حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:

    افتراضي حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    حكاية يارا!
    من ملفات التعليم الحقيقية

    ٢٤ سنة في التعليم! تمر بنا مواقف مؤلمة أحيانًا يظهر فيها غباء بعض الأهل في التربية للأسف...
    من ذلك، تلميذة علمتها من زمن بعيد، انطوائية جدًا، تجيب عن الأسئلة بأسلوب بارد، أي قد ينتهي الوقت المخصص للاختبار وهي لم تُكمل الإجابات ولا تهتم، أما التواصل الشفهي فتكاد تُشعرك بأنك تتكلم مع جدار أو شبح لن يرد عليك مهما حاولت، لكن بعد ذلك توضحت الأمور كلها، هذه الفتاة سنسميها مجازًا يارا، احترامًا لخصوصية حالتها، أمها معتوهة لو هناك تصنيف مثل هذا لمن يفتقد الوعي في التربية والتعامل، مثلًا ابنتها نالت ١٤ من ٢٠ في مسابقة، تصفعها أو تلكمها في كتفها أو تدفعها وتكاد ترميها أرضًا، وهي تخبرها بأنها حمارة! وتلعنها وتلعن اللحظة التي جاءت بها بحمارة مثلها إلى الدنيا، والأمر لا يختلف لو نالت البنت ٨ من ٢٠ ولا يختلف حتى لو نالت ١٩ من ٢٠... البنت كرهت أمها وكرهت نفسها وحياتها...
    لكن مرة جاءت الأم إلى المدرسة معها قالب كاتو صغير في علبة، سألها واحد من الزملاء ساخرًا هل تحب أن يحضر لها الشاي أو العصير؟ لم تفهم السخرية بل ردت في لهفة تطلب العصير! دخلت الإدارة وطلبت من المديرة استدعاء ابنتها، فاليوم عيد ميلاد يارا، والأم تشعر بأنها ظلمت ابنتها (قليلًا) وتريد أن تصالحها، جاءت يارا، رأت أمها ورأت قالب الكاتو، وبدأت الأم تغني: هابي بارث داي تو يو... وجاءت تحضن ابنتها التي دفعتها عنها في غلظة وأدارت وجهها وانصرفت... انهارت الأم في البكاء والمديرة والناظرة العامة في محاولة لتهدئتها، ثم انصرفت الأم مكسورة الخاطر، أما البنت فكانت سعيدة!
    مشهد بكاء الأم شهدته بنفسي وقد كنت قادمًا للدوام، لكن في الصف يارا تبدو مثل لبؤة تناولت فريسة، ابتسامة شريرة وضحكات جافة، بل مشاركات صفية!! ظلت يارا تلميذتي ثلاث سنوات، كلمتها كثيرًا بكلام للعموم لا لها مباشرة عن الأم، عن الأم الواعية والأم الجاهلة، عن اختلاف طبقات البشر، عن خطئنا حين نظن أننا سنأخذ كل شيء عن الحياة من أمنا بل هناك حالات هي ضعيفة ولو كانت قوية تصرخ وتمتدُّ يدها بالضرب، لكنها ضعيفة الوعي ضعيفة الإدراك والحل أن نشفق عليها ونقودها من يدها مثل طفلة، وكلام كثير ربما يدخل في باب الهراء!
    يارا تلميذتي ٣ سنوات متتالية، آخر مرة علمتها كانت من ٥ سنين وأشهر، رأيتها مرة واحدة فقط بعد ما لم تعد تلميذتي، ربما منذ ٤ سنوات، كانت تمشي مع امرأة وجهها مألوف لي، وقد قدمتها يارا تقول في (اعتزاز):
    هذه ماما... هذه ماما...
    اكتفينا بتحية صامتة عابرة، بعدها وضعت الأم يدها في يد ابنتها، كأنها تطلب منها أن تسير بها في هذه الحياة وهي خلفها مسترشدة بها، وبوعيها...
    يارا، عزيزتي الطفلة، أأنتِ الطفلة حقًّا أو أنَّكِ الأم، وأمكِ الطفلة الحقيقية!!


    د. عمر قزيحه
    في 23-11-2025م
    الساعة: 8:07 دقائق مساء.

  2. الأعضاء الذين يشكرون أ. عمر على هذا الموضوع:


  3. #2


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    Content not viewable in your region
    كلمات لافتة طويلة عريضة مكررة مرتين تغلق جزءًا من يمين شاشة المنتدى... هنا وفي مواضيع أخرى...

  4. #3

    الصورة الرمزية Jomoon

    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المـشـــاركــات
    5,677
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتـــقـــــيـيــم:

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    السلامـ عليكمـ ورحمة الله وبركاته~

    شيء غريب فعلاً!،
    هل هي أمها فعلاً؟!،
    لا أصدق!،
    الأم أخذت درس تتعلم منه مدى الحياة!،
    والبنت أظن أنها أخذت حقها!!،
    استغفرالله وأتوب إليه،

    بورك فيك
    موضوع مؤثر جدًا،
    كلمات سلسة رائعة،
    ما شاء الله، ربي يبارك
    ربي يزيدك من فضله،
    في حفظ المولى،
    ~

  5. #4


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Jomoon مشاهدة المشاركة
    السلامـ عليكمـ ورحمة الله وبركاته~

    شيء غريب فعلاً!،
    هل هي أمها فعلاً؟!،
    لا أصدق!،
    الأم أخذت درس تتعلم منه مدى الحياة!،
    والبنت أظن أنها أخذت حقها!!،
    استغفرالله وأتوب إليه،

