العباقرة... مقالة بقلمي أ. عمر

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 1 إلى 4 من 4

العرض المتطور

  1. #1


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,360
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: العباقرة... مقالة بقلمي أ. عمر

    العباقرة _ الجزء الثالث

    وللعباقرة تميزهم الرائع، إذ يدخلون كل المجالات والاتجاهات، وتجدهم في كافة زوايا حياتك من دون استثناء!
    وبما أننا تكلمنا؛ قبل الآن؛ عن الشيش طاووق والعزائم، فإن الشيء بالشيء يُذكَر، وكان ذلك هذه المرة في طرابلس، مع صديق لي، أراد أن يدعوني إلى محل فتح حديثًا، ولكننا دخلنا ثم خرجنا من دون أن نطلب شيئًا، وذلك لأننا رأينا زبونًا يقف مصعوقًا يحدق في السندويشة التي ناولها إياه صاحب المحل، مفتتة كأنها مرت بزلزال، وقطع الشيش طاووق وبقايا السلطة تتساقط منها في أصابع الزبون، ثم زالت الصعقة وانطلق الزبون في الصراخ، وكان رد صاحب المحل يدل على عبقرية نادرة، لا نظير لها ولا مثيل، ومفاد عبقريته أن (لا أحد) يأكل الشيش طاووق (في العالم كله) ما لم تكن السندويشة محمصة عن آخرها، حتى يفتت الخبز، فهنا جمال الشيش طاووق!
    ويبدو أن الزبون لا يقدر ولا يفهم بمعنى العبقريات، فلقد عاد يعترض هل من الجمال أن تمتلئ يداه باللحم والسلطة، وهل يجب عليه أن يمد فمه ليلتقط هذه المحتويات اللذيذة مثل الحيوانات؟ وبما أن هذا الرد لا يناسب (العبقرية) لدى صاحب المحل، فإنه عاد ليبث إلينا دروسه الرائعة، بأنه (لا أحد) يأكل الشيش طاووق (في العالم كله) ما لم يكن قد ملأ السندويشة بنصف زجاجة من الكاتشاب، ليلقي الزبون _ يا لحماقته وقلة تقديره العباقرة_ بالسندويش في وعاء النفايات في المحل.
    خرجت وزميلي من هذا المحل، إلى محل آخر لا يتمتع صاحبه بالعبقرية، وذلك لكي تتمكن عقولنا المسكينة من مجاراته!
    ونبقى في المحلات وما فيها، يومًا ما جلستُ وصديق لي في كافيتريا، أدعوه إلى كوب من الشاي، وأفهمت صاحب الكافيتريا أن لا يضع السكر في الشاي، ولا حتى ملعقة صغيرة، بل ولا حتى نقطة واحدة، وفهم الرجل، أو هكذا خطر لنا، لكني فوجئت بعدها بطعم السكر المزعج في فمي، وأعتبر هذا من أسوأ أنواع التعذيب بالنسبة لي، أن يضع لي أحد ما السكر في الشاي، كدنا نظن؛ ظالمين ذلك البائع؛ أنه أخطأ في الأكواب، وهكذا شرب رفيقي من كوبه، ليخبرني أن فيه من السكر أكثر مما فيه من الشاي، وهنا قررت أنه ما دام صاحب الكافيتريا رائعًا عبقريًا إلى هذا الحد، فسأمنح عقلي إجازة وأسكب كوب الشاي فوق رأسه، وتمكن رفيقي من إيقافي بصعوبة، خاصة أن غضبي قد تضاعف أضعافًا، حينما أدركت أن صاحب المحل لم يضع السكر سهوًا، بل إنه فعل ذلك عمدًا، وذلك لأن (الشاي من دون سكر= إمساك وإكتام)، وللحقيقة لم أكن لأحزن لو أنني جعلت رأسه يغتسل بالشاي المليء بالسكر، لعل حالة الإمساك والإكتام التي في دماغه تزول آنذاك!
    وما زلنا في الشاي وقصصه، وهذه المرة بحادثة عبقرية بسيطة لم أكن طرفًا فيها، بل سمعتها، عن شخص مستأجر في مكان ما، مع عدد من طلاب الجامعة، وتعرف هذا الشخص شخصًا، ويبدو بأن علاقتهما قد توطدت، فما كان من المستأجر إلا أن دعا رفيقه الجديد لتناول الشاي، وفي البيت اكتشف الشخص أن علبة الشاي فارغة، ولم يخطر له أن ينزل ليشتري غيرها، فما كانت هذه الأفكار البسيطة إلا للبسطاء أمثالنا، أما هو العبقري الألمعي، فأفكاره غير تقليدية على الإطلاق، لذا فتح كيس الزبالة ليبحث فيه، ولكم كانت فرحته حينما رأى بعض أكياس الشاي! فتناول اثنين منها ووضعهما في الإبريق، ثم قدم لصاحبه الشاي!
