إليكم:
"فلمحت ممرضة لم أدقق في ملامحها, ولكني اتجهت إليها متوسلا بأن تهتم بها, وأن تجد لها أي طبيب, فلقد كان الكل مشغولا, والمشفى كله في حركة أعلم أنها لن تستطيع استيعابها.
********
أفلتها, ولكنها لم تفلتني, حاولت أن أطمئنها, فقلت لها: لا تقلقي يا صغيرتي, ستكونين بخير هنا, ولكن فاجاني ردها: لن أكون بخير مع شخص غيرك, انعقد لساني, وأنا أحدق إلى وجه طفلة أمامي, وجه طفلة اختبات ملامحه الصغيرة خلف بقع رمادية, وبؤرتان صغيرتان, تنبع منهما براءة الطفولة المسلوبة, وجبهة ملساء, قرأت ما كان خفيا فيها, كلمة واحدة فقط, حولت حياة هذه الطفلة إلى حجيم مستعرة, الحرب.
********
سمعت صوتها مرة أخرى وكأني أسمع أعذب ألحان الفردوس: عدني بأنك ستعود, خرجت الكلمات تلقائيا من فاهي: أعدك, أعدك بأني سأعود, ولكن عديني بأنك ستبقين هنا, سمعت ذلك الصوت للمرة الثالثة, وهذه المرة كان أعذب واجمل, لوقع الكلمة على لسانها: أعدك.
********
ثم أدبرت مسرعا إلى سيارة الإسعاف القادمة, والذي كان فيها أسوأ وأدمر, وأنا أرى المآسي حولي, ولا أستطيع فعل شيء في الوقت المناسب, أتحرك فقط عند فوات الأوان, ولكن ليت هذا الأمر بين يدي, أنقل الموتى والمصابين والأشلاء, وأنقل اثقل الأخبار على المسامع, هكذا هو يومي, أرى وأعمل وأفعل وما لا أمل فيه...."
********

رد مع اقتباس

المفضلات