بقلم : تشيزوكو
نظارة سوداء - غموض - رجل أعمى
البهارات : شاعري
عندما أراد الخروج لعمله في الصباح الباكر.. وجد على عتبة بابه علبةً تحوي نظارةً سوداء.. تلك كانت البداية..
~
تساؤلات كثيرة حامت في ذهنه حول هذه النظارة.. أهي هدية..؟ إذا كانت كذلك فلماذا أرسلها صاحبها بهذه الطريقة المريبة..؟
قلّبها بين أصابعه وأخذ يتفحصها بناظريه.. لا تبدو جديدة.. ولكن.. ولسبب ما إنه يرغب حقا باستخدامها..! ربما يكون من أرسلها هو أحد زملاءه في العمل وربما يعترف بذلك إذا رآه يستخدمها.. تبدو قديمة وملية بالخدوش.. لا بأس.. ليومٍ واحدٍ على الأقل.. الشمس مؤذيةٌ اليوم على أية حال..
رفع النظارة السوداء ووضعها على عينيه.. وانطلق إلى عمله..
~
عملٌ كثير كالمعتاد.. مواعيد متراكمة.. ومشاكل لا تنتهي.. عاد إلى منزله في المساء مرهقاً.. مدّ يده إلى جيبه ليلقي محفظته ومفاتيحه على أقرب طاولة.. ونظارته أيضاً..!
لقد نسي أمرها تقريبا مع مشاغل يومه الكثيرة.. لم يعرف مرسلها.. لعلها مزحة سخيفة.. عليه ألا يستخدمها مجدداً.. الأهم الآن.. ما سر هذا الألم الفظيع الذي يغزو صدره منذ الصباح..؟
~
- مراد.. مراد..!
بدا مراد كما لو عاد فجأة من حلم بعيد... التفت إلى صديقه مشدوها.. ثم تمتم: آه.. نعم.. نعم.. أقلت شيئاً..؟
ظهر الامتعاض على وجه صديقه وائل وهو يقول: ما بالك هذه الأيام يا مراد؟ دائما شارد الذهن؟ وأيضاً ما قصة هذه النظارة السوداء التي تضعها دائماً منذ الأسبوع الماضي..؟ لم أر أحدا يضع نظارة شمسية في العمل..!
كان مراد يبدو متفاجئاً.. نظارة..!! صحيح إنه لا يزال يضع النظارة..!! لماذا يا ترى..؟ إنه يذكر تماماً أنه قرر عدم استخدامها مجدداً.. ما الذي يحدث معه بالضبط.. عليه أن يتخلص منها حالا..!
ولكنه ويا للغرابة لم يحاول حتى مد يده لانتزاعها.. فقط تابع عمله وكأنه نسي أمرها تماماً..! بقي وائل يراقب تصرفات صديقه بارتياب.. إنه حقاً لا يبدو على ما يرام.. يبدو.. يبدو تعيساً بشكل أو بآخر..!
ولذلك قرر أن يدعوه إلى العشاء الليلة.. عله يكشف شيئا عما ألمّ بصديقه.. أو يتمكن من مساعدته بشكل ما على الأقل..!
~
بدا محطماً ومشوشاً وهو يجلس إلى مائدة العشاء الصغيرة في منزل وائل.. حاول وائل أن يفتح عدة مواضيع سعيدة وممتعة مع صديقه ولكن الأخير كان يكتفي بإجابات مقتضبة..
وأخيرا قرر وائل الدخول في صلب الموضوع.. أخذ نفساً عميقاً.. وظهرت الجدية في صوته وهو يقول: ما الأمر يا مراد..؟ ألسنا صديقين نتصارح في كل شيء..؟ أخبرني بما يزعجك علّي أتمكن من مساعدتك..! أنت لا تزال شابا في مقتبل عمرك.. الحياة بدأت تبتسم لك الآن فلماذا تغرق نفسك بكل هذه التعاسة..؟؟
استطاع وائل أن يشعر بالألم الذي ارتسم في عيني صديقه رغم اختفاءهما خلف نظاراته السوداء.. ومنذ متى كانت الحواجز والمسافات تمنع الأصدقاء من رؤية عيون بعضهم؟
تنهيدة كبيرة تلك التي صدرت عن صدر مراد.. بدأ يتحدث بمنتهى البؤس: أنا.. سعيدٌ لأنك هنا.. إلى جانبي.. سعيدٌ أنه بقي أحد في هذا العالم يمكنني التحدث إليه.. أنا حقا أشعر بالتعاسة.. بالوحدة الشديدة.. لا أستطيع الاستمرار هكذا.. أنا حقاً.. حقاً أريد أن أقابلهم..! أن أسمع أصواتهم..! لا يمكنني العيش بدونهم.. أريد أن أشم رائحتهم ولو لمرة واحدة.. ولو لمرة أخيرة..!