    بورك فيك
    موضوع مؤثر جدًا،
    كلمات سلسة رائعة،
    ما شاء الله، ربي يبارك
    ربي يزيدك من فضله،
    في حفظ المولى،
    ~
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    أعتقد أنها أمها فعلًا لكن يبدو عندها حالة نفسية معينة وتفرغ غضبها في بنتها، لا لاهتمامها بالعلامات والدرجات...
    وبعض الحالات مما يمر بنا في التعليم قد يكون أغرب من هذا (مثل أم تطلب ابنتها خارج الصف ثم تنزل على ركبتيها لتقيس ابنتها كم شبرًا طولها)!!
    بارك الله بكِ ولكِ دومًا

  6. #5


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    تحليل الحكاية

    تكشف أحداث حكاية يارا، منذ بدايتها، وبتفاصيلها كافة، عن طفلة لم تحصل على التربية المنزلية السليمة، ولا نعرف شيئًا عن دور والدها، هل هو موجود ويترك للأم مسألة التربية العقيمة هذه، أو أنه غير موجود، لكن أيًّا يكن الحال، يارا نشأت في بيئة نفسية مضطربة للغاية، أوقعها في إشكالية التعلق غير الآمن Insecure Attachment، بل حتى هذا التعلق غير الآمن لم يَعُد متاحًا لها، فلجأت روحها على الرغم منها إلى الانزواء بعيدًا، هي موهوبة، ليست بالغة العبقرية، لكنها لا تُبالي بالتقدم، ولا حتى بالمحافظة على مستواها؛ لأن نتائجها الرقمية، تعني الضرب المؤلم لها والمهانة، أيًّا كانت الأعداد التي ستُزيِّن مسابقتها.
    ولقد تعلمت يارا أن القرب مؤذٍ للغاية، وربما تمنَّت لو أن قلبها حجر لا يحسُّ، فهل تجرؤ على أن تذهب إلى أمها لتقول لها أنا حزينة أو سعيدة يا ماما؟ لقد فهمت يارا أن مصطلح الأمومة يعني الإهانة والتجريح؛ لذلك لا شك في أن أسلوب الحياة الصحيح بالنسبة إليها هو الانسحاب الداخلي، والانطواء، بل ربما التوحد أفضل!
    هذا، ويارا ليست فتاة انطوائية في طبعها، لكنها اختارت أسلوبًا وقائيًّا لا يتعلق بالخجل بأي حال كان، بل بالرعب من أن يتكرر إنتاج الألم، الجسدي والنفسي؛ لذلك كانت تجيب في برود، وتبدو كأنها جدار، بل تحاول فعلًا أن تتقمص شخصية الجدار؛ لأنها كرهت كونها إنسانًا، أما الجدار فلا يُصفَع ولا يُهان، وهي لن تثق بالأساتذة، إن كانت أمها تصفعها وتُهينها، فربما تفعل ذلك معلمتها، وحتى أستاذها في الصف في أية لحظة؛ لذلك تجمدت روح يارا انفعاليًّا Emotional Freezing كي لا تمنح المعتدي الافتراضي –الأستاذ أو المعلمة في الصف– مادة جديدة يستخدمها أداة يؤذيها بها.
    هل أم يارا امرأة جاهلة؟ نعم، هي كذلك، لكن ليس الجهل بأسلوب التربية فحسب، فهذه المرأة تعاني اضطرابًا انفعاليًّا مزمنًا Chronically Dysregulated Parent؛ لذلك كل خيبة أمل تعني انفجارًا في المشاعر، وعنفًا في أسلوب الرد، ويبدو أن الاضطراب الانفعالي هذا في مرحلة متقدمة للغاية، فالعلامة المرتفعة ليست خيبة، لكن الأم تتخذها ساحة إسقاط Projection Field، ومن خلالها تُسقط على طفلتها إحباطها وفشلها هي، بل تاريخها المضطرب بأكمله؛ لذلك لم تكن تتردد في ضرب يارا، لأن المشكلة ليست في العلامة رقمًا، ومستوى مقبولًا أو متميزًا، المشكلة في هذه الأم نفسها، في عجزها التربوي Learned Parental Helplessness، فهي فاشلة في السيطرة على حياتها الشخصية؛ هي عدوة نفسها؛ لذا لا بد من ضحية قريبة تُفرغ فيها غضبها، ويارا لا تفهم، ولا تريد أن تفهم، إن كانت هي نفسها غير متأثرة بالعلامة التي نالتها، وإن كانت لم ترسب، فلماذا أمها تنفعل وتغضب وتشتم وتمدُّ يدها؟؟
    هذه الأم، بأساليبها البعيدة كل البُعد عن أصول التربية والإنسانية، بقصد منها أو بجهل، أوقعت ابنتها يارا في اضطراب تقدير ذات مبكر Early Self-Esteem Damage، إذ بدأت يارا تُقيِّم نفسها مثلما تتَّهمها أمها، كلامًا وحركة يد ظالمة، فتكوَّنت عندها صورة ذات مشوَّهة Distorted Self-Concept، وربما كانت حين تجلس وحدها في غرفتها، قبل أن تنام تبكي، وتسأل نفسها: أأنا غبية؟ أأنا بلا قيمة؟ ربما أنا عبء على أمي، بل على العالم! لذلك لم تهتم يارا بالاختبارات والعلامات، فهي تُهان كل يوم، ولم تَعُد تمتلك الدافع الداخلي Intrinsic Motivation، ولا يوجد إنجاز مهم تُقدِّمه، بل لا يوجد إنجاز لها بِغَضِّ النظر عن تصنيف جودته من رداءته، رأت أنها لا تحظى بالقَبول عند أمها، وظنَّت أن المجتمع كله مثل أمها، ولم يَعُد هناك أي أمر له أدنى قيمة في نظرها.
    غير أن التحول الحقيقي في حياة يارا، يحدث بغتة في مشهد عيد الميلاد، عيد نعتقد أن يارا نفسها قد نسيت أنه موجود في حياتها، وإذ بمشهد يُمثِّل الانقلاب العاطفي Affective Reversal Moment، حين انقلبت الأدوار فجأة، وأصبح المعتدي ضعيفًا، والضحية قوية الشخصية! أما هذه الأم التي جاءت بقالب كاتو فكانت تُمارس التكفير المتأخر Delayed Reparative Attempt عن ذنبها تجاه بنتها، وهي محاولة تأتي بعد سنوات من الإيذاء، لكنها تأتي متأخرة جدًّا؛ الجرح الذي يُترك من دون علاج يتحول إلى ندبة نفسية Psychological Scar، وهي ندبة لا تُمحى بسهولة.
    لذلك حين تحركت يد يارا، لم تكن بذلك تدفع أمها فقط، بل كانت تدفع تاريخًا كاملًا من الألم الممض، كانت تدفع كل الصفعات التي تلقتها، وكل الشتائم التي سمعتها، وكل الليالي التي نامت فيها وهي تبكي في قهر، الآن بدأت يارا تُفرِّغ مشاعرها وآلامها، لكنه التفريغ المتأخر Delayed Catharsis، وهو تفريغ لم يحدث حين وقع الألم، بل حدث حين شعرت الطفلة يارا بأن ميزان القوة الذي كان يحكم حياتها قد انقلب بغتة، وهي لم تكن ترتقب ذلك.

