي نسباً .. فاشفعـ لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقال له علي : يا أبا سفيانـ .. إنه ليسـ أحد منـ أصحابـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يفتاتـ على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بجوار ..
أيـ لا يستطيعـ أحد منعه عن أحد إن أراده .. فهو لا ينطقـ عنـ الهوى ..
وأنتـ سيد قريشـ .. وأكبرها .. وأمنعها .. فأجر بينـ عشيرتكـ .. وامنعـ نفسكـ ..
يعني : صحـ بالناسـ إنيـ قد منعتـ نفسيـ .. ثمـ الحقـ بأرضكـ ..
قال أبو سفيان : أو ترى ذلكـ يغنيـ عنيـ شيئاً ..
قال : لا .. ولكنـ هو رأي أراه ..
فخرجـ أبو سفيانـ إلى الناسـ فيـ المدينة ثمـ صاحـ ..
ألا إنيـ قد أجرتـ بينـ الناسـ .. ولا والله ما أظنـ أنـ يخفرنيـ أحد ..
فقامـ أبو سفيانـ فيـ المسجد فقال : أيها الناسـ إنيـ قد أجرتـ بين الناسـ ..
ثمـ ركبـ بعيره فانطلقـ إلى مكة ..
فلما أنـ قدمـ على قريشـ قالوا : ما وراءكـ ؟
هل جئتـ بكتابـ من محمد أو عهد ؟ قال : لا والله لقد أبى عليـ ..
وقد تتبعتـ أصحابه فما رأيتـ قوماً لملكـ عليهمـ أطوعـ منهمـ له ..
ولقد جئتـ محمداً فكلمته .. فوالله ما رد علي شيئاً ..
ثمـ جئتـ ابن أبيـ قحافة فوالله ما وجدتـ فيه خيراً ..
ثمـ جئتـ عمر فوجدته أعدى عدو .. ثمـ جئت علياً فوجدته ألين القوم ..
وقد أشار علي بأمر صنعته .. فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئاً أم لا ؟
قالوا : بماذا أمركـ ؟ قال : أمرنيـ أن أجير بينـ الناسـ ففعلتـ ..
قالوا : هل أجاز ذلكـ محمد ؟ قال : لا ..
قالوا : ويحكـ ما زادكـ الرجل على أنـ لعبـ بكـ .. فما يغنيـ عنا ما قلتـ ..
فقال : لا والله ما وجدتـ غير ذلكـ ..
فاغتمـ أبو سفيانـ .. ودخل على امرأته فحدثها الحديثـ ..
فقالت : قبحكـ الله منـ وافد قومـ ! فما جئتـ بخير ..
ثمـ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. إلى مكة فاتحاً ..
:: بالإشارة يفهمُ ::
اللقمة الكبيرة تحتاج لمضغ جيد قبل ابتلاعها
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ التسعـــــــــــــون : فليسعد النطقـ إنـ لمـ تسعد الحال !!
يقول الشيخـ :::: منـ أحرجـ المواقفـ أنـ يقصدكـ صاحبـ حاجة ..
ثمـ يرجعـ خائباً غير مقضية حاجته .. نعمـ قضاء حاجاتـ الناسـ طاعة عظيمة ..
ولو لمـ يكنـ فيها إلا قوله صلى الله عليه وسلمـ ..
لئنـ أمشي مع أخي في حاجة حتى أثبتها له ، أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً "..
لكفى فيـ فضلها .. لكنـ بعض الحاجاتـ يصعب قضاؤها ..
فليسـ كل منـ طلبـ منكـ أنـ تسلفه مالاً قدرتـ على إعطائه ..
ولا كل منـ طلب منكـ مرافقته فيـ سفر قدرت على تلبية طلبه ..
ولا كل منـ طلبـ حاجة معكـ كقلمـ أو ساعة أو غيرها .. استطعتـ إعطاءها له ..
والمشكلة أنـ أكثر الناسـ إذا لمـ تلبِّـ حاجاتهمـ وجدوا عليكـ فيـ أنفسهمـ ..