كان الألم والحزن يكاد يقطر من كلمات مراد المعذّبة.. كان وائل مذهولاً بما يسمعه.. ما الذي يتحدث عنه بالضبط..؟؟ حاول مسايرته وسأله بتردد: من هم أولئك الذين تريد رؤيتهم؟؟
زفر مراد بألم وقال: وهنا تكمن المصيبة... أنا لا أعرف..!!!
~
يعرف وائل مراد من أيام الجامعة.. كانا زميلي دراسة.. وسرعان ما أصبحا صديقين.. مراد كان من النوع الجاد.. الطموح.. لا يثنيه شيء عن عزمه.. لم يره وائل قبلا يتحدث حتى عن عواطفه..!
لم يعرف وائل كيف صارا صديقين بالضبط فهو كان من النوع الاجتماعي المحب للجلسات المرحة.. عكس مراد الذي لطالما فضّل التركيز على أهدافه الجادة.. ربما هذه الأهداف هي من جمعتهما معاً.. كلاهما أحب قسم الإدارة كثيرا.. كلاهما كان يتحدث عنه بشغف.. يقضيان ساعاتٍ يتحدثان عن أحلامهما فيه دون ملل.. يخططان تفاصيل مستقبلهما معاً.. ويبتسمان لمشهدٍ بعيدٍ يكادان يريانه أمامها..!
لطالما جمعت الأحلام الأرواح البعيدة وقاربت بينها.. فالأحلام هي قطب الأرواح.. تدلها إلى أين تتجه.. ومع أي أرواحٍ تلتحم..
سهرا معاً حتى الفجر يستذكران آخر صفحات كتاب اختبارهما الأخير.. احتفلا معاً وتبادلا قبعاتهما السوداء يوم التخرج وجدّدا عهدهما على الاستمرار.. قدّما أوراقهما إلى نفس الشركة.. وقُبلا كزميلين في نفس الوظيفة..
لم يتغير مراد يوماً.. دائماً يركز على أهدافه.. يعيش وحده.. لا يكاد يرى أخويه اللذين استقل كل منهما بحياته بصمت أيضاً.. لم يفكر بالزواج حتى يؤسس نفسه جيداً.. لم يعرف يوماً عواطف الأمومة التي رحلت عن عالمه منذ صغره.. ألهذا عواطفه متجمدة..؟ حتى وفاة والده في دار الرعاية التي قضى فيها آخر أعوامه لم تكد تحرك مشاعره..
كان وائل قد اعتاد هذا من صديقه.. لم تعد تؤذيه صلابته.. كان يدرك أنها قد تكون مصدر قوته.. فما الذي حدث له بالضبط ليستحيل إلى هذه الحالة المدمَّرة..؟؟ أهو مرضٌ نفسيٌ ألمَّ به فجأة..؟ ولكن.. مراد..؟؟ يمكنه أن يصدق إصابة أي شخصٍ في العالم بأزماتٍ نفسيةٍ إلا مراد..!! ما الذي حلّ بصديقه بالضبط..؟
~
بقي وائل يحلل ويقلب الأمور في ذهنه دون جدوى.. وكلما مر يوم ازدادت تعاسة مراد أكثر.. وبعد بضعة أيام.. تغيب عن العمل..!
أنهى وائل عمله على عجالةٍ ذلك اليوم.. هرع إلى منزل صديقه.. عليه أن يقف إلى جانبه في أزمته هذه..! ربما عليه أن يأخذه إلى طبيب نفسي..؟
طرق وائل الباب مراراً قبل أن يفتح له مراد.. هزيلاً شاحباً.. تتربع فوق عينيه نظارات سوداء كئيبة..
دخل وائل المنزل مغتاظاً.. مدّ يده ساحباً النظارات من فوق عيني صديقه بعنف وهو يصيح: حتى في المنزل تضعها؟! ما الذي.....
وتوقف حين رأى عيني مراد الغائرتين الدامعتين.. ارتجت روحه لألم صديقه.. أغلق باب المنزل وساعد صديقه على الجلوس على أحد الكراسي.. تبعه مراد منقاداً طائعاً لا يقوى حتى على المقاومة.. جلس وائل مقابله وهو يتألم لألم صديقه..
همس أخيراً: ليتني على الأقل أعرف ما بك..؟ أخبرني بأي شيء يمكّنني من مساعدتك.. أي شيء!!
