(17)
ذائقة الموت
المشهد الثالث
إنتصف شهر مارس ومع فقدان الأمل لما أسعى إليه جاهدًا وهيهات ! إزداد الألم والإحمرار في الوجه والحرارة التي أشعر بها تُحيّرني،
بما أن كلّ دولة من دول العالم تبيتُ مفزوعةً على وجلٍ ولا تدري ماذا تصنع
وباء مستجد سلاح فتّاك فعّال أخافها وأقلق ليلها ونغّص نهارها وجعل أهلها مشرّدين أو يريدون أن يتشردّوا في أنحاء العالم كأنّما يريدون الفرار من الموت،جعل الله تبارك وتعالى من جُنده كائنًا حيّا هو أدقّ الكائنات الحيّة فيروس ("التاج" كوفيد 19) فيروس لا يُرى في الغالب إلّا إذا كُبّر ربع مليون مرّة ونصف مليون مرّة من أجل أن تراه العين المُجرّدة بالميكروسكوبات الدقيقة الحديثة التي تُكبّر هذا التكبير العظيم،
أُغلقت بسببه الموانئ والمطارات والحدود البرّية وتُمنع بسببه الرِّحلات وتعطى لأجله الإجازات وأُنفقت من أجل الحياطة منه مليارات البليارات وهو لا يُرى ولا يُنظر ولا يدري أحدٌ من أين يأتيه و قد مسّني الضرُّ وأنا حينئذ كنت أعيش في عالم لوحدي خارج شبكة التغطية !!
لم تكن لي المعلومات الشافية عن هذا الفيروس هذا المٌخيف المُفزع ،
هذا العدو المُفضعُ خِلت لوهلة أنني -سلّمني الله وإياكم - قد أُصبت بهذا الفيروس
يوم 16 مارس 2020 من باب التأدّب والخُلق ،قلت لوالدي أشعر بأنّني لستُ على مايرام سأذهب إلى الطبيب غدًا بحول الله،
قال لي : إنتظرني يوم غد منتصف النّهار نذهب معا غير أنّه رجع إلى البيت مع آذان المغرب
وكأني به نسي أمري وله الحق في ذلك فقد عشت دهرا في منزل جدّي أين نشأت وترعرت وعدت إلى منزله حديثًا فأصبح غيابي عن العائلة شيئا مألوفًا فكانت هذه البرودة!!!
إتفّقنا من الغد صباحًا على أن نذهب إلى طبيب عام سوري الجنسيّة فرّ بجلده قديما حين كان حافظ الأسد رئيسا للجمهوريّة العربية السوريّة
يوم 18 مارس 2020 ذهبنا للطبيب "خَلدون" باقتراح من والدي، في تونس بدأنا في التباعد الجسدي بين أفراد العائلة وبين النّاس في حالة الخروج و غسل الأيدي بالماء والصابون أو تنظيف اليدين بفركهما بمُطهّر كحولي الكثير من المرّات في اليوم وإرتداء "اللثام" عند الخروج من المنزل وهي أصحُّ لغويَّا من"الكمّامة" كما وضّحها بعض أهل اللغة المعاصرين في الطريق بما أنّه ذهب في إعتقادي قد أكون مُصاب بالفيروس لحيرتي لما أنا فيه وتزامنا مع ظهور هذا الوباء وجهلي بأعراضه بسبب ماشٌغلت به دار حوار بيني وبين والدي حول هذا الأمر فبدأ يزوّدني بمعلومات ثم إستوقفني للتجربة عمليّا
قال لي : خُذ نفسًا عميقًا هل تحس بوجع في صدرك؟
قلت : لا
قال : لا تقلق ..
كان أحد المارّة متوقّفا ينتظر وسيلة نقل و كان يشاهد التجربة العمليّة والتنفّس،عندما إقتربنا منه قال: كورونا،كورونا!!وكم هم المتطفّلون عديمي الأخلاق في مجتمعنا،لولا إحترامًا لوالدي لرجعت لهذا اللُّكع ولرُبما وكزته وأنا في حالة لا يعلمها إلاّ الباري عزّ وجل
يتبع بمشيئة الرحمن

رد مع اقتباس

المفضلات