|[ حينما تنبثق الكلمات من مبدعيها ]| هنا قصص المراحل كلها ~

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 20 من 22

العرض المتطور

  1. #1

    الصورة الرمزية الجاثوم

    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المـشـــاركــات
    610
    الــــدولــــــــة
    لا يوجد
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتـــقـــــيـيــم:

    افتراضي رد: |[ حينما تنبثق الكلمات من مبدعيها ]| هنا قصص المراحل كلها ~




    '' الكتيب ممزق وبالٍ اصفرت أوراقه حد العفن، لم يتبقى منه إلا هذه الصفحات"



    أشعر أني أتآكل كشمعة سخيفة تؤمن أنها تذوب و تتبدد في سبيل إلهاب وجه الظلام غير مدركة أنها حين تتلاشى تمامًا ستستبدل ولن يذكرها أحد، لكني أنفت من أجل لا شيء و سأستبدل أيضًا ،،


    تبًا ... يكاد الوقت ينفذ ولم يحضر حتى الآن.


    لا أدري لما أرى نفسي شمعة دومًا، رغم أني لا اسعف أحدًا، ربما لأن عمري في عده العكسي مثلها تمامًا، ربما لأني أحترق داخلًا و خارجًا مثلها تمامًا، ربما لأني أتشوه و أتلاشى من الذاكرة مثلها،،


    سُحقًا له من أخرق ... لم يأتي بعد.


    ( 216:56:49 )



    :: ::



    لا أذكر حقًا متى آخر مرة رأيته فيها، واثقة أنه قد تغير كثيرًا، ربما غير تسريحة شعره أو زاد وزنه بضع كيلوغرامات، فعليًا ليس له شيء ليقلق عليه فيفقد شهيته للحياة، متأكدة أني لو التقيته لن أعرفه ولن يعرفني؛ و إنما سألفت انتباهه لو كنت أكبر قليلا مما أنا عليه ومرصعة بأفخم الحلي والملابس، أقهر الظن أنه ترفع عن البيرة الرخيصة وتحول لنوع أجود أفخر، حتمًا غير النبيذ الكثير من ملامحه وسلائقه، ربما أصبح هو الذي ليس هو، فالحرباء تتلون حسب محيطها إلى أن تصل لمرحلة تنسى فيه لونها الأصلي؛ لهذا أنا أمقت الزواحف ذات الحراشف بجميع أنواعها، حتى البشرية منها..


    الأغلب أنه زاد من جرعة نفاقه ونتانته مللترات كثيرة، شخص بمقامه يحتاج لكم هائل من الخداع والزيف ليبقى كل شيءٍ ملكه وتحت أمره...


    إنه نذل بكل بساطة، لهذا هو لن يأتي أبدًا.


    ::: :::



    أنا لا أغادر غرفتي كثيرًا، لأنها تحوي على كل أسباب البقاء، سرير حديد رخو يصدر أعجب الأصوات، روائح الموت والمقابر وبقايا أناسٍ مروا قبلي على هذا السرير وتدثروا بهذا الغطاء الأبيض... لا أفهم لما جُل المستشفيات تكتسي البياض؛ ربما لتظهر بجلاء بقع الدم المتناثرة من انفجار أحدهم أو لخطأ في تشريحه، فالجراحة الوحيدة التي يجيدها العالم هي التشريح وفلق الأجساد ليس من أجل المداواة بل لمتعة فتح حقائب الغير فضولا لتفتيشها ولا يهم إغلاقها لاحقًا وإرجاعها لمكانها...


    هذا كريه جدًا، وجودي هنا، ما يدور حولي، ترقب أحدهم ... كل شيء مجرد عبثٍ لا غير.



    :: ::



    أتت الدورة المعتادة لتفقدي، كم هذا سخيف؛ أنا هي أنا لم يتغير مني شيء منذ الأمس عدا تفاقمه، لا أشكُ من ألمٍ؛ هو موجود لكني لا أشكُ لا أدري لما هذا الإزعاج الصباحي والمسائي...



