" صراخ ، بكاء ، سرّنا الأول " ~
|| بقلم : Nino chan ||
على الهامش : يَعتبر فْرُويد "العالم النمساوي النفساني" صرخةَ الحياة ؛ صرخةً للتعبير عن الصدمة النفسية التي يتلقاها الوليدُ حال خروجه من بطن أمه للعالم الحقيقي الذي يصعب عليه تقبله.. فيبكي الوليدُ خوفاً وسخطاً وعدم رضا.
على شواطئها الساحلية سبحتُ عدداً من الشهور التي لا بأس بها، لا أعرفُ كم بالضبط ولكن ثمةَ من يقول أنها تسع أشهر أو تسعة. لا فرق في التاء.. فهي مربوطة على أيّ حال.. كما كنتُ مربوطاً بحبل سُرّي وليس سِرّي.. فسرتي كانت مرتبطة بالمشيمة ومنها بحبلٍ لسرتها.. لا يهم هذا كله..
في الحقيقة، كنتُ مدللاً.. لا يُمكن وصفُ العزّ الذي نعمتُ به.. لديّ وجبة واحدة يومياً.. وموعدها طيلة اليوم.. لكنْ.. أحياناً كانت تتأخر عليّ أو تقل لأسبابٍ مجهولة..
ناهيكَ عن التلفاز الذي عُرضت عليّ فيه الكثير من المشاهد التي لم أفهمها قط.. لكنني.. كنتُ أفهمُ همسها.. أحبّه وأنتظرها تناديني.. لم أعرف اسماً غير "حبيبي" "روحي" "نور عيني" "ضنايا".. كانت تتغزل بي..
أتذكر أنها كانت تقرأ بكتابِ رحلات غليفر.. وقررتُ من لحظتها أن أصبحَ غواصاً.. هذا لأنه إن حدث وغرقت سفينتي.. سأغوصُ بدلاً من يأخذني الموج لبلاد الأقزام والعمالقة أو الخيول المسترجلة!! قررتُ ألاّ أكون جباناً أو متخاذلاً.. لأنني سأحمي التي تناديني وتسمعني صوتها العذب هذا..
نعودُ للطعام مجدداً، أصلاً كان جُلُّ همي الطعام.. ويوماً جاءت نفسي على مشروب الفيروز.. كنتُ أودّ رشفةً بطعم التفاحِ أو الأناناس.. لا فرق كان! المهم أريدُ فيروز.. لكنها لم تلبي طلبي.. فمن همي رسمتُ شكل القنينة كما تخيلتها على رقبتي.. كنتُ ظمئاً حقاً.
..
يوماً بعد يوم، صرتُ أحسّ بعدم راحة.. فالمكان ما عاد يتسعني.. فجلستُ القرفصاء كي أتكيف على الوضع الجديد، ومصصت أصابعي.. فقط الإبهام عندما برز شكله من أصل البرعمة..
وضاق الأمر بي ذرعاً، فركلت قدمي في الهواء.. لكنني سمعتها تتأوه.. كانت تتألم.. فانحسرتُ على نفسي أحاول لومها أو تسكينها.. لكن لم أفلح.. كانت تقسو عليّ بلعناتها... فتألمتُ!
مرت أيامٌ على ذلك الحادث وفجأة اكتشفت أنّ الغلاف الذي أسبح فيه بدأ بالتمزق.. أردتُ أن أنبهها.. فصرختُ.. لكنها لم تسمع.. فبدأت بالهيجان.. وأعلنتُ العصيان المدني..
ضغطتُ لأسفل، لأسفل.. كنتُ أود الخروج بأقصى سرعة.. لكنني لم أستطع.. وأظلمت الدنيا عليّ.. ظلمةٌ فوق ظلمة... فوق ظلمة.. ولم يكن هناك أي أمل.. بدأت المياه تنحسرُ.. وأنا أتحسرُ أيامي في زهو السواحل..
فجأةً!!
جاء الفرج! إنه النور.. لكنّ الجدار حولي بدأ بالإنقباض أكثر فأكثر حتى انزلقتُ لأسفل النفق فإذ بالنورِ والحرارة والشيء الغريب الذي يخترقُ أنفي ورئتي أراه لأول مرة.. فامتلأت شعب رئتي به.. فأخذتُ نفساً عميقاً..
إنني أراها.. أراها.. أرى من كانت تحتضني شهوراً طوالاً.. حبيبتي التي انتظرتُ لقاءها.. حاولتُ إفشاء السلام.. فخرجت أصواتٌ لم أعرف كيف خرجت.. لكنني فهمتُ فيما بعد أنني كنتُ أصرخُ بدلاً من الضحك..
لا يهم..
فلمسةُ يدها واستنشاقها روحي ردّ روحي عليّ.. وأنا الآن في أحضانها أبكي.. أقصدُ أعبّر لها عن مشاعري الجميلة.. ليبدأ مشواري معها.. ووحدنا فقط نعرف سر بكاءنا.. أقصد ضحكنا..لكن مهلاً.. كيف يفترض بي العيشُ بعيداً عن الساحل؟ وأين المياه؟ أأصاب العالم الجفاف ؟؟!!!!