قلم الصدقة [قصة]
الفتى السارق
الاسم: مجهول..
في كل يوم أمرُّ من هذا الحي المتواضع في طريق عودتي من عملي، غير أني لم أتوقف هناك قبلاً..
المنازل هنا تبدو جميعها آيلةً للسقوط وكأنها بُنيت قبل بداية التاريخ.. وحتى الخطوط العميقة في الوجوه التي تطالعك هنا تنتمي لحقبةٍ قديمةٍ لا تعرف لها زمانًا.. خطوطٌ تجعلك تتساءل هل هم من عالمنا ذاته؟
كنتُ لأظن أن هذا الحي عبارةٌ عن بقايا تاريخٍ قديمٍ عاش هنا، وأن هذه الوجوه هي لأجسادٍ محنطةٍ تعبِّر عن تراثٍ منقرضٍ مرَّ ذات يوم.. غير أن المكان - رغم كل ما ذُكر- لا يشبه الموت في شيء! فمما أراه هو يشع بالحياة والحركة والعمل وحتى الابتسامات من بين تلك الخطوط العميقة!
يبدو الأمر متناقضًا، ولطالما أثار فضولي وإعجابي في آنٍ واحد.. إنه يروي تفاصيل دقيقةً لحكاياتٍ عاشت هنا.. ويعرض لوحةً بديعةً يمتزج فيها الألم بالأمل.. أود التعرف عليها حقًا، ولكن لا يمكنني أن ألمح وأعرف كل شيء بمجرد أن أمر بينهم مسرعًا في سيارتي..
ولكني حصلتُ على احتكاكي الأول وعلى حكايتي الأولى في ذلك اليوم..
كان يومًا شديد الحر والقيظ.. وقد تأخرتُ في عملي بعض الوقت مما جعل التعب يأخذ مني مأخذه.. مُبردُ السيارة معطل، والسَّموم العابر من النافذة لا يزيد حلقي الجاف سوى جفافًا.. كل هذه الأمور اجتمعت علي لتقنعني بالتوقف عند أقرب متجرٍ لتناول ما يروي ظمئي ويسد رمقي.. وأظنكم ستخمنون أن أقرب دكانٍ عثرَت عليه عيناي كان قابعًا في الحيِّ المتداعي ذاتِه!
أوقفتُ سيارتي بحذرٍ أمام الدكان الصغير.. على بابه استرخى رجلٌ عجوزٌ في كرسيه الخشبي وأخذ يتأمل المارة نافثًا دخان سجائره في الهواء..
حوّل بصره إليّ حين رآني أتقدم نحو دكانه، ولم يدقق كثيرًا في ثيابي الأنيقة أو سيارتي اللامعة، بل اكتفى بأن قال: تفضل! أهلاً بك فلدينا كل ما تحتاجه.. خذ ما يلزمك ولن نختلف على السعر بإذن الله!
ثم عاد يحدق بالمارة ويده لا تزال تشير إليَّ بالدخول..
كان دكانًا متواضعًا مزدحمًا بما يمكن أن يلزمني بالفعل.. فتحتُ الثلاجة الصدئة في الزاوية وأنا أتساءل عن مدى صلاحية ما تحمله في جوفها المعدني.. تناولتُ في النهاية علبة عصيرٍ وشطيرةً مغلّفة، وقررتُ الاكتفاء بهما..
لم نختلف على السعر بالفعل، ودفعتُ للشيخ الدريهمات التي طلبها، ثم توجهتُ إلى سيارتي..
وضعتُ الشطيرة وعلبة العصير فوق السيارة حتى أتمكن من إخراج مفتاحها من جيبي، إلا أن ما حدث لم يكن في الحسبان!
ما كان هذا..؟ أهو قط..؟ كلا..! ليس قطًا، وإن كان يبدو مثله في سرعته وخفة حركته!
كان مجرد طفل.. لعله في السادسة.. ضئيل الحجم بشكلٍ ملفت، لذلك ربما يكون أكبر مما قدرتُ بعامٍ أو عامين.. بالكاد رأيته وهو يخطف مشترياتي من فوق السيارة.. وحين أدركتُ ما حصل وأردتُ الصراخ واللحاق به كان قد اختفى في أحد الأزقة!