وقد يذمونكـ فيـ المجالسـ .. ويتهمونكـ تارة بالبخل .. وتارة بالأنانية .. وتارة ..إذنـ ما العمل ؟!
كنـ ماهراً فيـ الخروجـ منـ الموقفـ .. فإذا طلبـ منكـ أحد شيئاً ..
ولمـ تستطعـ قضاءه فعلى الأقل رده بعبارات جميلة .. كما قال ..
لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
فلو علمـ شخصـ بأنكـ ستسافر إلى مدينة معينة .. فحاءكـ وقال : أريدكـ أنـ تشتريـ لي حاجة
منـ المدينة التيـ أنتـ مسافر إليها .. وأنتـ لا رغبة لكـ فيـ قضاء حاجته لأي سببـ ..
فكيفـ تجيبـ ؟ .. فليسعد النطقـ إنـ لمـ تسعد الحال ..
قل له : والله يا فلانـ أخدمكـ بعيونيـ .. وأنتـ أحبـ إليّ منـ أناسـ كثير ..
لكنيـ أخشى أنـ يضيقـ وقتيـ .. وعنديـ بعضـ الظروفـ تمنعنيـ منـ إحضارها .. و ..
ولو دعاكـ إلى وليمة وأردتـ أنـ تعتذر وخشيتـ أن يجد فيـ نفسه عليكـ .. فقدمـ مقدماتـ ..
قل مثلاً أنا ما أعتبركـ إلا كواحد منـ إخوانيـ .. وأنتـ منـ أغلى الناسـ إلى قلبيـ ..
لكنيـ مشغول الليلة .. وأنتـ لمـ تكذبـ فقد يكونـ شغلكـ هذا جلسة معـ أولادكـ ..
أو قراءة فيـ كتابـ .. أو نومـ !! فهيـ كلها أشغال ..
وقد كانـ محمد صلى الله عليه وسلمـ يملكـ الناسـ بأخلاقـ يأسر بها قلوبهمـ ..
انظر إليه عليه السلام .. وقد جلسـ معـ أصحابه الكرامـ .. فحدثهمـ عنـ البيتِـ الحرامـ ..
وفضلِ العمرة والإحرامـ .. فطارتـ أفئدتهمـ شوقاً إلى ذاكـ المقامـ ..
فأمرهمـ بالتجهز للرحيل إليه .. وحثهمـ على التسابقـ عليه ..
فما لبثوا أنـ تجهزوا .. وحملوا سلاحهمـ وتحرزوا ..
فخرجـ صلى الله عليه وسلمـ معـ ألفـ وأربعمائة منـ أصحابه ..
مهلينـ بالعمرة ملبينـ .. يتسابقونـ إلى البلد الأمينـ ..
فلما اقتربوا من جبال مكة .. بركت القصواء .. ناقة النبي عليه السلام ..
فحاول أنـ يبعثها لتسير .. فأبتـ عليه ..فقال الناسـ : خلأتـ القصواء .. ( أيـ عصتـ ) ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : ما خلأتـ القصواء .. وما ذاكـ لها بخلقـ ..
ولكنـ حبسها حابسـ الفيل ( يعني فيل أبرهة لما أقبل به معـ جيشـ منـ اليمنـ
يريد هدمـ الكعبة فحبسهمـ الله عنـ ذلك ) ..
ثمـ قال : والذيـ نفسيـ بيده لا يسألونيـ خطة يعظمونـ فيها حرماتـ الله .. إلا أعطيتهمـ إياها
ثمـ زجرها فوثبتـ .. فتوجه إلى مكة .. حتى نزل بالحديبية قريباً منـ مكة ..
فتسامعـ به كفار قريشـ .. فخرجـ إليه كبارهمـ ليردوه عنـ مكة .. فأبى إلا أن يدخلها معتمراً ..
فما زالتـ البعوثـ بينه وبينـ قريشـ ..حتى أقبل عليه سهيل بن عمرو ..
فصالحـ النبي صلى الله عليه وسلمـ على أنـ يعودوا إلى المدينة..
