بسم الله الرحمن الرحيم ..
اممم .. مجرد مُقدمة طويلة ربما !
كان من أهم ما جاء في الجزء الأول ثلاثة أمور , أولها أن الثقافة هي دين لمن يعتنقها .. كونها تنشأ أساساً من تحديد تصورها للخالق والإنسان ، ورأينا أن الإسلام تفرد من بين كل الثقافات بـ تصوره لـ طبيعة الإنسان وخالقه .. وهذا التفرد للإسلام جعل من المستحيل أن تُخالطه أية ثقافة أخرى مهما كانت ، وهذا قطعاً ينفي إمكانية أن يكون المُسلم إشتراكي أو ليبرالي , وإلا فهو أمام ثلاثة أمور :
الأول: أن يعترف بـ أنه علماني ( لا ديني ) وبـ التالي لا مشكلة في أن يعتنق أي شيء .
الثاني : أن يؤمن بـ أن الإسلام ما هو إلا علاقة قلبية بين العبد وربه , ولا علاقة له بـ الدنيا ، وأن في أمور الدنيا يمكننا أن ننتهج أي نظام حياة بـ قوانين وضعية تتغير بـ حسب ما يُناسب الظروف الحالية .
وصاحب هذا الرأي كأنه يقول صراحة : بأن شريعة الله لا تصلح لكل زمان ، وأن عصرها إنتهى ، وكأنه يصف الله ( سبحانه وتعالى ) بـ التقصير .
الثالث : يُمكن وصفهم في عبارة بليغة قالها الشيخ مُصطفى صبري في كتابه ( موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسليم ) :
" في الشرق الإسلامي نوابغ من الكتاب والشعراء إتصلوا بـ الغرب وعلومه , فرأوا دينهم مقذوفاً به مع سائر الأديان إلى عالم الأساطير ، فلم ينبسوا بـ كلمة لأن الأمر أكبر من أن يُحاولوا ، ولكنهم إستبطنوا الإلحاد مُتيقنين أنه مصير إخوانهم كافة .. متى وصلوا إلى درجتهم العلمية ، وهم اليوم مُنشغلون بـ تهيئة الأذهان إلى قبول ما استبطنوه .. دساً في مقالاتهم وقصائدهم , غير مُصارحين به غير أمثالهم " .
وأخيراً فـ المسلم هو مُسلم منهجه هو كتاب الله وسنة رسوله ( عليه الصلاة والسلام )
" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ "
أما ثاني وثالث ما تناولناه في الجزء الأول هو معركة اليهود مع الكنيسة في غرب أوروبا وشرقها , المعركة التي بدأت بـ الطعن في الكنيسة عن طريق العلم ، ثم تطورت في غرب أوروبا بـ دين نصراني آخر ( البروتستانتية ) يُعظم اليهود، ثم منهج حياة وضعي ( الليبرالية ) يُساوي بين اليهود وغيرهم من النصارى .. ويُعطيهم كل الحقوق التي تُمكنهم من السيطرة على أي بلد يتواجدون فيه ، ثم تبعتها أوروبا الشرقية بـ نظام ( شيوعي ) يُعادي كل الأديان إلا اليهودية .. أصبح فيه اليهود هم قادة الدول وزعماء الأحزاب .. تخلوا عن ممتلكاتهم الفردية .. وملكوا كل الدول الشيوعية بـ من عليها.
نعود لـ معركة العلم .. وحتى نفهم كيف إستمرت النصرانية إلى الآن رغم هزيمتها الساحقة أمام العلم .. الذي كشف تناقضات وأخطاء الكتب التي يُفترض أنها مُقدسة ومن عند الله , فيجب أولاً أن نعرف طبيعة العلاقة بين النصارى وربهم !
فـ اليهود والنصارى يشتركون من خلال العهد القديم الذي يؤمنان به ، في أن الله يتفوق على الإنسان فقط بـ العلم والخلود ، وأن الله يُريد للإنسان أن يبقى جاهلاً .. حتى لا يُنازعه على مقام الألوهية !