    كان هذا دور الممرض ميشال رجل صفصافيٌ أصهب يبدو أنه يخطو خطوته الخامسة نحو الأربعين، اعتدت على فحصه لي مع ممرضين آخرين فقط منذ مكوثي هنا، فرانك وجوزفين إضافة لطبيبين آخريْن،


    إنه لطيفٌ حقًا معي، حتى فرانك وجوزفين في مثل لطافته، ربما لأني هادئة ولا أنبس ببنت شفة، رغم أني أفهم جيدًا ما يقولونه، أحيانًا أضطر لسماع ترهات تكاد تفجر رأسي دون قول ''كفى وارحلوا للجحيم من فضلكم'' بالرغم من أني أجيد الحديث بالفرنسية فلم ينسَ ذلك المعتوه فرنستي لدرجة إبادة عروبتي كأنه يعوضني عن كل ما كان وسيكون وما هو الآن ''بعصرنتي'' وتوفير كل شيء إلا عطفه ووده، صدقني أنت وإبليس سيان، كلاكما مطرودان من رحمة الله.


    وضع الصينية التي يحملها دومًا على المنضدة جنبي تحوي بعض الأدوات الباردة الحديدية التي يفحصونني بها كأني فضائي قد هبط عليهم توًا من كوكب تائه ما، ابتسم لي وردد عبارته الأثيرة 'بُونْجُوغْ ما فِي' (Bonjour ma fille)


    ثم اتجه للنافذة يفتحها دون أن ينتظر مني ردًا على تحيته المعهودة المضجرة، استنشق أول ما ولج منها من هواء منعش يحمل شذًا اعرفه جيدًا ثم حرك شفتيه في كلام خافت يحدث نفسه ( يا لروعة رائحة الأرض المستحمة فجرًا بالمطر)
    أكاد أكون معزولة عن هذا العالم، آخرة مرة قاسمت فيها الأرض موعد استحمامها كانت في
    (قْسمْطِينَة) معلقة على جسرها العتيق... لم أقدر على إخفاء لهفتي للخروج فقمت مسرعة للنافذة أشم بنهم عبق الاغتسال، فاجأت ميشال الذي لم يرني يومًا واقفة، تنبهت لذهوله ولطوله الفارع أكثر، فرمقته بنظرة سريعة وعدت للساحة المنداة،،


    فهم دون أن أقول أني أعشق المطر مهما انهمر بوحشية، وأني قد أرغب في الخروج قليلا لتجول في حديقة المشفى المترامية... بدل دهشته بابتسامة صغيرة على ثغره ثم أردف يلفظ كلامه بطيئًا مع حركات شارحة محاولاً إيصال فحواه لي كأنه يحدث متخلفًا عقليًا ( تريدين الخروج للحديقة، يمكنك ذلك، هيا تعالي،، إلى الحديقة ،،إلى الحديقة)


    الأبله، لا يمكنه تصور نفسه كم يبدو غبيًا هكذا، خففت عنه عناء التصرف كقرد أقمل وقاطعته ( أجل أريد)


    توقف عن بلاهته وتسمر يستوعب، ثم ردد متلعثمًا ( كـ..كيف؛ من علمك الحديث بالفرنسية)


    إنه لطيف لكنه مأفون، لم أرغب في الرد عليه نحوت لخفي ثم توجت الكرسي المتحرك معلنة على استعدادي للخروج، لم يشغل نفسه بالبلبلة فدفعني للخارج...


    أشعر أني أرى هذا المكان لأول مرة، كأني دخلت للمشفى من خندق مظلم تحت الأرض، أو ربما بسبب مكوثي الطويل في الغرفة والتصاقي المبالغ فيه بسريري ...