ويعتمروا فيـ العامـ القادمـ .. ثمـ كتبوا بينهمـ صلحاً عاماً ..
وفيه : اشترطـ سهيل : أنه لا يخرجـ منـ مكة مسلمـ مستضعفـ يريد المدينة ..
إلا رُدَّ إلى مكة.. أما منـ خرجـ منـ المدينة وجاء إلى مكة مرتداً إلى الكفر .. فيُقبل فيـ مكة ..
فقال المسلمون : سبحانـ الله !! من جاءنا مسلماً نرده إلى الكافرينـ !!
كيفـ نرده إلى المشركينـ وقد جاء مسلماً .. فبينما همـ كذلكـ إذ أقبل عليهمـ ..
شابـ يسير على الرمضاء .. يرفل فيـ قيوده .. وهو يصيحـ : يا رسول الله ..
فنظروا إليه .. فإذا هو أبو جندل ولد سهيل بن عمرو ..
وكانـ قد أسلمـ فعذبه أبوه وحبسه .. فلما سمعـ بالمسلمينـ ..
تفلتـ منـ الحبسـ وأقبل يجر قيوده .. تسيل جراحه دماً ..
وتفيضـ عيونه دمعاً ..ثمـ رمى بجسده المتهالكـ ..
بينـ يديـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ .. والمسلمونـ ينظرون إليه ..
فلما رآه سهيل .. غضبـ !! كيفـ تفلتـ هذا الفتى منـ حبسه ..
ثمـ صاحـ بأعلى صوته : هذا يا محمد أول منـ أقاضيكـ عليه أن ترده إليـ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : إنا لم نقض الكتاب بعد .
قال : فوالله إذاً لا أصالحكـ على شيء أبداً ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : فأجزه ليـ .. قال : ما أنا بمجيزه لكـ ..
قال : بلى فافعل .. قال : ما أنا بفاعل .. فسكتـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
وقامـ سهيل سريعاً إلى ولده يجره بقيوده .. وأبو جندل يصيحـ ويستغيثـ بالمسلمينـ ..
يقول : أيـ معشر المسلمينـ أرد إلى المشركينـ وقد جئتـ مسلماً .. ألا ترونـ ما قد لقيتـ منـ
العذابـ .. ولا زال يستغيثـ بهمـ حتى غابـ عنهمـ ..والمسلمونـ تذوبـ أفئدتهمـ حزناً عليه ..
فتى فيـ ريعانـ الشبابـ .. يُشدد عليه العذابـ ..
وينقل منـ العيشـ الرغيد .. إلى البلاء الشديد .. وهو ابنـ سيد منـ الساداتـ ..
طالما تنعمـ بالملذاتـ .. وتلذذ بالشهواتـ .. ثمـ يجر أمامـ المسلمينـ بقيوده ..
ليعاد إلى سجنه وحديده ..وهمـ لا يملكونـ له شيئاً ..
مضى أبو جندل إلى مكة وحيداً .. يسأل ربعـ الثباتـ على الدينـ ..
والعصمة واليقينـ .. أما المسلمونـ فقد رجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
إلى المدينة .. وهم فيـ حنقـ شديد على الكافرينـ .. وحزنـ على المسلمينـ المستضعفينـ ..
ثمـ اشتد العذابـ على الضعفاء في مكة .. حتى لمـ يطيقوا له احتمالاً ..
فبدأ أبو جندل .. وصاحبه أبو بصير .. والمستضعفونـ في مكة .. يحاولونـ التفلتـ منـ قيودهمـ ..
حتى استطاعـ أبو بصير رضيـ الله عنه أنـ يهربـ منـ حبسه ..
فمضى منـ ساعته إلى المدينة .. يحمله الشوق .. ويحدوه الأمل ..
فيـ صحبة النبيـ صلى الله عليه وسلمـ وأصحابه .. مضى يطوي قفار الصحراء ..
تحترقـ قدماه على الرمضاء ..
حتى وصل المدينة .. فتوجه إلى مسجدها .. فبينما النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
فيـ المسجد معـ أصحابه .. إذ دخل عليهمـ أبو بصير .. عليه أثرُ العذابـ .. ووعثاءُ السفر ..