لذا نجد في العهد القديم ( الذي يؤمن به اليهود والنصارى معاً ) في سفر التكوين , بعد أن أكل آدم من الشجرة .. التي هي عندهم شجرة المعرفة :
" وقال الرب الإله : هو ذا آدم قد صار كـ واحد منا . يعرف الخير والشر ، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً .. ويأكل ويحيا إلى الدهر ، فـ أخرجه الرب الإله من جنة عدن " !
أي أنهم يرون أن الله يُحاول أن يمنع العلم عن الإنسان حتى لا يتساوى معه ( تعالى الله عما يقولون ) !
لهذا فهم أمام خيارين :
الأول : أن يعترفوا بـ قدرة الله , وأنهم عاجزون .. ويرضوا بـ العلم الذي يسمح لهم به .. مهما كان شكله .
الثاني : هو أن يتحدوا إرادة الله ويتعلموا ، وبـ التالي يُصبح كل إنتصار يُحققوه في مجال العلم هو هزيمة لإرادة الله وتحرراً من القيود التي فرضها على الإنسان !!
وقد ظهر هذا التحدي في المكوك الذي أطلقت عليه ناسا اسم ( تشالنجر ) والذي انفجر بعد إقلاعه , فـ عادوا بعدها إلى الأسماء اللطيفة مثل ( ديسكفري ) !
وظهر هذا التحدي أيضاً في السفينة تيتانيك التي قال عنها قبطانها : حتى الله لن يستطيع اغراقها !
وهذا الصراع بين الإنسان وخالقه الموجود في اليهودية والنصرانية , هو نفسه الموجود في الأديان الوثنية القديمة ..
فـ نجد أن زيوس في الأساطير الإغريقية .. كان يحقد على الإنسان وأراد أن يحرمه من الخير , فقرر أن يحرمه من النار , إلى أن قام بروميتوس بـ سرقة النار والحرف لسيما الحدادة وأعطاها للإنسان ، وعندما تعلم الإنسان لم يعد بـ مقدور زيوس القضاء عليه .. وبقيّ الصراع بينهما قائماً !
لهذا فنحن كـ مُسلمين لا نعبد .. لا إله اليهود ولا النصارى ، فـ الإله عندهم ليس له من صفات الكمال شيء ، فهو عند اليهود يدرس التلمود الذي يكتبه الحاخامات ويلعب مع الحوت ( تعالى الله عما يقولون ) ، وعند النصارى هو ثلاثة آلهه وفي الوقت نفسه هو إله واحد , وينزل على الأرض ويصلبه عباده ويقتلوه ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) !
هذا عن الصراع مع العلم الذي دعمه اليهود للحط من الكنيسة ..
أما الصراع الآخر الذي كان يهدف إلى مُساواة اليهود بـ النصارى لـ يتمكن اليهود من السيطرة على أوروبا تمهيداً للسيطرة على العالم .. فقد تناولناها في الدروس السابقة من وجهة نظر علماء الإسلام .. وهي النظرة الصحيحة التي لم تتحدث عن مؤامرة , يُحرك بها اليهود العالم , أو منظمات خفية يقودها رجال يجلسون على مائدة مستدية ويُحركون العالم كـ قطع شطرنج ، وإنما وجهة نظر ترى أن اليهود يستغلون الأحداث فقط .. ولا يصنعون منها إلا القليل ، ولو كان بـ إمكانهم صناعتها لما استغرق منهم الأمر أكثر من 1300 عام لـ إسقاط الخلافة الإسلامية مثلاً !
أما وجهات النظر الغربية ( الكاثوليك خصوصاً ) لـ سيطرة اليهود , فـ أشهرها ودون تكرار إثنتان فقط :
الأولى : ما جاء في كتاب حكومة العالم الخفية لـ شيريب سبيريدوفيتش , الذي يتحدث بـ صراحة عن أن اليهود لسيما عائلة روتشيلد هم سبب كل البلاء والشرور والحروب التي تحدث في العالم .. والكتاب دون مُبالغة يحتوي على أخطاء لا تُحصى .. رغم أنه الأقرب للصواب من بين هذه النوعية من الكتب .