    أستطيع أن أشعر بجسيمات عطر ''شانيل تاغ'' تتمدد عبر أنفي الآن، أجود وأغلي ما جادت به علينا شانيل هو تلك الزجاجة الوردية الصغيرة تحت اسم ''شانيل الأرض والمطر''،،


    لم يمكث ميشال كثيرًا جنبي لم أتفطن له وهو يغادر حتى، الأغلب انه لم يشأ إزعاج عربي يؤثر الصمت يتأمل حديقة غناء يظنه قطعًا لم يرى في إفريقيا إلا الصحراء القاحلة وأسد يجول في الجوار يبتغي وليمة دسمة، لا يهمني ما يعتقد فطالما مقت الفرنسيين-لأسباب تاريخية- بكل أشكالهم الكريهة، فليذهبوا للجحيم جميعًا...


    الندي يتقاطر شهدًا يزحف على الأوراق و الحشائش، يجبلها يصرع خلاياها بغمرة قطرة، الورود تصطف جنبًا إلى جنب في سلسلة بدت من مكاني تمتد لبعيد من الطرف الأيمن للأيسر، تجتمع أمامي في كتلة دائرية ضخمة كأنها تحشد عروقها الألف بشتى الألوان و الفصائل، منداة هي الأخرى ببلورات ماسية ... بعض الأشجار تحمل زمردًا وعقيقًا في شهرها السابع ترتلُ شيئًا من التهليل و التحميد و التكبير ،،


    شيء أخضر مشاكس يتوغل على الجدران يتسلقها في مشاغبة حلوة لصبية في الخامسة يطوح بالمنظر،


    الأرضية تحتي جلها حشائشٌ تكتسي خضرة عجيبة إلا من بقع صغيرة لإسفلت الممر الحجري الآيل للاختفاء خلف اليخضور وأتربة تغري باللهو بها في 'العُشَّة'... يبقى الطفل في صدري يناجي لعب الطفولة ،،


    أحببت كثيرًا الوقوف و مداعبة الزهور لكني امتنعت، ربما لأني خشيت ذبولها بين أناملي بسبب العدوى، يُقال أن السوداوي لا يترك شيئًا حوله إلا و لطخه بحبره القاتم.


    بقيت أتجرع رائحة الأرض المترعة مطرًا في غنج، في بطء أنتشي، و أنصت في خشوعٍ للحن عصفور داعب الذاكرة، شاغبت على طرف لساني أغنية أندلسية سارعت للفرار دونما أمر ,,

    قُـم تـــرى دراهــم اللوز °° تندفق عن كـل جــــهَة
    والنسـيم سقطها في الحوز °° والندى كبب عليـــــهَا
    بــدت تلقح ورقة الجوز °° جاء بشير الخير إلـــــيهَا
    والرياض يعجبني ألوان °° ما أحسنه فصل الخلاعة**
    يــــا نديم هيا للبستان °° نغنموا في الدنيا ساعـَــــة



    ::: :::


    وقفت الشمس تسرح شعرها عند المغيب تاركة جنبي بعض أطفالها لمؤانستي وانا مسجاة كـ 'وْلِيَة' تتضرع في جهل بغيض أفحم ضريح 'سِيدِي مْحَمِدْ لْقَادَارِي' كي يرزقها أي شيء... أيًا يكن فأنا أفقد الكثير، وسأحمل معي هذا الوجع إلى حيث لن تتسلل إليَّ قطرات المطر تخفف فجيعتي ...


    لم انتظر أن يعيدني أحد، قررت العودة وحدي، حافية القدمين أتحسس الحشيش والأرضية الملساء منذ سنوات وربما للمرة الأخيرة، فكثيرًا ما أحببت الركض حرة من أي نعل في مروج ضواحي قسمطينة لأستشعر بشغف دغدغة الطبيعة لسطح قدمي... عدت أدراجي في تراخٍ أمُسُّ من حين لآخر في حركة لا إرادية جمجمتي العارية، اعتدت شعري الفاحم الطويل الذي كنت أمرر خصلاته الناعمة بين أناملي... في كل مرة أتذكر أن فقدت الكثير...
    أشعر بالاكتئاب حقًا، هذا طبيعي، أنا وحيدة وسقيمة، وسأموت قريبًا وحيدة وسقيمة.