هزَّ عجوز الدكان رأسه وحوقل ثم قال: عليك أن تكون أكثر حذرًا هنا، فاللصوص الصغار لن يرحموك..
ثم عاد ينفث دخانه في الهواء وكأن شيئًا لم يكن!
دخلتُ السيارة مغتاظًا.. ليس من حال الحي الفقير أو من فقدي لمشترياتٍ بالكاد كلّفتني شيئًا.. ولكن.. ليس هذا ما تمنيتُ أن أراه في هذا الحي القادم إلينا من غياهب الماضي! ليست هذه لوحة الألم المختلط بالأمل التي توقعتُ أن أجدها هنا!
ليس المال هو من فقد طريقه إلى هنا فحسب، بل المصلحون والوعاظ نأوا بأنفسهم عن ولوج هذه المتاهة البشرية..
قد يظن العجوز أن دخانه مبرَّرٌ ويُنسيه همومه.. وقد يظن الصبي أن سرقته هي مصدر دخله.. الفقر ليس عيبًا، ولكنه ليس مبرِّرًا كذلك.. هذه الحياة مليئةٌ بالأمل رغم الألم.. لو تعلموا كيف يقاومون لتمكنوا من العيش بسعادةٍ رغم كل شيء!
وصلتُ منزلي والفتى السارق يحتل أفكاري.. إنه مجرد طفل.. من المؤسف أن يُترك هكذا دون توجيهٍ حقيقي.. إن تقويمه أسهل من تقويم الكبار الذين عفا على أفكارهم الزمن ولم يعودوا قادرين على تغيير مسار حياتهم المتيبس كتيبس ظهورهم المنحنية.. إن تمكنتُ من إصلاح هذا الفتى، فسأكون قد أنقذتُه وأسديتُ له ولنفسي خدمةً جليلة!
كان هذا ما عقدتُ العزم عليه.. وهذا ما كان!
في اليوم التالي تعمدتُ التوقف عند الدكان ذاته على أمل رؤية الجسد الضئيل مجددًا.. استقبلني العجوز استقبال الأمس.. لم يُعرني اهتمامًا خاصًا، ولعله لم يعرفني.. أو هذا ما أعتقده على الأقل..
ابتعتُ بعض المثلجات ورقائق البطاطس هذه المرة علّها تكون طُعمًا أقوى للفتى السارق.. وضعتها فوق سيارتي كما فعلتُ بالأمس، وتظاهرتُ بالانشغال بأمر المفتاح بينما أنا على أهبة الاستعداد.. وفعلاً.. ظهر فجأةً من العدم!
كأنه مجرد شبحٍ خارق السرعة.. قفز متناولاً الحاجيات دون أن يتوقف عن الجري، ولكن لحظة الالتقاط تلك كانت اللحظة التي أطبقتُ فيها عليه بذراعَيَّ ككماشةٍ متأهبة لا تتزحزح!
كان الفتى يقاوم كقطٍ شرس، ولكنه قطٌ هزيل لا يملك من القوة ما يمكّنه من الإفلات من أنياب مفترسه.. تمكنتُ من إلقاءه داخل السيارة، أقفلتُ عليه الباب الذي كنتُ قد أعددتُ قفل الأمان فيه، ثم دخلتُ السيارة وانطلقتُ مبتعدًا!
لم يكن الطريق خاليًا ولكن أحدًا لم يبالِ بما حدث.. بدا وكأنهم اعتادوا مشهدًا كهذا.. كان الفتى يتحرك بجنونٍ داخل السيارة ويحاول فتح الباب تلو الآخر وهو يصرخ: لن أدعك تأخذني إلى الشرطة! أنزلني حالاً! دعني أذهب!
أوقفتُ السيارة في جانب الطريق والتفتُ إليه قائلاً: لن آخذك إلى الشرطة.. أود التحدث إليك وحسب..
كنتُ أنظر إليه بثبات ولكن لم يبدُ أنه اقتنع بكلامي.. واستطعتُ هنا إلقاء نظرةٍ متفحصةٍ عليه.. أظن الآن أنه في الثامنة.. جسده النحيل يجعله يبدو أصغر من ذلك.. ثيابه مهترئةٌ بشكلٍ مريع.. بشرته محترقةٌ من الشمس.. شعره بنيٌّ جعد.. وعيناه عسليتان واسعتان جدًا! في الواقع يبدو وكأنهما تحتلان معظم وجهه.. أو ربما نحلُ وجهه الشديد جعلهما تبدوان كذلك.. كان يحدق إليّ بحقد.. بنظرات رجلٍ خاض معترك الحياة كله!
