مع أنه من المخجل أن أسميها قصة .. مقارنةً بإبداعكم ... لكني لا أريد .. أن أغادر القطار .. من المحطة الأولى ...
هذه المحاولة الضعيفة .. تمت كتابتها في الساعات الأخيرة ... وبإذن الله .. المركز الأخير [ بامتياز ] ^____^"
نبدأ .. على بركة الرحمن ...
عنوان القصة .. { على شفا حفرة! } ...
" حينما تتعثر فتسقط أحلامكَ، فلا تيأس .. فربما سقوطها ذاك، يضيء لكَ آفاقَ نجاحٍ كانتْ محجوبةً عنك! " .
أن تكون مالكًا لبستانٍ حوى ما لذ وطاب من الثمار وناطحات السحاب من الأشجار، لهو أمرٌ رائعٌ فعلًا.
مؤكد أن ذلك البستان، سيكون العمل فيه كفيلًا أن يغطي نفقاتكَ ونفقات أسرتكَ المؤلفة من سبعة أفراد.
ولكن، أن يلتهم حريقٌ أكثر من نصف أسرتك وبستانك، فهي ضربةٌ موجعةٌ بل اثنتان!
وحينما تكون النيران قد التهمت الجزء المثمر من البستان، فتلك هي الضربة التي تقصم الظهر!!.
يعيش إياس في قريةٍ نائيةٍ، حيث يمتلك هنالك في أحد أطرافها، إرث عائلته المتناقل بينهم؛ لم يكن إرثهم ذهبًا ولا فضةً ولا نفيس المجوهرات.
ولكنهم تناقلوا أرضًا، إن كان للجمال وصفًا فكانت هي؛ ففيها الهواء العليل، والماء الزلال، والإخضرار على مد البصر، ومن الثمار ما لذ وطاب.
أتم إياس خمسة عقود من العمر، وهو متزوج، وقد رزق بخمسة أبناء، كانوا ذكرين وثلاث إناث.
كان إياس جادًا ومخلصًا في عمله، لا يكل أو يمل من الاعتناء بأرضه؛ حتى كان رزق أرضه الرزق الذي لا ينضب.
وقد كان كاسمه، إذ كان العطاء هو ذاته؛ يجود على أهله، صديقه، ضيفه، وكل من طرق بابه.
قبل سنةٍ خالية، وفي الشتاء المنصرم تحديدًا؛ ألمَّ بإياس ألمٌ أتعبه وأثقل حركة جسده، حتى ثناه عن رعاية أرضه كما كان.
ظل أبناؤه الخمس مع والدتهم، يعتنون بالأرض ولا يهملونها، حتى إذا انقضى الشتاء، كانت في أبهى حلة، فيغدو عائد مالها، علاجًا لوالدهم من مرضه الذي يشتد.
كل شيءٍ سار كما ينبغي له، قدم الربيع وها هو يغادر، وثمار الصيف قد اقترب نضجها، وما بعد النضج إلا البيع، ليدر المال على العائلة، فيقضوا حاجياتهم.
ولكن الأقدار المحتمة، لا يمكن التنبؤ بها أو معرفة زمانها؛ فقبيل الحصاد بأيامٍ قليلة، اندلع حريقٌ ملتهمًا كل ما وجد في طريقه، من ثمارٍ وأشجارٍ .. وأرواح!.
قضتْ زوجة إياس نحبها، مع ولديها وابنتها الوسطى، إثر ذاك الحريق؛ كما قضى نصف البستان أو أكثر نحبه هو الآخر، ولم يبقَ سوى نصفٍ ما عهد على أشجاره أن تحمل ثمرًا.
وبعدما كان حلم إياس، أن يؤسس حياةً جديدةً لأبنائه بعد هذا الصيف؛ يجد نفسه الآن يصارع مرضه، بعدما خسر زوجته وثلاثةً من أبنائه، مع أكثر من نصف ما يملك!.
بدأت الأيام تتوالى، كل يومٍ يأخذ نصيبه من حفنة المال الصغيرة التي تملكها تلك العائلة الصغيرة؛ وأخذت الأيام تجري لحظاتها بسرعة الرياح، غير آبهةٍ بحال العائلة الصعب.
حاولتْ سوسن الابنة الكبرى ذات العشرين ربيعًا، أن تقترح على أبيها فكرة العمل في المدينة المجاورة، ولكنّ جهلها بالمدن وأحوالها، جعل والدها في خشيةٍ عليها كما بدا الأمر صعبًا جدًا لها، فامتنعا.
