بقلم : ~ MissCloud ~

(الصورة الأولى) .. "أنــــــت ..أم نــــمــــــلة ؟؟"

جلس وسيم على تلك الحشائش الطرية ،،
تعانقها قطرات المياه الندية ...
ترامت أمامه المساحات الخضراء كالجنان ،،وترامت معها ظلال تلك الشجرة العجوز..
التي أسند رأسه عليها...
لتتداعى معه الذكرياتـــ ....
وتتوارد عليه الخواطـــر ...
"ياعـــالمـــي ،،لم تكن يوما بتلك القسوة "
هكذا بدا له عالمه .....
وهو يردد في أعماقه :
"لن أنـــجــح أبدا ...لن أنجـــح "
وأنطلق عقله برحلة يومان فقط من الزمــــن ........
لـــــكـــــن .....
للوراء.
................................
تعالت دقـــات الباب الغاضبة كقرع الطـبول،،، وتعالت معها دقات قلب السيدة سمية أم وسيم ...
وهي تهرول نحو الباب ليطالعها وجه زوجها المكفهر،، وبصوت حمل كل قلقها قالت :
" ما بالك يا أبا وسيم ...عـــلـــه خيرا ؟ ! "
أجابها بصوت بدا الغضب واضحا في محياه :
"وأين الخير في شهادة لا تحمل غير الأحمر لوناً ؟؟ "
وأتبع قوله بفعله،،،فوضع الشهادة أمام عينيها للحظة ،،ثم رماها حانقاً وغادر إلي حجرته صافعاً الباب خلفه ....
في نفس اللحظة التي دلف فيها وسيم إلي الباب ،، وعلى وجهه انكسار وفي عينيه البريئتين ذلة....
" لن يحتمل أي كلمة "
هـكــــــذا نبأها قلــبــها ،،، وهكذا حذرتها غريزتها ....
لم تستطع سوى أن تقول : "لا بأس عليك يا ولدي ...لا بأس عليك "
وغـــادرت المكان تجتر أحزانها .
...........................
فتح وسيم عيناه ببطأ،،،وعقله لا يكف عن إسترجاع تلك الذكريات المريرة عشرات المرات....
" آآه ..."
إنطلقت صيحة ألمه وأردفها بإمساك خنصره..
يشعر بالوخز ينتشر على جلده الأمرد...
لكن...
ما مصدره؟؟
حرك وسيم عينيه في الارض ليطالعه سواد عظيم...
إنتفض من موضعه فَزِعاً .. وقد هال الطفل ما يراه...
حتى أنه لم يعط ِنفسه فرصة ليرى ما كان هذا ..
كل ما أحس به ، قدماه اللتان أطلقهما للريح..
وبإنفاس لاهثة حركتها بقوة مشاعره المرتجفة الخائفة...
راح صدره الصغير يعلو ويهبط ..حتي هدأ تنفسه وسكنت أطرافه
وجد قدماه اللتان كانتا تسابقا الريح منذ قليل تسوقانه لنفس المكان ..
بعدما تغلب فضوله الطفولي على خوفه ..
وعقله يلح عليه بالســــؤال ...ماكان هذا ...
مــــــاذا ؟؟

أثنى رامي قدميه وهو يضمهما بيديه إلي صدره..
وكأنه يحاول أن يستمد منهمابعض الامان وهو يقرب ناظريه ليرى ما كان هذا السواد...
يا إلهي..
"ههههههههه" ضحكة كبيرة هي تلك التي تجاوزت _عفويا ً_ شفتي الصغير وسيم..
إنه محض نمل ،، أهربت مثل الفئران من مجرد نمل!!
حقا إنني أحمق..
لكن ..لحظة ماهذه النقطة السوداء التي تترنح من ثقل حملها ؟؟
ربي..إن قطعة الخبز الصغيرة تلك تفوق حجمها بمئة ضعف على الأقل
ومع ذلك فهي ماضية في طريقها المليء بالحصى التي تبدو كالجبال العتيدة أمامها !!
لم يتوقف الامر عند تلك الحد ..فبعد ثواني من مشاهدته هذا المشهد العجيب..
تدافعت جموع النمل من كل حدب معينة بنت جنسها ومع تكتلهم لم يبدٌ أبداً لوسيم أنهم نقاط ..
لا..
بل هو النقطة ..
يد حانية تلك التي أحس بها وسيم على كتفه..
رفع وجهه ليطالعه وجه جده متغضن الوجه ،،والتي تبدوعلى ملامحه _دائما_ سمات الطيبة و البساطة...
وبصوت رخيم هاديء قال الشيخ لحفيده : بني الحبيب..مالي أراك تحدق في التراب؟
أهناك ما يقلقك بشأنه ؟؟؟
إنطلق وسيم تتدافع الكلمات على لسانه يشرح لجده ما شاهده منذ لحظات...
وبعدما إنتهي من إخراج كلماته ...أحس وكأن الجبل كان يجثم على صدره مع تلك الكلمات...
تبسم الجد ضاحكا من قوله وهو يقول : بني يا درة قلبي...إن العمل والارادة مفتاحك الضائع لباب سعادتك المفقود..
فليست العبرة بالحجم ولكن بالعمل..
ليست في جسد خارت قواه وضاعت إرادته..
بل في عقل إنشغل بالتفكير ..وجسد إنهمك بالتدبير
فتفكر يا ولدي وتدبر ..وأسع في ما أنت موجود لأجله ..
قال وسيم : لكن يا جدي...
قاطعه جده قائلا : حفيدي الغالي.. فقط تذكر النمل
ثم أنهى كلامه بإبتسامة ودود..ويداه الخشنة التي رسم الزمن فيها خطوطه
تعانق يد حفيده الصغير..معا إلي المنزل.
.................
في قاعة الامتحان جلس وسيم شاردا،، ستوزع الاسئلة ..
لكن..
لم لا يبدوخائفا مرتبكا مثل كل مرة ؟؟
شيء في نفسه تغير،،يعرف هذا ويشعر به...
فقط قبل شهر بدا له وكأن العالم لا يريه إلا وجه أسود كريه ..
أول ليلة منذ شهر يعرف معنى أن تنتفض حماسة ما في عروقك تبدو لك
كافية لقضاء الاسفار..مواجهة الاخطار..ضرب الاشرار مثل بطله الخارق الحبيب..
نعم إنه طفل ..
"وسيم ..مابالك تبدو شاردا ؟؟ علي كل حال تفضل ورقة إمتحانك.." هكذا قالت معلمته..
تصفح وسيم ورقة الإمتحان وراحت إبتسامته تتسع ..
وتتسع ..
وكم بدا له هذا غريبا ...
أن كان كل ذلك بفضل نقطة ســـــــوداء...
نــــــمـــــلة....
مجرد نـــــــــمــــــــلة .