الموضوعـ السابع والثمانــــــــــــين : الساحر ..
يقول الشيخـ :::: الكلامـ ببلاشـ .. يا أخيـ سَمِّعنا كلمة حلوة ..
هكذا بدأتـ المسكينة تعاتبـ زوجها ..
صحيحـ هو ما قصر معها في طعامـ ولا لباسـ .. ولكنه لمـ يكنـ يسحرها بمعسول الكلامـ .. !!
يجمعـ العقلاء أن أهمـ صفات البائعـ الماهر أن يكونـ ساحراً في كلامه ..
فيردد : من عيونيـ .. تفضل .. خل الحساب علينا .. تعبكـ راحة ..
وتزيد قيمة البائعـ كلما زادت عباراته جمالاً ..
فإنـ أضافـ إلى حسنـ العبارة جودة في وصفـ السلعة .. وقدرة على إقناعـ الزبونـ بالشراء ..
صار قد اكتسب نوراً على نور ..
ويجمعـ المجربونـ أنـ من أهمـ صفاتــ السكرتير أنـ يكونـ لسانه عذباً .. وعباراته حلوة ..
فيطربـ الأسماعـ بقوله : سَمْـ .. أبشر .. نحنـ ( خدّامينك ) ..
وربما شغفتـ زوجة بزوجها حباً .. وهو كثير البخل قليل الجمال .. لكنه يسحرها بعباراته ..
أذكر أنـ شاباً مراهقاً كانـ مغرماً بمغازلة الفتيات ..
وكانـ له قدرة عجيبة على الإيقاعـ بهنـ .. وكمـ منـ مسكينة صارتـ متيمة بحبه ..
عالقة بشراكه .. ومن العجبـ أنه لمـ يكنـ يملكـ سيارة فارهة يغريهنـ بركوبها ..
ولمـ تكنـ جيبه مليئة بالمال ليغدق عليهنـ الهدايا .. ولا تظننـ أنه أوتيـ وسامة أو جمالاً ..
كلا فإنيـ أسأل الله لكـ أن لا تبتلى بالنظر إلى وجهه !!
لكنه كانـ يغلقـ فمه على لسانـ .. لو تكلمـ مع حجر لفلقه .. ولو سمعه نهر لدفّقه ..
فكانـ يصطاد الفتياتـ بلسانه اصطياداً .. بل يسحرهنـ سحراً ..
وحـديثهـا السحـر الحـلال لـو أنـه **** لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت**** ود المحـدث أنـهـا لـم توجـز
أقبل يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ثلاثةُ رجال سادة في قومهمـ ..
قيسـ بن عاصم .. والزبرقانـ بن بدر .. وعمرو بنـ الأهتمـ ..وكلهمـ من قبيلة تميمـ ..
فبدؤوا يتفاخرونـ .. فقال الزبرقان : يا رسول الله .. أنا سيد تميمـ .. والمطاعـ فيهمـ ..
والمجابـ فيهمـ .. أمنعهمـ من الظلمـ .. فآخذ لهمـ بحقوقهمـ ..
ثمـ أشار إلى السيد الآخر عمرو بن الأهتمـ .. وقال : وهذا يعلم ذاك ..
فأثنى عمرو عليه وقال : والله يا رسول الله .. إنه لشديد العارضة .. مانع لجانبه ..
مطاعـ فيـ ناديه ..ثمـ سكتـ عمرو ..
فغضبـ الزبرقانـ .. وودَّ لو لأن عمرواً زاد في الثناء .. وظنـ أنه حسده على سيادته ..
فقال الزبرقان : والله يا رسول الله .. لقد علم ما قال .. وما منعه أن يتكلم به إلا الحسد ..
فغضب عمرو .. وقال :أنا أحسدك ؟!! فوالله إنك لئيم الخال .. حديث المال ..
أحمق الموالد .. مضيع في العشيرة .. والله يا رسول الله لقد صدقتـ فيما قلت أولاً ..
وما كذبتـ فيما قلتـ آخراً .. لكنيـ رجل رضيتـ فقلتـ أحسنَـ ما علمتـ ..