أعرف أنه لا يزال طفلاً في داخله.. أعرف أنني أستطيع الوصول إلى فطرته النقية.. أعرف ذلك تمامًا!
سألته مباشرةً ودون مواربة: أريد التحدث إليك رجلاً لرجل.. لماذا تسرق؟ ألا تعرف أن السرقة حرام؟
هز كتفيه بلا مبالاة.. توقعتُ أنه سيرفض الإجابة ولكنه انطلق قائلاً: لا يهمني سوى أن أجد ما آكله.. الناس مثلك لا يمكن أن يفهموا هذا..
سعدتُ لتجاوبه معي، وعدتُ أقول: هذا لا يبرر اعتداءك على حقوق غيرك.. ألا يجلب لك أبوك ما يكفي من الطعام؟
- ليس لدي أب..
- ماذا؟ أهو متوفي؟
- لا أدري.. قالت أمي إنه قد رحل منذ زمن.. لا أعرفه ولا أعرف شيئًا عنه..
- ماذا عن أمك؟ هل تعمل؟
- كانت تعمل عاملة نظافةٍ في إحدى المدارس..
- كانت؟ هل تركت العمل؟
- لقد ماتت..
كان يتحدث بهدوءٍ عجيب، وعيناه لا زالتا تحدقان بثبات رجلٍ لا يعرف الاستسلام إلى قلبه سبيلاً..
عدتُ أسأله محاولاً الولوج إلى أعماقه: ماذا عن بقية أقربائك؟
- ليس هناك أحد.. كنتُ أعيش مع أمي بمفردنا ولم يكن يزورنا أي أحد..
- والآن أنت في المنزل لوحدك؟
- لا، فلا أستطيع دفع إيجار الغرفة بمفردي..
- أين تعيش إذًا؟
هزّ كتفيه مجددًا بلا مبالاة: هنا وهناك..
أسفتُ لوضعه المزري ولكن لابد من مخرجٍ ما.. فعدتُ أسأله بإصرار: لماذا لا تعمل؟ هل لا تزال تدرس؟
كانت نظرته مليئةً بالاستخفاف وهو يقول: ماذا تريدني أن أعمل بالضبط؟ لا أحد يقبل بجعلي أعمل لديه، فالكل هنا يحلم بالعمل، ولا يمكنني تحمل مصاريف الدراسة..
- ولذلك تسرق؟
كانت نظرته مليئةً بالتحدي الآن وهو يقول بقوة: عليّ أن أعيش! الحياة ليست حكرًا عليك!
لم أحر جوابًا الآن.. لم يبدُ أن للطفولة النقية أثرًا باقيًا في نفسه.. ولكني أعرف أنها هناك.. في مكانٍ ما.. حاولتُ إمساك طرف خيطٍ ما فسألته: أتحب أمك؟
بدا مترددًا ومتفاجئًا من السؤال.. ولكنه تمالك نفسه وأجاب: بالطبع!
تابعت وأنا آمل أنني على الطريق الصحيح: أتعرف أين هي الآن؟ أتعرف أين تذهب حين ترحل عن هذه الحياة؟
أجابني بعد لحظة صمت: أعرف.. إنها.. إنها في الجنة عند الله..
وألقيتُ بآخر أوراقي قائلاً: أتعرف أنك إن استمريتَ بالسرقة فلن تتمكن من الذهاب إلى الجنة معها؟
وهنا حدث شيءٌ ما.. كان ذلك أكثر مما توقعتُه.. فقد انقلب القط الشرس فجأةً إلى هرٍّ وديعٍ مسالم.. عاد الرجل الصلب طفلاً.. عيناه الكبيرتان تحدقان بي بخوف.. ونبرته البريئة تسأل متعجلةً الجواب: أحقًا ما تقول؟ هل أنت جاد؟ ألن أتمكن من الذهاب إلى أمي؟
سررتُ بإحرازي تقدمًا معه فأجبت: لن تتمكن من ذلك إن استمريتَ بالسرقة.. فالسرقة حرام ولا ترضي الله.. لذلك لن تذهب عندها إلى الجنة..
