المسلمون في فطاني؛ من مملكة إلى أقلية!





تقع منطقة
فطاني بين ماليزيا وتايلاند، ويرجع أصل سكانها للمجموعة الملايوية المسلمة ، ويتكلمون اللغة الملايوية ويكتبونها حتى الآن بأحرف عربية بسبب أصولهم العربية منذ نشأة مملكة فطاني الإسلامية في القرن الثامن الهجري .

وتقول المراجع التاريخية أن الإسلام وصل إلى فطاني عن طريق التجارة في القرن الخامس الهجري وأخذ في التنامي حتى صارت المنطقة كلها إسلامية
وتحت حكم المسلمين في القرن الثامن الهجري وصارت فطاني مملكة إسلامية خالصة ومستقلة.

وعندما احتل البرتغاليون الصليبيون تايلاند أوعزوا إلى قادة تايلاند بحتمية احتلال فطاني للقضاء على سلطنة الإسلام بها ولابتلاع خيراتها فقام التايلاندون باحتلال فطاني سنة 917هـ ولكنهم ما لبثوا أن خرجوا منها بعد قليل
تحت ضغط المقاومة الإسلامية.




ومع انتشار الاحتلال الإنجليزي في المنطقة الآسيوية ، دخل الإنجليز تايلاند وفطاني ، وقمعوا بدورهم مملكة فطاني ومسلميها، وأضعفوا الإقليم مما مهد الطريق أمام مملكة تايلاند (مملكة سيام) لضم فطاني رسمياً لها سنة 1320هـ ( 1902 ميلادية)
بعد سلسلة طويلة من الثورات والمقاومة الباسلة من المسلمين وكان هذا الضم إيذاناً بعهد جديد في الصراع بين المسلمين وأعدائهم البوذيين في تايلاند .

وتشير المراجع التاريخية إلى أن إقليم فطاني لم ينضم بسهولة ويخضع لمملكة تايلاند سوى بالحديد والنار ، حيث اندلعت العديد من الثورات التي قادها أمراء مسلمون آخرها ثورة الأمير عبد القادر ، وهو آخر ملوك فطاني المسلمين، والذي تقدم بقيادة الثورة سنة 1321هـ بعد سنة واحدة فقط من الضم وتعرض للاعتقال واندلعت الثورة بفطاني على إثر ذلك ، ولكن التايلانديين قمعوها بمنتهى الوحشية بمساعدة قوية من الإنجليز.





يضم إقليم فطاني 18% من سكان تايلند [حوالي 5ـ8 ملايين مسلم] تنشط به منذ عشرات السنين حركة إسلامية قوية تدعو لإنشاء دولة إسلامية تضم أقاليم:
(يالا وباتاني وناراثيوات) ذات الأغلبية المسلمة في الجنوب، وهناك مناوشات مستمرة بين الحكومة التايلندية البوذية وهؤلاء المسلمين تصل لحد الانتهاكات الصارخة لحقوقهم وتعذيبهم.

وسبق أن أصدرت منظمات دولية تقارير عن اضطهاد مسلمي فطاني، كان آخرها تقرير لجماعة 'هيومان رايتس ووتش' الحقوقية ومقرها نيويورك دعت فيه تايلند لبدء تحقيق فيما أسمته 'المستوى المرتفع من القوة المميتة' في الأحداث الأخيرة, حيث أكد شهود عيان أنه كان من الممكن تسوية الأمر سلميًا واستسلام المهاجمين أو إجهاض الهجوم الذي علمت به قوات الأمن من جواسيسها مسبقًا، ولكن الحكومة اختارت أسلوب القوة وهدمت مسجد 'كروي سي' على رؤوس المسلمين، وحشدت فرقتين مدرعتين كاملتين في الإقليم لإرهاب المسلمين.




