بقلم : غاسا آليرو
نظارة سوداء - غموض - رجل أعمى
كوميدي
1،. افتتاح ..
مع تنفس الصبح الأول، أسلك طريق (البلد) على قدمين -كعابي- حتى أصل لمكاني السري المفضل ..
دراستي؟
أنهيتها منذ ردح من الزمن!
عملي؟
هو ما سأشرع فيه بعد قليل ..
سيرتفع حاجباك بدهشةأو ضيقٍ حسود إن أخبرتك أنّ مكاني المفضل على وجه مدينتي هو مكان عملي.
هيا لا تكابر!
أعلم أنك كذلك! وإلا، فلِمَ تدعوا لي أمي -غيضًا- بالعافية، ووالدي يغسلني بنظرات تشي بأنني سأزور (شهار) في المرة المقبلة التي أحدثه فيها بعملي ..
هاقد اتجه الحديث لاتجاهٍ آخر ..
أصل لمكاني، أُخرج من جيبي العلوي أداتي السحرية للتخفي، أضعها على عينيّ لتحجب عنها الشمس، ولتعطيني مظهرًا يتسم بالغموض يخدع السذّج من القوم .. وتضيف أيضًا مظهرًا لن أذكره لك الآن ..
ثم أجلس على مقعدي الأثير ..
هل نال منك الفضول مناله؟ أنا أيضًا يقطّعني هذا الفضول بلا توقف!
فضولٌ لا يكتفي بنظرةٍ عابرةٍ لشخصٍ يركض مسرعًا على الرصيف ..
لِمَ يركض؟
من هو؟
هل يركض هكذا دائمًا حين يعتريه قلق؟
أكان يهرول رياضةً أم هلعًا؟ لم أنتبه -للأسف- إلى تعابير وجهه حين مر!
ألحقه؟ لقد كان قرارًا متأخرًا ..
أُمضي أصيل النهار وقيضه وعصره أقلب نظري من موطئ قدمي إلى العابرين إلى المحلات المقابلة، توجد تغطية إنترنت جيدة هاهنا، إن صاحب البيت المجاور لا يملك أبناء؛ لذلك لا يضع رمزًا لإغلاق الشبكة ..
ويظهر أن المغفل لا يستخدم هذا الإنترنت إلا للـ "whatsApp"
أنا أحد الكائنات المتخشبة، أضف إلى فضولي الحاد كسلي الشديد فيما يتعلق بالحركة
لذا أمضي أغلب النهار في وضع واحد دون اكتاءٍ أو تغيير.
أهذا جوهر عملي؟ لا ..
لكن هذا ما سيقوله لك أي بائع أو متجول رسمي في هذا الشارع عني ..
أضف إليه وصفًا آخر:
الجميع يظنني ضريرًا!
******
2،. طرف الحبل،. بداية كل شيء ..
بدأ الأمر منذ أشهر ..
فبعد أن نسخت سيرة حياتي عشرات النسخ، ثم عبأتُها في مظاريف خضراء، ومهرتها بتوقيعي وجميع عناويني ..
أرسلتها لعناوين الوظائف التي تروقني وتناسب تخشيبتي الأثيرة ..
لم يرسل الحمقى لي جوابات قبول أو اعتذار ..
فحزرت أنهم تائهون هائمون لا يجدون مقامًا رفيعًا يليق بي، فعذرتهم على مضض ..
أما عملي فقد بدأ قبل أسبوع ..
في أحد الجُمُعات اللاهبة، وبعد صلاة الجمعة
استغللت الوقت المستقطع لتغيير وضع جلوسي إلى (التربيعة)
هنا ووسط ازدحام الأرصفة بالأجانب وتجمعات الجاليات، كان هنالك شخص في موقعه الخطأ
كحبة بازلاء حمراء وسط طبق خصار ورقية
أو كصدفةٍ بين كرات بيسبول
أو دعني أقول بأنه كسحلية وردية غريرة وسط قبيلة (ضبّان)
لقد كان الوصف الأخير إبداعيًا بحق!
يمكنني أن أصف لك شكله ببساطة:
جميل!
