بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كيف حالكم ؟ أسأل الله أن تكونوا بخير صحة..
إلى الموضوع بلا مقدمات.. أردت فقط أن أقول أن الموضوع طويل قليلاً ، لذا قمت بتجزئته بفواصل لتكون قراءته يسيرة..
فلنبدأ بسم الله..
و صرت محل خلاف.. يا صلاح الدين !!
كنا نقف خارج بناء الجامعة بعد أحد الاختبارات نتناقش كالعادة.. طلاب فرعنا قلائل و لا يتجاوز عدد طلاب دفعتنا 10 طلاب !! لذا لك أن تفهم لماذا نقف جميعاً معاً نتكلم في شيء من التفاهم على اختلاف لهجاتنا و اهتماماتنا.. و أدياننا !!
كان ذلك عندما رن هاتفي المحمول.. رن بأغنية "وردتنا" ..
"و ربيع بلادكِ قد آن ! نفدي القدس بكل دمانا..
و ربيع بلادكِ قد آن ! نفدي القدس بكل دمانا..
و غداً نعلنها إعلانـ...."
"نعم ؟"
تلك كانت أنا إذ أجبت على المتصل ، و استرقت نظرة خبيثة إلى وجهه.. استدرت عنهم لأكمل المكالمة و قد اتسعت البسمة الخبيثة على وجهي أكثر و أكثر..
سألت صديقة يابانية لي.. ماذا كان سبب إسلامك يا مريم ؟
بسمت و قالت : "كان لدينا أستاذ تاريخ في الكلية ، و كان مسلياً و يحكي لنا الكثير من القصص الخارجية..
حكى لنا ذات مرة عن صلاح الدين الأيوبي ، و أنه رغم سعة رقعة فتوحاته و أهميتها كان يتبع سياسة معينة ، فلم يكن يقتل الأطفال و النساء و لم يقطع الأشجار أو يهدم البيوت.."
عندما سألتِْ الأستاذ في إعجاب عن السبب ، أجاب ببساطة : لأنه كان مسلماً..!
من هنا بدأ إعجابها بالإسلام ، فأخذت تبحث و تتقصى ، و منه التقيتها في ذلك اليوم يوم العيد في المركز الإسلامي في طوكيو حيث تعمل..! سرت جوارها أفكر..
هل فكر السلطان يا ترى أن هناك من سيهتدي على يده في هذا الزمان ؟!
هل سبق و قابلت من يكره صلاح الدين ؟!
لم أكن أفكر في الموضوع أصلاً ، لكن كلمة "قلعة صلاح الدين" ترددت كثيراً في الحافلة فقد كانت وجهة محتملة للرحلة (في جامعتنا نركب الحافلة ثم نحدد الوجهة خخخخ) ، فكنت أبسم فقط عندما أسمع الاسم.. لم يذكرني بأي شيء لكنه كان يشعرني بفرحة.. إلى أن قال ذاك :
"أنا لا أريد أن نذهب إلى قلعة صلاح الدين.. فأنا لا أحبه !"
اعتدلت في جلستي مصعوقة و التفتُّ إليه.. قالت فتاة ما :
"أصلاً هي بعيدة ! ليست احتمالاً وارداً.."
"هذا أفضل فأنا حقاً لا أحبه..!"
قالها مجدداً.. تلفتُّ في هلع أرقب وجوه الآخرين.. لماذا لا يقول أحد شيئاً ؟! لماذا لا يعلق أحد ؟!
هل سبق و قابلت من يكره صلاح الدين ؟! أدعو الله أن لا تفعل فهو ليس شعوراً جميلاً !!
نزلنا من الحافلة و عظامي ترتجف غضباً.. صحت في صديقتيّ في المطعم :
"هل سمعتما ؟!! سمعتما ماذا قال ذلك الوغد ؟! سمعتماه !!"
تبادلتا نظرة غير فاهمة.. قالت إحداهما :
"من هو ؟! ما بك ؟ لم كل هذا الغضب !!"
"ذاك الوغد !! ألم تسمعاه ؟! لقد قال.. قال أنه لا يريد الذهاب لقلعة صلاح الدين لأنه يكرهه !!"
صعقتا للحظة.. تبادلتا نظرة و لم تقولا شيئاً.. الأولى لم تكن متفاجئة على كل حال.. فهي التي أخبرتني أصلاً بأنه ملحد !!
قالت الثانية باسمة في ارتباك في محاولة لتلطيف الجو :
"حقاً..! ما معنى هذا السخف..! لن يقابل صلاح الدين مثلاً لو ذهب إلى قلعته..!"
نظرت لها صديقتي الأخرى نظرة : "ما-هذا-الذي-تقولينه-الآن-؟!"
فنظرت لها تلك : "و-ماذا-تريدين-مني-أن-أقول-؟!!"
قلت من بين أسناني : عليه اللعنة !! عليه اللعنة !!
هل سبق و قابلت من يكره السلطان رحمه الله ؟
أفهم أن يكرهه النصارى المتعصبون ، اليهود المتعصبون و الصهاينة ، لكن كإنسان عربي متحضر ، أن تكره صلاح الدين فأنت – إذن – تحب الفساد الذي أعاثه الصليبيون في بلاد المسلمين..! تحب القتل و الاستعمار و سفك الدماء..
و تكره ترك النساء و الأطفال و الأشجار و البيوت في سلام..!
