فـالنجاح فيما بين الإنسان ونفسه : هو أن يستطيع قيادتها نحو الطريق الصحيح .. وأن يستطيع أن يضمن لها أن تعيش هانئة سعيدة بيديها كل متطلباتها .. وبعيد عنها كل محذوراتها ومضراتها .. ويمكن تلخيص ذلك في " السلام بين المرء ونفسه " .. ويتحقق ذلك بأشياء عدة .. فلتتحقق منها ..
وأما النجاح فيما بين الإنسان وأهله : هو أن يكون راضيًا مرضيًّا بين أهله .. والميزة التي في أهله ويمتازون بها عن غيرهم هي أنهم يعلمون السر والجهر والخفاء والعلن .. فهم أهل بيتك يذوقون حلوك ومرك وطيبك وخبثك .. فإذا كنت ناجحًا مع هؤلاء فكأنما حزت البراءة من النفاق .. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ... وخياركم خياركم لنسائهم خلُقًا " و" خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي " - صلى الله عليه وسلم - ..
وأما النجاح فيما بين الإنسان وجيرته : فهم يُعدون قريبًا من الأهل .. فهم معك إقامتَك كلها .. ويرون خروجك ودخولك وذهابك وإيابك .. ويذوقون مصاحبتك ومخالتك أكثر من غيرهم .. فلو كنت ناجحًا معهم فقد برهنت على سلامة طويتك وطيب عشرتك وحسن خلقك ..
وأما النجاح فيما بين الإنسان وزملائه : فهم شركاؤك في العمل والإنتاج .. ونجاحك معهم يُعد نجاحًا في الإنتاج والعمل .. وكذا نجاحًا في كسر التشاحنات والتضغنات والتباغضات الناتجة عن خلافات العاملين الشركاء في العمل .. وأنت بذلك قد جعلت زملاءك شهداء لك في حسن سيرتك وتقدم مسيرتك وإتقان عملك ..
وأما النجاح فيما بين الإنسان وربه : فأنت لو نجحت في ذا فقد نجحت في عظيم .. أو نجحت في كل شيء !!! .. كيف لا وقد نجحت وجُزت ابتلاء الله - عالم السر وأخفى - واختباره بسلامة القلب وحُسن الدرب ؟!؟ .. وأنت إذ تنجح في ذا - بلغك الله ذلك - قد قطعت شوطًا طويلاً ثقيلاً .. وبلغت ذروة النجاحِ وسنامِه ..
وإذا أراد امرؤ أن يصفوَ له عيش أو يهنأ له بال أو تحسُن له العقبى في كل أمر دونما مجموع تلكم النجاحات فهو بذاك يريد مَعوقًا ويرجو مُبعدًا ..
ولا ينجح المرء في كل تلكم الأمور الخمسة إلا بأن يكون ذا وجه واحد طيب حسن خلوق .. فأنت لو نجحت بين زملائك بوجهك الباسم أخفقت بين أهلك بوجهك الواجم .. ولو نجحت بين جيرتك بعشرتك المزينة المليحة أخفقت مع ربك بقلبك المَرِين ونفسك القبيحة ..
والحال يا قارئُ أن تلك النجاحات مكمل بعضها بعضًا .. فنجاحك في بيتك نجاحك في بعض ما بينك وبين ربك .. ونجاحك مع جيرتك نجاحك في بعض ما بينك وبين زملائك ..
ونجاحك فيما بينك وبين ربك نجاحك في كل ما سلف ..
والله الهادي والمستعان ..
الإنسان مخلوق من مادتين .. من جسد وروح ..
فإذا أراد الإنسان أن يعيش سويًّا سعيدًا .. لا بد له أن يُشبع الجانبين كليهما ولا يُغلب أحدهما على الآخر ..
وقد كانت الأمم السابقة تُخطئ في هذا .. فكان اليهود يغلبون الجسد والمادة .. والنصارى يُغلبون الروح .. فكلاهما أخطأ ..
إلا أن الشريعة التي جاء بها سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جاءت بالوسطية والاعتدال .. كما قال الله - سبحانه - : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " .. فنحن المسلمون نمتاز بالوسطية .. فلا نترهب ترهب النصارى .. ولا نتدنى لأوحال المادة الصِّرفة ..
وينبغي أن نقف على تحويلة هنا 