  7. #6


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    أما بكاء الأم في تلك اللحظة فلم يكن بكاء ندم واعٍ، بل بكاء انهيار هوية Parental Identity Collapse، حين أدركت فجأة أنها فقدت دورها، وأن الطفلة التي كانت تضربها لم تعد تخافها، وأن تصرفاتها لم تكن تربية، إنما كانت سلطة قمعية Fragile Authoritarianism انهارت بمجرد أن تحركت يارا لتنتفض لكرامتها المهدورة، فالأم هنا تُواجه الصدمة الارتدادية Reverse Shock، وهي صدمة تحدث حين يرى المعتدي أثر أفعاله أول مرة، لا على الضحية، بل على نفسه.
    أما يارا، فقد خرجت من المشهد وهي تشعر بالنشوة التعويضية Compensatory Euphoria، وهي نشوة قصيرة لكنها قوية، تمنح الطفل إحساسًا بأنه استعاد جزءًا من كرامته؛ لذلك شاركت في الصف، وضحكت، وتفاعلت؛ لأن الطفل الذي يُظلم طويلًا يشعر بنوع من الانتعاش النفسي حين يستعيد السيطرة، ولو لحظة واحدة، هذا السلوك هو إعادة التوازن الداخلي Homeostatic Rebound، بتعويض الروح الجريحة بفعل سنوات من القهر، عبر لحظة قوة مفاجئة.
    لكن المشهد الأكثر عمقًا في الحكاية هو المشهد الأخير، حين رأيناها بعد سنوات، وهي تمشي مع أمها، وتقول بفخر: هذه ماما… هذه ماما… هنا نرى انقلاب الأدوار Role Reversal، وهو انقلاب يحدث حين يفشل الوالد في أداء دوره، فيضطر الطفل إلى أن يصبح الراشد في العلاقة! الأم التي كانت تضرب أصبحت الآن هي التي تبحث عن يد ابنتها، والطفلة التي كانت تُهان أصبحت هي التي تقود! هذا الانقلاب لا يحدث فجأة، ولا تستطيع هذا الدور أية فتاة، بل حتى أي شاب، لكن يارا تميزت بالنضج القسري Forced Maturity، فقد أُجبرت على أن تكبر قبل الأوان، على أن تتحمل مسؤوليات نفسية أقسى بكثير من سنِّها، وأعتى بما لا يُقاس من تحمُّل روحها.
    حين وضعت الأم يدها في يد ابنتها، كانت تعترف من دون كلام بأنها لم تعد قادرة على السير وحدها، وأن ابنتها أصبحت هي البوصلة، وهي الوعي، وهي الحماية! هذا المشهد يُمثِّل إعادة توزيع السلطة العاطفية Emotional Power Redistribution، بانتقال القوة من الوالدة إلى الطفلة، لا لأن الطفلة أصبح قوية، فهي قوية منذ البداية مع كبت يُرهق روحها، بل لأن أمها أصبحت ضعيفة.
    هذه الحالة ليست حالة عن أم تضرب ابنتها، بل حالة مُقلقة للغاية عن دورة كاملة من العنف التربوي Parental Violence Cycle، وعن أثره في تكوين الشخصية، وكيف ينقلب الألم إلى صمت، ثم إلى غضب، ثم إلى قوة، ثم إلى علاقة جديدة تُبنى على أنقاض علاقة قديمة، إنها حالة الطفولة المسروقة، والأمومة الفاشلة في ظُلمها وفي ضعفها معًا، وما عسى أن نصف مشاعر الفتاة بقلبها الصغير الحزين، ووعيها القيادي يُولَد من قلب الجراح النازفة!
    التجربة التي مرَّت بها يارا تمتد إلى تشكيل البنية الانفعالية العميقة Deep Affective Structure، وهي البنية التي تحدد لاحقًا كيف يفهم الإنسان ذاته، وكيف يتعامل مع السلطة، وكيف يبني علاقاته، وكيف يُفسِّر العالم، فالطفل الذي يتعرض لعنف مستمر من الأم يُطوِّر حساسية مفرطة للرفض Rejection Sensitivity، وهي حالة تجعل أي إشارة بسيطة تُقرأ بوصفها تهديدًا، وتجعل الطفل يعيش في حالة يقظة عصبية Hypervigilance، كأنه ينتظر الضربة التالية، حتى لو لم تأتِ.
    هذا النوع من اليقظة المستمرة يستهلك الجهاز العصبي، ويجعل الطفل يدخل في الإرهاق الانفعالي Emotional Exhaustion، وهو إرهاق يجعل المشاعر باهتة، وردود الفعل بطيئة، والقدرة على الفرح شبه معدومة؛ لذلك كانت يارا تبدو باردة، لا لأنها باردة فعلًا، بل لأنها مستنزفة داخليًّا، كأنها تعيش في منطقة رمادية لا يصل إليها الضوء.
    ومع مرور الوقت، يبدأ الطفل في بناء ما يسمى الهوية الدفاعية Defensive Identity، وهي هوية لا تُبنى على ما يريد الطفل أن يكونه، بل على ما يحتاج أن يكونه كي ينجو؛ لذلك كانت يارا تتصرف كأنها غير مهتمة، لأن الاهتمام في بيتها كان يُعاقَب، وكانت تتصرف كأنها لا تبالي، لأن البكاء كان يُقابل بالضرب، في أفضل الأحوال بالإهمال التام، وكانت يارا تتصرف كأنها لا تحتاج إلى أحد يحميها؛ لأن الحاجة كانت تُفسَّر ضعفًا، هذه الهوية الدفاعية تصبح لاحقًا جزءًا دائمًا في الشخصية، وتؤثر حكمًا في العلاقات المستقبلية، وتجعل الطفل يميل إلى العلاقات منخفضة التوقع Low-Expectation Relationships، فهو لا ينتظر من الآخرين حبًّا ولا دعمًا، لأنه تعلم مبكرًا أن الحب مؤذٍ، وأن الدعم غير مضمون.
    لكن التحول الأكبر في شخصية يارا يحدث حين تتعرض الأم لانهيارها الأول أمامها، الطفل الذي يرى المعتدي يبكي يعيش حالة من الانقلاب الإدراكي Cognitive Reversal، وقد تغيرت فجأة صورة القوة والضعف، الأم التي كانت عملاقًا مخيفًا تصبح فجأة إنسانًا هشًّا، يبكي، ينهار، يطلب القَبول! هذا الانقلاب يخلق داخل الطفل لحظة السيطرة العاطفية Emotional Dominance Moment، وهي لحظة يشعر فيها الطفل أول مرة بأنه ليس الحلقة الأضعف، هذه اللحظة خطيرة للغاية؛ لأنها قد تُولِّد شعورًا بالانتقام، أو شعورًا بالقوة، أو شعورًا بالتحرر، أو مزيجًا من الثلاثة؛ لذلك ظهرت يارا في الصف كأنها لبؤة؛ لأن الجهاز النفسي عندها بدأ يتنسَّم الحياة، في حالة جديدة من الانتعاش الداخلي Rebound Activation، بعد سنوات من الانطفاء.