وكان الصحفي المسلم عبد الله الفطاني -من داخل الإقليم- أكثر جرأة في طرح القضية وتوضيح مكامن المشكلة موضحًا ذلك بقوله: "قضية فطاني قضية إسلامية بحتة، مثلها مثل القضايا الإسلامية الأخرى كقضية فلسطين، وقضية الفلبين، وقضية المسلمين في بورما، وقضية الشيشان. وما تصدره الحكومة التايلندية من بيان تريد به تشويه سمعة هذه القضية التي يحاول أصحابها تقرير المصير واسترجاع الحقوق المغتصبة.
ولا علاقة لتجار المخدرات أو تنظيم القاعدة بهذه القضية، وإنما هي قضية دولة وقعت تحت سيطرة الاستعمار".

ويضيف: "فطاني دولة مستقلة ذات سيادة استعمرتها الحكومة التايلندية التي عرفت قديمًا بالحكومة السيامية، فقد كانت فطاني دولة مستقلة عرفت باسم
(فطاني دار السلام) التي قامت في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، وفطاني كانت جزءًا من الدولة الملايوية الكبرى التي تضم اتحاد ماليزيا حاليًا، وفي العام 1227هـ تم الاتفاق بين بريطانيا وتايلند على تقسيم هذه الدولة وبموجبها أصبحت فطاني تحت سيطرة تايلند وبقية الولايات الأخرى تحت الاستعمار البريطاني والتي نالت الاستقلال وتعرف اليوم بـ'اتحاد ماليزيا'.
وتنقسم فطاني إلى أربعة ولايات: 'فطاني، ناراتيوات، جالا، ساتول'. أما الذين قاموا مؤخرًا بمواجهة الحكومة التايلندية فهم مجموعة من الشباب المجاهدين ضد الحكومة التايلندية المستعمرة، والذين يجاهدون من أجل استعادة حقوقهم، وليسوا كما صورتهم وسائل الإعلام التايلندية بأنهم مجموعة من تجار المخدرات واللصوص لأنها تريد تقبيح صورتهم وتشويه جهادهم المشرق".





تغيير الهندسة السكانية:

تحاول الحكومات التايلندية منذ عقود على تغيير الهندسة السكانية والديمغرافية وإحلال البوذيين محل المسلمين عبر التالي:

تغيير العادات والتقاليد الملايوية الإسلامية.

تغيير معالم الإسلام إلى معالم بوذية وهدم الآثار الإسلامية والملايوية، وإقامة معابد بوذية بجوار المساجد بدعوى حرية ممارسة الأديان، وإقامة الأصنام على رؤوس الجبال في فطاني كظاهرة لانتماء فطاني إلى تايلند.

إقامة مستوطنات لهم تسمى 'nicom' على غرار المستوطنات التي أقامتها الحكومة الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لاستيطان اليهود فيها.

نشر الثقافة والعادات البوذية في المنطقة، وفرض اللغة السيامية على المدارس في فطاني، وإغلاق الكتاتيب التي تعلم القرآن والقراءة والكتابة، وبات على الطلاب الذين يريدون الانتساب إلى مدارس الحكومة أن يغيروا أسماءهم العربية أو الملايوية إلى اسم سيامي بوذي، واشترطت على هؤلاء الخريجين من المدارس الفطانية أن يجيدوا القراءة والكتابة بالتايلندية وإلا فليس لشهاداتهم قيمة تذكر.

عمدت تايلند إلى إهمال التربية الدينية وتعيين مدرسين موالين لها يجهلون الإسلام في مناصب التعليم الإسلامي، في سبيل تذويب الهوية الإسلامية لأهل فطاني.




