السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أظنها محاولتي الأولى في هذا الموضوع فاعذروني إن أكثرتُ الثرثرة، وسأحاول تجنب الحرق قدر الإمكان.

خذوا نفسًا طويلًا جدًا قبل أن تشرعوا بمتابعة القراءة...


رواية "اللوح الأزرق"، تأليف الكاتب الفرنسي جيلبير سينويه.
ترجمها إلى العربية: آدم فتحي.


كنت أبحث ذات يوم عن بعض الروايات المتعلقة بتاريخ الأندلس، فتعثرتُ بهذه الرواية. اطلعتُ على غلاف الرواية ومراجعاتها في موقع goodreads.com، وكان أغلبها مرصعًا بنجوم خمسة لامعة...
لكن ليس كل ما يلمع ذهبًا، حتى لو كان نجمًا! على الأقل، النجم الأقرب منا - الشمس - مكوّن بالجزء الأعظم منه من الهيدروجين.

فلنبدأ من البداية، ألا وهي محور القصة ومكانها وزمانها. أما المكان فقد ذكرتُ سلفًا أنه الأندلس، وأما الزمان فهو العام 1487 م أي قبل سقوط غرناطة - آخر ممالك الأندلس - بخمس سنوات. وكان أمير غرناطة آنذاك أبو عبد الله الصغير، والذي بعد وقوعه في الأسر لمدة عامين، وقّع اتفاقية استسلام سرية لصالح ملكيْ قشتالة وأراغون النصرانيين: إيزابيلا وفرناندو، اللذين كانا يسعيان للقضاء على الوجود الإسلامي - حُكْمًا وشعبًا - في إسبانيا قضاء نهائيًا. وهذا الأمير كان قد انقلب على أبيه في السابق وأطاحه من الحكم لأن أباه رفض دفع الجزية لملك أراغون كما كان يفعل أسلافه. ولمّا طالب فرناندو وإيزابيلا أبا عبد الله الصغير بتسليم غرناطة حسب اتفاقيتهم السرية، أراد الانصياع لهم، لكن المسلمين هناك رفضوا التسليم وخرجوا في جيش لمواجهة النصارى الإسبان. لكن مع مرور الوقت والحصار، وعدم تكافؤ العدد والاستعداد، وتثبيط أميرهم لهم من وراء ظهرهم، انهارت معنويات المسلمين وتحطمت، فسُلّمت المدينة لأعداءها، وفق اتفاقية بأن لا يُتعرض للمسلمين وشعائرهم الدينية، وهي اتفاقية لم تلبث أن نُقضت بعد بضعة أعوام فبدأ التهجير والتعذيب والتقتيل والتنصير للمسلمين الأندلسيين وحتى لليهود. وخرج الصغير يجر أذناب الذل والعار من آخر ممالك الأندلس، فقالت له أمه قولتها المشهورة: "ابكِ مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال".

وأما موضوع القصة، فهو عن ثلاثة أشخاص، حَبر يهودي وشيخ مسلم وراهب نصراني، ثم تنضم إليهم امرأة نصرانية، ينطلقون في رحلة مليئة بالمخاطر خططها لهم صديق يهودي مشترك بينهم، بعد أن ترك لهم رسائل مليئة بالألغاز قبل موته، يهدف فيها إلى إيصالهم إلى كتاب زعم أنه مقدس منزل من عند الله توارثه سرًا بعض الأنبياء ثم أناس آخرون حتى وصل إلى يد اليهودي المذكور. وهذا الكتاب، والموصوف أحيانًا بأنه لوح - مثل ألواح موسى ربما - مصنوع من حجر السفير الأزرق (أحد الأحجار الكريمة)، واسم الرواية الأصلي هو "كتاب السفير" لكن المترجم العربي تصرّف في الترجمة. هناك بعض الأخطاء في الترجمة لا سيما في تعريب أسماء الأعلام، حيث فشل المترجم أن يعرف أن "قايين" في العربية يقابله "قابيل"، وأن اسم ملكة قشتالة هو "إيزابيلا" لا "إيزابيل"، لكن النص عمومًا جيد ومثل هذه الأخطاء قد تُغتفر.

