الموضوع يتكلم عن يوم القيامة وما يحدث فيه من أهوال و عظائم تجعل النفوس ترجُف خوفًا، فعليك أن تعلم أيا رعاك الله أنَّك مودعٌ لهذه الدنيا لا محالة فإما لجنةٍ أو لنار ونسأل الله يجيرنا من هذه النار ، وإياك و الركون إلى الدنيا و التعلق بها وبملذاتها و إياك وطول الأمل ، فإنه مهلكٌ لك لا محاله ...
وتذكر قول الله تعالى : ( وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع )
--------------------------------------------
نبدأ مستعينين بالله عزَّ وجل بذكر أوَّل منازل الآخرة ألا وهي :
إن الإنسان عندما تأتيه الغرغرة و يُغلق باب التوبة
وتأتيه ملائكة العذاب أو الرحمة وتقبض روحه ثم يُجرُّ إلى قبره
تتبعه ثلاثة أشياء تذهب اثنتان وتبقى واحدة
يتبعه أهله وماله وعمله ، فيذهب أهله وماله ويبقى عمله
قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم - : ( يتبع الميت ثلاث ، فيرجع اثنتان ويبقى واحد ؛ يتبعه أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله ) [ البخاري ]
ثم بعد أن يوضع الميِّت في القبر يُضغط ضغطةً لتختلف فيها أضلاعه حتى وإن كان صالحًا
عن عائشة –رضي الله عنها- قالت : قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- : ( إن للقبر ضغطةً لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ ) [ رواه أحمد ]
ثم يأتي المَلَكان منكرٌ ونكير ، أصواتهما كالرعد القاصف
و أبصارهما كالبرق الخاطف ، يجريان كالريح العاصف
معهما مرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يحركوها
فيسألان العبد عن دينه وعن نبيهوعن ربه فالمؤمن التقي العابد يجيب بلا فزعٍ
ولا خوف ، أما الفاجر الكافر فلا جواب ولا كلام
قال –صلى الله عليه وسلم - : ( ويأتيه ملكان فيُجلسانه فيقولان : من ربُّك ؟ فيقول : ربي الله ، فيقولان ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله ، فيقولان له : وما يدريك ؟ قال : قرأت كتاب الله فآمنت وصدقت )
وقال ( في الكافر ) : ( وتعاد روحه في جسده فيجلسانه فيقولان : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه ، لا أدري . فيقولان : ما هذا الرسول الذي بُعث فيكم
فيقول : هاه هاه ، لا أدري قال فينادي مناد أن كذب عبدي فأفرشوه من النار و ألبسوه من النار ، وافتحوا له بابًا إلى النار )
وقال ابن عباس –رضي الله عنه- في قوله تعالى : [ كلا سوف تعلمون ] ما ينزل بكم من العذاب في القبر
وقوله : [ ثم كلا سوف تعلمون ] يعني في الآخرة إذا حل بكم العذاب . فالأول في القبر والثاني في الآخرة فالتكرير للحالتين ..
وتختِلف أصناف العذاب بحسب المعاصي و السيئات ، فمن السيئات التي يُعذَّب عليها في القبر :
عدم الاستتار من البول ، السعي بالنميمة ، الكذب ، عدم العمل بالقرآن –لمن علمه- ، الزناة ، آكل الربا، المشتغل بالغيبة [آكل لحوم الناس]
وهذه الأصناف تكون في البرزخ فالإنسان منذ أن يموت حتى يُبعث فهو في البرزخ سواءً أكان مؤمنًا أو كافرًا
والبرزخ هو : الحاجز بين شيئين ، قال مجاهد : هو مابين الموت و البعث
ثم يَبْلى الإنسان و يذهب كل عضو في جسده ماعدا عظمةٍ واحدة هي عجْبُ الذنب فمنها يعيد الله الخلق يوم القيامة
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يُركَّب )
ثم يبقى الناس في البرزخ حتى ينفخ في الصور و يُبعث الناس .