ذُعر الفتى وزادت نظرته وداعةً وهو يقول: ولكن أمي قالت إنني إذا تابعتُ العيش وكنتُ قويًا فسأتمكن من الذهاب إلى الجنة.. وسأتمكن من العيش معها مجددًا!
قلتُ مُصرًا: هذا صحيح.. عليك أن تكون قويًا وألا تستسلم.. ولكن ليس بالسرقة! ليس بالحرام! حاول أن تجد عملاً وتمسك بالأمل دومًا وستجد المخرج لا محالة..
كانت عيناه الجميلتان دامعتين الآن.. هز رأسه بصمت وهو يحدق في الأرض بذهول.. أيقنتُ أنني قد تمكنتُ أخيرًا من إحداث الأثر المطلوب، فحررتُ قفل الباب وقلت: هيا يا بني يمكنك الذهاب الآن.. لا تستسلم أبدًا ولا تعد إلى السرقة.. سأعود لأتفقدك بعد أسبوع وأرجو أن أسمع منك أخبارًا طيبة! سأكون عند الدكان ذاته..
هز الفتى رأسه بأسى دون أن يرفع ناظريه عن الأرض.. ثم نزل من السيارة وسار ببطء وكأنما يحمل هموم الدنيا على ظهره..
كنتُ سعيدًا بتخليصه من عادته السيئة تلك.. لقد نجحتُ بالفعل! هذا الفتى لن يكون عالةً على المجتمع بعد اليوم.. لقد تمكنتُ من إنقاذ نفسٍ بريئة.. لم أشعر في حياتي برضا كالذي شعرتُ به وقتها..
وعُدتُ كما وعدتُه بعد أسبوع.. أردتُ الاطمئنان إلى أنه لم يعد لعادته القديمة.. شحنتُ نفسي بالتفاؤل.. وتوقفتُ عند الدكان ذاته حيث يتصاعد دخان سجائر العجوز في الهواء.. توجهتُ إليه وبادرته قبل أن يبدأ تحيته المعهودة: هل تعرف أين أجد ذلك الصبي؟ الفتى الذي كان يسرق هنا في هذه المنطقة..
حدق العجوز إلي وقال: تذكرتك.. أنت الذي اصطحبتَه معك قبل أسبوع.. جئتَ في وقتك.. هل لك أن تخبرني باسمه؟ فقد كانت الشرطة تسألني عنه هذا الصباح..
أصبتُ بصدمة.. الشرطة! لقد عاد للسرقة إذًا.. هل ضاعت كل جهودي سدى؟
أعاد العجوز سؤاله: ما هو اسمه؟
نظرتُ إليه بذهولٍ مفاجئ: اسمه؟ أنا.. أنا لا أعرف.. أنا.. لم أسأله عن اسمه..!
هز الشيخ رأسه متأسفًا.. فبادرتُه مجددًا: هل يرفض إخبار الشرطة باسمه؟
أجاب العجوز بلا تردد وبلا مبالاته المعهودة: الجثث لا تتحدث يا بني.. هناك من عثر عليه ميتًا مساء الأمس.. يقولون أنه مات جوعًا.. كان حصاد لصوص الحي وفيرًا هذا الأسبوع، أتساءل لماذا تحمّل الألم لدرجة الموت دون أن يسعى لاصطياد طعامه.. فحتى القمامة هنا لا تحمل في جوفها ما يصلح للأكل!
~
ومضة
ليس ذنبًا أن يسرق ليأكل.. الذنب أن تعرف بجوعه وتبيت شبعانًا!
"ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائعٌ إلى جنبه وهو يعلم به".. حديث شريف
"المضطر إلى طعام الغير إن كان فقيرًا فلا يلزمه عوض، إذ إطعام الجائع وكسوة العاري فرض".. ابن تيمية
"أما والله لولا أني أظن أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو أن أحدهم يجد ما حرم الله عليه لأكله لقطعت أيديهم، ولكن والله إذ تركتُهم لأغرمنكَ غرامةً توجعك".. عمر بن الخطاب [لصاحب غلمانٍ اتُهموا بالسرقة]

رد مع اقتباس

المفضلات