أنت شاب أمضيت لياليك تشاهد في ملل فلم "ذكريات غيشا" في حين كانت غزة تحت القصف المكثف و عوائل بكاملها تباد!!
أي عقل مريض نتن تملكه أنت ؟!
و قبل تلك الرحلة الجامعية أصلاً بأشهر..،
رأيت لأختي موضوعاً في منتداها فيه صور لقبر القائد صلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله.. الصور كانت من التقاطها..
تصفحتُ الموضوع بعينين متسعتين :
"أنت زرت قبر صلاح الدين ؟!"
ابتسمتْ في سخرية و استخفاف..
"طبعاً فعلت عدة مرات !! إنه في دمشق القديمة قرب الجامع الأمويّ .."
"أي أنه هنا !! في دمشق !!"
"طبعاً !!"
قلت لها لائمة :
"و لماذا لم تأخذيني معك قبل الآن ؟!"
قالت ملوحة بيدها :
"فلتذهبي بنفسك ! لا وقت لدي لاصطحابك كالأطفال ! كما أنني لم أزره قبل الآن عامدة.. كنت أذهب و أسلم عليه عندما أجد نفسي قريبة منه مصادفة.."
نظرت إلى الصور مجدداً و ابتلعت ريقي....
اتصلت بصديقتي الأولى فهي دمشقية.. أخبرتها.. قالت لي :
"أجل.. قبر صلاح الدين في دمشق !!"
سألتها في حنق :
"و لماذا لم تخبريني ؟!"
"أنت لم تسألي قبل الآن !!"
إلا أننا اتفقنا على يوم نمرّ عليه فيه ، و نسلم عليه.. اتفقنا كذلك مع صديقتنا الأخرى و ذهبنا معاً..
طبعاً بالنظر إلى "نوع" الثقافة الدينية ، فما ذهبنا إليه لم يكن قبراً مسالماً بقدر ما كان "مقاماً"..! حيث بناء صغير و مدخل ، و مكان لخلع الأحذية..!!!!!!!!! (حقاً بدون تعليق)
نظرت إلى نصبه الشبيه بالتابوت و المغطى بقماش أخضر مع لافتة "هذا قبر القائد صلاح الدين الأيوبي" ، و نظرت إلى الزخارف ((الفارسية)) التي تزين المبنى من الداخل و قد بدت دخيلة في هذا المكان.. لكنني لم أستطع قول شيء فكما تعلمون ازدياد الجبناء هذا الزمان يزيد الفاتحين القدامى عظمة !.. فكرت لحظة..
حتى هؤلاء أحبوه..! على الفرق بيننا و بينهم فهم يحبونه..! نظرت إلى القبر مرة أخرى و ابتلعت ريقي..
لطالما كنتَ – رحمك الله – مضرباً للمثل و مصدراً للإلهام لأجيال و أجيال على مدى عقود.. كنا نردد اسمك في الأناشيد دون أن نفهم حرفاً مما نقول.. نعرف فقط أن فلسطين مغتصبة و أنك فتحتها يوماً..
تذكرت صديقتي اليابانية ، فبسمت أقاوم دمعة..
إننا نقف أمام رجل يثاب في قبره..!
سلمنا عليه بـ"السلام عليكم دار قوم مؤمنين" ، و غادرنا المكان بأسرع ما يمكن..
لذا لن تلومني لأنني بسمت في خبث إذ لاحظت التعبير المستاء على وجه ذاك عندما رن هاتفي المحمول بـ"نفدي القدس بكل دمانا".. هذا وغد ملحد لا ينكر وجود الباري جل و علا فقط ، بل انحرفت مفاهيمه و اعوجت إلى كره من تسبب للإسلام بعز مهما كان نبيلاً..!
عندما استمعت لـ"وردتنا" أحببتها حقاً ، و خطر لي فوراً أن أضعها كنغمة للمحمول ، لكنني فكرت في أنني أتواجد كثيراً مع طلاب صفنا بما فيهم ذاك ، و لابد أن يرن هاتفي أمامهم فهل من الحكمة أن تذكر "القدس" أمامهم ؟
وسعت بسمتي أمام شاشة الحاسب إذ اتجهت بالفأرة مباشرة إلى برنامج تحرير المقاطع الصوتية.. لست مستعدة للي معتقداتي و مفاهيمي من أجل وغد لا يعنيني في شيء.. قد أجامل على حساب حبي للسكر في القهوة أو على حساب بضع دقائق أشاهد فيها في ملل مسلسلاً يحبه أخي الصغير رغماً عني ، لكني قطعاً لن أنافق على حساب مبادئي.. لن أنافق على حساب حبي للقدس !! أنا أحب صلاح الدين و هذا شأني..
ربما كان الأمر برمته ردة فعل.. ربما لم أرغب يوماً في أن تكون "وردتنا" نغمة هاتفي المحمول ، لكني فعلت ذلك لا شعورياً فقط كي أغيظه.. ثم هل نجحت في إغاظته فعلاً أم أنني توهمت ذلك ؟ لا يهم.. نجحت أو لا ، لست نادمة على ذلك البتة.
و لتبقى القدس الحرة عربية..!
إسلامية ، إسلامية..!
رحمك الله يا صلاح الدين.. رحمك الله.
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته



رد مع اقتباس


المفضلات