وهنا أجد نفسي أتساءل، وربما تساءل غيري معي، كيف يكون مثل هذا الكتاب المحور الأساسي لرواية طويلة (أكثر من 550 صفحة) وأبطالها كلّ لديه كتاب سماوي منزّل من السماء يؤمن به (والواقع أن الرواية إنما أظهرت ضعف إيمان لدى كل شخصياتها حيث سعوا بجنون وراء الكتاب المجهول آملين أن يجدوا فيه ما يؤيد دينهم أو خائفين أن يجدوا العكس). الجواب باختصار، هذا الكتاب الأزرق، عدا أنه من حجر السفير الثمين، لا يُظهر محتواه النصي لأيّ كان، وعندما يُظهره فإن النص يظهر لفترة قصيرة ثم يختفي ويتلاشى. يبدو أن هذا الجواب كان كافيًا للكاتب لكي يرسل أبطاله في رحلتهم شبه الانتحارية في أنحاء إسبانيا. من قال إن الأحجار الكريمة لا تسحر إلا أعين النساء؟! أم لعلها تقنية النص المتلاشي هي التي جذبتهم؟

لننتقل إلى ثقافة الكاتب الدينية والتي ظهرت ظلالها بوضوح في سطور الرواية. سأترك ذكر ديانة الكاتب لنهاية هذه الفقرة، إذ يمكن استنباطها من النمط الذي اتبعه في روايته للأحداث ووصفه لرجال الديانات الثلاث. في العادة، عندما يجمع كاتب أبطالًا من ديانات مختلفة في قصته، فهو للاستهزائ بهم إن كان ملحدًا، أو لإظهار أن أحدهم على حق، أو لمحاولة لتقريب الأديان، والكاتب كان من الصنف الأخير. يعتمد تقريب الأديان على المحاولة بالأخذ بالمشترك بينها - وإن قلّ - وترك المختلف. لكن إن علمنا أن الأديان الثلاثة تختلف في أصولها لا في فروعها، فإن نبذ الأصول المختلف فيها وجعلها أمرًا ثانويًا يُخرج المرء من دائرة هذه الأديان كلها، وهو أمر يدركه كل مسلم وكل يهودي عارف بأساس دينه، لكن يجهله الكثير من النصارى اليوم لأنهم أقل أصحاب الديانات الثلاث معرفة بدينهم (الأصلي) وعملًا به، وبذا أكون قد أجبت عن سؤال ديانة الكاتب.