وغضبتـ فقلتُـ أقبحـ ما وجدتـ .. ووالله لقد صدقتـ في الأمرينـ جميعاً ..
فعجبـ صلى الله عليه وسلمـ منـ سرعة حجته .. وقوة بيانه .. ومهارات لسانه ..
فقال : إنـ منـ البيانـ لسحراً .. إنـ منـ البيانـ لسحراً ..
فكنـ مبدعاً فيـ مهارات لسانكـ .. فلو قال لكـ : ناولنيـ القلمـ .. قل : منـ عيونيـ .. تفضل ..
ولو قال .. لكن يا فلانـ عندي طلبـ : اطلبـ عيونيـ .. سَمْـ ..
أريد منكـ خدمة : تفضل .. خدمنا أناساً ما يساوونـ أثر رجليكـ ..
مارسـ هذا الأسلوبـ الذي يدغدغـ المشاعر .. مع أمكـ .. نعمـ أسمعها كلماتـ رقيقة لينة ..
مع أبيكـ .. زوجتكـ .. أولادكـ .. زملائكـ ..
فهذا الأسلوبـ لا يخسركـ شيئاً .. وتسحر به الآخرين .. وتزيل ما فيـ نفوسهمـ ..
وانظر إلى حال الأنصار رضيـ الله عنهمـ بعد معركة حنينـ ..
الأنصار الذين قاتلوا مع النبيـ صلى الله عليه وسلمـ في بدر ثم قتلوا في أحد ..
وحوصروا فيـ الخندقـ .. ولا زالوا معه يقاتلونـ ويُقتَلونـ .. حتى فتحوا معه مكة ..
ثمـ مضوا إلى معركة حنينـ .. ففي الصحيحينـ ..
أنـ القتال اشتد أول المعركة .. وانكشفـ الناسـ عن رسول الله ..
فإذا الهزيمة تلوحـ أمامـ المسلمينـ .. فالتفتـ صلى الله عليه وسلمـ إلى أصحابه ..
فإذا همـ يفرون من بين يديه ..فصاحـ بالأنصار ..
يا معشر الأنصار .. فقالوا : لبيكـ يا رسول الله ..
وعادوا إليه .. وصفوا بينـ يديه ..ولا زالوا يدفعونـ العدو بسيوفهمـ ..
ويفدونـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بنحورهمـ .. حتى فر الكفار وانتصر المسلمونـ ..
وبعدما انتهتـ المعركة.. وجمعتـ الغنائمـ بينـ يدي النبيـ صلى الله عليه وسلمـ ..
أخذوا ينظرون إليها ..وأحدهم يتذكر أولاده الجوعى ..
وأهلَه الفقرا .. ويرجو أنـ يناله من هذه الغنائمـ شيء يوسع به عليهمـ ..
فبينما همـ على ذلك ..فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
يدعو الأقرعـ بن حابس .. ما أسلمـ إلا قبل أيامـ فيـ فتحـ مكة .. فيعطيه مائة من الإبل ..
ثمـ يدعو أبا سفيانـ ويعطيه مائة منـ الإبل ..ولا يزال يقسمـ النعمـ ..
بين أقوامـ .. ما بذلوا بذل الأنصار .. ولا جاهدوا جهادهمـ ..
ولا ضحوا تضحيتهمـ .. فلما رأى الأنصار ذلك ..
قال بعضهمـ لبعض : يغفر الله لرسول الله .. يعطي قريشاً ويتركنا .. وسيوفنا تقطر من دمائهمـ ..
فلما رأى سيدهمـ سعد بن عبادة رضيـ الله عنه ذلك ..
دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلمـ ..
فقال : يا رسول الله .. إنـ أصحابكـ منـ الأنصار وجدوا عليك فيـ أنفسهمـ .. قال : وما ذاكـ ؟!!
قال : لما صنعتـ في هذا الفئ الذي أصبتـ .. قسمتـ في قومكـ .. وأعطيتـ عطاياً عظاماً ..