ثم يُنفخ في الصور نفخة ، فيصعق جميع من في السماوات و الأرض و يهلكون
قال تعالى : [ كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ]
ثم يقبض الله جل علاه الأرض يوم القيامة و يطوي السماء ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟[ مسلم]
وفيه تعالى يقول : [ لمن الملك اليوم ] ثم يجيب نفسه المُقدَّسة بقوله : [ لله الواحد القهار ]
وما بين النفختين الأولى و الثانية أربعون عامًا
عن أبي هريرة –رضي الله عنه- مرفوعًا : ( ما بين النفختين أربعون ) .... [ مسلم ]
قال تعالى : [ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ]
فيخرج أهل القبور ، بعد أن يعيد الله الرفات من أبدان الأموات ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع
وغيرها ، حتى تصير كهيئاتها الأولى ، ثم يجعل فيها الأرواح فتقوم الناس كلهم أحياء حتى السقط [ هو الذي تمَّ خلقه ونفخ فيه الروح ]
وتكون كمثل سحابةٍ مملوءة بالماء أتت إلى أرضٍ ميتة ليس فيها حياة فأنزل الله المطر فأخرجت من كل الثمرات
قال تعالى : [ وهو الذي يرسل الرياح بُشرًا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابًا ثِقالاً سُقناه لبلدٍ ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ]
ويُحشر الناس على أرض المحشر حُفاة عراة غرلا
عن ابن عباس –رضي الله عنه- قال : قام فينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال : ( أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عراة غُرلا [ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين ] ألا وإن أول الناس يُكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ، ألا وإنه يؤتى برجال من أمتي فيؤخذ منهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب أصحابي ! فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) [ أخرجه البخاري ]
وتدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق حتى تكون قَدر ميل فلا تسَل حينها عن حرِّها و عذابها
عن أبي هريرة –رضي الله عنه – أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال : ( يعرق الناس يوم القيامة حتى يَذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويُلجِمُهُم حتى يَبُلغَ آذانهم ) [ متفق عليه ]
وعن المقداد بن الأسود –رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول : ( تُدنى الشمس يومَ القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدارِ ميل ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العَرقِ ، فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى رُكبتيه ومنهم من يكون إلى حقْويه ومنهم من يُلجِمُه العرق إلجامًا ) [ رواه مسلم ]
–الحقو : أي الخَصْر ومعقد الإزار من الجَنْب . –
ويومئذ تنشق السماء وتتناثر النجوم وتطمس الشمس ، و القمر وتذوب الجبال وتُسعَّر البحار وتُقرَّب الجنة والنار
ثم يُهرع الناس بطلب الشفاعة إلى أنبيائهم ، كلهم يتدافعونها حتى تنتهي إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-
عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال : (إن الناس يصيرون يوم القيامة جثيًا كل أمة تتبع نبيها تقول : يا فلان اشفع ، يا فلان اشفع ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ) [ رواه البخاري ]
ثم تتطاير الصحف فمنهم من يأخذها بيمينه ومنهم من يأخذها بشماله من وراء ظهره ، ويُحاسب الله الناس على ما كان من العمل ، والحساب في اللغة: العد.
واصطلاحا: تعريف الله الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه
ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: [ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ]
وقد أخبر الله -سبحانه وتعالى- أن المؤمن يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
ثم يقتص ممن أخذ حقوق غيره حتى أن الشاة الجلحاء ( التي ليس لها قرن ) لتقتص من الشاة القرناء
قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضِه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته و إن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه ) [ أخرجه البخاري ]
ثم يَرِدُ المؤمنون حوض النبي –صلى الله عليه وسلم-
في الجنة وورود الحوض يكون قبل الصراط و الميزان
عن أنس –رضي الله عنه – قال : بينما رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ذات يوم بين أظهرنا إذ أغْفى إغفاءة ، ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال :( نزلت عليَّ آنفًا سورة ، فقرأ : [ إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك و انحر إن شانئك هو الأبتر ] ثم قال : أتدرون ما الكوثر ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير ، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم ، فيختلج العبد منهم فأقول : يا ربِّ إنهم من أمتي ، فيقال ما تدري ما أحدثوا بعدك ) [ رواه مسلم ]
و إذا انقضى الحساب ؛ كان بعده وزن الأعمال ، لأن الوزن للجزاء ، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة ، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال ، و الوزن لإظهار مقاديرها ، ليكون الجزاء بحَسَبِها .
قال تعالى : [ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفسٌ شيئًا ]
ثم يجمع الله الناس فيقول : من كان يَعْبُد شيئًا فلْيَتبعه ، ثم يؤتى بالجسر بين ظهري جهنم ، وهذا هو الصراط .
عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال



