الموضوعـ الرابع و الأربعــــــــون : انظر بعينين ..
يقول الشيخـ ::::نحن نبدع في أحيان كثيرة في رؤية أخطاء الناسـ ..
وملاحظتهــا .. وربما في تنبيههم عليهــا ..
ولكننا قلما نبدع في رؤية الخير الذي عندهــم ..
والانتباه إلى الصواب الذي يمارسونه .. لنمدحهم بــه ..
قل ذلك في المـــــدرس مع طلابــه ..
فكل المدرسين يذمون الطالب البليد المهمــل في واجباتــه ..
الكسول المتأخر في الحضور دائماً .. لكن قليلاً منهم من يمدح الطالــب المجــد ..
الذي يحضر مبكراً وخطه حســن وكلامه جيـــد ..
كثيراً ما ننبه أولادنا إلى أخطائهـم .. لكنهم يحسنون ولا ننتبـه إلا قليلاً ..
مما يجعلنا أحياناً نفوت فرصاً كثيرة كنا من خلالها نستطيع أن ننفذ إلى قلـوب الناس ..
فمن أبدع مهارات الكــلام .. أن تمتدح الخير الذي عند النـــاسـ ..
كان قوم أبي موسى الأشعـري رضيـ الله عنه لهم اهتمام بتلاوة القرآن وحفظــه ..
وربما فاقوا كثيراً من الصحابة في كثرة تلاوته وتحسين الصوت بــه ..
فرافقوا النبي صلى الله عليه وسلمـ يوماً في سفـــر ..
فلما أصبح النــاس .. واجتمعوا قال عليه الصــلاة والسلامـ :
إني لأعرف أصــوات رفقة الأشعرييـــن بالقرآن حين يدخلون بالليـل ..
وأعرف منازلهم .. من أصواتهم بالقرآن بالليــل ..
وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهـــار ..
فكأنك بألشعريين وهم يستمعون هذا لاثناء أمام الناس ..
يتوقدون حرصاً بعدها على الخير ..
وفي ذات صبـــاح .. لقي النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
أبا موسى .. فقال لـــه :
لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك .. لقد أوتيت من مزاميــــر آل داود ..
فقال أبو موسى : لو علمت أنك تستمع لقراءتي .. لحبرتها لك تحبيــــراً ..
وكان عمرو بن تغلب رضيـ الله عنه رجلاً من عامــــة الصحابــــة ..
لم يتميز بعلم كما تميز أبو بكر .. ولا بشجاعة كما تميز عمــر ..
ولا بقـــوة حفظ كأبي هريرة .. لكن قلبه كان مملوءاً إيمــاناً ..
وكـان صلى الله عليه وسلمـ يلحظ ذلكــ فيــه ..
فبينما النبــي صلى الله عليه وسلمـ جالسـاً يومـــاً ..
إذ جيء إليـه بمال فجعل يقسمــه بين بعض أصحابـــه ..
فأعطى رجـــالاً .. وترك رجـالاً ..
فكأن الذين تركهــم وجدوا في أنفسهـــم .. وعتبوا .. لماذا لم يعطنـــــا ..
فلما علم صلى الله عليه وسلمـ بذلك .. قام أمام الناس ..
فحمد الله تعالى ثم أثنى عليه .. ثم قـــال :
أما بعد .. فــوالله إني لأعطي الرجـــل .. وأدع الرجـــل ..
والذي أدع أحبُّ إلــيَّ من الذي أُعطـــي ..
ولكني أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهـــم من الجــزع والهلـع ..
وأَكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخيــر .. منهم : عمرو بن تغلب ..
فلما سمع عمرو بن تغلب هذا الثنـــاء على الملأ .. طار فرحــاً ..
وكان يحدث بهذا الحديث بعدهـــا ..
ويقول : فو الله ما أحب أن لي بكلمة رســول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
حمــر النعــــمـ ..
وفي يــوم آخــر ..
أقبـــل أبو هريرة رضيـ الله عنه.. فسأل النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
قائلاً : من أســـعد الناس بشفاعتكـــ يـوم القيامـة ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ .. مشجعاً ..
لقد كنت أظن أن لا أحد يسـأل عن هذا قبلكــ ..
لما رأيت من حرصـــكـــ على العلـــم ..
أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامـة .. من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ..
وسلمان الفارسي .. كان مـن خيار الصحابــــة ..
لم يكن من العرب .. بل كان ابناً لأحد كبـار فـارسـ ..
وكان أبوه يحبه ويقربه .. لدرجة أنه كان يحبسه في البيت خوفاً عليــه ..
أدخل الله الإيمـــان في قلب سلمــان رضيـ الله عنه ..
خرج من بيت أبيـته .. سافر إلى الشام باحثاً عن الحـــــق ..
احتال بعض الناس عليه وباعوه إلى يهـودي على أنه عبد مملوكــــ ..
وحصلت له قصة طوييييلة .. حتى وصل إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فكـــان النبي صلى الله عليه وسلمـ يقــدر له ذلكــــ ..
فبينما كان صلى الله عليه وسلمـ جالسـاً بين أصحابه يومـاً ..
إذا أنزلت عليه سورة الجمعـــــة ..
فجعل صلى الله عليه وسلمـ يقرؤها على أصحابـه .. وهم يستمعــونـ ..
وهو يقرأ :"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ "..
فلما قرأ :"وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّايَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ..
قال رجل من الصحابة : من هؤلاء يا رســــول الله ؟
فسكت النبي صلى الله عليه وسلمـ ..
فأعاد الرجل السؤال .. من هؤلاء يا رســــــول الله ؟
فلم يرد عليه ..
فأعاد .. من هؤلاء يا رســــول الله ؟
فلتفت النبيـ صلى الله عليه وسلمـ إلى سلمـان ..
ثم وضع يده عليـه ..
وقال : لو كان الإيمان عنـد الثريا .. لناله رجال من هـؤلاء ..

:: وجهة نظر::
تفاءل وأحسن الظن بالناس .. وشجعهم .. لينطلقوا أكثر