فيـ قبائل العرب .. ولمـ يكنـ فيـ الأنصار منه شئ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟
قال : يا رسول الله .. ما أنا إلا امرؤ منـ قوميـ ..
فقال : فاجمعـ لي قومكـ .. فلما اجتمعوا .. أتاهمـ رسول الله ..
فحمد الله وأثنى عليه .. ثمـ قال : يا معشر الأنصار .. ما قالة بلغتني عنكمـ ؟
قالوا : أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة أسنانهم ..
فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطيـ قريشـ ويتركنا وسيوفنا تقطر منـ دمائهمـ ..
فقال صلى الله عليه وسلمـ : يا معشر الأنصار .. ألم تكونوا ضلالاً فهداكمـ الله بي ..
قالوا : بلى ولله ورسوله .. المنة الفضل ..
قال : ألمـ تكونوا عالة فأغناكمـ الله .. وأعداءً فألف بينـ قلوبكمـ ..
قالوا : بلى ولله ورسوله .. المنة الفضل ..
ثمـ سكتـ رسول الله صلى الله عليه وسلمـ .. وسكتوا .. وانتظرَ .. وانتظروا ..
فقال : ألا تجيبونيـ يا معشر الأنصار ..
قالوا : وبماذا نجيبكـ يا رسول الله .. ولله ولرسوله المنة والفضل ..
قال : أما والله لو شئتم لقلتم .. فلصَدَقتم ولصُدِّقتم ..
لو شئتم لقلتم : أتيتنا مكذباً فصدقناك .. ومخذولاً فنصرناك .. وطريداً فآويناك ..
وعائلاً فواسيناك .. ثم قال : يا معشر الأنصار ..
أوجدتمـ على رسول الله في أنفسكمـ .. في لعاعة من الدنيا .. تألفتـ بها قوماً ليسلموا ..
ووكلتمـ الى إسلامكمـ .. إن قريشاً حديثوا عهد بجاهلية ومصيبة ..
وإنيـ أردت أن أجبرهمـ .. وأتألفهمـ .. ألا ترضونـ يا معشر الأنصار ..
أنـ يذهبـ الناسـ بالشاة والبعير .. وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلمـ إلى بيوتكمـ ..
لو سلكـ الناسـ وادياً أو شعباً .. وسلكتـ الأنصار وادياً أو شعباً .. لسلكتـ وادي الأنصار ..
أو شعبـ الأنصار .. فوالذي نفس محمد بيده .. إنه لولا الهجرة ..
لكنتـ امرءاً من الأنصار .. اللهمـ ارحمـ الأنصار .. وأبناء الأنصار .. وأبناء أبناء الأنصار ..
فبكى القومـ حتى أخضلوا لحاهمـ .. وقالوا : رضينا برسول الله قَسْماً وحظاً..
ثمـ انصرفـ رسول الله وتفرقوا .. بل إنك بالعبارات الجميلة تستطيع أن تخدر الناس أحياناً ..
ذكر أنه كان فيـ صعيد مصر رجل غني متسلط يسمونه " الباشا " ..
كانـ يملك فدادينـ منـ المزارعـ .. كانـ متغطرساً يمارسـ أصنافـ الإذلال على المزارعين الصغار ..
دارت الزمان دورته فأصاب أرضه ما أتلفها .. فأصبح فقيراً بعد غنى .. كسيراً جاع أولاده ..
وهو ليسـ عنده مصدر يتكسبـ منه .. ولا يعرفـ صنعة غير الزراعة .. لكنـ أرضه تالفة ..
فخرجـ يبحثـ عنـ عمل .. أي عمل ..
أقبل على مزرعة لأحد الفلاحينـ الضعفاء الذينـ ذاقوا من إذلاله قديماً ..
دخل عليه .. وقال بكل مذلة : هل أجد عنكـ عملاً .. أقطف الثمر .. أو أنقي الحبوبـ ..
أو أقلم الأشجار .. أو ..فثار المزارع في وجهه
وقال : أنت تعمل عندي !! أنت المتكبر المتغطرس ..
الحمد لله أنـ استجابـ دعاءنا عليكـ وأذلكـ .. ثمـ طرده من بستانه ..