الثانية : ظهرت في كتب مثل كتاب أحجار على رقعة شطرنج لـ وليم جاي كار , الذي يُعزي كل الشرور المصائب لـ طائفة النورانيين التي أنشأها ( آدم وايزهاوبت ) ، وهي طائفة تعبد الشيطان إله النور .. وتهدف إلى القضاء على الحكومات والأديان لـ يحكم إلههم – إله النور – العالم !
ولأن وايزهاوبت – كما يزعم الكتاب – بدأ نشاطه في 1770 ، فإن ما جاء في فيلم (angels & demons ) من أن النورايين تواجدوا من أيام جاليليو كـ جماعة سرية تهدف للقضاء على الأديان .. فهي تعتبر بـ حد ذاتها فرضية أخرى قد يكون دان براون تفرد بها وحده !
المهم أن الكتاب يذكر أن وايزهاوبت تحكم بـ المنظمات الماسونية وجعلها تخدم أهدافه الشريرة ، ويُفهم من الكتاب أن اليهود كانوا مُجرد أداة بـ يد طائفة النورانيين ليس إلا .. وإن كان ذكر روتشيلد موجود هنا أيضاً !
وشبيه بـ هذا الكتاب وآخرها بـ حسب ما أعتقد هو كتاب ( حرب العملات ) لـ سنوغ هونغبينغ , الذي يبدأ بـ الحديث عن سيطرة عائلة روتشيلد على إقتصاد العالم , ثم يتحدث عن مؤامرة كبرى يتعرض لها الإقتصاد الصيني من اليهود ، أكبر بـ مئات المرات من المؤامرة التي تعرضت لها إقتصاديات دول جنوب شرق آسيا ( النمور الثمانية ) في التسعينات ، ومن قبلها اليابان التي تخطت خسائرها من جراء تلك المؤامرة أو الضربة .. خسائر الحرب العالمية الثانية !
أما ما تشترك فيه كل تلك الكتب فهو الحديث عن عائلة روتشيلد !
سأتوقف هنا , وفي المقدمة الثانية .. سأتحدث عن اليهود من أيام داود ( عليه السلام ) إلى يومنا هذا بـ إختصار لما يُهمنا في بقية الدروس , وعن عائلة روتشيلد بـ شيء من التفصيل !
" والذي حدث في مصر بعد 23 يوليو , هو أن مجلس قيادة الثورة كان حتماً عليه أن يحمي الثورة ، أو بـ معنى أكثر وضوحاً يحمي الشعب من الرجعيين "
أنور السادات
" لـ نفرض أن حاكماً اراد رداء مصنوع من قماش .. من الصعب قطعه قطعاً مُناسباً , فـ سيبحث بكل تأكيد عن خياط ماهر ، وإذا أراد أن يُشفي جواداً .. فـ سيبحث عن بيطار ماهر ، وفي القيام بـ كل هذه الأعمال .. لن يستخدم الحاكم أقاربه , ولا أولئك الذين هم أثرياء ونبلاء وتعوزهم الموهبة ، ولا أولئك الذين هم مجرد أشخاص حسني المظهر .. لأنه يعلم بـ أنهم ليسوا أكفاء للقيام بـ ذلك ، ولكن إذا كان الموضوع موضوع حكم دولة , فإن الأمر لا يكون على هذه الصورة .. إذ يختار الحاكم لـ هذا العمل من هم أقاربه ومن هم أثرياء بلا مواهب ، أو ألئك الذين هم مجرد أشخاص حسني المظهر ، فهل تُهمه الدولة في قليل .. مثل إهتمامه بـ جواد مريض أو رداء " !!
موتزو – فيلسوف صيني
الدرس القادم :
المقدمة الثانية ..





رد مع اقتباس



المفضلات