نــهــايــة مــأســاة

الحب.. مفهومٌ يختلف من شخص إلى آخر، بالنسبة لي كنت كطفل صغير في الخامسة من عمره فقدَ حنان والديه وبقيت ذكراهم، لم أكن أذكر تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل ذهابي للمسجد إلا أنَ والدتي طلبت مني ألا أتأخر ووالدي تمنى لي التوفيق والعودة سالماً، لم يكن أحدٌ يدرك مافي عقلي سوى القليل من أصدقائي.. لحظات أفتقد فيها الحنان وأنا بعيد عنهم، كم من الأوقات التي لم أرغب فيها بالجلوس معهم، كم مرة قمت بالإزدراء منهم بأنني على صواب وهم خطأ، تمنيت وقتها لو أعود وأعتذر منهم وأطلب رضاهم وبعدها لا يهمني مايحصل معي، أردت الإعتذار منهم.. أردت أن أعتذر عن لحظات الأسى التي سببتها لهم بغيابي ولكن كل السيناريوهات التي توقعتها لم يكن أحدها ما حصل عند دخولي.
من هول الصدمة لم يكن أخي الصغير قد تعرّف عليّ، ولكن قلب الأم تعرف على روحي قبل أن تراني وصرخت بإسمي..وجه والدتي كان يبدو كوردة ذابلة إختزنت الحنان الأمومي مدة كافية لتترك وصمة في الذاكرة فأنهلت على والدي ووالدتي بالضم والتقبيل وأخذت أقبل أقدامهم وأطلب منهم مسامحتي.. أبي الذي لم يبكي حين وفاة والده يبكي الآن لفرحه بعودة فلذة كبده، لكم أحزن حين أرى أنني كنت سبباً في سقوط دموع أهلي، إعتذرت منهم وطلبت منهم عدم البكاء حتى أنني قاومت رغبتي القوية بالبكاء حتى لا أحزنهم. أخذت الهاتف وناولته صديقي لكي يقوم بمهاتفةِ أهله والإطمئنان عليهم.. قمت بتوديعه توديعاً حاراً لأننا مررنا بنفس التجربة وأن يعتني بنفسه. عدت إلى المنزل والأجواء مضطربة كانوا قد عانوا أيام العيد كعزاءٍ من نوعٍ خاص، لم يكن بالنسبة لهم مجرد أيامٍ مضت.. كانت الساعة كيوم واليوم كشهر والشهر كسنة، عدت وقبلتهم مرة أخرى سألوني عن حالي وسألتهم عن حالهم وبلحظاتٍ معدودة قاموا بإخبار الأهل بعودتي سالماً من فرعٍ للمخابرات السورية الذي من يدخله لا يخرج منه إلا ميتاً.. دقائق وتجمع الأهل من كلِ حدبٍ وصوب، الكل يبكي فرحاً بخروجي. تناولنا الغذاء ومازالت أمي لم تشبع من رؤيتي ضمتني مرةً أخرى وأخرى وعينها تدمع في كل مرة تضمني.. إستحلفتها بالله أن تتوقف عن البكاء ولكن قلب الأم وما أدراني به.. ما تناولته على الغذاء لم يكن شيئاً يذكر.. تفاجئت بقدوم موسم الفاكهة كالعنب والتفاح.. وكان تفكيري لا يزال مشوشاً فالكل يسأل عن حالي، وأنا لا أعلم عن حالي شيئاً، أردت زيارة جدتي أطال الله بعمرها.. رفض والدي ذهابي وخروجي من المنزل، حتى ذهب معي إثنين من إخوتي وخالٍ لي حتى ذهبنا لمدة عشر دقائق نصفها كان بكاء جدتي على عودتي سالماً.. في المساء بقيت مستيقظاً وحدي حتى الساعة الثالثة ليلاً.. أخشى أن أنام لأجد نفسي هناك.. لأجد نفسي عدت للذل والإهانة والتعذيب، حاولت النوم مراراً وتكراراً، حاولت النوم على السرير فلم أستطع فوضعت وسادتي على الأرض ونمت والخوف يملأ قلبي من مستقبلٍ أجهله، النوم على الأرض كنت قد إعتدت عليه في الفرع ولكن بدل الوسادة كنا نقوم بوضع أحذيتنا تحت رؤوسنا وننام. في صباح اليوم التالي إستيقظنا صباحاً.. والدي لم يذهب إلى عمله لأنه لم يشبع مني في اليوم الماضي وما زالت العائلة تتوافد لتطمئن على حالي، في الواقع كنت أظهر عكس ما أبطن وعكس ما حصل.. أحسنوا إطعامنا، عاملونا بشكلٍ جيد، كنا ننام طوال النهار، الأكل كافٍ ولا بأس به، نظافة وأدوية وما إلى ذلك، إنني بحالٍ جيد، لم أعاني من أي شيء.
رغم أنني كدت أصل أو وصلت إلى درجة كانت أشبه بالجنون والهذيان.. بؤس لا زال يلاحقني ولا أعتقد أنني سأتخلص منه بسهولة، لازلت أبكي حتى وبعد خروجي بأيام.. حياتي أصبحت مقيتة، حالما أجلس وحدي أقوم بالبكاء، أحاول المقاومة حتى لا يراني أحد من عائلتي ولكنني لا أستطيع.. فأمامهم أمرح وأضحك وأتكلم وأناقش، كل يوم قبل النوم أجلس ساعاتٍ أقنعُ نفسي أنني سأستيقظ في نفس المكان ونفس الزمان.. كل صباح أتمنى أن لا تواجهني أية مشاكل في الطريق أو في أي مكان، أمشي وأنا خائف.. أفكر هل أركب التاكسي وأصل إلى منزلي بسرعة ولو كنت قريباً جداً.. ما الذي عليّ فعله إذا قامت مظاهرة بجانبي.. هل أبدأ بالتظاهر أم أهرب بسرعة أو أسير بشكلٍ عادي؟ هل أترك الجامعة وأبقى في المنزل؟ هل أترك كل شيء؟ هل عليّ السفر خارج البلد؟
روحي أصبحت مضطربة.. حياتي أصبحت خالية.. أصبحت في حالة ضياع.. لم أعد أريد إكمال دراستي لم أعد أريد بناء الوطن لم أعد أريد بناء مستقبلي لم أعد أريد أي شيء.. أريدهم فقط أن يدعوني وشأني.. أريد أن أتنفس.. إنني أختنق!
في السابع من تشرين الأول في الساعة الثامنة مساءً قام صديقٌ لي بمهاتفتي.. كان في هذا اليوم قد أطلق سراحه.. أمضى ستون يوماً داخل هذا المعتقل نصفهم كان معي، أثناء محادثتي له وجدت الموت يخرج من صوته، كل ما أراده أن يطمئنني بخروجه لم يكن يريد إعادتي للوراء وقد قمت بالبكاء على الهاتف وسررت لخروجه وحمدت الله على سلامته وطلبت منه أن أراه بأقرب وقتٍ ممكن.. الجميع يرانا لم نتغير ونشكر الله على ذلك، ولكننا تغيرنا من الداخل.. مللنا هذا الواقع.
كثيرون غيري مروا بظروفٍ أصعب ولم تواجههم حالتي نفسها.. أعتذر على ما سببته لكم هنا، لم أقصد أن أجرح أحداً أو أن أخطأ بحق أحد، تكلمت وتكلمت وتكلمت.. بقي أن يتكلم العرب.
في نهاية الأمر.. بقدر ما كان الأمر تجربةً مؤلمة بالنسبة لي بقدر ما كانت خبرة وإفادة.

(الــــنــــهـــايـــة)