مضى يجر قدميـ خيبته .. حتى دخل بستاناً آخر .. فإذا بفلاحـ له معه ذكريات أليمة ..
فطرده كما طرده الأول ..مضى الباشا ( !! ) المسكينـ لا يلوي على شيء ..
ولا يريد أن يرجعـ إلى أولاده خالياً .. مر على مزرعة لفلاحـ ثالثـ .. فدخل ليجربـ حظه معه ..
رآه الفلاح فانبهر .. وقد ذاق أيضاً من إذلاله من قبل .. قال الباشا : أنا أبحثـ عنـ عمل ..
أولادي جوعى .. فأراد الفلاحـ أن يذله .. وأن ينتقمـ منه بأسلوبـ ذكيـ ..
فقال له : أهلاً أيها الباشا !! نورتـ بستانيـ !! منـ مثليـ اليوم الباشا الكبير يدخل أرضي !!
أنتـ الباشا الكبير .. أنتـ الباشا الوجيه !! أنتـ ..
وجعل يخدّره بهذه العباراتـ .. حتى صار الباشا منوماً تنويماً مغناطيسياً !!
ثمـ قال الفلاحـ : مرحباً وأهلاً .. عنديـ عمل .. لكني لا أدري هل يناسبك أم لا ؟
قال الباشا : وما هو ؟
قال : اليوم سوف أحرثـ الأرض .. وعندي محراثـ يجره ثورانـ .. ثور أبيض وثور أسود ..
والثور الأسود اليوم مريضـ ولا يستطيعـ أنـ يعمل .. والثور الأبيضـ لا يطيق جر الحراثة وحده ..
فأريدكـ أن تقوم اليومـ بوظيفة الثور الأسود .. فأنت قوي أيها الباشا ..
أنتـ قائد .. أنتـ رئيسـ .. تسير في الأمام دائماً ..
توجه الباشا بكل كبرياء إلى الحراثة .. ووقف بجانب الثور الأبيض ..
أقبل المزارع إليه وبدأ بالثور الأبيض وربطه بالحبال ليجر المحراث ..
ثمـ توجه إلى الباشا وهو يردد قائلاً : يا أحسنـ باشا فيـ العالمـ .. يا قويـ .. يا بطل ..
والباشا يتلفتـ في زهو .. ثمـ ربط الحبال فيـ كتفيـ الباشا ..
وركبـ هو على الحراثة معه السوط !! وصاحـ : امشـ .. وضربـ ظهر الثور فتحرك ..
وتحركـ الباشا يجر المحراثـ .. والفلاحـ يردد : جميل يا باشا .. ممتاز يا ملكـ ..
ويضربـ ظهر الثور .. ويصيحـ أقوى يا باشا .. أحسنـ يا باشا ..
والباشا المسكينـ لم يتعود على ذلكـ .. لكنه كان يجر بكل قوته ..
منـ الصباحـ حتى غابتـ الشمسـ .. وكأنه غائبـ العقل ..
فلما انتهى فك الفلاحـ عنه الحبال .. وهو يقول : والله شغلكـ جميل يا باشا ..
هذا أحسنـ يومـ مر عليـ يا باشا .. ثمـ بضع جنيهات .. ومضى الباشا إلى بيته ..
دخل على أولاده .. وقد تقرحتـ كتفاه .. وسالتـ الدماء من أسفل قدميه ..
والعرقـ يغرق ثيابه .. و .. لكنه لا يزال منتشياً مخدراً ..
سأله أولاده : هاه .. هل وجدت عملاً ..
فقال بكل فخر : نعمـ .. أنا الباشا .. كيف لا أجد عملاً ..
فقالوا : فماذا اشتغلتـ ؟!
فقال : اشتغلت .. هاه !! اشتغلت !!
وبدأ يصحو منـ تخديره .. ويدرك ما أصابه ..
قال : اشتغلتـ ثوراً !!!
:: قرار ::
اختر أطيب الكلام كما تختار أطيب الثمر ..
رد مع اقتباس


المفضلات