أدرنة، تركيا، 1462
أشرقت الشمس على وجوه رسمت البشاشة ملامحها، وعلت البسمة شفاهها، وغشت الطيبة والمحبة محيّاها. زغردت أصواتهم كزقزقة العصافير بين أروقة الأسواق، وتعالت جلبتهم أمام أحمال البضائع الرائحة والغادية، فتحرّكت أقدام الزائرين والمتجولين ببطء فوق الأرض المعبدة كما يسيل العسل البني مسكوبًا من فم الإناء. ترقرقت ألوان الفاكهة ضاحكة في وجه مشتريها، والباعة من خلفها يصيحون عليها بكل قرظ ومديح، وعلى الجهة الأخرى فاحت أزكى الروائح وأعذبها من حانوت العطّار، وطفقت تخطف الأرواح والنفوس فترتفع بها عاليًا نحو السماء في نشوة وطمأنينة، وإلى جانبها دكاكين الأقمشة والجلود والحرير والديباج، قد نشرت ألوان الطيف على أبوابها، واكتنزت نعومة بشرة الطفل في ملامسها، ومن خلفها تاج العروس، وتحفة الملبوس، دكاكين الصاغة، وقد تحلّقت النساء المتسوّقات على معروضاتها كما تجتمع الفتيات الصغيرات عند أقاصيص جدتها. نظر ذلك الرجل الواقف وقفة اعتزاز ورضا إلى هذا المنظر المنساب أمام عينيه، ورغم أن الشمس بدأت تصّاعد في سماء الصباح مرسلة حرارتها وجفافها في الأرجاء، إلا أن شعاعها الحارق لم يزعجه، ليس بسبب عمامته السلطانية التي حجبته عنه، بل لأن سعادة رعيته وطمأنينتهم انعكست في صدره فملأت قلبه حمدًا وامتنانًا.
غير أن نسيم الهدوء والسكينة لم يدُم طويلاً، إذ ظهرت من خلف رؤوس الجبال المحيطة بالمدينة سحب سوداء قاتمة عابسة، ما لبثت أن تكالبت حول قرص الشمس وشدّت عليه الخناق كحبل المشنقة، فلم يستغرق الأمر طويلاً حتى حلّ لون رمادي بارد مكان الضوء المنبعث من صفرة الشمس الدافئة. وانطلقت من جهة الصحراء نفخة ريح هائلة كادت تقلع الواقفين من أماكنهم، وتعاضدت أكداس الغمام مع هذه الريح فزمجرت برعدٍ يكاد يخطف سنا برقه الأبصار. حدث كل ذلك في ثوانٍ معدودة، وكأن البرق قد أقرض سرعته لبقية العوامل الطبيعية، ثم أرسلت تلك الغيوم محتوياتها وأفرجت عن مكنوناتها، ولم يكن ذلك مطرًا ولا بردًا بل كانت سلسلة من الصواعق هبطت على سقوف المدينة كنَفَس التنين فأشعلتها وأضمرت فيها لهب النيران. وتعالت أصوات البشر والحيوان بالصياح والاستغاثة، وتحولت زغردة الفرح والبهجة التي كانت منتشرة قبل هنيهة إلى نعيق وعويل وهرج ومرج. وتحول المشهد البهي إلى مسرح مليء بالجثث والتدمير والحرق والدم المنسكب، في موقف سوداويّ معتم...
استفاق من حلمه فجأة، والعرق يتصبب من جبينه لؤلؤًا نديًا شفافًا. استعاذ بالله من الشيطان وتفل عن شماله. كانت الليلة الثالثة على التوالي التي يراها فيها هذا الكابوس نفسه. نظر إلى الليل في الخارج عبر النافذة فقدّر أن الوقت يكاد يبلغ السَحَر، فقام من وسادة وفراشه الوثيرين ليتوضأ.
وعلى بعد أمتار قليلة، في حجرة ملاصقة، كهلٌ مهيب يطالع كتابًا تحت ضوء فانوس نحاسيّ صغير. ظلّت عيناه تتابعان الحروف المسطرة في كتابه، ورغم هدوءه وسكونه الظاهرين، إلا أنه لم يفت أذنيه سماع أنين النائم خلف ذلك الجدار وشهقته التي صاحبت استيقاظه من كابوسه.
