فتــاة الجبــل الفاتنـــة ........

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 20 من 20

مشاهدة المواضيع

  1. #3

    الصورة الرمزية Risa-Chan

    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المـشـــاركــات
    155
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: فتــاة الجبــل الفاتنـــة ........

    هبط (ويلي) السلالم والغبار يغطيه تماما , والعرق ينضح من جسده في غزارة , وقد التصقت خصلات شعره بجبينه المبتل , وأسرع إلى العجوز الذي أتخذ مدخل الكوخ مجلسا له , على مقعد هزاز يصدر أنينا مع كل هزة , ووقف أمامه قائلا بأنفاس متسارعة :
    ـ أين الحمام يا سيد (هاريس) ؟
    رمقه العجوز في دهشة من مظهره القذر , وتراقصت ابتسامة خبيثة على شفتيه وهو يشير للخلف قائلا :
    ـ در حول الكوخ وستجده .
    ابتسم (ويلي) ووثب بضع خطوات , وتوقف فجأة كالذي تذكر شيئا ما , فرجع إليه هاتفا في لهفة :
    ـ بالمناسبة يا سيدي , هل تعيرني بعض الشراشف النظيفة , ووسادة وثيرة أسند رأسي إليها ؟
    مط العجوز شفتيه في ضجر , وغادر مقعده متثاقلا وهو يغمغم بكلمات مبهمة , ودلف لداخل الكوخ , اتسعت ابتسامة (ويلي) وانطلق صوب الحمام , ليزيل ما علق به من أتربة , وأعماقه ترقص فرحا وارتياح ...
    دفع باب الحمام الخشبي , وتطلع للحمام في بساطة .. لم يكن سيئا بأي حال , فنزع ملابسه وألقاها خارجا , وترك مياه الدش تغمر رأسه وجسده ..
    ياه .. كم هو منعش ماء الجبل , استخدم قطعة صابون جديدة احضرها معه من المدينة , ودلك يديه جيدا وهو يقول ضاحكا :
    ـ أين أنت يا (وليم) لترى بساطة ابن أخيك ؟
    وعبث بالماء ما طاب له , قبل أن يغادر الحمام نظيفا , تفوح منه رائحة عطر الصابون الخفيفة ..
    صعد مجددا لغرفته وشعر بالارتياح حين وجد شرشفا نظيفا ووسادة بلون السحاب موضوعه على سريره في عناية , فأعد سريره , وأخرج من حقيبته قطعة كعك , وعلبة عصير , وجلس على طرف سريره يتناولها في هدوء وشهية ..
    مالت الشمس نحو الغروب حينما سمع أصوات ثغاء متداخلة , فنهض جالسا من السرير ووضع كتابا كان يتسلى بقراءته جانبا , وتطلع من نافذته أعلى السرير ليتبين الأمر , وأطلق من شفتيه صفير دهشة طويل , وهو يرى مجموعة من الأغنام تقف بجوار الكوخ مصدرة تلك الأصوات , وأشرأب بعنقه للأمام حينما سمع صوتا أنثويا ناعما يقول :
    ـ معذرة على تأخري يا أبي , فـ(أستر) فر بعيدا واحتاج الأمر لجهد عظيم حتى وجدته .
    لم يستطع رؤية صاحبة الصوت الناعم , فربما كانت تقف أسفل غرفته تماما , بالمقابل وأرهف سمعه ليرى بماذا يجيب الأب , الذي خمن طبعا أنه العجوز الصعب (هاريس) , ولم يتلقى جوابا , فهب من رقدته وأغلق أزرار قميصه في عجل , ليقابل الفتاة , وهرول نحو الأسفل وأعماقه تنبض سعادة ..
    أخيرا سيجد من يتحدث إليه في هذا المكان , فلو اقتصر الأمر عليه وعلى العجوز فلن تطيب الاقامة له هنا , وقف في نهاية الردهة ليرى صاحبة الصوت الناعم , وعدل من هندامه للمرة الثانية وحاول تنظيم خصلات شعره الامامية على نحو مضحك , وانتصب مكانه حينما فتح الكوخ ودلفت الفتاة وهي تقول بتنهيدة ارهاق :
    ـ سأحاول اتباع أسلوب جديد مع (أستر) العنيد , فلقد أرهقني بـ..
    بترت عبارتها دفعة واحدة حينما وقعت عيناها على (ويلي) وأخذت تتطلع إليه في اهتمام عجيب .. بالمقابل , تطلع إليها (ويلي) بنظرات مماثلة ..
