بعد سماح صاحب الموضوع لي .. أريد وضع موضوع نشره أحد الأدباء الناشئة الذين تربطهم بي روابط المحبة ووشائج الإخاء .. وقد نشر الموضوع في أكثر من منتدى ونال استحسان كثير من دهاقنة القوم,,
وهو الأديب : عبدالمنعم حسن .. من طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة, ومن الذين لا زالت لهم علي فضائل كثيرة وكبيرة منها توجيهي للأدب والشعر وإفادتي في ذلك ..
ودونكم الموضوع ..
بيد أن حقوق نشره محفوظة لكاتبه ,, وذلك للأمانة العلمية والأدبية ..

أباطرة الجنون في مهرجان العبقرية
( فصلٌ من كليلة و دمنة لم يترجمه ابن المقفع )

... قال كليلة ـــ وهو يسري عن دمنة ويحمِّضه (1) ويدخل الابرنشاق (2) في نفسه ، وكان دمنة قد داخله ملل صارخ وداهمته كآبة عارمة وظهر منه التذمر والتأفف ولقيت نفسه من ثقله وتبرمه وإلحافه ضيقاً شديداً وعنتاً مقيتاً ـــ :

واعلم يا دمنة أن النفس إذا أُخذت بالجد ، وسيقت إلى العمل ، وأُرغمت على النسك ... لقِسَتْ وخبثت ، وجفاها صاحبها وتقيأها ، إلا إذا سبقه إليها داعي الاستجمام ، وأنقذها منه قول الأول : ( أجموا النفوس بشيء من الباطل لتستعينوا به على الحق ) . لكن أغلب النفوس لا تستجيب لهذا الداعي ولا تنقاد لمعنى الأثر ؛ لاتباعها أهواء أصحابها وانسياقها خلف ما يتملاها أربابها من جهات تتصرف فيهم كيف شاءت وتوجههم أنى أرادت ، فتندُّ عقول أصحابها وتخلي أماكنها من الأدمغة للأخلاط الثورية الملطفة تلطيفاً إنسانياً ، فيتعقد الوضع ويتأزم الأمر ، ويختلط الحابل بالنابل ، ويهيج مهرجان العبقرية ..

ولو كان الجادون نالوا وسام هذا اللقب والمفردون سبقوا إلى هذا الإطلاق ، والمجُّلون حازوا هذه السمة بقتل أوقاتهم جدية ، وكبح جماح طبائعهم ، وكف ضرورات فطرهم لحق لكل من سلك فجاجهم فتعثر ، وأمّ سننهم فتقهقر أن يحتج ويعتذر بملائكيَّتهم وبَشريَّته وبسمائيَّتهم وأرضيَّته ، وبخياليتهم وحقيقيَّته ، والذين تربعوا على قلل النجاح وتعرشوا عروش المنح وتقلدوا رتب التميز لم ينالوا تلك بفرط الجد مطلقاً ؛ لكن بخفة الطبع أثقلتها العزيمة وحريةِ الفطرة قيدها الإصرار .

قال كليلة : وبالتجربة حمد أباطرة الجنون هذه النظرية وهتفوا رضىً عنها : هِيَ .. هِيَ ..

قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟

قال كليلة : زعموا أن رهطاً من الناس ألفتهم العبقرية وعقد بينهم النبوغ صحبة ومودة فانقطعوا عن المحيط ، وتغربوا عن الحدود وأخذوا على أنفسهم العهد بالانجحار في نافقاء (3) الجد ، وأسلموا قيادهم لداعي الكبت والعزيمة ، وتعاقب عليهم الليل والنهار خمساً وثلاثين مرة وهم على العهد الذي قطعوه ، والقيد الذي وضعوه ، وكلما طرفت لهم عين لهوٍ كحلوها برماد الإعراض ، وكلما ومض لهم برق ترويح تشاءموا بذلك الإيماض حتى أنكرتهم عقولهم وعافتهم طبائعهم وناءت بهم نفوسهم فصاح نذير الحرب بين حلومهم ولحومهم وأعلن أعلاهم الثورة على أسفلهم ، وبدأت الأخلاط الثورية الملطفة تلطيفاً إنسانياً تعمل أعمالها المتممة لفصول الاستعمار في أدمغتهم ، ورغا (4) قرد هناك ، وثغا (5) قط هنا ، وخار (6) دب هنالك ، واختلط كشيش (7) بنات الليل بزئير بنات آوى ، بنميم (8) بنات عم مالك الحزين ، وكركر السناجب ، ونطنط أطفال الجرابيع ، وهاج مهرجان العبقرية ..

قال دمنة : وما مهرجان العبقرية ؟

قال كليلة : زعموا أن ملوكاً أربعة كانوا على أكبر ممالك الدنيا الخالية من القُطَّان ، اجتمعوا على أن يبرموا صلحاً بينهم ويتحدوا على لقب يكون فيهم قاسماً مشتركاً أعظم ، يضمهم ولا ينثرهم ، وبينما هم يتفاوضون ويديرون الآراء ، إذ احتدم الجدال بينهم ، وضرب الدهر ضربته ، فاستحال جدهم هزلاً ، وعاد حلمهم سفهاً، ورجعت حكمتهم طيشاً ، وانكفأت واعياتهم وفيها عقولهم ، فحل فيهم منطق الحيوان الملطف تلطيفاً إنسانياً ، واتفق أن مر بهم موكب المهرجان وكان لم يسم بعدُ بهذه التسمية ، فرآهم النظارة وهم مستغرقون في حالتهم الحاضرة ، فأغراهم وضعهم ، فنصَّبوهم أباطرة عليهم بعد أن سمّوا المهرجان الإمبراطورية ، فلما ثبتت لهم دعائم الملك ، واستقرت لهم السلطة قفز أشدهم جدية وهو جامعهم وتمرغ في التراب ، ثم استوى ورفع عقيرته : أيها الشعب العبقري يعلن كبير الأباطرة باسمه واسمهم واسمكم جميعاً عن قيام مهرجان العبقرية . فتعالى الهتاف ، وترامت العمائم والعصي وثار القتام ، وتلبد الأفق ، ثم تابع الإمبراطور الأعظم خطبته : هذا من جهة ، ومن جهة .. يعلن شاه الشياه باسمكم واسمهم واسمه وحده التلقيب بأباطرة الجنون . فاهتز المهرجان وثار وزمجر التنور وفار ، وماج العباقرة ، وتغطلمطلست الإمبراطورية وكان من النظارة هائج لمسته يد الحكمة فهدأ وتكوم ، واجتمع على نفسه وتقرفص ، لكن الوجود من حوله مائج فتوسط الميدان ، وخاض المعمعة ، معلناً اعتزاله للفتنة لما رأى الأركان والنواحي مشغولة بالاضطراب العنيف .

قال كليلة : وهكذا تكوم الكل واجتمع على نفسه وتقرفص واعتزل الفتنة وتوسط الميدان وركد المهرجان وتعذرت السيطرة على الأركان الأربعة .

قال دمنة : وأين أباطرة الجنون ؟

قال كليلة : زعموا أن دمنة سأل عن الأباطرة فأجابه كليلة بتعذر السيطرة على الأركان الأربعة .

قال الراوي الفيلسوف : فضحك دمنة حتى بدت لهاتُه ، ثم رجع إلى نفسه وقال : إن من الجد لسقماً ، وإن من الجنون لحكمة .




* لم أضع الحواشي حتى يتكلف القارئ عناء البحث معني الغريب حيث تكمن لذة الوجدان .