وهو أشعثـ أغبر ..فما كاد يلتقطـ أنفاسه ..
حتى أقبل رجلان منـ كفار قريشـ فدخلا المسجد .. فلما رآهما أبو بصير ..
فزعـ واضطربـ .. وعادتـ إليه صورة العذاب .. فإذا هما يصيحانـ .. يا محمد ..
رده إلينا .. العهدُ الذي جعلتـ لنا .. فتذكر النبيـ صلى الله عليه وسلمـ
عهده لقريشـ أنـ يرد إليهمـ منـ يأتيه منـ مكة .. فأشار إلى أبي بصير ..
أنـ يخرجـ منـ المدينة .. فخرجـ معهما أبو بصير .. فلما جاوزا المدينة .. نزلا لطعامـ ..
وجلسـ أحدهما عند أبيـ بصير .. وغابـ الآخر ليقضيـ حاجته ..
فأخرجـ القاعد عند أبيـ بصير سيفه .. ثمـ أخذ يهزه ..
ويقول مستهزءاً بأبيـ بصير : لأضربنـ بسيفيـ هذا فيـ الأوسـ والخزرجـ يوماً إلى الليل ..
فقال له أبو بصير : والله إنيـ لأرى سيفكـ هذا يا فلانـ جيداً ..
فقال : أجل والله إنه لجيد لقد جربتـ به .. ثمـ جربتـ ..
فقال أبو بصير : أرنيـ أنظر إليه .. فناوله إياه .. فما كاد السيفـ يستقر فيـ يده ..
حتى رفعه ثمـ هوى به على رقبة الرجل فأطار رأسه .. فلما رجع الآخر منـ حاجته
رأى جسد صاحبه ممزقاً .. مجندلاً ممزقاً .. ففزعـ .. وفرَّ حتى أتى المدينة ..
فدخل المسجد يعدو ..فلما رآه صلى الله عليه وسلمـ مقبلاً .. فزعاً ..
قال : لقد رأى هذا ذعراً .. فلما وقفـ بينـ يديه صلى الله عليه وسلمـ ..
صاح من شدة الفزع .. قال : قُتِل والله صاحبيـ .. وإني لمقتول ..
فلمـ يلبثـ أنـ دخل عليهمـ أبو بصير .. تلتمعـ عيناه شرراً .. والسيفـ فيـ يده يقطر دماً ..
فقال : يا نبيـ الله .. قد أوفى الله ذمتكـ .. قد رددتنيـ إليهمـ ثمـ أنجانيـ الله منهمـ ..
فضمنيـ إليكمـ .. قال : لا .. فصاحـ أبو بصير بأعلى صوته ..
قال : أو .. يا رسول الله .. أعطنيـ رجالاً أفتحـ لك مكة ..
فأعجبـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ بشجاعته .. لكنه لا يستطيع أنـ ينفذ له طلبه فبينه ..
وبينـ أهل مكة عهد .. لكنه صلى الله عليه وسلمـ أراد أن يرده بلطفـ ..
فليسعد النطقـ إنـ لمـ يسعد الحال .. التفتـ صلى الله عليه وسلمـ ..
إلى أصحابه وقال مادحاً لأبيـ بصير : ويل أمه !!
مسعِّر حربـ لو كان معه رجال .. فكانتـ هذه الكلماتـ بمثابة التخفيفـ والاعتذار من أبيـ بصير ..
وظل أبو بصير واقفاً عند بابـ المسجد ينتظر إذنـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
له بالمكوثـ فيـ المدينة .. لكنه صلى الله عليه وسلمـ ..
تذكر عهده معـ قريشـ فأمر أبا بصير بالخروجـ منـ المدينة .. فسمعـ أبو بصير وأطاعـ ..
نعمـ .. وما حمل في نفسه على الدينـ .. ولا انقلبـ عدواً للمسلمين ..
فهو يرجو ما عند الحليمـ الكريمـ .. منـ الثوابـ العظيمـ .. الذي منـ أجله تركـ أهله ..
