خرج كُلاً من "ريك" و"ماريكو" من المنزل, وركبا سيارةً سوداء, وبدؤوا بالتنزه في أرجاء المدينة
ذهبوا لتناول طعام الغداء سويةً في أحد المطاعم الفخمة, ثم توجهوا نحو متحفٍ جميل وألتقطوا الصور
الجميلة.. وأستمتعوا كثيراً بتلك اللحظات التي تمنوا ألا تنتهي مطلقاً.
وفي المساء, جلسا على شاطىء البحر ليراقبا غروب الشمس الجميل, وبدأ لون السماء يميل
إلى اللون الأحمر الممزوج باللون البرتقالي.
وهمست "ماريكو" بصوتٍ بريء وناعم وهي تشاهد غروب الشمس:
ـ "ريك" أشكرك على اليوم, لقد إستمتعت كثيراً.
تغطت السماء بالقليل من السحب فرفع "ريك" رأسه وقال بهدوء:
ـ سأفعل أي شيءٍ من أجلك يا "ماريكو".
إحمر وجهها خجلاً من كلماته العذبة وأبعدت نظرها عنه وقالت:
ـ شكراً لك.
غمرت السعادة قلب "ماريكو" في تلك اللحظة وشعرت بأنها أسعد إنسانةٍ على وجه الأرض..
ولا تعلم ما الذي يخبأه لها الزمن.....!
***************************************
هبط الليل, وأشتعلت الأنوار في شوارع طوكيو, وبدأ الهدوء يعم أرجاء المدينة تدريجياً...
وعاد الناس لمنازلهم.
فتحت "ماريكو" باب المنزل للدخول, وقابلت الخادمة في وجهها, فتغيرت ملامحها بسرعة..
وأحتارت حتى سمعت الخادمة تقول لها في توتر:
ـ والداك ينتظرانك في غرفة المعيشة يا آنسة "ماريكو".
إزدادت حيرتها وهي تقول بإندهاش:
ـ والداي؟..
أعطت الأغراض التي كانت تحملها للخادمة, وتوجهت ببطىء نحو الغرفة وهي تتسائل في أعماقها
عن السبب الذي جعل والديها يرجعان إلى البيت باكراً.. فلقد إعتادت على الوحدة في البيت لأن
والديها يعملان في شركةٍ ضخمة ولا يرجعان إلا في منتصف الليل.
دقت باب الغرفة وسمعت والدها يطلب منها الدخول, ففتحت الباب ودخلت ورأت والديها جالسين
بإنتظارها, فجلست على الأريكة المقابلة لهما في تلك الغرفة المليئة بالأضواء الذهبية والمليئة
بالأزهار في كل ركن.. ثم رمقة والديها في حيرة وسألت:
ـ ما الأمر؟ ما سبب هذا الإجتماع المفاجىء؟
إرتبك والدها وهو ينظر إلى عينيها الجادة, فأدار عنقه لينظر إلى زوجته التي تجلس بجواره,
فهزت رأسها له إيجاباً وهي مبتسمة وتقول لـ "ماريكو":
ـ سنخبرك بأمرٍ في غاية الأهمية, يتعلق بوالدك.
ثم صمتت قليلاً, وأخفضت رأسها وتابعت:
ـ الشركة التي نعمل فيها نقلت والدك للعمل في بريطانيا, وحين عرفنا بهذا الأمر فكرنا
ملياً ولم نجد سوى حلٍ واحد.
أخفضت "ماريكو" حاجبيها وسألت:
ـ وما هو هذا الحل؟
أجابتها والدتها في سرعة ومن دون تردد:
ـ سننتقل جميعاً إلى بريطانيا.
هذه الكلمة جعلت كل شيء يظلم في عيني "ماريكو", وظهرت آثار هذه الصدمة المفاجآة على ملامح وجهها, فهبت واقفةً بسرعة وقالت في إرتباكٍ شديد:
ـ لماذا؟... لماذا علينا الإنتقال أيضاً؟
أجابها والدها بإحباطٍ شديد:
ـ لم نجد خياراً آخر, ولا يمكنني ترككم هنا.
ضربت "ماريكو" بيدها على حافة الأريكة, وقالت بإستياءٍ وضيق:
ـ لا يمكنني تصديق هذا.
وأذرفت الدموع من عينيها, وأحمر خذها.. ثم دارت أشياء كثيرة في عقلها وأسئلة محيرة
لم تجد لها أية إجابة.. وبقيت تردد في اعماقها بحسرةٍ وألم
ما الذي سأفعله؟؟؟
كيف يمكنني أن أعيش بعيداً عن أصدقائي؟؟؟؟
هذا ظلــم!!!
صعدت "ماريكو" عبر الدرج إلى غرفتها وهي تركض, والدموع تتطاير من عينيها, ودخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب بقوة
وأبقيت يدها على المقض وجلست على ركبتيها في الأرض, وقالت في ألم:
ـ لا أصدق هذا.
وأرتسمت صورة "لونا" و "ريك" في مخيلتها, ثم حركت رأسها نفياً, ووضعت يديها على رأسها, وفكرت بالأمر طوال الليل,
لكنها لم تجد سوى حلاً واحداً وهو أن تسافر مع والديها, فمن الصعب أن تبقى في طوكيو لوحدها, تسارعت دقات قلبها
وهي تحاول إتخاذ هذا القرار..
لكن بقي في ذهنها مشكلةٌ واحدة, وهي..
كيف ستخبرهم بهذا الأمر؟
كيف ستكون ردة فعلهم؟
فهي سوف ترحل بعد إسبوعٍ من الآن
*****************************
في صباح اليوم التالي, إرتدت "ماريكو" ثوباً سماوي اللون, قصير يصل إلى ركبتيها, وأرتدت معطفها, وخرجت من المنزل,
بدت شاردة الذهن وهي تسير بين الناس ولا تنظر حولها, وظهرت آثار الإرهاق على وجهها لأن لم تنم طوال الليل..
ثم رفعت رأسها ناظرةً إلى الناس والمحلات والشوارع, وتسائلت في أعماقها:
ـ عندما أرحل... هل سأتمكن من العودة إلى هنا يا ترى؟
ثم سمعت صوتاً من الخلف يناديها:
ـ "ماريكو"...؟
فألتفتت إلى مصدر الصوت, وظهرت إبتسامةٌ باهتة على شفتيها, وهي تقول:
ـ "لونا".
وتقدمت منها قليلاً, سألتها "لونا" في حيرة بعد ما لا حظت الشحوب في وجهها:
ـ ما الأمر؟ ... لا تبدين بخير.