قال مراد بضعف: لا أدري.. أنا فقط أريد أن أسمع ولو همسةً من أصواتهم.. إنهم قطعٌ من روحي.. لقد اختفوا من حياتي فجأة.. أو.. فقط دعهم يجلسون معي في نفس الغرفة.. لدقائق فقط.. لثوانٍ حتى.. لا يجب أن يتكلموا.. فقط وجودهم يكفي.. سأشعر بهم لو اقتربوا قليلاً..
آه يا وائل أنا أتعذب.. لا أطيق صبراً عنهم وأنا لا أعرف حتى من هم..! كأنني أعيش في وهم.. وأيضاً....
صمت متألماً فحثّه صديقه على المتابعة وقلبه يعتصر لحال صديقه: وأيضاً..؟
تنهد مراد.. غطى وجهه بكفّيه وهمس: أنا.. بالكاد أستطيع الرؤية الآن..!!
~
بقي وائل يحدق بصديقه بعد فهم.. ثم ما لبث أن قال بتوتر: تـ.. تقول أنك لا ترى! هل أنت جاد؟؟ ألم تزر طبيبا؟؟
هز مراد رأسه بالإيجاب وقال: فعلت ولكن دون جدوى.. بصري يضعف بشكل تدريجي ولا سبب واضح لذلك..
قال وائل بفزع: ألم يعطك الطبيب نظارات تساعدك..؟؟
أجاب مترددا: لقد فعل ولكن.. أنا لم أستخدمها.. لأن.. لأنني أضع النظارات السوداء..!
نظر وائل مذهولا إلى النظارات السوداء التي لا تزال في يده.. تمتم: النظارات السوداء..؟ أتضعها لأن بصرك ساء؟
هز مراد رأسه نافياً هذه المرة وقال: لا.. لقد وجدتها.. أحدهم أحضرها.. كانت أمام الباب.. إنها قديمة.. لا أعرف مرسلها..
سأل وائل مصدوماً: ولماذا بالضبط تستخدمها إذا كانت قديمة؟؟
رد مراد بضعف شديد: لا أدري.. أنا حقا لا أدري.. إنها فقط.. تحمل الكثير.. أشعر أني أعرفها.. أنها جزء مني..
صمت فجأة وكأنما يحاول عقله استيعاب أمر ما.. أطلت نظرةٌ غريبةٌ من عينيه المحدقتين بالنظارة.. تناولها من يد صديقه وقربها من عينيه متفحصاً لها باهتمام..
بدا القلق في صوت وائل وهو يسأل: وما الأمر الآن..؟
أجاب مراد بخفوت: أنا.. أنا حقاً أعرف هذه النظارة..!
سأل وائل بلهفة: حقاً!! أتعرف صاحبها..!!
هزّ مراد رأسه ببطء.. رفع عينيه بوجل نحو صديقه وقال بارتياع: إنها نظارة والدي..!!
~
بقي كلاهما يحدقان في النظارات السوداء بصمت.. تنهد وائل وقال أخيرا: يبدو الأمر كله خياليا.. لا شيء قابل للتصديق هنا!!
مرر يده في شعره بطريقة مشوشة.. ثم عاد يقول: هلا حدثتني عن والدك..
مرت دقائق من الصمت قبل أن يقول مراد: لقد.. لقد مات منذ مدة.. منذ أشهر طويلة.. في الواقع أنا لم أره منذ سنوات.. لقد عشت مستقلا منذ دخولي الجامعة.. كنت أنفق على نفسي وكذلك فعل أخواي.. سامر ووليد.. كان والدنا قد كبر في السن كثيرا ولم يعد يقوى على العمل أو حتى على العناية بنفسه.. وبطبيعة الحال لم نكن لنستطيع العناية به فذهبنا به إلى دار رعاية المسنين.. ربما زرته بضع مرات فقط في البداية.. ولكني انشغلت جدا بعد ذلك.. لم أسمع عنه إلا يوم وفاته..!
لم تبد الصدمة على وائل.. هكذا يعرف صديقه.. عاد مراد يقول بعد تردد: وأيضاً.... لقد كان أعمى!!
تفاجأ وائل الآن.. نظر إلى النظارة مجدداً.. تمتم دون ترابط: نظارة والدك السوداء تظهر فجأة.. لسبب ما تتعلق بها.. تشتاق لأشخاص مجهولين وتريد سماعهم وشمهم والإحساس بهم لا رؤيتهم.. يضعف بصرك شيئا فشيئا.. وأخيراً...
رفع بصره نحو مراد وتابع: وأخيراً تبدو أكثر منطقية عندما تخلعها! كل هذا هراء وغير قابل للتصديق ولكني لا أملك تفسيراً آخر..
هب واقفاً على قدميه وهتف: مراد.. لنذهب لزيارة قبر والدك!