وفارقـ ولده .. وأتعبـ نفسه .. وعذبـ جسده .. خرجـ أبو بصير منـ المدينة ..
فاحتار أينـ يذهبـ .. ففيـ مكة عذاب وقيود .. وفيـ المدينة مواثيقـ وعهود ..
فمضى إلى سيفـ البحر قريباً منـ جدة .. فنزل هناكـ .. فيـ صحراء قاحلة ..
لا أنيسـ فيها ولا جليسـ .. فتسامعـ به المسلمونـ المستضعفونـ بمكة ..
فعلموا أنه بابـ فرجـ انفتحـ لهمـ .. فالمسلمونـ فيـ المدينة لا يقبلونهمـ ..
والكفار فيـ مكة يعذبونهمـ .. فتفلت أبو جندل منـ قيوده .. فلحقـ بأبيـ بصير ..
ثمـ جعل المسلمونـ يتوافدونـ إليه فيـ مكانه .. حتى كثر عددهمـ ..
واشتدتـ قوتهمـ .. فجعلتـ لا تمر بهمـ قافلة تجارة لقريشـ .. إلا اعترضوا لها ..
فلما كثر ذلكـ على قريشـ .. أرسلوا إلى النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
ناشدونه بالله أنـ يضمهمـ إليه .. فأرسل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
إليهمـ أنـ يأتوا المدينة ؟ فلما وصل إليهمـ الكتابـ .. استبشروا وفرحوا ..
لكنـ أبا بصير كانـ قد ألمـ به مرضـ الموتـ .. وهو يردد قائلاً : ربيـ العليـ الأكبر منـ ينصر الله ..
فسوفـ ينصر .. فلما دخلوا عليه وأخبروه أنـ النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
أذنـ لهمـ بسكنى المدينة .. وأنـ غربتهمـ انتهتـ .. وحاجتهمـ قضيتـ .. ونفوسهمـ أمنتـ ..
فاستبشر أبو بصير .. ثمـ قال وهو يصارعـ الموتـ ..
أرونيـ كتابـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. فناولوه إياه ..
فأخذه فقبله .. ثمـ جعله على صدره .. وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ..
وأشهد أن محمداً رسول الله .. أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله ..
ثمـ شهقـ وماتـ .. فرحمـ الله أبا بصير .. وصلى على نبيـ الرحمة وسلمـ تسليماً كثيراً ..
ومنـ الإسعاد بالنطقـ والسحر بالكلامـ .. أن تراعي من معكـ إذا جاملكـ .. وتتلطفـ معه ..
ذكر أنـ امرأة فقيرة اضطجعتـ بجانبـ زوجها على فراشـ عتيق .. فيـ كوخـ قديمـ ..
جدرانه مرقعة .. وسقفه منـ جذوعـ النخل .. فجالتـ ببصرها تنظر إلى جدرانـ بيتها ..
ثمـ ركّزت بصرها إلى السقفـ .. وسرحتـ بفكرها بعيداً ..
ثم قالت : تدريـ ماذا أتمنى ؟ قال : هاه !! ماذا تتمنينـ ؟
قالت : أتمنى أنـ نملكـ بيتاً كبيراً تسعد فيه مع أولادك .. وتدعو إليه أصدقاءك ..
ونملكـ سيارة فارهة .. ترتاحـ إذا سقتها .. ويزيد راتبك ضعفين حتى تسدد ديونكـ .. و ..
ومضتـ المسكينة تسرد له بحماسـ أسبابـ السعادة التيـ تتمناها له ..
والرجل غارقـ فيـ أحلامـ خيبته .. يائسـ منـ صلاحـ حاله ..
لا يملكـ أية مهارة منـ مهاراتـ الكلامـ ..
فلما تعبتـ قالت له : وأنتـ ماذا تتمنى ؟! فنظر إلى السقفـ طويلاً ..
ثم قال : أتمنى أنـ ينطلقـ جذعـ منـ هذا السقفـ ويقعـ على رأسكـ فيقسمه نصفينـ ..
