بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ... والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ... نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
إخوتي في الله .. هذه بعض الكلمات _ التي نقلتها لكم باختصار وتصرف _ الواردة تحت عنوان ( قلبك في رمضان ) للأستاذ / عبد الله بن راضي الشمري وهي مطوية ضمن سلسلة الصائم للعبد الصادرة عن دار القاسم .. هي ليست للصائم فقط .. وليست حكرا على شهر رمضان .. وإنما موضوعها للعبد في جميع الأوقات والأزمان .. ولكن لفضل رمضان .. ولأهمية موضوعها .. وضعتها هنا على عجالة من أمري .. لعل الله أن ينفع بها من قرأها .. ولا يحرمني ومن أعدها الأجر والجزاء .. وأن يجعل عملنا خالصا لأجله .. إنه على هذا قدير .. وبـــــعد
هذه باقة أهديها إليك يا عبد الله .. كلمات بشأن أهم عضو في جسدك ..
}نعم إنه قلبك يا عبد الله .. محط نظر الإله ..ومنبع العمل ومحركه .. وأصله وأساسه .. المخاطب بأوامر الله جل وعلا : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )
فما هي حال قلبي وقلبك في أعز وأشرف زمان ... في شهر رمضان ؟ ..
هذه وقفة حساب مع النفس بل مع أعز شيء في النفس .. مع ما بصلاحه صلاح العبد كله وبفساده فساد العبد كله .. وقفة مع ما هو أولى بالمحاسبة والوقفة الصادقة يقول _ صلى الله عليه وسلم _ : ( ... ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) .. ويقول صلى الله عليه وسلم : (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ) .. ويقول الحسن البصري _ رحمه الله _ : ( داو قلبك ، فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم ، وإنك لن تحب الله حتى تحب طاعته ) ...
فيا أيها الصائم : من عرف قلبه عرف ربه .. فإن في القلب فاقة وحاجة لا يسدها إلا الإقبال على الله _ عز وجل _ ومحبته والإنابة إليه .. ولا يلم شعثها إلا حفظ الجوارح واجتناب المحرمات واتقاء الشبهات .. وإن معرفة القلب من أعظم متطلبات الدين ومن أظهر المعالم في طريق الصالحين ..معرفة تستوجب اليقظة لخلجات القلب وخفقاته .. والاحتياط من المزالق والهواجس .. والتعلق الدائم بالله جل وعلا فهو مقلب القلوب والأبصار ...
( اللَّهم يا مُقَلبَ القُلوب قَلب قلوبنا على دِينك )
أيها الصائمون : إنه لا ينفع عند الله إلا القلب السليم ... قال تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم )
والقلب السليم كما يقول الحافظ ابن حجر _ رحمه الله _ : (هو السالم من الآفات والمكروهات ) ..
والقلوب إخوتي في الله أربعة :
1- قلب تقي نقي .. فيه سراج منير فهو محشو بالإيمان .. ولو اقترب منه الشيطان لحرقه .. وهو قلب المؤمن .,
2- قلب أغلف مظلم .. وذلك قلب الكافر .. الذي استراح الشيطان من إلقاء الوساوس فيه ، ولهذا قيل لابن عباس : إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها ، فقال : ( وما يصنع الشيطان بالقلب الخرب ) ..
3- قلب دخله نور الإيمان ولكن عليه ظلمة الشهوات وللشيطان عليه إقبال وإدبار .. وبينه وبين الشيطان سجال ..
4- قلب مرتكس منكوس وهو قلب المنافق ، عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي : ( فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ) .
وفي القلب قوتان :
1- قوة العلم : في إدراك الحق ومعرفته والتميز بينه وبين الباطل .
2- قوة الإرادة والمحبة : في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل .
3-
فمن لم يعرف الحق فهو ضال مبتدع ، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه ، ومن عرفه واتبعه فهو المنعم عليه السالك صراط ربه المستقيم .
كذلك فاعلموا أن صاحب القلب الحي يغدو ويروح .. ويمسي ويصبح وفي أعماقه حس ومحاسبة لدقات قلبه ، وبصر عينه ، وسماع أذنه ، وحركة يده ، وسير قدميه ... إحساس بأن الليل يدبر والصبح يتنفس تتحقق بع العبودية لله تعالى .
إن أصحاب القلوب الحية .. صائمون ، قائمون ... خاشعون ، قانتون ، شاكرون في النعماء ، صابرون في البأساء .. لا تنبعث جوارحهم إلا بما يوافق قلوبهم .. تجردوا من الأثرة والغش والهوى ... اجتمع لهم حسن المعرفة مع صدق الأدب .. الطاهرة صدورهم البريئة أيديهم ... متحابون بجلال الله .. يغضبون لحرمات الله .. أمناء إذا ائتمنوا .. منجزون ما وعدوا .. جادون إذا عزموا .. يهشون لمصالح الخلق ويضيقون بآلامهم في سلامة من الغل وحسن ظن بالخلق ..
جاء في الصحيح صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ) .
أما القلوب المريضة فلا تتأثر بمواعظ ولا تستفزها النذر .. ولا توقظها العبر .. أين الحياة في قلوب عرفت الله ولم تؤد حقه ؟
قرأت كتاب الله ولم تعمل به .. زعمت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم وتركت سنته .. يريدون الجنة ولم يعملون لها .. ويخافون من النار ولم يتقوها ؟!
القلب الميت : الهوى إمامه .. والشهوة قائده .. والغفلة مركبه .. لا يستجيب لناصح .. يتبع كل شيطان مريد .. الدنيا تسخطه وترضيه .. والهوى يصمه ويعميه .. مات قلوبهم ثم قبرت في أجسادهم .. فما أبدانهم إلا قبور قلوبهم .. قلوب خربة لا تؤلمها جراحات المعاصي .. ولا يوجعها جهل الحق .. لا تزال تتشرب كل فتنة حتى تسود وتنتكس .. ومن ثم لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا ..
سبحان الله ..... إن غفلة القلوب عقوبة ، والمعصية بعد المعصية عقوبة والغافل لا يحس بالعقوبات المتتالية .. ولكن ما الحيلة ؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله ...
يقول بعض الصالحين