رزقت السيدة بريدجت بطفل بعد ثمانية أشهر من زواجها من الكابتن بليفيل . وقد أبهج مولد هذا الطفل السيد أولوورثي كثيراً , ولكنه لم يقلل من حبه للطفل الآخر الذي سماه باسمه , توماس ( توم ) . وقال لأخته : " سيترعرع هذان الطفلان معاً " . فوافقته الرأي .(5)السيد بارتريدج المسكين
إلا أن هذه الفكرة لم ترق للكابتن كثيراً , وقال : " إن السيد أولوورثي يرتكب خطأ كبيراً بهذا الخصوص . فالإنجيل يقول إن الله يصب ذنوب الآباء على الأبناء , وهذا يعني أنه يعاقب الأبناء على الأخطاء التي ارتكبها آباؤهم " . فأجاب السيد أولوورثي بأن الأطفال ليسوا أشراراً وهم بالتأكيد لم يرتكبوا أخطاء ليعاقبوا عليها , ولا علاقة لكلمات الإنجيل تلك بهذه الحالة على الإطلاق.
أثار حب السيد أولوورثي الكبير لتوم وتعلقه به انزعاج الكابتن كثيراً فأخذ يفعل كل ما في وسعه ليحرضه ضده .
في أحد الأيام كان الكابتن والسيد أولوورثي يتبادلان أطراف الحديث حول الدين والتصدق على الفقراء والمحتاجين . قال الكابتن : " هناك خطر يكمن في احتمال أن يُخدع المرء ويتصدق على من لا يستحق المساعدة . فأنت مثلاً تمنح المساعدة المالية ذلك التافه الذي يدعى بارتريدج " .
كان بارتريدج أستاذ المدرسة في القرية . وكان ينجز بعض الكتابات للسيد أولوورثي , ويقص له شعره , إذ تعلم هذه المهنة من أحد الحلاقين .
" لماذا تصف بارتريدج بالتافه ؟ " سأله السيد أولوورثي .
" إنني أصفه بالتافه لأنه والد ذلك الطفل الذي وجدته في سريرك . إنني أعجب لعدم معرفتك ذلك , فجميع أهل القرية يعلمون هذا الأمر " .
وهكذا أرسل السيد أولوورثي في طلب السيد بارتريدج ليدافع عن نفسه . كما حضرت أيضاً بعض نساء مسنات من أهالي القرية وشهدن بأنه مذنب . ولكنه أنكر ذلك مبرراً : " هذا غير صحيح ! إنه كذب وافتراء ! فأنا لست مذنباً . أرسلوا في طلب الفتاة جيني واسألوها " .
كانت جيني تعيش على مسافة سفر يوم كامل من منزل السيد أولوورثي . فأرسل في طلبها وقال ك " لن أتخذ أي قرار بهذا الشأن حتى تصل جيني . وسنلتقي مرة أخرى بعد ثلاثة أيام " .
بعد انقضاء المدة المحددة اجتمع الجميع في منزل السيد أولوورثي , وعاد الرسول ليقول : " لم أستطع أن أجدها . فقد تركت منزلها قيل أن أصل إلى هناك بأيام قليلة . لقد رحلت مع ضابط في الجيش " . فقال السيد أولوورثي : " إذاً نحن لا نستطيع أن نقول إن بارتريدج مذنب ويجب أن تتوقفوا جميعكم عن الخوض في هذا الموضوع " .
ولكن الجيران استمروا في معاملتهم السيئة لذلك المسكين , فقرر في نهاية الأمر أن يذهب للعيش – أو لمحاولة العيش – في مكان آخر .
(6)موت الكابتن
لم يحقق الكابتن ما كان يصبو إليه , وهو أن يطرد السيد أولوورثي الطفل توم من منزله . ولم يفعل السيد أولوورثي هذا , بل كان تعلقه بالطفل يتنامى يوماً بعد يوم وكأنه كان يحاول أن يعوّض عن معاملة الناس السيئة للأب بزيادة حبه وعطفه على الابن . وقد أثار هذا الأمر حفيظة الكابتن .
ومما كان يعكر مزاجه أيضاً قيام السيد أولوورثي بتوزيع الهبات بسخاء كل يوم هذا أو ذاك , فقد كان يرى في هذه الهدايا إنقاصاً لثروته هو . ولم يكن يتفق وزوجته في هذا الأمر أو حتى في غيره من الأمور . كان الكابتن ينظر إلى المرأة على أنها حيوان مفيد في المنزل , ويعتبرها أفضل قليلاً من القطة , ولكنها لا تختلف عنها كثيراً . فمنزل السيد أولوورثي وأراضيه كانت أهم بكثير بالنسبة له . لم يتفق وزوجته قط في حب أو كراهية شخص معيّن . فبينما كان يكره توم الصغير , بدأت السيدة بريدجت بالاهتمام به ورعايته أكثر فأكثر , وأخذت تعامله على قدم المساواة تقريباً مع ابنها .