    كانت فتاة فاتنة بحق , في عمره تقريبا أو ربما تصغره قليلا , تملك أجمل عينان رآها , بلونها الأزرق الصافي , وتلك الأهداب الكستنائية بلون شعرها , المنسدل ناعما غزيرا إلى منتصف ظهرها , تاركة بضع خصلات قصيرة تتمايل في نعومة على منتصف جبينها , وعقدت في منتصف رأسها منديلا سماويا جميلا , له أنف منمنم وشفتان صغيرتان في رقة .
    ابتسمت الفتاة في ترحاب , وقالت :
    ـ إذن أنت هو .
    أجاب مأخوذا بفتنتها :
    ـ أنا هو ماذا ؟
    ضحكت في نعومة , واستدارت حينما تبعها والدها , فعادت تدير رأسها إليه وتقول في طيبة :
    ـ أهكذا أنتم يا أبناء المدينة ؟
    زمجر العجوز حنقا من نظرات (ويلي) واقترب منه قائلا في عداوة واضحة :
    ـ لماذا تحدق بها على هذا النحو ؟
    جذبته الفتاة من ذراعه وهي تقول في عتاب رقيق :
    ـ أبي ؟
    توقف العجوز مكانه , في حين تضرج وجه (ويلي) بحمرة الخجل , ونكس رأسه مغمغما في حرج :
    ـ عذرا , حسبتك تعيش بمفردك .
    رفع رأسه عندما أجابت الفتاة في لطف :
    ـ أيصنع هذا فارقا ؟
    ابتسم في تردد , وهي تمنحه ابتسامة جميلة للغاية , ولم يبالي مطلقا بالعجوز وهو يحرك مزيجا تغلي به القدر على النار , في حركة عصبية تشي بانفعالاته المكبوتة ورغم رائحة الحساء الشهية , فان (ويلي) لم يبالي أيضا , فكل ما سلب عقله وقتها , هو الفتاة ..
    فتاة الجبل الفاتنة .
    على مائدة العشاء التي ضمت الثلاثة , قالت الفتاة في بساطة :
    ـ اسمي (ليليان) .
    توقف (ويلي) ازدراد طعامه , وتمتم في حرج لم يفارقه منذ التقاها :
    ـ وأنا (ويلي ستيوارت) طالب بالمرحلة الثانوية .
    رمقت (ليليان) أبيها بنظرة جانبية , وقالت باسمة :
    ـ أتمنى لك طيب الاقامة معنا , سآخدك غدا معي للمرعى , و..
    قاطعها العجوز في صرامة :
    ـ لن يذهب لأي مرعى .
    تطلع إليه الاثنان في حيرة , فتناول قطعة خبز وهو يقول في حزم :
    ـ سأعلمه أمور مفيدة , أفضل من التسكع في المراعي بين الأغنام .
    تواثب الغضب في أعماق (ويلي) من فضاضة العجوز , وصرامته اللامعقولة , وقطب جبينه أكثر حينما أردف راميا ابنته بنظرة ملتهبة :
    ـ ولا أعتقد ان وقتك يسمح بهذه الترهات .
    ابتسمت (ليليان) في هدوء وأتمت عشاءها وكأن شيئا لم يكن , مما ضاعف من دهشة (ويلي) من هذه العائلة العجيبة , وتمنى وقتها رؤية عمه , شعر أنه يشتاق إليه ..
    يشتاق إليه بحق ..
    ألقى (ويلي) جسده في قوة على سريره , وتطلع للقمر المنير من نافذته أعلى السرير , وشعر بكآبة مريرة تلف كيانه , ووحدة هائلة تمزق أحشاءه ..
    بالكاد أتم عشاءه ..
    انه حزين للغاية , فجأة شعر أنه في مكان ليس له , ومع عائلة لا ترحب به كما تصور , لماذا يرسله عمه لمكان كهذا , وهل يعرف (هاريس) شخصيا ..
    بالتأكيد يعرفه , فهو ليس ذلك الشخص المهمل ليلق به في براثن الغرباء ..
    عمه انسان رقيق المشاعر رغم تحفضه على الكثير من سلوكه الغامض .. ولكنه ليس سيء ..
    ليس سيء أبدا ..
    تناهى إلى مسمع (ويلي) وهو في رقدته تلك , نقرا خفيفا على باب غرفته , فاعتدل جالسا وأرهف سمعه , تكرر النقر الخفيف فهب من سريره , وفتح الباب في حرص , فطالعه نور صادر من شمعة صغيرة تحملها (ليليان) , في طبق معدني قديم , وقد ذابت معظم أجزاء الشمعة وصنعت قاعدة جديدة لنفسها .
