:: الــذكـريــات ::
يخنقنا الشـوق أحـياناً عندمـا نفكر فيها .. نتعمّـق بأحداثها..
نشعر مجدداً بالشعور الذي شعرنا به في وقت حدوثها للمرة الأولى
مهمـا كان نـوع تلك الذكـرى .. سـعيدة , حـزينة , مخيفة
فإن القاسـم المشـترك الذي يجمعهـا هـو الحنيـن
سنة ونصف مرت على الثورة في موطني الغالي سوريا
سنة و نصف عشتها وكأني لم أعشها .. عشتها بطعم آخر وبطريق آخر
عشتها وقد حُفر في حياتي ذكرياتٌ لن تنسى أبداً في ظل هذه السنة والنصف
ومع أني حالياً لست في ظل الثورة تماماً إلى أني ما زلتُ أعيش نتائجها حتى الآن
عندما أغوص في تذكر ما حصل خلال وجودي في سوريا
خصيصاً خلال السنة الأولى من الثورة أتذكّرُ العديد والعديد
من اللحظات التي لم أكن أتخيل أن أعيشها في عمري
أو أن تحدث معي بطريقة من الطرق وأن تصل بي الأيام إلى هنا ..
اختلفت هذه اللحظات بين سعيدة وحزينة ومخيفة ومرعبة وتعيسة وعادية
ولكن مع اختلاف نوعها فهي تبقى بالنسبة لي ذات صفة موحدة
وهي ذكرى مؤلمة .. نعم مؤلمة
عندما أتذكر اللحظات السعيدة أتألم ,وعندما أتذكر اللحظات الحزينة
والتعيسة أتألم بشدة أكبر , وعندما أتذكر اللحظات المرعبة والمخيفة
والتي ظننتُ بأني على وشك الموت فيها يزداد ألمي أضعاف
عندما أسأل نفسي كيف كنتُ في ظل الثورة؟ ماذا حصل معي فيها ؟ كيف بدأت بالنسبة لي ؟
تأتي أجوبة كثيرة في رأسي و لكن عند التفكير بهدوء
أجد أنني قد مررت بمحطات مهمة في ظل الثورة
وكل محطة كان لها شعورها وألمها و فرحها و خوفها و موقفها
المختلف عن الأخرى .. وعندما يبدأ شريط ذكرياتي بالدوران أبدأ من هذه الذكرى ..
كانت هذه المظاهرة في الأسبوع الثالث من اندلاع الثورة السورية
و بالضبط كان في يوم الجمعة 8\4\2011
كنتُ في ذلك الوقت بحالة دراسة مكثفة , فـ امتحاناتي النهائية ستبدأ بعد شهرين وكعادتي
كنت في غرفتي أدرس دون أن أفكر بشيء ودون أن أتوقع ما الذي سيحصل خلال الدقائق القادمة ..
كان الهدوء يسيطر على أرجاء الحي وكان ذلك طبيعياً بسبب وجود الناس بالمساجد لأداء صلاة الجمعة
ولكن ذلك الهدوء لم يستمر طويلاً وتحول إلىضجيج غير معتاد عن كل جمعة .. ضجيج من نوعٍ آخر
بعجلةٍ وذعر اتجهتُ إلى نافذة غرفتي لأتتبع الصوت القادم من الخارج وتدريجياً رأيتُ مصدر تلك الأصوات
لا يمكنني نسيان ذلك المنظر أبداً .. كيف لا وهي المرة الأولى التي أشاهد فيها ذلك الحدث المسمى بـ "المظاهرة"
المظاهرة التي كانت سبباً مباشراً بإسقاط نظامٍ رئاسي لدولتين عربيتين نالتا مطالبهما بعد نجاح ثورتهما
كانت تلك الضجة نابعة عن هتافات بعيدة يطلقها بعض الناس في أول الشارع بعد خروجهم من المسجد
بدأ المتظاهرون بالتجمّع بالساحة المقابلة لمنزلي وفي البداية كان عددهم قليل و لم يتجاوزوا الـ 50 رجل
هتفوا وهتفوا وتقدموا إلى الأمام إلى نهاية الشارع ..
في ذلك الوقت كنت سعيدة ومذهولة ومتحمسة لما سيحدث ولكن سرعان ما تحوّل فرحي إلى خوف وقلق
لا أخفيكم أنني شعرتُ بالذعر من ردة فعل رجال الشرطة والأمن المدني .. ولم أكن انا الوحيدة التي شعرت بذلك
فالكثير من السورين في بداية الثورة شعروا بالخوف والغضب من الثورة ..
وذلك يعود لسببٍ بسيط هو أننا نعلم بأن خصمنا صعب ومجرم ولديه سوابق في مجال قمع الثورات ..
كنت أتابعُ تلك المظاهرة عن كثب وأسمع الهتافات من بعيد والتي بدأتْ تختفي تدريجياً
بسبب تقدم المتظاهرين إلى الأمام , تركتُ نافذتي بعد اختفاء أصواتهم وعودة الهدوء إلى الشارع
ولكن لم تمر سوى ساعةٍ واحدة على عودة أصوات الهتاف .. ولكن هذه المرة لم تكن بقوة الهتاف السابق ..
لقد كان هذه المرة أقوى وأعنف وأشد بكثير من المرة الأولى للتجمّع ..
فقد تحولت تلك المظاهرة من 50 رجل إلى 1500 رجل
نعم 1500 رجل وشاب وطفل وعجوز يسيرون ويهتفون بصوت واحد وإيقاع واحد
هؤلاء جمّعوا أنفسهم من أكثر من حارة مجاورة وتجمعوا في الساحة الكبيرة المقابلة لمنزلي
والتي سميت فيما بعد بـ " ساحة الشهداء "
كانت بالفعل مظاهرة كبيرة .. و خلال ثواني لم يعد بإمكاني رؤية بدايتها أو رؤية نهايتها
شبانٌ على الأكتاف .. أطفال يرقصون ويركضون بين المتظاهرين .. زغاريد النساء تصدح مع أصوات الهتاف
مظاهرة لا مثيل لها ..
بقيتُ أتابع هذه المظاهرة وانا بقمة السعادة لمدة ساعتين
والذي ساعدني على متابعتها نوافذ غرفتي المطلة على المظاهرة من زاويتين ..
ساعتين متواصلتين من الهتاف والإنشاد لم أتمكن من تفويت لحظة منهما
::
موقف مضحك في تلك المظاهرة ^_^
مثلما شدّت تلك المظاهرة إنتباهي و جعلتني أنسى دراستي وأركّز عليها
كذلك كانت المظاهرة قد شدّت العديد من سكان الحي
فلم يكن فقط الشبان والرجال والاطفال هم من تواجدوا فيها
بل تواجدت أيضا النساء في تلك المظاهرة فبعضهن كانوا يهتفون مع المتظاهرين
وبعضهن يشاهدون وبعضهن كانوا عم يعملو " تبولة "