    ::: :::




    أعلم أنه لم يبقى الكثير، يُقال أن الشخص يشعر بأجله إذ اقترب، و بوصلتي لا تخطئ، لذلك أريد قدومه.



    سحقًا له...




    أنا أريده حقًا الآن، أريده أن يكون أمامي حين أتلفظ أنفاسي الأخيرة وأوسعه شتمًا وسبًا وأخبره أنني لن أسامحه يومًا على ما فعله بي، وأني سأظل أطارده إلى أن يجن أو ينتحر... أنا أنتظره أحر من الجمر فليس لي غيره رغم نذالته وسفالته.
    إنه دور فرانك اليوم، لم يسبق أن حدث هذا لكني كنت أنتظر أن يأتي أي شخص لغرفتي؛ لا أدري لما لكن ربما قد يحمل معه خبرًا سارًا، كنت أكبح سؤالًا يتردد على حلقي من حين لآخر يتحقق من أن الأبواب قد تُركت مفتوحة عرضيًا، يحاول الفرار من سجنه المؤبد، هذا مخجل حقًا؛ الأجدر أن يسألني هو لما لا يزورني أحد لا أنا...



    تبًا له من والد... هذا هو قدري، تركني أولد وحدي كيف له أن يقف لجنبي وأنا أموت.



    ليتك جنبي الآن أمي، ربما كنت لتكوني أحن عليّ منه هذا ما لم تكوني من طينته أنت أخرى...أو ربما أنت كذلك فلو لم تكوني لبقيتي معي على الأقل بدل أن تخلفيني ورائك قطعة غضة لم يتفتح بصرها بعد ولا تفقه شيئًا مع أبله لم يفهم قط أي شيء رغم تفتح بصره على مصرعيه، قد تخليتي عني أنت أيضًا... لم أعد طفلة ساذجة، أنا في السادسة عشر الآن، و قد قررت؛ لن أسامحكما ما حييت و مِتُ أبدًا.



    ::: :::


    إنه الفاتح من سبتمبر، أشعر أني أخف من خنزير نافق، أن شيئًا رخوًا مقرفًا يسبح داخلي ... أشعر انه الموعد.
    يا لسخرية، تولد وتموت في نفس اليوم، ولا يوجد أحد يهديك شيئًا مغلفًا بورق التزيين لا يهم مدى سخفه ويتمنى لك عيد ميلادٍ تعيسًا قبل أن تنفد بساعات... هلكًا لهذا العالم، فأنا لن أفتقده أبدًا.


    أنا آسفة فعليًا لأني أكثر من الشتائم، أعاني من متلازمة توريت، تكرار لا إرادي للألفاظ البذيئة وبعض الحركات المزعجة، الأمر لا إرادي فعلاً، إنه إنجاز عظيم أنى لم أتلفظ بشيء أكثر قبحًا...


    أتصدقون هذا، في هذا البلد يعتبرون البذاءة مرضًا نفسيًا. يعشقون المجلدات التي تشرح علميًا كل شيء مهما كان في غاية السخف والبداهة ...


    على كلٍ لا أحب التلفظ بهذه الكلمات وأعتذر لأني أوسخ عيني من يقرأ مذكراتي الآن،
    إن حدث وأغضتك أتمنى ألا تبحث عني -رغم أني اشك أن أحدًا يجيد العربية هنا- فالأغلب أني نافقة الآن//شمعة ذائبة قد يبست على الشمعدان.