فلنعرّج إلى وصف الكاتب لشخصيات الرواية. صانع الألغاز اليهودي ابن بَرْول، تميز بالعبقرية لكن يموت مبكرًا في أول القصة حرقًا في محكمة تفتيش (المحاكم التي كانت تحكم على غير النصارى بالموت)، وذلك بعد أن أرسل ألغازه إلى أصحابه الثلاث. عزرا صموئيل عجوز، حَبْر يهودي آخر، وأحد الرحالة الثلاثة في هذه القصة، تميز بالتقوى والورع والمحافظة على تعاليم دينه حتى في أحلك الظروف. والرحّالة الثاني هو شيخ عربي مسلم يُدعى شاهر بن سراج، وهو ذكي كعزرا (حيث اختار ابن برول أصحابه الثلاثة لذكائهم ومعرفته لهم بأنهم سيسعون وراء الكتاب بكل ما فيهم)، ولكن يغلب عليه حب الشهوات والتنعّم، ويجيد الغناء والعزف (وهو أمر ترخص فيه بعض فقهاء الأندلس وأباحوه)، وله بعض الميول الصوفية والفلسفية ويحفظ القرآن كاملًا لكنه يستشهد أحيانًا بآيات في غير موضعها، وتظهر منه بعض التصرفات والأقوال أحيانًا مما لا يليق بمسلم. وعمومًا، أشير إلى العرب عامة بصفة الغباء أكثر من مرة في الرواية (وذلك عجيب بما أننا نتحدث عن عصر الأندلس)، وعن اقتتالهم الشديد فيما بينهم (وتلك حقيقة مرة في تلك الفترة). أما الرحالة الثالث فهو نصراني يُدعى رافائيل (وله اسمان مختلفان في هذه الرواية إن لم تخني الذاكرة)، وإن كان الكاتب قد قلّل من شأن المسلمين لصالح اليهود، فإنه أشار مرارًا إلى تناقض النصارى بين تعاليم المسيح التي أمرتهم بالصفح والعفو والسلام وبين ما كانوا يطبقونه عمليًا في تلك الفترة من جرائم التعذيب والتقتيل، وقد ظهر ذلك على هذه الشخصية وصراعاتها الداخلية إلى حد ما، وظهر أكثر على الشخصية الرابعة، المرأة التي تنضم لهم لاحقًا، والتي تكون جاسوسة عليهم لصالح ملكة قشتالة. وقد أضيف مما ذكر على مثالب النصارى أيضًا استهتارهم بالعلم (كذكر حرقهم لآلاف الكاتب فقط لأنها عربية)، لكن بُرّرت أعمالهم الوحشية على لسان ملوكهم ورجال دينهم في الرواية بأنها كانت عن "نية حسنة" ولصالح إسبانيا والإسبانيين. ربما كانت اليهودية الديانة الوحيدة التي سلمت من أي خدوش تصيب بطلها، ربما لأن القرن الواحد العشرين يخيف أي كاتب غربي يريد أن يقترب من ذكر اليهود، لكن كانت هناك مناوشات بين الأبطال الثلاثة وانتقادات بعضهم لديانات وسلوكيات البعض، وإن لم تخلُ بعض هذه الانتقادات من مغالطات في الواقع.

وبخصوص معرفة الكاتب الدينية، فقد شكّل ألغازه من نصوص القرآن والأحاديث النبوية ونصوص العهدين القديم والجديد (الكتابان المقدسان عند اليهود والنصارى، واللذان يخطئ البعض فيصفهما بالتوراة والإنجيل، لكن التوراة بتحريفها وتبديلها ليست جزءًا من العهد القديم، والإنجيل بتحريفه وتبديله ليس إلا جزءًا من العهد الجديد، وباقي ما فيهما أخبار الأمم الماضية وقصص بني إسرائيل مع أنبيائهم وملوكهم، مما قد يكون جزءًا من كتب سماوية أخرى غير التوراة أو قد يكون مكتوبًا من مؤرخين مجهولين، إضافة إلى رسائل قد كتبها بعض ممن ينتسب للمسيح ممن ادعى الرسالة من بعده). يرى البعض أن الكاتب واسع الاطلاعات في الديانات ونصوصها بسبب اشتقاقه الألغاز منها على هذا النحو، لكن إذا تأملت في الآيات والأحاديث التي استخدمها لوجدت أنه اقتصر على التي تتعلق ببني إسرائيل أو موسى أو عيسى عليهما السلام، وأن استخدامه لنصوص الكتب المقدسة كان استخدامًا من أجل الرموز والمفردات التي فيها ولا يتعلق أي تعلق منه بمعانيها الحقيقة، فهو بذلك أشبه بقط صغيرة جلس أمام التلفاز مسحورًا بصوره وألوانه دون أن يفهم مما يُعرض أمامه شيئًا. ومما ينبغي ذكره هنا أن الكاتب ينسب لأبطال الديانات الثلاث أحيانًا أقوالًا أو أفعالًا لا تصحّ نسبتها لهم، لأنها إما لا تليق بما وصفه به من تديّنه، أو أنها من النوع الذي يخرجه من ملته (كله يهون من أجل تقارب الأديان!).