~
وصل الصديقان إلى المقبرة وشمس الأصيل توشك على المغادرة.. كان وائل يساعد مراد أثناء السير حتى وجدا نفسيهما أمام القبر تماماً.. بدا مراد متوتراً.. نظر إلى صديقه وقال: ماذا بالضبط عليّ أفعل؟؟
تنهد وائل وقال: لا أدري.. يقولون أن الأموات يسمعوننا.. تصلهم مشاعرنا.. سيكون عليك فعل الكثير لوالدك منذ اليوم.. التصدق عنه والدعاء له.. ولكن الآن.. حاول على الأقل التحدث إليه.. أوصل اعتذارك له.. لقد سكنتك مشاعره.. واثقٌ أنك تفهمه الآن.. لا أملك تأكيداً على ما أقوله ولكني ربما هذه المشاعر وهذا البصر الضعيف سيلازمانك إلى الأبد.. لنأمل على الأقل أن يتوقف الأمر عند هذا الحد ولا يزداد سوءاً..!
هز مراد رأسه.. جثا على ركبتيه.. فتح فمه ليتحدث فخنقته العبرة.. ثم أرخى جفنيه تاركاً العنان لدموعه.. متى كانت آخر مرة بكى فيها؟؟ إنه لا يذكر ذلك.. لا بد أنه كان طفلا وقتها..
تحدث أخيرا من بين دموعه وقال: أنا.. لم أتخيل أنك كنت تشعر هكذا.. أو ربما.. لم أحاول يوما تخيل حقيقة مشاعرك.. ربما عرفت في مكان ما في داخلي أنك وبلا شك وحيد وحزين.. ولكني لم أهتم.. هي أدوار توزع في الحياة.. دورك انتهى ودورنا حان.. التفاتُنا نحوك لن يغير شيئا.. هكذا آمنتُ دوما.. ولم أبالي إن كنتُ مصيباً أو مخطئاً فيما أؤمن به.. وأنت بقيتَ وحيداً تتعذب.. برغم فقدك لبصرك وزوجتك بقيتَ تعتني بنا وحيداً.. كنا كل حياتك.. أستطيع أن أشعر بذلك الآن.. هل أنت من أرسلت إلي هذه المشاعر لتسكنني؟؟ أم هي نظاراتك التي شهدت وحدها مرير لحظاتك..؟ هل كنت تجلس بجوار النافذة كل ليلة تنتظر صوتا ينبئكَ بقدومنا؟ أنا أو سامر أو وليد؟ هل كنت تفكر بنا في لحظاتك الأخيرة؟؟ هل كانت غاية أمانيك أن تلمسنا أو تشم رائحتنا أو تستشعر حتى وجودنا بقربك قبل رحيلك؟؟
غالب مراد نحيبه الذي ازداد الآن ليتابع: أنا.. لم أرد يوماً الالتفات نحو مشاعري الدفينة أو إعطاءها أكبر من حقها.. كل ما كنت أعرفه أنها عائق.. عائق يمنعني من التقدم.. ولكن الآن.. بعد أن عشتُ بنفسي تجربة الوحدة المريرة آخر العمر وأنا في ريعان شبابي، لا أريد أن تنتهي بي الحال هكذا..! لا أريد أن أقضي حياتي بعيداً وحيداً ليتابع أولادي حياتهم الخاصة متجاهلين روحي الممزقة التي خلفوها وراءهم..! هل لهذا أرسلت إليَّ مشاعرك؟ لأتغير حتى لا أنتهي بنفس بؤسك؟ إلى جانبي الآن وائل.. فهل كان إلى جانبك أحدهم يوما؟ أنا أعرف أنه لو كان وائل مكاني لما كنتُ قد وقفتُ إلى جانبه كما وقف هو الآن..! ولكني الآن أعرف كم أحتاجه.. وكم كان ليحتاجني لو كان مكاني.. هو اعتذار.. وشكر.. لك ولوائل.. ولأخوي سامر ووليد.. حيث لم أكن يوماً قدوة جيدة يتبعانها.. ارقد في سلام يا أبي.. وإذا كنتَ تسمعني فكل ما أرغب بقوله لك الآن هو.. أنني حقا أحبك..!
كان الظلام قد بدأ يخيم على المكان الآن.. نهض مراد ماسحاً دموعه بكمه.. لم يستطع وائل إلا أن يربت على كتفه برفق.. سارت خطواتهما مغادرةً المقبرة معاً.. ونظارةٌ سوداء ترقد برفق فوق قبرٍ قديم..
~
عندما أراد سامر الخروج لعمله في الصباح الباكر.. وجد على عتبة بابه علبةً تحوي نظارةً سوداء.. تلك كانت البداية..
~ تمت ~

رد مع اقتباس

المفضلات