    ( 05:10:44 )
    أيلول 1997// مستشفى أمراض السرطان-باريس، مدينة القرف،
    مليكة




    ** الخلاعة ليس معناه الفسق و الفجور هنا، فالأندلسي قصائده فصحى ممزوجة بلهجات أخرى لست أدري معناها لكني واثقة أنها لا تعني الفسق ^^''

  2. #2

    الصورة الرمزية أثير الفكر

    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المـشـــاركــات
    5,262
    الــــدولــــــــة
    السعودية
    الــجـــــنــــــس
    أنثى
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: |[ حينما تنبثق الكلمات من مبدعيها ]| هنا قصص المراحل كلها ~

    حزنٌ خافت :

    وقف العدو على بابنا الحديدي الصدئ ..لم يطرقه أبدًا .. بل ولج إليه كولوج الفاتحين لمدينة منيعة التحصين

    ركل الباب بكل قوته .. مجبرًا أبصارنا المفجوعة أن تتجه إليه قسرًا

    نظر إلينا واحدًا واحدًا

    كرسي كان يتحرك يومًا ما لأب أربعيني .. كسته الحرب ملامح شيخوخة مبكرة

    وأم على فراشها تصارع مرضًا متطورًا لاوجود له في قائمة أطباء مدينتنا على الأقل

    وسبعة أطفال من حولهم كأنهم أعجاز نخل خاوية ..

    بما فيهم أنا !!

    بدا منزلنا غارقًا في لجة صمت لامتوقعة

    مقارنة بضوضاء الحرب في مدينتنا المكلومة

    فلا طائرات العدو ولا دبابته ولا قذائفه تعرف معنى الهدوء ،
    على الأقل عزفها مستمر مذ قرروا الإطاحة بهذه البلدة و أهلها ليلًا

    وقف العلج يراقبنا بابتسامة ساخرة ظهرت بوضوح تحت كل تلك العدة التي تلف وجهه القرمزي

    رمى رصاصة استفزازية على وسادة أمي أولًا

    سقطت الرصاصة بجانب رأس أمي فسقط أخي الصغير ميتًا ..

    - لم تجد الرصاصة طريقًا إليها إلا من خلاله -

    غادرنا الصمت ..

    فجأة صرخ أخي الكبير محمد باكيًا .. جاثيًا على أخي عبثًا يحاول إيقاظه.. بكلمات لامفهومة

    تراكض بقية إخوتي الأربعة

    مختبئين خلف كرسي والدي يرجون منه أمانًا زائفًا وحصنًا مؤقتًا

    رجت ضحكات العلج أركان منزلنا المتهلهلة ..

    بدا مستمتعا بنظرات الخوف والهلع على وجوه إخوتي

    أطلق رصاصة نشوة على سقف منزلنا

    وتساقط بعض الغبار على رؤوسنا الصغيرة

    لم تنفض أختي الصغرى مروة عن رأسها أي غبار

    جلست القرفصاء واستندت بظهرها على جثة أخي الصغير ثم لحقت به بكل هدوء

    هو الخوف ربما .. أو رغبة في الهروب كانت ناجحة !!

    صرخت سلوى وركضت بجنون نحو العدو

    تضربه بكلتا يديها وهو يضحك

    حملها ككيس قذر ورماها خارجًا نحو دبابته

    أغمضت عينيّ أسًى .. ليته قتلها هنا .. على الأقل كانت ستذوق ميتة واحدة ستكون حلمها في المكان الذي تساق إليه

    نظرت إلى إخوتي الثلاثة المتبقين

    محمد يحتضن إيناس التي تبدو على شفير الجنون ، محاولًا منحها أمانًا لايملكه

    جابر متقوقع خلف كرسي والدي .. عيناه جاحظتان من الهلع ..

    أمي على الطرف الآخر للغرفة

    وحدها ملامح أمي لم تكتسي بأثر لما يحدث حولها

    بقيت على جمالها ..عيناها الباسمتان تذكرني بما كنا عليه قبل اندلاع هذه المأساة

    كتفا أمي مسدلتان بقربها وعيناها معلقتان بالسماء و ابتسامة تغتصب ثغرها الساحر

    هذا ما كنت أحتاجه .. الأمان الغائب و الذي يحاول أخي محمد عبثًا أن يمنحه لأختي إيناس

    أو ذلك الذي يبحث عنه أخي جابر بقرب كرسي والدي

    وجدته أنا في ملامح أمي .. الغائبة عنا دماغيًا

    شعرت بفؤادي يغادر أجواءنا الخانقة

    يرافق أمي وعالمها البعيد عنا جميعًا ..