:: حديث ::
سألوه صلى الله عليه وسلمـ : ما أكثر ما يدخل الناس النار ؟ فقال : هذا وهذا .. يعني الفرج واللسان
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
الموضوعـ الحادي و التسعـــــــــــون : كنـ بطلاً وابدأ الآنـ ..
يقول الشيخـ :::: أذكر أنيـ ألقيت دورة فيـ مهاراتـ التعامـــــل معـ النـــاسـ ..
كانـ عبد العزيز منـ بينـ الحضــور .. كانـ تأثره واضحـــاً ..
لاحظته يكتبـ كل شـاردة وواردة ..
مضتـ أيــامـ الدورة الثلاثة .. وتفرقنــا ..
بعدها بشهر ألقيتـ الدورة نفســها مرة أخرى ..
فلما نظرتـ إلى الحضــور ..
فإذا عبد العزيز يجلسـ فيـ الصـــفـ الأول !!
تملكنـــي العجبـ !!
لماذا يحضرها مرة أخرى وهو يعلـــمـ أني سأعيد الكلامـ نفسه !
لما أذنـ للصلاة .. أخذته ومشيـــتـ به جانباً ..
وسألته : عبد العزيز .. لماذا تحضـــر مرة أخرى ..
وأنتـ تعلمـ أني سأعيد الكــــلامـ نفسه .. !!
والمذكرة التيـ بين يديكـ هيـ نفسها المذكــــرة السابقــــة !!
والشهادة التيـ ستحصل عليها هيـ الشهادة نفسها !!
يعنيـ لنـ تستفيد شيئــــاً ..
فقــــال لي :تصـــدقـ !!
والله إن أصحــــابيـ وزملائـــيـ ..
يقولون ليـ : يا عبد العزيــز أنتـ تغيرتـ فيـ تعاملكــ معنا منذ شهـــــر ..
ففكرتـ فيـ ذلك فإذا أنا أطبــــقـ ..
ما تعلمته منـ مهـــارات فيـ الدورة السابقـة ..
فجئتـ لأحضر الدورة مرة أخرى لتأكيد ما تعلمته منـ مهـــاراتـ ..
إذا كنت جـــــــــــــــاداً في التغيير فكن بطـــــــــــــــلاً
وابدأ الآآآآن ..
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
::: الحمدلله الذيـ بنعمته تتمـ الصالحاتـ :::
يقول شيخـنا حفظه الله ::: أني أجد أن أحب كتبي إليَّ وأغلاها إلى قلبي .. وأكثرها فائدة
عملية .. فيما أظن .. هو هذا الكتاب .. كتبت كلماته بمداد خلطته بدمي .. سكبت روحي بين
أسطره .. عصرت ذكرياتي فيه .. جعلتها كلمات من القلب إلى القلب .. وأقسم أنها خرجت
من قلبي مشتاقة أن يكون مستقرها قلبكـ .. فرحماك بها .. ما أعظم سروري لو علمت أن
قارئاً أو قارئة لهذه الورقات طبق ما فيه .. فشعر وشعر غيره بتطور مهاراته .. وازدادت متعته في حياته
ليست الغاية أن تقرأ كتاباً .. بل الغاية أن تستفيد منه
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا العلم نوراً لأخي في قبره ورحمة
له يوم البعث والنشور .. اللهم اسبغ شآبيب الرحمات على قبره
اللهم أعظم أجره وثوابه وأجزل له العطايا في مآبه .. اللهم ارفع له الدرجات وكفر عنه
السيئات وأعظم له الحسنى في الجنات برحمتك يا أرحم الراحمين
لايقف الموضوع عندك أخي وأختي .. انشر موضوع أو أكثر بقدر استطاعتك .. فكم من عبد
مرهون في قبره لايستطيع الخروج منه ليقدم أو ليؤخر ونحن أفسح لنا في الأجل ومد لنا
في العمل فلا نبخل على أخينا بالأجر رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
-
رد: منـ أروعـ ماقرأتـ ->::.. استمـــتعـ بحياتــــــكـ ..::<-
رحمك الله يا أسين وأنار قبرك