و في اليوم التالي و بينما كنا حول المائدة نتناول وجبة الغداء و نتبادل أطراف الحديث قال أبي
" أحمد لقد أصبحت رجلاً يعتمد عليه "
و لا أخفيكم سراً إني أحب سماع هذا الكلام من أبي , فهو يعني لي الكثير و يشعرني بأهميتي و فرحة غامرة .
و استرسل أبي قائلاً بعد أن ظهرت علامات الجد على وجه و التي أشعرني بفضول شديد :
" بني سوف نضطر أنا و والدتك إلى السفر لبضعة أسابيع لإجراء بعض الفحوصات و لن نستطيع أخذكما معنا "
و أخيراً قرر أبي ذلك فهو يعاني من مشاكل صحية كثيرة في الآونة الأخيرة و قد نصحه الكثيرين بذلك .
و تابع أبي قائلاً :
" لذلك سوف تبقى أنت و أختك في المنزل طوال فترة سفرنا و سيتردد عليكما أعمامك و أخوالك من وقت لآخر ليطمئنوا عليكما "
نظرت لأبي نظرة ملؤها الاستغراب و قلت بلهجة مستنكرة :
" أتقصد أننا سنبقى وحدنا في المنزل و لن نذهب لمنزل أحد ؟؟ على الأقل دلال لن تذهب عند أحد ؟؟ "
فبادرت أمي قائلة :
" نعم فأنت تعلم أن منازل أعمامك صغيرة و منزل جدك مكتظ و مملوء بالضجة التي لستما معتادان عليها , و من الأفضل لكما البقاء هنا لترتاحان, ثم أن الخادمة و السائق سيبقيان معكما إن احتجتما لأي شيء, و كما قال والدك سيتردد عليكما الأهل , لا تقلق "
و أضاف والدي بشيء من الحزن :
" لو لم يكن الأمر ضرورياً لما تركناكما للحظة "
وانتهى النقاش بانتهاء الغداء الذي فقدت شهيتي فيه و لم أتناول منه إلا اليسير, نهضت منه قلقاً متوجهاً إلى غرفتي , و ارتميت على سريري , و اتخذت الأفكار من رأسي ملعباً تلهو فيه .
كيف سيغادران كلاهما و يتركاني في المنزل و حدي مع دلال ؟ ماذا سأفعل معها ؟ كيف سأعاملها ؟ لابد أني سأرتكب جريمة فيها , ثم إني لست معتاد على غيابهما عني معاً لفترة طويلة , و كيف ستكون حالتهما الصحية ؟
بدأت الأفكار تتزاحم و تكون أكثر سواداً , فنهضت من سريري و أخذت نفساً عميقاً في محاولة مني لطرد تلك الأفكار و شغلت نفسي بالحاسوب و بأمور كثيرة أخرى .
ومرت الأيام وكانت كفيلة بأن تنسيني أمر سفرهما إلى أن رأيت أمي و هي توضب أمتعتهما , فشعرت بضيق أجتاح صدري و جلست بهدوء أراقب تحركاتهما و استمع إلى نقاشهما و كأني أحاول أن أطبع صورتهما في كل تفاصيلها طباعة .
قطع مراقبي صوت أبي الغالي قائلاً :
" لا أوصيك يا أحمد اعتني بنفسك و بأختك , و إياك وأن تغفل عنها أو تخرج و تتركها وحدها إياك "
ابتسمت ابتسامة صغيرة بالكاد خرجت مني و قلت :
" اطمئن يا أبي سأكون على قدر المسؤولية لن أخيب ظنك فيِّ "
لا أعرف إذا كنت نطقت بهذه الكلمات لأطمئنه هو أم لأذكر نفسي بمسؤوليتي اتجاه دلال .
ابتسم والدي , و حضنتني أمي حضناً عميقاً كنت محتاجاً له لأبعد الحدود .
أتى يوم الخميس يوم السفر المنتظر و أتت معه لحظات الوداع التي أكرهها , فلم يكن لوالدي أن يسافران طويلاً دوننا ,ارتميت في حضن أمي و قبلت رأسها و انتقلت بعدها لأبي لأودعه .
أما بالنسبة لدلال فقد كانت أول مرة تقطع قلبي بنظراتها و حالها , كانت الفتاة متشبثة بأمي مرمية في صدرها تكاد تخترق أضلاعها طلب مني أبي سحبها بعيداً عن أمي , و لكن قلبي لم يسمح لي بذلك , فقام بجرها جراً بعيداً عن أمي و وضعها في حضني و غادرا المنزل بلمح البصر , كان يحاول اختصار لحظات العذاب لكنه زادها قسوة .
هرعت دلال نحو الباب و لكمته بكل قوتها و هي تصرخ أمي ...أبي ... و لكن ما من مجيب.
اقتربت منها محاولاً تهدئتها و أنا كنت محتاجاً لمن يهدئني , لم تأتي خالتي التي كانت من المفترض أن تقضي هذه الليلة مع دلال لظروف طارئة أجهلها , ضممت دلال و قلت لها :
" أنا معك لا تخافي "
نظرت لي بعينين تملؤها دموع الحزن لرحيلهما و الخوف مني فلطالما كنت مصدر الرعب لها في هذا المنزل .
تجاهلت تلك النظرات و تابعت تهدئتها إلى أن غبنا في عالم الأحلام معاً .
ألف شكر للأختان الغاليتان
**ران موري**
ليل المرح
على الردود المشجعة





رد مع اقتباس


المفضلات