انقلاب عسكري :
عندما تحول الحكم من ملكي إلى جمهوري عقب الانقلاب العسكري عام 1933م ( سنة 1351هـ) الذي أطاح بالملكية وكان لأهل فطاني دورًا في نجاحه للتخلص من الحكم الملكي الذي اضطهدهم ، وسعى مسلمو المناطق الإسلامية الأربعة (فطانى - جالا - ساتول – بنغارا) ذات الأغلبية المسلمة في جنوب تايلاند للمطالبة بعدة حقوق لهم في عريضة قدموها للحكومة الجديدة كان أبرز ما فيها:
1- تعيين حاكم واحد على المديريات الأربعة المسلمة عن طريق أهل البلاد ويكون مسلماً.
2- أن يدين 80% من موظفي الحكومة بفطاني بالإسلام.
3- أن تكون اللغة الملايوية هي لغة التعليم بالمدارس واللغة الرسمية لأهل فطاني.
4- تطبيق الشريعة الإسلامية.
5- تكوين مجلس أعلى إسلامي لتسيير شؤون المسلمين.

ولكن جاءت الريح بما لا يشتهي المسلمون وتحول الحكم العسكري إلى واقع مرير للمسلمين ليس لأنه تجاهل مطالبهم ، ولكنه سعى لمسخ هويتهم تمامًا وإذابتهم داخل الدولة ، حيث أصدر الفريق أول (سنقرام) الذي تولي السلطة في تايلاند قرارات بتغيير الأسماء المسلمة إلى تايلندية ومنع لبس الثوب الأبيض المميز للمسلمين وغطاء الرأس للنساء، وتحريم استعمال اللغة الملايوية ذات الحروف العربية، وأغلقت أبواب المدارس والجامعات أمام الفطانيين وكذلك المناصب الحكومية والجيش والشرطة، وأغلقت الجوامع والمساجد وحرم التبليغ والتبشير بالدين الإسلامي .



وقد توالت على الإقليم المسلم عدة ثورات ومحاولات من جانب المسلمين لإعادة المطالبة بحقوقهم واجهتها السلطات هناك بالقمع والاعتقال لكل من قاد المطالبة بهذه الحقوق ، مثل حركة الحاج محمد سولونج أحد العلماء المسلمين بفطاني الذي طالب عمل بعدم إخراج محصولات وموارد فطاني خارجها واستهلاكها محلياً واعتقل وحكم عليه بثلاث سنوات ، ثم قتلوه!.

ولذلك لم تكن انتفاضة الشباب المسلم الأخيرة ومهاجمة مراكز للشرطة سوى جزء من محاولة لفت الأنظار إلى قضية مسلمي الإقليم الذين لم يعودوا يطالبون بالانفصال بقدر ما يطالبون بأقل حقوق الإنسان الضرورية المحرومين منها، مثل حقهم في تعلم دينهم والتعلم بلغاتهم الملاوية ومراعاة عاداتهم وتقاليدهم الإسلامية.

ولن يهدأ مسلمو الإقليم على الرغم من القمع الدوري لهم ومحاولات تصفية قضيتهم تمامًا ، وسيستمرون في نضالهم من أجل الحصول على حقوقهم.



الدور السياسي المزعوم للمسلمين:


يقول الصحفي عبد الله الفطاني: "نعم يوجد في البرلمان عدد من المسلمين، ولقد اختارت الحكومة التايلندية بعض الشخصيات الإسلامية الموالية لها لممارسة العمل السياسي في نطاق محدود، وذلك كورقة رابحة لها في اللعبة الديموقراطية التي تدعيها الحكومة، وإظهار مشاركة المسلمين في الحكم.
كرئيس البرلمان، ووزير الداخلية ووزير المواصلات، ولكن لفترة وجيزة، بيد أن شعب فطاني يدركون حقيقة هذه السياسة، وأغلب المسلمين في فطاني لا يرضون تمثيل هؤلاء البرلمانيين لهم في البرلمان، وهدف الحكومة التايلندية من اختيارهم ادعاء أن المسلمين في الجنب يتمتعون بكافة الحقوق السياسة والاجتماعية لا أكثر ولا أقل" .




السياحة سر الصدام ! :

تتميز مناطق جنوب تايلاند بأنها من المناطق السياحية الهامة في البلاد ويرتادها سياح غربيون بكثرة خاصة أنها تقع على الحدود مع ماليزيا أكبر نمور آسيا تقدمًا اقتصاديًا، ولكن هذه السياحة ترتبط بانتشار الرذيلة وتجارة الجنس التي تنتشر في تايلاند بشكل وبائي ، كما ترتبط بمئات الخمارات وأندية الليل التي تدمر حياة مسلمي الإقليم وتتعارض مع تعاليم دينهم .