  8. #7


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    أما على مستوى المستقبل، فإننا نتوقع أن يارا ستدخل مرحلة المراهقة والشباب، وذهنها وروحها يحملان الذاكرة الانفعالية المختزنة Stored Affective Memory، وهي ذاكرة لا تُنسى، حتى لو تغيرت العلاقة لاحقًا، هذه الذاكرة قد تجعلها تميل إلى العلاقات التي تشبه علاقتها بأمها، أو تجعلها ترفض أي علاقة فيها سلطة، أو تجعلها تبحث عن شريك ضعيف كي لا تتكرر تجربة الخضوع، وقد تجعلها تميل إلى حماية الآخرين؛ لأن الطفل الذي يتألم مبكرًا تتطور عنده أحيانًا الحساسية الأخلاقية المبكرة Early Moral Sensitivity، وهي حساسية تجعل الشخص يرى الظلم بسرعة، ويشعر به بقوة، ويرفضه بشدة.
    الآن نأتي إلى السؤال الجوهري: لماذا انقلبت الأم فجأة؟ لماذا كانت تضرب ابنتها وتشتمها، ثم جاءت بقالب كاتو، ثم بكت، ثم أمسكت بِيَد ابنتها كأنها تستنجد بها؟ هذا الانقلاب ليس حبًّا مفاجئًا هبط في قلب الأم تجاه ابنتها! بل هو ظاهرة نفسية–اجتماعية معروفة، لها ثلاثة جذور أساسية:
    أولًا: الانهيار الإدراكي المتأخر Delayed Cognitive Collapse
    الأم التي تمارس العنف سنوات لا ترى نفسها معتدية، بل ترى نفسها أمًّا صارمة، أو أمًّا تحاول أن تُربِّي، أو أمًّا تُعاقِب ابنتها من أجل مصلحتها التي لا تفهمها! لكن مع مرور الوقت، ومع تراكم الضربات، ومع رؤية ابنتها تنسحب من الحياة، بدلًا من أن يتحقق عندها الهدف الذي تريده أمها في ضربها، والذي لا تدركه الأم نفسها، لكنها تعتقد أنها تضرب ابنتها لتكون الأفضل! وحين تدرك الأم أن هذا الضرب كان بلا هدف حقيقي، وأن ما ظنَّته هدفًا تربويًّا تمارسه بأسلوب غير تربوي، لم يكن سوى سراب ووهم، يبدأ الانهيار الإدراكي، فقد أدركت بغتة حجم الضرر الذي تسببت به لطفلتها، هذا الإدراك لا يأتي تدريجيًّا بما يُمكِّن الإنسان من السيطرة عليه، بل يأتي دفعة واحدة، كصفعة عنيفة على الوعي؛ لذلك جاءت الأم بقالب الكاتو، لأنها شعرت فجأة بأنها ظلمت ابنتها، لكنها لم تعرف كيف تُصحح أخطاءها، فاختارت الطريقة الأكثر بدائية: هدية، أغنية، ومحاولة مصالحة.
    ثانيًا: الذنب المتأخر Delayed Guilt Syndrome
    هناك نوع من الذنب لا يظهر أثناء الإيذاء، بل يظهر بعده، حين يهدأ الغضب، وحين يكبر الطفل، وحين يبدأ الوالد في رؤية آثار أفعاله، هذا الذنب المتأخر يجعل الوالد يحاول التكفير عما تسبب به من الأذى، لكنه يفعل ذلك بطريقة غير ناضجة؛ لأنه لم يتعلم كيف يعتذر، ولم يتعلم كيف يُعبِّر، ولم يتعلم كيف يرمم العلاقة المنهارة بسبب أخطائه وسلوكه الهمجي في التربية؛ لذلك جاءت الأم إلى المدرسة، لأنها لم تستطع مواجهة ابنتها في البيت، ولأن المدرسة بالنسبة إليها مكان محايد، مكان يمكن أن تبدأ فيه محاولة المصالحة، في وجود شهود يشهدون بأنها أم طيبة تحب ابنتها، وتحتفل بها وتغني لها.
    ثالثًا: خوف فقدان العلاقة Fear of Relational Loss
    الأم التي تضرب ابنتها لا تتوقع أن تفقدها، لأنها تعتقد أن الطفل سيبقى دائمًا، وأن الحب مضمون ولو توارى خلف ستار من القسوة والهمجية، ستُنهي يارا دراستها الثانوية ثم الجامعية وتتوقف أمها عن ضربها وشتمها، ومع ذلك تبقى ابنتها التي تبادلها الحب! لكن حين بدأت يارا الانسحاب، وبلغت من التصحر الروحي مبلغًا كبيرًا، شعرت أمها بخوفِ الانفصال Separation Anxiety، وهو خوف يُصيب الأطفال عادة، لكن في حالة يارا حدث عكس ذلك، أخيرًا فهمت الأم أن ابنتها لم تَعُد تحبها، أخيرًا أدركت أن علاقتها بها انهارت، وأنها خسرتها تقريبًا، فجاءت محاولة المصالحة، باستخدام أسلوب المفاجأة، وأية بنت ستكره المفاجأة والهدية والاحتفال؟ لا شك في أن أم يارا توقعت ردة فعل رائعة تُبهجها، لكن العكس كان صدمة عنيفة.