    وجدت نفسي أتحرك لا إراديًا .. أخرج من مخبأي بزاوية الغرفة

    أركض نحو أمي ..

    دوت رصاصات لاعدد لها .. تلتها صرخات أخي جابر المفجوعة ..

    ارتميت فوقها و احتضنتها بكل يديّ و أغمضت عينيّ

    اختفت صرخات إيناس .. و تمتمات محمد لها ..

    شهقات أخي جابر أيضًا لم تدم ..

    صارت أنينًا بيد أنها لم تلبث أن اختفت كليا

    يبدو أني بقيت وحدي .. و أمي

    لا أدري كم من الوقت بقيت فوقها لكنه بدا دهرًا ..

    اختفت الأصوات من حولي تمامًا .. وأصبح المكان غارقًا في هدوئه السابق

    رفعت رأسي بروية ..

    الغرفة فارغة تمامًا

    إيناس ما زالت تحتضن محمد بكل قوة

    مروة ما زالت تجلس بجانب حسام المنبطح أرضًا

    أخي جابر متقوقع بجانب كرسي والدي

    وحدها سلوى .. بلا أثر سوى صدى صرخاتها الأخيرة في أذني

    بدا المشهد مألوفًا ..

    وكأننا نلعب لعبة الاختباء .. إلا أن ماحولهم من دماء تخبرني أن لعبة الاختباء ..ليست للجسد هذه المرة بل للروح أيضًا


    على الأقل ..هناك أحد يتنفس في هذه الغرفة غيري
    وهذا كل ما أريده

    نظرت إلى أمي بحنان .. ماتزال مبتسمة .. عيناها للسماء ..
    إلا أن كتفيها المسدلان لم يعودا كذلك ..

    إحدى يديها كانت على ظهري ..وكأنها تشاركني الاحتضان

    أحسست بلحظة جنونية .. وشعرت أن والدتي استعادت وعيها

    حركتها .. هززتها .. لم تستجب ..

    كنت أخاطب إخوتي الموتى حولي ..

    أمي استفاقت .. استفاقت أمي

    ركضت للخارج و أحضرت ماء ..

    بدأت أمسح وجهها ابتداء من جبينها ..أحسست بشعور مخيف .. تمنيت أن لا يزورني أبدًا

    وكأن شيئًا قد تغير في ملامح أمي

    نظرت في وجهها ..متأملاً ..

    هذا الثقب الدائري .. لم يكن على وجه أمي سابقًا .. من أين جاء ؟!

    وضعت يدي عليه .. ببلاهة

    أسألها: ماهذا يا أمي؟!

    لا أعلم كم مرة كان علي أن أعيد السؤال

    حتى أجابتني برودة جسدها !!

    ارتخت أطرافها أكثر من ارتخائها مسبقًا

    ميتة .. كيف لم أرى تلك الرصاصة التي سلبت مني روحك ؟

    كنت فوقك تمامًا ..! كيف حدث أن تسرقك دون أن تعبرني ؟


    تراجعت للوارء .. مصدومًا .. شعرت بكل ماجرى حولي فجأة

    توالت مشاهد استشهاد إخوتي أمام عينيّ ..

    سقط كرسي والدي العتيق على رأسي ..كان فارغًا من والدي المعتقل طبعًا !

    آمتني ضربته ..لكني لم أمت للاسف ..وبقيت وحدي أتنفس في غرفة غادرتها أرواح عائلتي تباعًا


    أو ربما بقيت وحدي ميتًا في غرفة تلاقت فيها أرواح قاطنيها في نعيم وروضٍ مزهر


    انتهى

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...