اضطر إياس أن يتخلى عن نصف أرضه فيبيعها، حتى يؤمن المال اللازم له ولابنتيه، سوسن وريم المدللة الصغيرة ذات السبع سنوات؛ وذلك بعد أن تعسر عليه هو الآخر، أن يجد عملًا مع حالته الصحية المتدهورة!.
أخذ الشتاء ببرده يدنو ويدنو حتى غشاهم، فأخذوا يقطعون الأخشاب من الأشجار التي لا تثمر لوهنها، محتمين بالنار التي يوقدونها من البرد الشديد الذي يعايشونه.
فلم يكفهم ما جنوه من مال، إلا لشراء الطعام والدواء والحاجيات الأخرى؛ فلم يكن ذلك الجزء من الأرض الخربة، ليدر عليهم بالمال الوفير ببيعه.
لم يكن المال وحده الذي ينزف، بل حتى الأشجار التي بتروها لينتفعوا من أخشابها تكاد أن تنضب مع مرور الشتاء؛ حتى جاء اليوم الذي لم يتبقَّ فيه سوى شجرة الذكريات الضخمة الهرمة.
تلك الشجرة التي بعمر إياس أو تزيد، تلك التي حوت نقوشًا من يديه ثم أيدي أطفاله؛ احتضنت كل ذكرياته، بأفراحها وأتراحها، وحيدًا كان أو مع من أحب.
وقف إياس بأسى أمام الشجرة التي عرفها مذ نعومة أظافره، إذ لا خيار أمامه إلا أن يقطعها، فعدم قطعها يعني البرد المهلك، وقطعها يؤمن عددًا من الأخشاب، لا يوجد في غيرها من الشجرات الهزيلة، لعله يكفي ليقضي على ما تبقى من الشتاء.
نظر إلى منزله حيث البرد يجوب حوله وداخله، ثم ألقى بنظره على الشجرة كنظرة المودع الأخيرة لها ولذكرياتها، توجهتْ أنظاره كأنظارٍ موجهة نحو حبل المصير؛ ثم هم لقطعها، ففعل بعد عناء.
جراء قطع تلك الشجرة، اهتز ثبات جذورها كأنها تطالب بالخروج؛ وبالفعل قد أُخرجتْ، فإخراجها يعني المزيد من الأخشاب، وبالتالي التدفئة.
أُخرجتْ بعدما نكثت التربة التي تحتها، وقلبتها رأسًا على عقب، ليصعد ذاك الشيء المعدني إلى الأعلى فيُرى.
كان صندوقًا مقفلًا بإحكام، وقد ثُبت مفتاحه به؛ كل ما حادث به إياس نفسه: " أنى لهذا الصندوق أن يتواجد أسفل هذه الشجرة؟!! ".
انتزعه إياس ليرى ما شأنه، ثم فتحه؛ فتحه ليجد بداخله العديد من المجوهرات والذهب، تاركةً على وجهه علامات تعجبٍ قد ارتسمتْ.
" لماذا يدفن أحدهم صندوقًا ثمينًا كهذا كأنه يتخلص منه " هكذا حدث إياس نفسه.
تناول إياس ورقةً صغيرةً مهترئةً، يظهر عليها تقادم العهد والزمن، كانتْ محشوةً وسط تلك المجوهرات؛ فتحها وجال ببصره داخلها، ليقرأ ما سطر فيها.
" حينما تصبح هدفًا لطاغية، يتخلص من الفقير كأنه حثالةٌ قذرة، ويستحل مال الغني بلا ثمنٍ بعد أن يذله، فترضخ للتخلي عن مالك، حتى تغادر أرضه سالمًا ولا تكون حثالة!
قد يذرف البشر دموعهم، ويتناقلون الأسى، لأنهم دفعوا بأشياءٍ أحبوها ثمنًا؛ ولكنهم يجهلون أحيانًا، أن ذاك الثمن المدفوع، منجاة إلى دربٍ أفضل! ".
ذرفتْ عينا إياس وفاضتْ بالدمع، وأخذ ينظر حوله إلى أرضه الخربة بعدما كانت عامرة، وأخذ يرفع بصره صوب السور الذي قسمها اثنتين، إذ صار هناك من يشاطره إياها، بعدما كانت له.
أطرق ببصره إلى الورقة مرةً أخرى، وأخذ يتحدث بصوتٍ أجهش: " دفعتُ وما أدراك أي ثمنٍ ذاك الذي دفعتُ، فسبحان من جعل من ذاك الثمن، بداية تفريج محنتي!؛ شكرًا ربي، مفرج همي، ومنفس كربي ".
النهاية



المفضلات