ليس اسمه بالتأكيد، فهو يرتدي زي الشرطة -ويكاد يكون مستحيلًا أن تجد هذا الاسم هاهنا-
جميل وليس وسيمًا
كتمثال إغريقي -كما يحبون أن يصفوا الجمال-
شدّني مظهره بحق!
لا أملك حقد ذوي الكروش تجاه الشباب الوسيمين.
على العكس! أنا أرى أن هذه الزهور الناضرة تجعل محيط رؤيتك أجمل، تحديدًا إن كانوا طيبي القلوب كما يبدو على هذه السحلية الوردية التي تركض تجاهي مباشرةً ..
بتصميم رهيب كان يحدق في عينيّ تماما، وكأنه يقول: "لست أحمقًا كالآخرين، أنت ترامي كما أراك"
توجست منه خيفةً وأعترف بهذا، أكره احتكاكي بالشرطة لأنه لم يكن يومًا احتكاكًا لطيفًا ..
ما إن اقترب حتى أدركت أنه كان يقصد البقية الشاغرة من المقعد جواري لا أنا!
أيستخدم هذا الأحول أعينهُ جيّدًا؟
جلس ثم بدأ بالكلام:
- السلام عليكم
- وعليكم سلامٌ ورحمةٌ وبركاتٌ من الله (لطالما أحببت التفنن في الرد على السلام الذي لا يلقيه الآخرون إلا بشق الأنفس)
التفت لي مدهوشًا من الصيغة التي كانت من وحي اللحظة:
- أتعرف صاحب هذا البيت (مشيرًا إلى عجوز الـ"WhatsApp")
- أجل، وأعرف أنك مكلّف بمراقبته (هل أقسم أنها كانت من وحي اللحظة كسابقتها؟)
*******
3،. عقدة الحبل،.
وجه هذا الشاب هو مرآته النقية ..
فقد حولته كلماتي إلى عجين:
- من أنت؟!
- لا تصرخ هكذا! مجرد تخمين، فلم يتجوّل شرطيٌّ هنا من قبل -وإن كان هذا خللًا في توزيعكم للدوريات-، ثم سؤالك الأول عن هذا البيت وصاحبه مباشرةً بالرغم من أنه يظهر وكأنه مقطوع من شجرة ..
- ربما كنت أحد أقاربه!
- وبثياب العمل في عزّ ظهر يوم الجمعة؟ وعلى هذا المقعد بدلًا من مجلس الضيوف داخل منزله؟
- إذن، ماذا لو كنت أسأل عَرَضًا عن أحد أبناءه، إذ خطب ابنه إحدى بنات عائلتـ ...
- (قاطعته) لا أبناء ولا بنات له ..
- من قال لك هذا؟!
"وجهك الغبي الآن!" وددت لو رددت عليه بهذا، لكنني بدأت بالشرح:
- لا أحد يخرج من منزله عداه وزوجته، لا أطفال ولا كبار غيرهما، لا يوجد لهذا البيت إلا مخرجٌ ومدخلٌ واحـ ...
- لِمَ لا يكون مستبدًا على بناته أو قلقًا بشكل مبالغ على أطفاله؟
- الطلبات!
- ماذا؟
شعرت حقًا بالإحراج وأنا أقص ملاحظاتي الدقيقة، لكن تلهفه زاد حماسي:
- الطلبات، ما يقوم البقّال والصيدلي وعمّال التوصيل بجلبه للمنزل، ذلك يشير بإن البيت خاوٍ من الشباب والأطفال.
فلا يجلب الرجل لمنزله أيّة دمى أو ألعاب، لا حلوى كذلك والوجبات خفيفة، لا مستلزمات صحية للفتيات أو مستحضرات تجميل.
كل سيارات التوصيل التي تقف أمام منزله تتعلق بالبريد.
بقي عدة دقائق فاغرًا فاه في ذهول، ثم انعقد حاجباه وسأل:
- من أنت؟!
الحق أن الإجابة أخذت مني وقتًا للتفكير، فاختصاري (أنا) في عدة جُمل تعارفٍ هو أمرٌ مجحف!
- أنا خالد
*******
4،. حبال،.
استغرق التعارف وقتًا أطول مما ظننت ..
