اليوم الأول من الشهر التاسع أيلول وبالوصول لليوم الثالث من عيد الفطر بدأنا نفقد الأمل من خروجنا.. أو من بقائنا على قيد الحياة ولكن ما زلنا بانتظار رحمة الله على أمل بالخروج من هذا المعتقل الذي كان أشبه بالجحيم الذي لم أنسى لحظة منه وأنا في أشد الحزن والأسى على واقع البلد المؤلم الذي بدأت معالمه تضح لدينا.. إعتقدنا في الداخل أننا لو كنا معتقلين في فلسطين على أيدي اليهود.. أفضل لنا فعلى الأقل نعرف عدونا ولا يهمنا ما يفعل بنا وأيضاً لأن اليهود يؤمنون بوجود الله.. على عكس ما شاهدنا بالداخل، أبو رامز في الأربعين من العمر وهو شخص متزوج له أربعة أطفال لا يملكون مأكلاً أو مشرباً لأنه قال لشخص في المعتقل أبو حمزة أعطني الماء قام السجان بضربه ولكن ما السبب؟؟ قال السجان وهو يقوم بذمه وضربه: نحن يا حيوان لسنا في تنظيم قاعدة إننا في فرع للمخابرات تابع للنظام الممانع.

اليوم الثاني من شهر أيلول وانتهى العيد وانتهت جميع آمالنا المعلقة به، ربما لن تصدقوا ولكنني ما زلت أتذكر أمي وأبكي.. أتذكر لحظاتٍ أكون فيها في لحظات إكتئاب مقيت أنهض فأقبل يدها وأضمها فيذهب عني الحزن والآسى، أتذكر الوقت الذي كنت فيه أجلس ساعات وساعات دون ذكر الله واستغفاره وأنا الآن بأشد لحظات الحاجة لربي عله يغفر لي ويفرج همّي، لا أعتقد أن ما حصل في الداخل حقيقة أستطيع تخيلها بعد خروجي.. بدأت أدون وأدون كالمجنون كل لحظة كل دقيقة كل ثانية، رغبت بمشاركتها مع العالم ليكون على معرفة بالحقيقة، قناع بل وضعوا على أعينهم غشاوة أن يروا ما يحصل هنا من إنتهاك للحقوق والأعراض والكرامات.. نحن أصحاب الأرض ندفع الآن ثمن صمت آبائنا وأجدادنا، لا مانع من السرقة ولكن أن تقتلوا أطفالنا وتغتصبوا نساءنا!! لا يوجد عاقل يقبل بهذا الكلام، سرقوا ضحكتنا الطفولية.. إغتصبوا الماضي والمستقبل.. عشرون يوماً من العزلة كانت أشبه باستفزازٍ للذاكرة ، كل ما كنت أتمناه في الداخل أن لا يكون أحد من أخوتي قد جن جنونه وقاموا باعتقاله لأخرج من هناك أجد مصيبة أخرى في إنتظاري وهي إعتقال أحد أخوتي.

اليوم الثالث من شهر أيلول، علينا الأستيقاظ مع بدء الدوام الرسمي في السابعة والنصف صباحاً في النهار ممنوع التكلم ممنوع النوم ممنوع عن أي شيء، لا ننام حتى يخبرونا بذلك، إن أردنا الصلاة نذهب إلى زاوية من الزواية نقوم بالتيمم وبعدها بالصلاة، ويا ويلنا إن قاموا برؤيتنا، ومن شدة غبائهم، رامي كان معي في الداخل حدثني أنه قام حاجز بتفتيش حقيبة كان يحملها في داخلها حاسوب محمول فقام عنصر من الأمن بسؤاله "معك فيس بوك!!" لإعتقاده أنه جهاز أو سلاح معناه حرية أو إسقاط نظام مستبد يريد نشر الديموقراطية والممانعة في بلد إقتصادها من أقوى دول العالم.. فهي على مدى الأربعين عاماً يتم نهبها وسرقتها وتهميشها وإغتصاب أرضها وحتى الآن ما زالت صامدة من ناحية الإقتصاد، كل من كان معي في الداخل مثقفون، من أطباء إلى طلاب حقوق إلى مهندسين معماريين ومدنين وطالب شريعة وما إلى ذلك، سأل أحد السجانين طالب في كلية الحقوق "بدك تدافع عن حقوق الإنسان ولا حيوان!!" بينما كان معي صديق آخر من إخواننا المسيحيين أخبرني أنه كان يخرج للتظاهر كثيراً في رمضان وفي صلاة التراويح ومن أمام المساجد نظراً للوضع الأمني وقام المحقق في الفرع بسؤاله "بدك إمارة إسلامية ما هيكي!!" تخيلوا معي لدقيقة.. لا بل لثانية تفكير محقق منهم في فرع للمخابرات.