    ابتسمت (ليليان) من منظره مرتديا منامته , وقدمت له طبق الشمعة وهي تقول في خفوت :
    ـ تفضل يا سيد (ويلي) , فلا أحسبك معتادا على الجلوس في الظلام .
    تناول منها الشمعة وهو يحدق بها في امتنان , وتعاظم امتنانه حين منحته بعض الخبز والماء, وهي تستطرد في اشفاق :
    ـ لسبب أجهله لم تتم عشاءك , وحتما ستشعر بالجوع بعد مضي الوقت , وربما قبل استغراقك في النوم .
    ملئ الأمل قلبه من لباقتها ولطفها الحاني , ومد كفه في تردد ليحمل ما أحضرته , تمنى لو أخبرها سبب عزوفه عن إتمام العشاء , ولكن الأمر سيكون في قمة الوقاحة لو صارحها بالحقيقة , فالتزم الصمت تماما , ومن دهشته مما يحدث نسي شكرها , لم تنتظر شكره في الواقع إنما منحته ابتسامة تفاؤل , وتمتمت :
    ـ سيكون لنا حديثا طويلا خلال الأيام القادمة , آمل ألا تغضب من والدي , فليس سيئا كما ظهر لك اليوم , شيئا فشيئا ستدرك ما أقصد , والآن .. طابت ليلتك يا سيدي .
    والتفتت خلفها في حذر , ورددت الجملة الأخيرة , وأسرعت إلى غرفتها المجاورة لغرفته , وأوصدت الباب في حرص شديد ..
    أغلق (ويلي) بابه ووضع الشمعة على منضدة قريبة , ورمق الخبز في شرود حزين ..
    لقد أعاده تصرفها عنوة للأيام الماضية , حين كانت شقيقته الكبرى ترعى شؤونه , ودمعت عيناه تأثرا عندما تذكر رحيلها المأساوي , أثناء اشتراكها في المقاومة الشعبية أبان الحرب العالمية الثانية , توفيت وهي تدافع عن قضية نبيلة , هدفها تحرير بلاده من الاحتلال الألماني السخيف , لقد نجت شقيقته من الموت في حادثة السيارة لتموت في الحرب , وتنتهي عائلة (فرانك ستيوارت) مخلفة صبي صغير لا يفقه من الحياة شيئا .
    ولولا (وليم ستيوارت) , لكان الآن في أحد الملاجأ , أو متشردا ينبذه المجتمع ..
    شكرا لك يالهي على نعمك العديدة , شكرا لك ..
    ساعات الصباح الأولى في الجبال , والشمس تداعب الأفق , ينتشر ضباب خفيف مصحوبا ببرودة محتملة , والعشب الأخضر النضر يوحي براحة هائلة تعبق الفؤاد , ومع انحدار الندى من شرائط البرسيم الناعمة , تتوجه (ليليان) فتاة الجبل الصغيرة , تقود قطيعا من الأغنام يتجاوز عددها أصابع الأطراف بقليل , وتتجه صوب مرعى بعيد , حيث يتوفر طعام الأغنام الطازج بكثرة ..
    فتح (ويلي) عينيه على ثغاء الأغنام المتواصل , وحملق في السقف وكأنه يجاهد لمعرفة أين قضى ليلته , وحين استعاد كامل وعيه تذكر مجريات الليلة المنصرمة , وأدار رأسه يرمق الشمعة الخاملة في ركن قريب , ثم نهض متثاقلا وفرك عينيه في بطء , وألقى نظرة من نافذته المفتوحة ليرى (ليليان) وهي تنظم القطيع في حزم , أراد استبقاءها ريثما يتهيأ للمضي معها , لكن خوفه من والدها منعه , فهب من مكانه وحمل منشفة نظيفة وانطلق للأسفل محاولا كسب الوقت ليرافقها خلسة .
    غادر الكوخ وابتسم لرؤيتها تستعد للمغادرة , واستدارت هي استجابة منها لفتح أحدهم الباب , واعتدلت مبتسمة في حماس , فبادرها قائلا في حرج :
    ـ صباح الخير .
    أجابت في لهفة :
    ـ صباح الخير والسعادة .
    أشار للحمام في ارتباك , وهمس :
    ـ سأغسل وجهي , و..
    بتر عبارته في حرج شديد , تمنى اخبارها برغبته في مرافقتها , ليرى المرعى الذي تمضي إليه مع أغنامها , ولكن حياءه الشديد وقف عائقا في طريقه ..
    فطنت الفتاة لرغبته , فغمزت بعينها قائلة في خفوت :
    ـ والدي يستخدم الحمام الآن , بامكانك غسل وجهك في الساقية وأنا سأنتظرك .
    انبهر لعبارتها التي تعني صراحة رغبتها المماثلة في مرافقته , وأومأ برأسه موافقا في حرارة وتلفت حوله بحثا عن هذه الساقية , فضحكت وهي تشير لجهة قريبة وتقول :
    ـ هناك يا سيدي .
    وثب بسرعة البرق إليها , وغسل وجهه بالصابون في مبالغة , أراد الاستحمام أيضا لولا وقتها الضيق , وهرع إليها يجفف بقايا الماء وابتسامته المتفاءلة تملئ وجهه .. وقال في سعادة :
    ـ مستعد .
    رمقته بابتسامة حانية , وغمغمت :
    ـ لا أعتقدك ستمضي للمرعى بملابس النوم .
    سرت حمرة خجل خفيفة على وجنتيه , وخفض رأسه هامسا :
    ـ سأكون جاهزا خلال ثوان .
    تطلعت لجانب الكوخ وهي تهمس في حذر :
    ـ حاول أن تسرع , فوالدي على وشك الانتهاء من حمامه .
    انطلق مسرعا أثر كلماتها , فليس مستعدا أبدا لتمضيه اليوم بكامله مع ذلك العجوز الصارم ..
    في زمن قياسي كان يقف أمامها مهندما , ورائحة عطر رقيقة تفوح منه , وقد صفف شعره في عناية , رمقته في حنان , وهمست :
    ـ هيا بنا .
    تبعها في فرح واللهفة تملئ قلبه لرؤية عالم جديد يجهل كل شيء عنه ..
    الخضرة المكسوة تبعث في النفس الارتياح , ومنظر البنفسج العطري يصنع صورة خلابة لطبيعة الجبل , اذا أقترنت تلك الطبيعة الساحرة بخرير جدول صغير , يشق طريقه مستسلما نحو المجهول , يعبث بسطحه النسيم العبق , حاملا في طياته شذى الأزهار الناعمة .
    كانت (ليليان) تقود قطيعها في احتراف يوحي بالمهارة والاعتياد , في حين ظل (ويلي) يحتضن الطبيعة بعينيه , وهو يسير بجوارها غير مصدق لكل السحر الأخاذ , الذي خلقه الله عز وجل .
    قالت وهي تهش على أغنامها :
    ـ أهي المرة الأولى التي تزور فيها منطقة كهذه ؟
    أجاب مأخوذا بالجمال , وعيناه تجوبان ما حوله :
    ـ أجل , هذا الجبل خلاب ..
    وتطلع إليها بعيني عاشق , وأردف في أعماقه :
    ـ لا يضاهي هذا الجمال سوى جمالك يا (ليليان) .
    أشارت للمقدمة وهي تقول في حماس :
    ـ وصلنا يا سيدي .
    استوقفها , وترك القطيع يواصل سيره نحو طريقه المعتاد , وقال في طيبة :
    ـ لا أرى داعيا للألقاب , أنت (ليليان) وأنا (ويلي) فقط .
    رمقته في حرج , وغمغمت :
    ـ كلا .. أنت سيدي , وعمك سيدي أيضا .
    عقد حاجبيه قائلا في اهتمام :
    ـ أتعرفين عمي ؟
    ابتسمت في حياء , وهمست متساءلة :
    ـ الرجل الأشقر .
    ابتسم لوصفها , وقال :
    ـ نعم .. الرجل الأشقر .
    سارت بضع خطوات للأمام , في صمت شارد , ثم قالت :
    ـ زارنا عدة مرات من قبل .
    واستدارت ترمقه , واستطردت في صوت متهدج :
    ـ وكان طيبا حنونا , رجل رائع بكل معنى الكلمة .
    ملئ الفخر قلب (ويلي) إزاء هذا الإطراء , وشعر أنه بحاجة للغوص أكثر في كيان هذه الفتاة , ليعرف المزيد مما يخفى عليه ..
    سـألها في اهتمام ممزوج بالدهشة :
    ـ متى فعل هذا ؟ أقصد .. أنا أعيش معه منذ عشر سنوات أو أكثر , ولم أسمعه قط يتحدث عنكم .