لقد حاول الزوجان إخفاء كل هذا عن السيد أولوورثي , إلا أنه رأى على الأرجح ما يكفي ليقلق بعض الشيء .
كان الكابتن يعوض نفسه عن الدقائق التعيسة التي يمضيها مع زوجته , بالأفكار والآمال المشرقة التي كان يستمتع بها عندما يكون وحيداً . وقد كانت أفكاره هذه تدور حول التحسينات التي سيدخلها على منزل السيد أولوورثي وحديقته وأراضيه , ولذلك فقد قرأ العديد من الكتب التي تتحدث عن البيوت والحدائق والزراعة . إن إجراء هذه التحسينات سوف يتطلب الكثير من المال والوقت . ولكنه كان يحدث نفسه :
" إن السيد أولوورثي يملك الكثير من المال , وهو سيؤول إليّ , وأنا أتمتع بقوة وصحة جيدة وهذا سيجعلني أعيش طويلاً لأنجز هذه الخطط " .
لقد كان موت السيد أولوورثي هو الشيء الوحيد الذي يحتاجه الكابتن حتى يستطيع البدء بهذه التحسينات على الفور . ولذلك فقد أجرى حسابات دقيقة حول الزمن المتوقع لهذا الحدث , وأقنع نفسه بأن هناك احتمالاً كبيراً لحدوثه في غضون سنوات قليلة .
إلا أنه في أحد الأيام , وبينما كان لا يزال منهمكاً في هذه الحسابات , مات فجأة أثناء مشواره المسائي المعتاد .
طال انتظار السيد أولوورثي وأخته للعشاء أكثر من المعتاد , فقام السيد أولوورثي بإرسال بعض الخدم للبحث عن الكابتن .
بدأت السيدة بليفيل بالنحيب والبكاء وقالت : " آه , لقد ضاع ! لقد قتله أحدهم ولن أتمكن من رؤيته ثانية " . وفي هذه اللحظة ذاتها جاء أحد الخدم وهو يجري ويصيح : " لقد وجدنا الكابتن " , ودخل في إثره رجلان يحملان جثة رجل ميت .
استدعي طبيبان في الحال وخلصا إلى أن الكابتن قد فارق الحياة ولكنهما اختلفا حول سبب الوفاة . والحقيقة هي أن لكل طبيب مرضه المفضّل ليجعل منه السبب سواء تحسنت حالة المريض أو ساءت حتى الموت .
حزنت السيدة بليفيل كثيراً . فمن الأشياء الغريبة الملاحظة غالباً أنه كلّما قلّ حب المرأة لزوجها في حياته , كان حزنها عليه بعد وفاته أكبر .
مرّت الآن عدة سنوات كبر توم جونز و بليفيل حيث أظهر كل منهما طباعه الحقيقية .(7)حارس الطرائد وطائر الحجل
كان الاعتقاد السائد هو أن توم قد وُلد ليُشنق , إذ برهن على أنه لص , فقد سرق بطة وتفاحاً من إحدى المزارع كما سرق كرة من جيب بليفيل . لكن بليفيل الصغير هذا , كان مختلفاً تماماً , فقد كان هادئاً , وحسن السلوك بل كان أفضل من أي صبي في سنّه . لقد كسب حب كل من عرفه , بينما لم يكن لتوم جونز سوى صديق واحد هو حارس الطرائد الذي يعمل لدى السيد أولوورثي , وكانت مهمته تنحصر في منع الناس من صيد أو سرقة الطيور , كالحجل مثلاً , من أرض المالك وغابته. وكلن حارس الطرائد هذا يدعى بلاك جورج .
في أحد الأيام , خرج توم جونز لصيد الطيور مع بلاك جورج على أرض السيد أولوورثي , وبينما هما هناك , طارت بعض طيور الحجل وحطت على بعض الشجيرات على مسافة مائتي أو ثلاثة مائة ياردة خارج أرض السيد أولوورثي . فقال توم لصديقه : " هيا ! اذهب وأطلق النار على أحدهما , وأنا أعدك أنني لن أخبر أحداً . لم يكن جورج يريد القيام بذلك لأنه كان يعلم أنه لو فعل فإن السيد أولوورثي سيغضب كثيراً ويطرده من منزله وعمله . ولكن توم وعده بأنه لن يخبر أحداً .
كانت ملكية الأرض المجاورة لأرض السيد أولوورثي تعود لشخص يدعى السيد وسترن , وقد كان هذا السيد يمتطي جواده على مقربة من المكان الذي يقف فيه توم وصديقه , عندما سمع صوت طلقتين ناريتين , فتوجه نحو مصدر الصوت ليجد توم جونز هناك , فقد اختبأ حارس الطرائد بين الشجيرات.
فتش السيد وسترن (( توم )) فوجد طائر الحجل. فذهب إلى السيد أولوورثي في منزله وقال له : " أنا أعرف أنه كان ثمة شخص آخر هناك لأنني سمعت طلقتين , ولكني لم أستطع العثور عليه " .