    لكن لماذا بكت الأم حين رفضتها يارا؟ لأنها واجهت الحقيقة العارية The Naked Truth وفهمت أن الحب الذي كانت تظنه مضمونًا لم يَعُد موجودًا، وأن الطفلة التي كانت تضربها لم تعد تخشاها، لقد أدركت، من حيث لم تكن تنتظر ذلك، أن السلطة التي كانت تمارسها كانت سلطة وهمية، أن الجرح الذي صنعته لن يكون قابلًا للترميم السريع، والأخطر من ذلك أنها فهمت تمامًا أنها ليست تلك الأم التي كانت تظنها في نفسها، فهي تفتقر إلى أبسط مبادئ الأمومة، بل لو كانت عدوة يارا كان ذلك أرحم وأخف وطأة في نفس الأخيرة؛ لأن عدوتها لن تضربها لأنها نالت علامة منخفضة، بل ستفرح بذلك، أما هذه الأم فهي تضرب ابنتها أيًّا كانت علامتها، إنها الخصم الذي يضرب من دون قواعد أو قوانين، ثم ينتظر المحبة والولاء، ثم يُصدم حين لا يجدهما عند ضحيته فينهار كأنه هو من ضُرب وشُتم وأُهين! وهذا الانهيار هو ما جعل أم يارا مرغمة تمشي خلف ابنتها، لا أمامها أو حتى بجانبها، وتضع يدها في يد ابنتها، كأنها تطلب منها أن تقودها في دروب الحياة الصعبة، فالأم هنا لم تَعُد أمًّا! بل أصبحت شخصًا يبحث عن غفران، يبحث عن علاقة جديدة، يبحث عن ابنة لم يعرف كيف يحبها حين كانت صغيرة.
    التجربة التي مرَّت بها يارا لا تبقى في الماضي، بل تتبدل إلى البنية النواة Core Schema، وهي البنية التي تُحدِّد لاحقًا كيف تفهم نفسها، وكيف تفهم الآخرين، وكيف تبني علاقاتها، وكيف تتعامل مع السلطة، وكيف تمارس الأمومة حين تكبر، الطفل الذي يتعرض لعنف مستمر من الأم، يُطوِّر تلقائيًّا في خطِّ دفاعه الباطن نموذج الأم الداخلية Internalized Mother Image، وهو نموذج يبقى داخل النفس، حتى لو تغيرت العلاقة لاحقًا، هذا النموذج قد يكون قاسيًا ومهينًا، متقلبًا؛ لذلك ستدخل يارا مرحلة المراهقة والشباب وهي تحمل داخلها ذاكرة الأم المؤذية Hurtful Maternal Memory، وهي ذاكرة لا تُمحى بسهولة، لأنها ليست مجرد ذكرى، بل هي جزء من تكوينها النفسي.
    على مستوى الأمومة المستقبلية، فإن يارا ستكون أمام احتمالين كبيرين، كلاهما معروف في علم النفس التنموي:
    الاحتمال الأول هو الاحتمال الأشد خطرًا، إعادة إنتاج العنف Intergenerational Transmission of Trauma، وفيه ستُعيد يارا، من دون وعي، ما تعرضت له في طفولتها المعذبة؛ لأن نموذج الأمومة الداخلي الذي تحمله هو نموذج مؤذٍ، ولأن الجهاز النفسي يميل إلى تكرار ما يعرفه، حتى لو كان مؤلمًا، هذا سيحدث حتمًا في حال لم تعالج يارا جراحها النفسية حق المعالجة، وبالتالي اكتفَت بتبدُّل حالتها فلم تُطوِّر وعيًا نقديًّا صارمًا تجاه طفولتها؛ لذا حين تصبح أمًّا ستصرخ مثلما صرخت أمها، ستُعاقب طفلتها مثلما عاقبتها أمها، بكل بساطة، ستُعيد يارا إنتاج الألم؛ لأنها لا تعرف كيف تُقدِّم نموذج أمومة مختلفًا.
    الاحتمال الثاني الأمومة التعويضية Compensatory Motherhood، وقد تحوَّل الألم إلى وعي، والجرح إلى حساسية، والماضي إلى قوة، فتصبح يارا أمًّا مختلفة تمامًا، أمًّا واعية، حنونًا، رائعة في مشاعرها؛ لأنها تعرف بالضبط ماذا يعني أن يُترك الطفل بلا حماية لجسمه وروحه معًا، هذا النوع من الأمومة يظهر عند الأشخاص الذين يُطوِّرون في أنفسهم الوعي العلاجي Therapeutic Insight، وهو وعي يجعلهم يفهمون أن ما تعرضوا له كان خطأ، وأن عليهم ألا يكرروا الخطأ نفسه، يارا قد تكون مستقبلًا واحدة من أفضل الأمهات؛ لأنها تعرف قيمة الكلمة الطيبة، وأثر احتضان طفلتها، مثلما تعرف كيف يمكن لصفعة واحدة، أو إهانة، أن تغيِّر حياة طفل إلى أسوأ حال ممكن.