وقد سعت حركة تحرير فطاني (بولو) عدة مرات لمعارضة هذه السياحة المدمرة ، وحث بيان منسوب لحركة بولو الإسلامية -وهي اختصار لمنظمة تحرير باتاني المتحدة- شعب مالاي في جنوب تايلاند والمسلمين في أرجاء البلاد على إتباع التعاليم الإسلامية.

وعلى سبيل المثال حذر بيان نشره موقع الحركة على الإنترنت يوم 7 مايو 2004 المسلمين من ارتياد أماكن مثل الحانات والملاهي الليلية والحفلات الموسيقية وطلبوا منهم بدلاً من ذلك البقاء في منازلهم أو في المساجد ، وقال البيان: "إذا اتبعتم هذه التعليمات ستعيشون في سعادة".

ويبدو أن تصاعد انتشار الرذيلة في الإقليم المسلم وعدم التفات الحكومة أو مراعاتها مشاعر المسلمين هناك كانت وراء لجوء شباب من حركة التحرير إلى الهجوم الأخير على عدة مراكز للشرطة ، الأمر الذي استدعى هذا الرد العنيف من جانب الجيش التايلندي خشية انهيار صناعة السياحة في هذه المنطقة الهامة التي تعتبر مكان سياحي جيد ولكن لا يستفيد منها مسلمو الإقليم .

وقد حذرت عدة حكومات غربية رعاياها من السفر إلى الأقاليم الجنوبية من تايلاند عقب هذه المواجهات الأخيرة ، ما يؤكد أن المعركة الأخيرة جاءت على خلفية السياحة في المنطقة رغم محاولات الحكومة هناك تصوير المهاجمين على أنهم مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق ، مثل إعلان تاكسين شيناواترا رئيس الحكومة : "إن الهدف من الهجوم كان "سرقة أسلحة قوات الأمن لإعادة بيعها" !!.





ما يمكن تقديمه للمسلمين:

تقوم الحكومة التايلندية تجاه إخواننا المسلمين هناك؛ بممارسة أبشع صور القمع، فقد مارست هذه الحكومة البوذية ممارسات وحشية يندى لها الجبين، وحجم المأساة في فطاني فوق الوصف والتصور، حيث تمارس الحكومة البوذية ضد المسلمين هناك جميع أنواع التعذيب بصورة وحشية، كالقتل والاغتيال، والاختطاف والدهس بالدبابات كما حصل في قرية كوتا بمحافظة ناراتيوات، وإحراقهم أحياءً داخل البراميل كما حصل في قرية 'تدوسون بور' بمحافظة ناراتيوات، واغتصاب للفتيات المسلمات.

ويبقى السؤال الأبرز:
ماذا يمكن أن نقدم لإخواننا هناك؟ سنترك المجال لأحد أهالي تلك البلاد يقول: المطلوب من إخواننا المسلمين أن يرفعوا أيديهم إلى الله بالدعاء بأن ينصر الله إخوانهم المسلمين في فطاني، ومن قادة الدول الإسلامية تبني هذه القضية والاهتمام بها وعرضها في المحافل الدولية، ومن منظمة المؤتمر الإسلامي أن تهتم بهذه القضية باعتبارها جزءًا من قضاياها الأساسية, ونطالب دول العالم الحر التي تنادي بالحرية والديمقراطية أن تمارس نفوذها على حكومة تايلند لحل قضية فطاني بشكل عادل.
وختم مطالبه: بمطالبة الدول العربية الإسلامية بأن تخصص منحًا دراسية لأبنائنا المسلمين في فطاني للدراسة في جامعاتها في التخصصات المختلفة, كما نطالب هذه الدول بتسهيل تشغيل العمالة الفطانية المسلمة في بلادها.