قام السيد أولوورثي باستدعاء توم وعندما وصل قال : " ولكن الطيور يا سيدي قد طارت من أرضك أنت " .
" من هو الشخص الذي كان برفقتك " ؟
أجابه توم : " لا أحد . لقد كنت وحدي " .
حضر حارس الطرائد بعد أن استدعاه السيد أولوورثي .
ولأنه كان يثق بالوعد الذي قطعه توم فقد أكدّ : " لا لم أكن معه " . وقال السيد أولوورثي بعد ذلك مخاطباً توم : " سننتظر حتى صباح الغد , فإذا لم تخبرني حتى ذلك الوقت أضعك بتصرف السيد ثواكم " .
كان السيد ثواكم هذا مسؤولاً عن تدريس الصبيين .
وفي الصباح التالي تلقى توم ضرباً مبرحاً منه , ومع ذلك رفض البوح باسم من كان معه . فأغضب هذا السيد ثواكم كثيراً وأخذ يضرب توم بشدة جعلت السيد أولوورثي يبدأ في الظن بأن السيد وسترن قد يكون مخطئاً .
وقام باستدعاء توم وقال له : " أظن أنني قد ظلمتك , وقد نلت عقاباً لا تستحقه " . ثم أعطاه حصاناً صغيراً.
فصاح توم : " أه يا سيدي , إنك طيب جداً معي " . وكاد أن يبوح بالسر , إلا أنه فكر بما قد يحدث لبلاك جورج وعائلته , فبقي صامتاً .
ولكن الأمر لم ينتهي عند هذا الحد , فقد حدث شجار بين توم و بليفيل الصغير سببه أن بليفيل الصغير دعا توم بـ "اللقيط الحقير " , فضربه توم على أنفه . إن اللقيط هو الطفل المجهول الأبوين , ومن الفظاعة أن ندعو أي أحد بهذا اللقب.
ذهب بليفيل إلى السيد أولوورثي و ثواكم والدم يسيل من أنفه والدموع تنهمر من عينيه وقال : " إن توم جونز هو الذي فعل هذا بي " .
فسأله السيد أولوورثي : " لماذا فعلت هذا يا توم " ؟
" فعلت هذا لأنه دعاني باللقيط الحقير ".
فقال بليفيل : " هذا كذب ! فأنا لا اسمح لألفاظ كهذه أن تخرج من فمي " .
" ولكنه فعل " , قال توم .
فأجابه بليفيل : " إن من يكذب مرة يمكنه أن يفعل ذلك بسهولة مرة أخرى : .
" أيّ كذب " ؟ سأله السيد ثواكم .
" لقد قال أنه وحده عندما قتل طائر الحجل . ولكنه اعترف لي أن بلاك جورج كان معه , وجعلني أعده بعدم البوح بالسر " .
" هل هذا صحيح " ؟ سأله السيد أولوورثي .
فقال توم : " لقد رجاني بلاك جورج ألاَّ أدخل أرض السيد وسترن , ولكني أنا الذي دفعته إلى الدخول ووعدته بألا أخبر أحداً بالأمر لأنه كان يخشى أن تطرده وبذلك يفقد عمله وبيته . أرجوك يا سيد أولوورثي أن ترأف بحال عائلة هذا الرجل المسكين . خذ حصاني , ولكن أرجوك أن تصفح عن جورج المسكين " .
كان على السيد أولوورثي الآن أن يصدر حكمه : " يجب أن يكافأ توم , لا أن يعاقب , لأنه حافظ على وعده . كما يجب ألا يعاقب لضربه بليفيل لأن بليفيل لم يفِ بوعده لتوم . أما حارس الطرائد فيجب أن يعاقب لأنه ترك توم يتلقى ذلك الضرب المبرح بينما كان بإمكانه أن يعترف بالحقيقة وينجيه من العقاب " . وهكذا فقد بلاك جورج عمله كحارس للطرائد .
وأخذ الخدم والناس في القرية يرددون : " إن بليفيل صبي صغير وشقي ومخلوق كريه , بينما توم إنسان شجاع وصادق " . لم يكن بلاك جورج محبوباً لديهم . ولكنهم كانوا يشفقون عليه .
كان السيد أولوورثي قد أمر ثواكم أن يعدل بين الصبيين , إلا أن المعلم كان يعامل بليفيل بلطف ورقة شديدين , بينما يعامل توم بخشونة وقسوة . وذلك لأن الأول كان يُظهر له الاحترام دوماً , كما كان يذكر ويكرر أفكار ثواكم الدينية وكان هذا ينمّ عن حكمة تدعو إلى الدهشة بالمقارنة مع كل من هم في سنّه .
أمّا توم جونز فلم يظهر أي احترام لأستاذه , وكان في أغلب الأحيان ينسى نزع قبعته أمامه . لقد كان فتى مرحاً لا مبالياً , يضحك على بليفيل ويسخر من سلوكه الرزين .

رد مع اقتباس

المفضلات