من مذكرات فلاد الثاني، دوق والاكيا، 1443
وقفتُ أمام مشهد الدموع التي هطلت من مُقلتي زوجتي. كانت تودّع حبيبها الصغيرين، فلاد الثالث ورادو الوسيم، وأكبرهما في الثانية عشرة من عمره، قبل أن يأخذهما جنود السلطان إليه رهينتين. تذكرتُ ترتيب الأحداث التي قادت إلى ذلك. نعم، لقد بدأ الأمر قبل اثنتي عشرة سنة، يومها تركتُ زوجتي الحامل وهي في أشدّ الحاجة إلى أن أكون بجانبها، وتوجهتُ إلى مدينة نورنبرغ في ألمانيا. لن يُمحى من ذاكرتي قط مشهد تلك القلعة السوداء التي بدت كطائر جارح عملاق يحمل في مخالبه ومنقاره رائحة الموت والدمار، لكن الأمل الذي اختمر في قلبي كان أقوى من أي شعور بالخوف. دخلتُ تلك القلعة، وأنا أعلم أني سأقابل فيها رجالاً ينحني لهم الحاضر ويخلّد اسمهم المستقبل، وكنتُ أنا أقلّهم نبالة ومُلكيّة. كان ذلك مقر منظمة التنين، منظمة أسسها سغيسموند ملك هنغاريا، والذي بات يُعرف اليوم بالإمبراطور الروماني المقدس، لكي تكون قاعدة تحالف بين الملوك والنبلاء لإكمال خطة الصليبيين في الدفاع عن الصليب وقتال أعداء المسيحيين في أورويا والعالم، لا سيما العثمانيين الأتراك. تذكرتُ كيف ركعتُ أمام الإمبراطور بتاجه الذهبي المرصّع بالجواهر وجلاله الملكيّ وشموخه الطاغي، وأدّيتُ قسمي بالإخلاص والانقياد لمبادئ المنظمة وأوامرها. حينها، وضع الإمبراطور يده على كتفي وأعطاني لقبًا سأبقى أفتخر به أبد الدهر. قال لي: "من اليوم، سنسمّيك فلاد دراكول، أي فلاد التنين، لأنك ستكون رمزًا لتخليص المسيحيين وقدوة لتطهير بلادك من الأتراك المسلمين". أما اليوم، فيا لسخرية القدر! ها أنذا قد تحالفت مع السلطان العثماني مراد الثاني، في سبيل عودتي إلى عرش الحكم في والاكيا، بعد أن تآمر عليّ نبلاء قومي المدعوون بالبويار ونصّبوا عليهم أميرًا آخر بمعاونة ملك المجر. تحالفتُ مع السلطان مراد، والذي يُفترض أن يكون ألد أعدائي وفق نذري الذي نذرته في قلعة التنين، وبدوتُ أمام الآخرين مذلولاً مهانًا كالدمية التي لا تستطيع التحرك بلا خيوط. فلقاء إعادتي إلى كرسي الحكم، فرض السلطان على بلادي جزية، وهو الآن يطلب ولديّ الصغيرين رهينتين في قصره لكي يضمن عدم انقلابي ضده، تاركًا ولدي البكر وولي عهدي عندي. جالت هذه الأفكار في بالي وأنا أنظر في محيّا ابني الأصغر رادو وقد فاضت عيناه كذلك تأثرًا بمدامع والدته. أشحتُ النظر عنه إلى فلاد الذي يكبره بسنتين، فدُهشتُ إذ رأيتُ وجهه أبعد ما يكون عن منظر الحزن أو الخوف أو العاطفية. كان وجهًا ثابتًا، رغم صغره ونضارته، وكانت عيناه تنظران إليّ نظرة الجندي الذي ينتظر الأوامر من قائده بصرامة وإباء. لو تكلّمت قسمات وجهه لأقسمت لهذا التراب الذي يقف عليه أن القدمين اللتين توشكان على مغادرته ستعودان يومًا وترجع المجد الذي حلم به والده ولم يستطع تحقيقه. نظرتُ إلى تينك العينين المليئتين بالعزيمة، ثم وضعتُ يديّ على ذينك الكتفين الصغيرين، كما وضع الإمبراطور يديه على كتفي من قبل، وقلتُ لأميري الصغير: "منذ اليوم، اسمك هو فلاد دراكولا، فلاد ابن التنين".


رد مع اقتباس

المفضلات