    شملت ابتسامة واسعة وجهها وهي تخرج قلادة ذهبية طوقت عنقها , وتجيب :
    ـ زارنا قبيل شهر , وقدم لي هذه .
    كانت قطعة ذهبية صغيرة على هيئة زهرة النرجس , تحفة فنية رقيقة .. دهش (ويلي) لرؤيتها , مالبث أن سألها في اصرار :
    ـ لماذا يزوركم عمي ؟ ويقدم لك هدية أيضا , ماصلته بأبيك ؟
    صمتت لحظة , ثم قالت في بطء :
    ـ تدعي السكن مع عمك , ولا تعلم علاقته بأبي ؟
    ضاق من أسلوبها المتموج , وقال في ضجر :
    ـ أقمت معه قريبا .
    غمغمت وهي تداعب قلادتها :
    ـ والدي عمل طاهيا في منزل آل (ستيوارت) , حتى قامت الحرب .. فتطوع في الجيش , ثم عاش هنا بعد تركه عمله , ونزوح الاحتلال البغيض .
    رمقها في اهتمام , فهذا الجزء جديد عليه , واستحثها على المضي في قصتها فقالت في شرود :
    ـ أصيب والدي في المعركة ولم يستطع بعدها ممارسة عمله كالسابق , فقرر السيد (وليم) إعفاءه من عمله , ومنحه هذا الكوخ الجبلي نظير خدماته , وصداقته .
    التزم (ويلي) الصمت تماما وان لم تفارقه دهشته من كل ما يسمع ..
    ما أروعه من انسان .. رغم الفارق الاجتماعي بينهما , فقد اعتبره صديقا له , وقدم له ما يعينه على الحياة الكريمة , حتى بعد تركه العمل ..
    خطر بباله سؤال نقله فورا للسانه , فسألها :
    ـ إذن .. لماذا زاركم قبل شهر ؟
    ابتسمت في عذوبة , وقالت في لطف شديد :
    ـ قدم لأبي مبلغا كبيرا من المال مقابل استضافتك هنا .
    وازداد الحنان في نبرة صوتها وهي تستطرد :
    ـ أرادها مفاجأة لك , كما أخبرني سرا .
    اتسعت عيناه دهشة , وانعقد لسانه داخل حلقه ..
    هكذا الأمر إذن ..
    عمه يخطط لارساله إلى هنا , من قبل أن يطلب هو ذلك ..
    تمنى وقتها انقضاء هذه الفترة سريعا , ليطير لعمه الغالي ..
    كم كان مجحفا في حقه , حينما أعتقده لا مبالي بعواطفه ومشاعره ..
    كان تفكيره منصبا على راحته .. وهو يحسبه لا يفكر سوى بنفسه ...
    وتناولت كفه بين يديها , وغمزت بعينها قائلة في مرح :
    ـ ولقد أوصاني بك .
    تطلع إليها في عمق , واسترجع كفه في هدوء .. وسار للأمام شارد الذهن ..
    لقد رتب لأمر سرا منذ البداية , لهذا السبب لم يمانع في سفره ..
    بل إنه انتظر تلك اللحظة ..
    التفت إليها ومن عينيه تتواثب السعادة , وابتسم قائلا في بساطة :
    ـ مادام الأمر كذلك , لماذ تعامل والدك بصلف معي ؟
    اطلقت ضحكة صافية كصفاء النبع , وقالت في دلال :
    ـ لأنه يخشى علي من فتيان المدينة .
    ارتفع حاجباه في تعجب , مالبث أن خفظهما وابتسم مع استمرار ضحكاتها العذبة , ووقفت بجواره تتأمل قطيعها المنتشر في المرعى , وتمتمت :
    ـ كان في موقف محرج حينما طلب عمك منه السماح لك بالعيش معنا .
    وأدارت رأسها إليه وتابعت :
    ـ ورغم المبلغ الكبير الذي دسه عمك في جيبه , لم يفكر قط في الترحاب بك أو اعداد الغرفة لك , معتبرا المال للاقامة فقط , بغض النظر عن رداءة الغرفة أو سوء المعاملة .
    وركضت لقطيعها في عجل , وتركته يقف صامتا منشغل العقل بوالدها الفظ ..
    وفي أعماقه دار سؤال واحد .. كيف احتمل عمه سخافته ؟
    كيف ؟
    التعديل الأخير تم بواسطة Risa-Chan ; 17-12-2006 الساعة 09:39 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...