هو:
حمد، عسكري برتبة جيّدة، مع رؤساء جيّدين
ألقوا بمهمّةٍ تزن أمن مدينةٍ على عاتقه ..
لِمَ الشكوى؟ سيصبح رجل دولةٍ في المستقبل، لذا يجب عليه أن يتدرب على مساحةٍ كافية وغير مؤثرةٍ جغرافيًا، وقد جاءت الفرصة على طبقٍ من زعفران ..
أنا؟
خالد، شابٌ تملك كل شركةٍ في خزائنها ملفه الأخضر، يتمطط على مقعده الخشبي كل يوم، شديد الملاحظة، كتوم حتى يسأله أحدٌ ما ..
بعد أن انتهى من التعريف بنفسه صدمني:
- ستساعدني في هذه القضية!
- اصبر يا بني! أي قضيةٍ وأي مساعدة؟
- القضية التي أخبرتك عنها! هذا العجوز المسالم يزن رأسه الكثير!
- أتعني بأن تهديد الأمن يقبع في هذا المنزل اللطيف؟ كم هي المظاهر مخيفة!
- أنا لا أمزح، سأعطيك القدر الذي تحتاجه من المعلومات لتساعدني!
- ما الذي كُلفت به صاح أولًا؟
- التحقيق.
- فيمَ؟
- في علاقة المذكور بتهديد الأمن.
- أنت حقّا تجسيدٌ فيزيائي للمثل (يتكلم بالقطارة)! ما الأمن الذي يهدده؟ ما الطريق الذي ينتهجه لتهديد الأمن؟!
قال بخفوت كأن أحد المارة سيقرب أذنه للسماع:
- أمن المعلومات.
فيوو~
أطلقت تصفيرة تنهد:
- من بين كل عباد الله الصالحين، تختارني أنا لأعينك في قضية أمن معلومات؟
- لم أطلب منك الكثير، سآتيك بالمعلومات، وأنت ستجدلها وتكوّن منها ضفيرة استنتاجات متكاملة، كالعرض المدهش الذي أريتنيه قبل قليل!
بحزنٍ رفضت فكرته:
- اعذرني، فلستَ في حلٍّ من أمرك لتثق بغريبٍ جلست جواره على قارعة الطريق!
- من قال أنني أثق بك؟
كل ما في الأمر أنني أحترم قدرتك على تسخير العجين الذي يملؤ جمجمتك!
- أفسدت غروري، كنت بخيرٍ مع شعور الثقة!
لم يفهم الأحمق مزاحي وبدأ بالاعتذار، ثم نهض ليبلل حنجرته بشيءٍ من الثلاجة على الرصيف المقابل ..
شيعته بنظري حتى عاد، ثم سدَّ أحدهم الرؤية علي ..
أحسست بحفيفٍ ناعمٍ حين انصرف ذلك الجبل.
لأجد ورقةً نقديّةً ضخمة!
لقد ظنني ذلك الأحمق أعمى!
أعمى؟
لِمَ لا؟
يالها من طريقةٍ لكسب المال وسط هوايتي المحببة!
سيحسدني بالتأكيد عمّال المكاتب الذين تحجّرت مؤخراتهم أمام أكوام الورق!
لمح ما جرى وأخبرَني بصراحة حمقاء:
- لا ألوم من يظنك أعمى مع هذه الملابس!
إن أي بالغ عاقل صحيح من العته لن يرتدي هذا المزيج الغريب!
هنا اشتعل فتيلي القصير:
- أنت وزيّك الرسمي آخر من يتحدث بهذا الشأن أيتها السحلية الوردية!
-سحلية ماذا؟!!
-هذا اللون الذي يفوق الرمادي تماهيًا والذي تتبختر به!
- إ.. إنه للتمويه مع البيئة المحيطة! كفاك تغابيًا!
-تمويه ماذا؟ هذا اللون الذي يشكل مزيجًا من التراب والفضلات الحيوية ومستنقعات الطرق غير المعبدة؟
لمحت تقلصًا في وجهه وعيناه تهربان إلى كل شيءٍ سواي، وقد أجدت طريقتي الطفولية في انتزاع فخر الآخرين مرةً أخرى.
وعرفت بعد هذه المحادثة الظريفة أن عملي قد بدأ!
المفضلات