ياسمين


عندما وُلدْت.. زرعت أمي في فناء المنزل شجرة ياسمين.. وأسمتني ياسمين..

~

لطالما اعتبرتُ شجرة الياسمين جزءاً من كياني أو عضواً من أعضائي..

كبرتُ وأنا ألعب تحتها.. أدور حولها.. أبكي على جذعها.. وأتشارك ذكرياتي مع زهراتها التي تطل علي من نافذة غرفتي في كل صيف..

شجرة الياسمين عاصرت كل أحداث حياتنا وعاشتها معنا..

عندما استشهد والدي قبل عشرة أعوام في قصفٍ استهدف مدينتنا، أزهار الياسمين ذبلت حتى قبل انقضاء الصيف..

أزهار الياسمين تفتحت مبكراً عندما تخرج أخي من مدرسته، وعندما بدأ عملُه أخيراً ينتج ربحاً يكفي ليريح والدتي من عبء إعالتنا..

أزهار الياسمين بقيت متفتحة من بداية الربيع وحتى نهاية الخريف عندما نجحتُ في دراستي وتخرجتُ من المدرسة..

إنها جزءٌ مني.. من مشاعري وأحاسيسي.. بل إني لواثقةٌ تماماً أن النصف الآخر من روحي يسكنها..! وهل يعجز المرء عن إدراك روحه؟

~

اليوم بلغنا العشرين من عمرنا.. احتفلتُ معها صباحاً بهذه المناسبة.. كانت أزهارها متفتحة أكثر من أي وقتٍ مضى..

غادرتُ مساءً لأتناول الإفطار عند إحدى صديقاتي.. فشهر الخير قد أظلنا..

كانت جلسة سمرٍ جميلة.. كنا سعيداتٍ جداً ولكني شعرتُ بانقباضٍ فجأةً في صدري..! حاولتُ التجاهل ولكن الانقباض ازداد! كان مؤلماً.. مخيفاً.. لا أعرف كيف أصفه!

لم أستطع البقاء.. استأذنتُ من صديقتي واعتذرتُ بتعبي وأسرعتُ نحو المنزل..

ولكني لم أجده..

كل ما وجدتهُ كان حطاماً وخراباً تقف في وسطه شجرةُ ياسمين جميلة..

~

اقتربتُ وقدماي لا تقويان على حملي.. اقتربتُ واقتربتُ حتى وصلتُ إلى الياسمينة.. أأنتِ من استدعيتِني؟؟

تحت جذورها كانت تسيل دماءٌ حمراء.. لم أعرف أكانت دماء أمي المكافحة.. أم دماء أخي الذي نذر حياته لأجلنا.. أم دماء حبيب البيت ابن العاشرة الذي صار رجلاً قبل الأوان.. أو ربما كانت دماءً تسيل من قلب الياسمينة المجروح..

كان الصمت المطبق يعم المكان.. فلا صدى لصوت أخي الصاخب ينادي إن كنا نريد شيئاً ليجلبه عند عودته.. ولا لدعوات أمي التي تشيّعه.. ولا لضحكات حبيبنا التي لا تتوقف.. ولا لزقزقة عصافير أو طقطقة أطباق أو حفيف أوراق..

لا شيء البتة.. سوى نشيجٍ متواصلٍ اخترق السكون فجأة.. لم أدرِ متى بدأتُ بالبكاء.. لم أدرِ متى جثوتُ على ركبتي واحتضنتُ جذع الياسمينة بقوة..

كانت أغصانها تتدلى بضعف.. كانت أزهارها على وشك الذبول.. صرختُ فيها فجأة من بين دموعي: لا تذبلي! أولم تكوني نضرةً هذا الصباح؟ لا تضعفي فنحن لا نموت إلا واقفين! لا تضعفي الآن وتُضعفيني معك! أرجوك لا..!

كان صراخي وبكائي عالياً.. ولكن صوتاً أعلى اخترق أذنيّ.. كان أزيز محركات طائرةٍ تقترب.. ويقترب معه صوت انفجاراتٍ عالٍ..

أعادوا مجدداً..؟؟ نهضت.. وقفت.. واتكأتُ على شجرة روحي.. أغمضتُ عيني وأخذتُ نفساً عميقاً ثم فتحتهما مجدداً.. كان نشيجي قد توقف الآن ولكني لم أستطع إيقاف الدموع..

لا أدري أكان ذلك وهماً أم حقيقة.. ولكن خُيّل لي أن الأغصان باتت ترتفع وتقاوم ضعفها.. لماذا يجب أن نتظاهر بالقوة حتى في أشد لحظاتنا ضعفاً؟

استطعتُ أن أسمع الطائرة فوقنا تماماً الآن.. التصقتُ بالشجرة أكثر.. شعرتُ بأننا صرنا روحاً واحدةً أخيراً.. ابتسمتُ بألم.. وانتهى كل شيء..

~