  9. #8


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    أما على مستوى القدرة على الحب، فإن يارا ستدخل العلاقات العاطفية بحساسية الهجر Abandonment Sensitivity، وهي حساسية تجعلها تخاف أن تُترك، أو تُرفض، أو تُهان؛ لأنها عاشت هذا الخوف مبكرًا، قد تبحث عن شريك يمنحها الأمان، أو قد تبحث عن شريك ضعيف كي لا تشعر بالتهديد، أو قد تخاف العلاقات كلها؛ لأن الحب في روحها ارتبط بالأذى، ارتباط الألم بالحب Pain-Love Association، يجعل الشخص يرى العلاقة العاطفية بوصفها ساحة محتملة للأذى، لا مساحة للطمأنينة التي تحبها روح الإنسان وتبحث عنها عاطفته.
    وقد تميل يارا، في مستقبلها، إلى العلاقات منخفضة المخاطرة Low-Risk Relationships، فتختار أشخاصًا لا يقتربون كثيرًا، ولا يطلبون كثيرًا، ولا يضغطون كثيرًا؛ لأنها تشعر بالأمان حين تكون المسافة محفوظة، هذا النوع من العلاقات شائع عند الأشخاص الذين عاشوا طفولة مؤذية؛ لأنهم تعلموا أن القرب خطر، وأن المسافة أمان، أما على مستوى صورتها الذاتية، فإن يارا ستعيش صراعًا بين صورتين متناقضتين للغاية:
    الصورة الأولى هي صورة الطفلة التي كانت تُهان، وهي صورة مليئة بالعار الداخلي Internalized Shame، وبالشعور بأنها غير محترمة، وبأنها لا تستحق الحب.
    الصورة الثانية هي صورة الفتاة التي دفعت أمها في عيد ميلادها، وقد شعرت بالقوة وقتئذ، ثم قادت أمها بعد سنوات، بعد أن أصبحت هي البوصلة، هذه الصورة مليئة بالقوة التعويضية Compensatory Strength، وهي قوة تنشأ من الألم، لا من الحماية.
    الصراع بين هاتين الصورتين سيحدد مستقبل يارا الروحي، إذا غلبت الصورة الأولى ستعيش يارا حياة مليئة بالشك والخوف والانسحاب، ستعود طفولتها التعيسة لتسيطر على حياتها، وإذا غلبت الصورة الثانية ستكون يارا امرأة قوية واعية، قادرة على حماية نفسها وحماية الآخرين، وبناء حياة مختلفة تمامًا عن حياتها الأولى.
    لكن الأهم من كل ذلك هو أن يارا تحمل داخلها الذاكرة الأخلاقية Moral Memory، وهي ذاكرة تجعلها تفهم الظلم بسرعة، وتتعاطف مع الضعفاء، وتكره القسوة، وتبحث عن العدالة، والطفل الذي يتألم مبكرًا يطور حسًّا أخلاقيًّا عاليًا؛ لأن الألم يصبح معلمه الأول، ولأن الجرح يصبح بوصلته، وهكذا، فإن مستقبل يارا ليس مكتوبًا مسبقًا، لكنه محكوم بالبنية التي تشكلت داخلها: بنية الألم، وبنية القوة، وبنية الوعي، وبنية الذاكرة، وكل واحدة من هذه البنى يمكن أن يقودها إلى طريق مختلف، لكنها جميعًا تؤكد أن الطفولة لا تنتهي حين يكبر الإنسان، بل تظل تعيش داخله، وتتكلم بصوته، وتختار نيابة عنه، حتى يقرر هو أن يعيد كتابة قصته.
    في لقائنا الأخير بِيَارا وأمها، يبدو لنا أنها تمرُّ فعلًا بمرحلة إعادة البناء النفسي Psychological Reconstruction، وهي عملية طويلة الأمد، لكن نتائجها جيدة، وتبدأ غالبًا حين يواجه الطفل بيئة جديدة تمنحه ما كان مفقودًا في حياته: الأمان والاعتراف، والاتساق العاطفي، وأول مسار للشفاء هو إعادة تشكيل التعلق Attachment Repatterning، وهو مسار يحدث حين يلتقي الطفل بشخص بالغ آمن، ثابت، غير مؤذٍ، قادر على تقديم الحضور العاطفي Emotional Presence، هذا الشخص قد يكون معلمًا، أو قريبًا، أو صديقًا كبيرًا، أو حتى شخصية عامة يتماهى معها الطفل، في حالة يارا، كان وجود معلم يشرح لها عن الأم الواعية والأم الجاهلة، وعن ضعف الإدراك، وعن أن بعض الأمهات يصرخن لأنهن ضعيفات لا لأنهن قويات، يمثل بداية هذا المسار، حتى لو لم تستوعب كلامه مباشرة، فإن الجهاز النفسي يسجل هذه الرسائل في الذاكرة العلاجية Therapeutic Memory، وهي ذاكرة تبقى خاملة حتى يأتي وقت تحتاج فيه النفس إلى إعادة تفسير الماضي.
    المسار الثاني هو إعادة تفسير التجربة Cognitive Reframing، وهو مسار يجعل الطفل يرى طفولته من زاوية مختلفة، الطفل الذي يعتقد أنه كان مذنبًا، أو أنه كان سبب غضب أمه، يحتاج إلى أن يفهم أن المشكلة لم تكن فيه، بل في الأم نفسها، في اضطرابها الانفعالي، في ضعفها، في عجزها عن الحب، هذا الفهم لا يأتي دفعة واحدة، بل يأتي عبر تراكم البذور الإدراكية Cognitive Seeds، وهي أفكار صغيرة تُزرع في وعي الطفل، ثم تنمو لاحقًا حين يصبح قادرًا على التفكير النقدي، حين قلنا ليارا في كلام عام كأنه يمضي في شرح درس ما، أو رد على سؤال ما، أن طبقات البشر مختلفة، وتحدثنا عن خطئنا حين نظن أننا سنأخذ كل شيء عن الحياة من أمِّنا، بل هناك حالات هي ضعيفة ولو كانت قوية تصرخ وتمتدُّ يدها بالضرب، لكنها ضعيفة الوعي ضعيفة الإدراك، والحل أن نشفق عليها ونقودها من يدها مثل طفلة، كنا نظن ذلك نوعًا من البلسم الروحي محدود التوقيت، لكن يبدو أننا كنا نغرس بذورًا في روحها، بذورًا ستنمو لاحقًا ببطء، ستتبلور بمرور الحياة بتجاربها، وبها بدأت يارا تفسر طفولتها بموضوعية، من دون أحكام شديدة القسوة تُطلقها على نفسها.
    المسار الثالث الذي قد تمر به يارا هو مسار التحرر من الهوية المجروحة Wound-Identity Liberation، وهذا يتحقق إذا أدركت يارا أن الألم الذي عاشته لا يُحدِّد قيمتها، بل إن هذا الألم القاسي قادر على بناء ذات جديدة لا تشبه الذات التي تشكَّلت تحت الضرب والإهانة، هذا المسار يحتاج إلى الكثير من التجارب العاطفية المصححة Corrective Emotional Experiences، وهي لحظات يعيش فيها الشخص علاقة مختلفة تمامًا عن علاقاته القديمة، قد تكون علاقة صداقة آمنة، أو علاقة حب ناضجة، أو علاقة مهنية محترمة، أو حتى لحظة قوة داخلية مثل لحظة دفع الأم في حفلة عيد الميلاد الوهمية، وهذه اللحظات تُعيد تشكيل الجهاز العصبي، وتخلق المسارات العصبية البديلة Alternative Neural Pathways، وهي مسارات تجعل الشخص قادرًا على الشعور بالأمان، ولو تدريجيًّا.
    المسار الرابع عند يارا، هو مسار استعادة الصوت الداخلي Restoring Inner Voice، وهو مسار مهم جدًّا في حالات الأطفال الذين عاشوا تحت القمع، يارا كانت صامتة، باردة بخلاف شخصيتها، منسحبة باحثة عن الأمان؛ لأنها فقدت صوتها، والشفاء يبدأ حين تستعيد هذا الصوت، حين تتكلم، حين تضحك، حين تشارك، حين تقول لا، حين تدافع عن نفسها، مشاركتها الصفية بعد مشهد عيد الميلاد لم تكن مجرد تفاعل، بل كانت بداية استعادة الصوت، بداية خروجها من الصمت الدفاعي Defensive Silence إلى التعبير الآمن Safe Expression، هذا التحول هو أحد أهم مؤشرات الشفاء المبكر.
    المسار الخامس والأخير الذي سنتكلم عليه في حالة يارا، هو مسار إعادة بناء صورة الذات Self-Image Reconstruction، وهو مسار طويل، لكنه ضروري، الطفلة التي تسمع يوميًّا أنها حمارة، وتدرك أنها سبب شقاء أمها، تبني صورة ذاتية مشوهة عن نفسها، وفي هذه الحالة إعادة بناء هذه الصورة تحتاج إلى التغذية الراجعة الإيجابية المستمرة Consistent Positive Feedback، وهي عملية لا تحدث في البيت غالبًا، لكنها قد تحدث في المدرسة، أو في العمل، أو في العلاقات المستقبلية، كل مرة تسمع فيها يارا كلمة احترام، أو تقدير، أو اعتراف بجهدها، سيعيد الجهاز النفسي بناء جزء صغير من صورتها الداخلية.
    أما المدرسة فدورها مؤثر، إذ يمكن لها أن تكون البيئة العلاجية الثانوية Secondary Therapeutic Environment، وهي بيئة لا تعالج الطفل معالجة مباشرة، لكنها توفر له ما لم يجده في البيت من الاستقرار والعلاقات الآمنة والنماذج السلوكية السليمة، ما يمكن له أن يعيد تشكيل نموذج الداخلي للعالم Internal Working Model، وهو النموذج الذي يحدد كيف يرى الطفل العالم: هل هو مكان آمن أم مكان خطر؟ هل الناس طيبون أم مؤذون؟ هل يمكن الوثوق بالآخرين أم يجب الحذر في وجودهم؟ المدرسة كذلك يمكن أن تمنح الطفل الهوية الأكاديمية Academic Identity، الطفل الذي ينجح في المدرسة، أو يشارك، أو يشعر بأنه مفهوم، يبدأ في بناء ذات جديدة لا علاقة لها بالبيت ولا بالعنف ولا بالإهانة، هذه الهوية قد تصبح لاحقًا مصدر قوته الأساسية.
    لكن أفضل ما مرَّت به يارا في حالة تبدل شخصيتها من الضعف وبغض الأم، إلى تبلور الروح واعتزازها بالأم، هو المصالحة الداخلية التي حققتها Inner Reconciliation، وهي لحظة إدراكها أن الأم التي ضربتها لم تكن شريرة، بل كانت في ضربها القوي ضعيفة، وأن يارا نفسها حين سكتت وبكت من الألم والقهر، لم تكن ساذجة، بل كانت طفلة تحاول النجاة من حالة مؤلمة قد وقعت فيها، من المؤكد أن يارا أدركت أن الماضي لا يمكن تغييره، ولكنها فهمت أنه من الممكن محو بعض تفاصيله، ثم إعادة رسمها بأجمل صورة ممكنة، هذه المصالحة الداخلية لن تُبرر يارا بها لنفسها العنف الأمومي السابق، بل تتحرر منه؛ لتبدأ بناء ذاتها، يارا شخصية مميزة، قادرة فعلًا على إعادة رسم ملامح حياتها، وتحديد مساراتها تحديدًا دقيقًا صارمًا يتحدى الصعاب والآلام، فقد صنع الألم لها وعيًا مميزًا، والوعي منحها القوة والحكمة.
    وقد تكلمنا على يارا الآن، وتوقعنا احتمالات تناقض أمومتها، لكن ماذا عن يارا الزوجة؟ يارا لم تفقد ذاكرتها، بما سبق في حياتها من الألم والأمل، الضعف والقوة؛ لذلك حين يأتي من يخطبها هي لحظة قد يتخطاها وعي يارا في نقلة زمكانية مذهلة، لكن قد تقع في مسار الذاكرة فتخاف وتقلق؛ هذه سلطة جديدة ستحكمها، ويارا لا تعرف هل ستكون مثل أمها الحالية أو أمها الماضية، لكنها حكمًا ستكون زوجة وفية مخلصة، حنونًا على زوجها، كأنه واحد من أطفالها.
    ويبقى السؤال المحتار، المتناقض مع ما سبق من تحليل الأسرار، ومحاولة تجاوز حدود التوقعات والأسوار، من الذي أكل قالب الكاتو الذي جاءت به أم يارا في ذاك الزمان البعيد؟!

  10. #9


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,370
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية يارا! (حكاية واقعية: د. عمر قزيحه)

    حكاية يارا ننشرها بعنوان: هابي بارث داي تو يو!
    في كتابنا: تأثير الفراشة...
    نتوقع رؤية الثلاثية النور في آخر شهر آذار/مارس، 2026... إن شاء الله تعالى

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...