وقفات لابد منها ..

الوقفة الأولى

من عجائب النفس البشرية استعدادها للخير والشر

يظهر ذلك في هذه القصص عموما عجيبة من عجائب النفس البشرية ،وهي استعداد النفس للخير والشر..فالذين وقعوا في أكبر الكبائر،من القتل والسرقة وتعاطي المخدرات هم الذين صاروا بعد ذلك من حملة القرآن..وأهل الصيام والقيام..

فالنفس التي سولت لصاحبها أن يقتل أمه وأباه ،هي كذلك النفس التي صارت بطاعة الله -عز وجل-.

والله -عزو جل-قرر لنا هذه الحقيقة بعد أحد عشر قسماً متوالياً فقال تعالى : "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3)إِذَا يَغْشَاهَا (4)وَمَا بَنَاهَا(5)وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا(6)وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9)وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(10) "
وليس في القرآن كله من أوله لآخره أقسام متوالية على هذا النسق ،وبهذه الكثرة،والله تعالى لا يحتاج إلى قسم ،فمن أصدق من الله قيلا،ومن أصدق من الله حديثاً؟

ولكن الله -عز وجل- يريد أن يلفت أنظارنا إلى هذه الحقيقة،وهذه العجيبة من عجائب النفس،وهي استعدادها للتزكية وهي التنمية ،والتطهير والإصلاح بطاعة الله ورسوله ,وكذا استعدادها للتدسية ،وهي التحقير والتصغير بمعصية الله والتمرد على شرعه .

فمن زكى نفسه أفلح وأنجح في الدنيا والآخرة.

فالله تعالى شرع لنا الشرع المتين من أجل أن نسعد في الدنيا والآخرة فالله تعالى لا يستفيد شيئا من طاعات العباد ولا يتضرر بشئ من معاصيهم.

قال تعالى : "لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ"

وقال أيضا : "وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً "

وقال في الحديث القدسي : "يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ,ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا " -رواه مسلم-

فالعباد أنفسهم ينتفعون بطاعتهم,وهم أنفسهم يتضررون بمعاصيهم .

قال تعالى "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ "

فالزكاة طهارة للمال ،وطهارة لنفس المزكي من الشح وحب المال ،وطهارة للفقير من حسد الغني ،وطهارة للمجتمع من السلب والنهب ،إذا علم الفقير أن له حقا معلوما في مال الغني ،ولذلك سميت الصدقة الواجبة زكاة.

وهكذا سائر العبادات والطاعات تزكية دائمة مستمرة ,وليس على العبد إلا أن يكون بين يدي مشرع ,كالميت بين يدي مغسل ,فالميت ليس له إرادة تخالف إرادة مغسله ، فيتولى الشرع تنظيفه وتهذيبه ,فإذا زكت نفسه واطمأنت بطاعة اللع عزوجل دخل العبد جنة الدنيا قبل جنة الآخرة كما قال شيخ الإسلام :إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة .

وقال إبراهيم بن أدهم : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجادلونا عليها بالسيوف.

وقال بعضهم : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة كما نحن فيه ،إنهم والله لفي عيش طيب.

فالحياة الحقيقة هي الحياة بدين الله وبطاعته ،ومن لم يعبد ربه بأمره ونهيه فهو ميت يمشي على الأرض ،كما أن من لم يعرف ربه ولم يعبده بأمره ونهيه لن يجد الحياة الحقيقية وإنما يحيا من أجل أن يأكل ،ويأكل من أجل أن يحيا فحياته شبيهة بحياة العجماوات .

كما قال تعالى : "يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم "

وقال تعالى : "أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون "

قال بعض السلف :احذر الموت وأنت في هذه الدار ،قبل أن تصل إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده .

فالحياة الحقيقية في الدنيا هي الحياة في طاعة الله والعمل من أجل الحياة الباقية الدائمة في جوار الله -عز وجل- في الجنة.

قال الشاعر ..

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها .. إلا التي كان قبل الموت بانيهــا
فإن بناها بخيــر طــاب مسكنه.. وإن بنـاهــا بشــرٍ خـاب بانيـهـا

فالذين يقعون في جرائم القتل والنهب والزنا والسرقة وسائر الموبقات لم تخلق نفوسهم شريرة من أول يوم ,بل كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ..ولم يقل النبي يسلمانه ..لأن الفطرة هي الإسلام .


فإذا وجدت النفس البشرية من يرشدها إلى سبيل حياتها الطيبة في الدنيا وسعادتها الأبدية السرمدية ،وفقت للعمل بذلك،صار العبد من الزهاد والعباد ،الذين يجمعون بين سعادة الدنيا والآخرة حيث تترعرع شجرة الإيمان في قلوبهم ،وتثمر أطيب الثمرات ،من الأحوال الإيمانية الشريفة, والأعمال الصالحة .

وإذا وجدت النفس البشرية من يزين لها الكفر والفسوق والعصيان ,وخذلها الرحمن ،وسعت من هذا الميدان ،ميدان الذل والهوان والضنك والشقاء في الدنيا والعذاب المستديم في الآخرة، فيخسر العبد دنياه وآخرته ،وإذا به يقتل أقرب الناس إليه وأولاهم ببره وإحسانه ،لأنه مطموس البصيرة ،منكوس القلب.

فالنفس بطبيعتها مهيأة ومستعدة للخير والشر ,وهذه القصص الواقعية التي نسوقها من عنبر الحياة (الإعدام سابقا)أكبر شاهد على ذلك فالين قارفوا الكبائر وماتقشعر منه النفوس المؤمنة ,هم أنفسهم الذين صاروا حملة القرآن ومن أهل الصيام والقيام .