اليوم الرابع من شهر أيلول، في أيامي الأولى إمتنعت عن الطعام الذي كنا نتشاركه مع صراصير الزنزانة، كنت أقول في نفسي أنني بإذن الله لن أطيل البقاء هنا، يومين أو أكثر أخرج وآكل طعام والدتي المميز ولكن أشد آلام معدتي وفكري أنه كان من تقاليد أهالي الشام وفي اليوم الأول من العيد تقوم الوالدة الكريمة بإعداد الشاكرية، لذا بدأت أتخيلها وأذوب في التفكير بها، بقيت أكثر من خمسة أيام على الماء والخبز فقط وفي النهاية لم أستطع التحمل وبدأت بالأكل كالمشرد الجائع الذي لم يذق كسرة خبز منذ أشهر، كنت قبل النوم أقوم بالإستغفار أنا وصديق لي تعرفت عليه هناك وبعدها نخلد إلى النوم.. نلجأ إلى أحلامنا.. لأرى ما تمنيته ولكن بشكلٍ مختلف، أرى نفسي بين أهلي أقبلهم وأحدثهم عن ما حصل معي وأعتذر عن ما سببته لهم من أذى، ولكن وخلال حديثي معهم يأتي أحد رجال الحرس ويقومون بطرق باب الزنزانة لنستيقظ كالمجانين.. والله العظيم حتى الآن وكل يوم وفي كل ليلة أخشى حين أذهب للنوم أن أستيقظ فأرى نفسي هناك بعيداً عن أهلي ومنزلي وكل شيء.

اليوم الخامس من شهر أيلول، كان معنا أشخاص من حلب.. أخبرني أحدهم أنهم هنا لأنهم فكروا مجرد تفكير أنهم يريدون الوقوف بجانب الثورة والمساعدة في نصرتها، أيام قليلة من تفكيرهم حتى أصبحوا هنا، قال لي أنت على الأقل لست متزوجاً.. أنا أملك زوجة وطفلة لم تحفظ وجه أبيها بعد.. لا أعلم هل سأعود وأراها أم سأطرق الباب لأراها فتاة في العشرين من العمر لأخبرها أنني والدها وأبدأ بالتبرير لها غيابي طوال هذه المدة.. ولكنني لست محظوظاً.. إعترفت له أنني رجلٌ ضعيف، أحن وأشتاق وأبكي وقد أشهق أحياناً ولكن ضمن حدود الحياء، ودائماً سراً دون أن يعلم بي أحد، أخبرت المحقق أنني أعاني من مرضٍ في القلب وأنني لا أستطيع التظاهر أو الهرب كما يحصل، قال لي هذه مشكلتك أنت وعلى الله أن يعافيك أنا هنا للتحقيق معك وليس لسؤالك عما تعاني منه، وفي النهاية أخبرني أنه قام بتصديقي ولكنه مضطر لإتهامي إما الإعتصام أو التظاهر!! سألته ما ذنبي، فأنا لم أفعل شيئاً قال لي بلهجة حقيرة "ذنبك يا حيوان أنك رحت عالجامع، مرة تانية صلي ببيتك أو لا تصلي بالمرة!!".

(إن مر أسبوع ولم أقم باستكمال الكتابة فهذا معناه إما أنني قد قتلت أو أخفيت في هذا العالم)

يتبع...