استيقظتُ منْ نومِي عَلى وَقعِ دَفَقاتِ قلبِي، كنتُ أسمعُهًا.. تناديني..
حبيبتِي.. قد كانتْ تناديني بصوتٍ خفيضٍ نثرتْهُ بزهرِ الياسَمين، وفاحَ شذا عطْرِهِ أَنْحَاءَ غُرفتي..
حتَّى أنعَشَ وسادَتي النّدية وخفتُ على السَّطحِ أنْ يقع استحياءً من ولهانِ قلبي.
* * ** * *
"حبيبتي" تًناديني!
انتبهتُ عليها..
انتبهتُ على دَفَعَاتِ الشوقِ الذياعتراني فجأةً دونَ استئذانٍ..
كانتْ عقاربُ الساعةِ مُتَسَمِّرَةً عندَ الثَّانيةِ فجراً.. عرفتُ أننا سندخلُ السَّحر عمَّا قرِيبٍ.. أيقنتُ وكليّ نشوةٌ بأنَّ موعداً حاراً سيكونُ بانتظارنا!
كيفَ ستكون؟
أيّ عطرٍ سترش؟
أم سترتدي ملائتها الذهبية حتَّى تَتَوَهَّجَ تحتَ أشعةِ القمرِ الفضِّية لتتحداهُ بِبَرِيِقها؟!
حبيبتي ستَهزِمًه دونَ أدنَى شك..
هذا ما حدّثتُ بهِ نفْسِي وأنا أُغلقُ صنبورَ الماءِ النحاسيَّ الصدئ بعدما فرغتُ منْ وضُوئِي.
* * ** * *
مِنْ نشْوَةِ اللِقاءِ
تَرَاختْ أضْلاعِي وَخفّتْ رُوحي كصُوفٍ منْفُوش؛ لِذا خرجتُ من المنزلِ دونَ أنْ يُحسَّ أيّ أحدٌ عليَّ.
ربما كانَ ذلكَ من حُسنِ حظِّي،
فلمْ أكُنْ أرغبُ بأنْ يُعكِّرَ أيُّ أحدٍ عليَّ فِي مَوعِدِي الغَرَاميّ هذَا..
نَزلتُ دَرجاتِ بيتنا بِكلِّ نشاطٍ
وقَفزتُ فوقَ العتبةِ الأخيرةِ كأنّي في مضْمار قفز للمسافاتِ الطويلة.. فقد كنتُ في ذَروةِ الشَّوقِ لاحتضانِ حبيبتي وَطبعِ قُبْلَتِي على جبينِها الطَّاهر.
* * ** * *
كانت الأنوار في طريقي خافتةً جداً إلا من إنارات الشوارع المنتصبة
كخيال مآتة قاني اللون، لم أعرهم اهتماماً بقدر نور حبيبتي فنورها يكاد يصلني حيث أنا ويشدني إليها..
فمشيتُ في الظلماتِ مستنيراً بنورها
أو لنقل الحقيقة فقد كان قلبي وشوقي قد رسما خريطةً لموقعها وأرسلاها لعقلي الذي لا يستوعبُ شيئاً من هذه المعادلة العشقية..
* * ** * *
تعثرتُ في طريقي وربتُ على سروالي المغبر بالتراب..
في أثناء ذلك.. صعقتُ بسماع شخصٍ يهمس للآخر.. وعن حبيبتي !!
إنهما خارجان لرؤية حبيبتي أيضاً.. فدبّت غيرةٌ في جسدي كله من أخمص قدمي إلى أطراف شعر رأسي .. عليّ أن أصل أولاً لحبيبتي...
ركضتُ..
ركض قلبي قبلي.. وتنفستْ روحي هواءَها المعبق بعطر الياسمين والمسك..
حبيبتي ترقدُ هناك.. فدمعت عيناي.. إنها في أبهى حلة أمامي.. فخفق قلبي متسارعاً..
وهبطتُ الأرضَ أقبلها ساجداً..
حبيبتي سرها قُدُسُ
.. تزينها قبةٌ ذهبيةٌ ومسجدٌ قبليٌّ أزرق القبة.. وهناك.. هناك أجل.. صخرةٌ مشرّفة..
حملت حبيبتي شرف صعود النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه منها للسماوات العلا..
حمدتُ ربي أني من أول الواصلين للقاء حبيبتي..
فصليتُ ركعتي تحيةً للحرم القدسي..
وجلست وحيداً عند إحدى جدرانها وأخذتُ أناجي من يسمعُ النجوى..
ثم حمدته مرة أخرى أنه أحياني لأعيشَ تلك اللحظة التي شددتُ فيها الرَّحل للصلاة في الحرم القدسي..
وتابعتُ موعدي الغراميّ الذي أصبحَ جماعياً مع تكبيرة آذانِ الفجر..
وغادرتها مع الشروقِ آملاً بأن أحظى بموعدٍ سريّ قدسيّ آخر..
تكونُ فيها الصلاةُ كلمة السر بيننا : )
وتكونُ هي كلمةً لبدء الحياة.. الصلاة.. الصلاة.. يالعشقي لهذي الكلمة.. !
* * ** * ** * ** * *
من ذكرياتِ أشواقي..
رزقني الله صلاةً مرةً أخرى في المسجدِ الأقصى
ورزق اللهُ كلّ مشتاقٍ إليه صلاةً فيه قبلَ المماتِ..
اللهم آمين