هناك قصة حب عذرية في هذه الرواية، كانت لتنفع لو أنها كانت بين مراهقَيْن، لبساطتها وعدم ملاءمتها لاثنين جربا الحياة وخاضاها وذاقا الحب فيها من قبل (أحدهما على الأقل) حتى وصلا للثلاثينات، وهو الحال في الرواية. أحد طرفي قصة الحب هذه جاء من قصة حب سابقة عادية جدًا، سببها حب من طرف واحد وتلاعب من الطرف الآخر بالعاشق. وقصة الحب في هذه الرواية تبدأ بكراهية متبادلة، تنتقل فجأة ودون محفز كاف لتصبح حبًا قويًا، ما يلبث أن يبدأ بالتحطم (لكن لسبب منطقي هذه المرة)، لكن في النهاية يلتئم مجددًا بلا سبب لا منطقي ولا غير منطقي! يبدو الأمر كله مقحمًا قليلًا بالقصة، خاصة وأن الكاتب أراد من هذه الشخصيات لعب دور مزدوج (دور العاشق ودور حل الألغاز)، فلم يُوفق كثيرًا في الجمع بينهما، أو أن قدرته على كتابة الروايات العاطفية ليست قوية في الأساس (ليس ضعفها في العاطفة ذاتها بل في ضعف الترابط في عمليات التحول العاطفي).

وعلى ذكر الألغاز، فلا بد من إعطاءها حقها في هذا الكلام، لأنها كانت السبب الرئيسي لشروعي في قراءة الرواية بعد أن كانت فكرتها (تقريب الأديان) - التي يمكن استقراءها من الغلاف - تكاد تحول بيني وبينها، لأنها تجعلك قادرًا على تخمين النهاية سلفًا. لم تكن الألغاز من النوع الذي يمكن أن يستمتع به القارئ للأسف، فهي ألغاز خاصة بأبطال الرواية فقط، لأنها يمكن أن تحتمل أكثر من معنى وأكثر من حل أولًا، ولأنها مرتبطة بأماكن وآثار إسبانية أو أندلسية غير معروفة ثانيًا. كان هناك بعض الغموض والتشويق، لكنه ليس بقدر ما يجده المرء من تشويق في روايات دان براون مثلًا والتي لا يقلل جهلك بموضوع الألغاز من استمتاعك وتشويقك بمغامرة حلّها. واللغز الأكبر، محتوى كتاب السفير، كان الأكثر تخييبًا للآمال، لأنه يحاول إيصال رسالة الكاتب التي يوضحها من سطوره الأولى والتي يفهمها من قرأ بين السطور في نبذة الرواية وشخصية الكاتب.

بقي أن أضيف أن أكثر شخصيات الرواية شخصيات حقيقية عاشت في تلك الفترة، ما عدا شخصيات الرحّالة الأربعة الذين يسعون وراء الكتاب. وهناك ضيف شرف عبارة عن شخصية تاريخية شهيرة (لن أفصح عن اسمه لعدم الحرق) تظهر في بعض فصول الرواية ويُروى لنا شيء عن مغامراتها، دون أن يكون لها تأثير بأحداث القصة الرئيسية.


أعتقد أنني سأتوقف عن الثرثرة الآن وأكتفي بما ذكرت. تقييمي المجمل للرواية: من الناحية التاريخية ممتازة، من الناحية الدينية ارتباط رمزي (غير عميق) بالنصوص ومحاولة بائسة في تقريب الأديان، من الناحية الجغرافية رحلة مسلية في أرجاء الأندلس وإن كانت لم تركز كثيرًا على التفاصيل العمرانية، من الناحية العاطفية قصة حب غير ناضجة. بالعموم، الرواية قد تنفع للتسلية إن لم يكن من أفضل منها، شرط أن يكون عند القارئ دراية كافية بدينه ليميز بين الغث والسمين فيما فيها من أفكار.

والسلام