    ولم يكن هذا ختام عبقريته قطعًا، بل إنه وقف ينظر إلى صاحبه، كأنه يدرس حالة نادرة في علم النفس، ثم سأله بحذر إن كان الشاي قد أعجبه، وإذ أجابه رفيقه بالإيجاب، صرخ في وجهه متحمسًا إنه قد أتى بأكياس الشاي من الزبالة! وأظنه يستحق الضرب الدسم الذي ناله بعدها، كيف لا وهو يجود بعبقريته على من لا يقدر العبقريات؟؟
    ومرة أخرى، كل العبقريات هينة لينة إلا ما يتدخل منها بخصوصيات حياتك، ويتخذ شكل النصح العلني أمام الحاضرين والغائبين، إذ إن الحاضرين سيبلغون الغائبين!
    ففي ذلك اليوم من عام 1998 كنت أتكلم مع بعض معارفي خارج الجامعة، وإذ بجمع كبير من الشباب والفتيات ينضمون إلينا، لتقول إحدى الفتيات بعد أن أدركت الحديث الذي نتكلم به، معلنة أن لديها ملخصًا لتلك المادة القانونية أعطاه إياها دكتور المادة نفسه، فسألتها هل نستطيع أن نصوره بحضورها ومعرفتها، فاعترضت لأنها _ بارك الله بها وبحنانها _ تخاف علينا أن نتضايق من خط الملخص الصغير!
    وليس هنا مكمن العبقرية التي أتكلم عنها، بل حصل ما أقول بعد ذلك بحوالي شهر أو أكثر، كنت عند حلاق أتعامل معه آنذاك، وإذ بي أراه؛ خلال الحلاقة؛ يعبس فجأة، ثم يصرخ: "المرة الماضية، رأيتك مع (واحدة) بالجامعة"!
    لم يخطر لي أنه يكلمني بادئ الأمر، خاصة أني لم أذهب إلى الجامعة منذ ذلك الوقت، وقلت لعل زبونًا ما قد دخل من دون أن أنتبه إليه، ولكن الحلاق لم ييأس، بل استدار يواجهني، وينظر في عيني مباشرة صائحًا بتوحش: "ما رأيك"؟
    خطر لي أتلاعب بأعصابه هنا، فسألته متظاهرًا بالحيرة: "بماذا"؟ وانفجر الديناميت العبقري صارخًا: "بها! بالواحدة التي رأيتك معها في الجامعة"!
    أخبرته أن هذا مستحيل، لأنه هو شخصيًا لا يستطيع دخول الجامعة كونه ليس طالبًا فيها، فكاد العبقري ينفجر من الغيظ، وهو يؤكد لي أنه يقصد "في الجامعة" "خارج الجامعة"، ورددتُ هنا ساخرًا إن كان يعاني بعض العمى ليراني ويراها فحسب، وقد كان عدد الواقفين يتجاوز الخمسة عشر شخصًا! وأوضحتُ له كل الحوار الذي دار بيني وبين تلك الفتاة، ولكن عبقرية الأخ انطلقت وبات من الصعب أن ترجع إلى مكانها، فانبرى في محاضرة مطولة عن الالتزام والقدوة الحسنة، وخطأ التحدث مع الفتيات حتى لو كان الأمر يتعلق بالنجاح وبمستقبلنا، فبدا لي من العبث أن أخبره بأنني تسجلت في اختصاص غير اختصاصي، وأن ملخصًا يُعِدُّه دكتور المادة يُعتَبر كنزًا في هذه الحالة.
    ومرة أخرى، بعد حوالي شهر آخر، كنتُ عند الحلاق نفسه، وكأنما يعيد التاريخ نفسه، ما كاد يبتدئ بعمله، حتى فوجئت به ينفجر صارخًا: "المرة الماضية رأيتك مع واحدة بالجامعة"، ونظر في عيني مباشرة صائحًا مثل الوحوش: "ما رأيك"؟
    ولئن كان هذا الرجل عبقريًا، فلماذا لا أقوم بمجاراته؟ وهكذا ابتسمت ابتسامة متهكمة ملأت وجهي كله، لأستفزه قدر الإمكان، وأنا أجيبه ببساطة: "هذه زميلتي في الجامعة"! صاح العبقري مستنكرًا: "نعم نعم؟؟ زميلتك؟ ألا تعلـ..." قاطعته بسرعة: "انتظر، لم أُجِد التعبير حتمًا، هذه ليست زميلتي، ولكنها من صديقاتي"!
    جمد الأخ مكانه تمامًا، وتابعتُ أنا متظاهرًا بالجدية: "قد كنا؛ قبل ذلك؛ في الكافيتريا، لقد دعوتها إلى تناول طعام الفطور، إضافة إلى العصير"!
    أدركتُ هنا أن هذا الشاب عبقري ندر مثيله، وهل تريدون دليلًا أكبر وأوضح وأبلغ من غمغمة حائرة تخرج من فمه: "ولكنك قلتَ لي من قبل إنك كنتَ تريد أخذ مقرر ملخص في مادة ما"!
    وبما أنك؛ يا فلتة العصر والزمان، تذكر ذلك جيدًا، فما معنى أن تسألني عن رأيي بأنك رأيتني مع (واحدة) في الجامعة، فوفقًا لتعبيرك وطريقتك في الكلام فإن الجالسين لن يظنوا أنك رأيتني أقف مع خمسة عشر بني آدم، وأن الأمر كان سؤالًا وإجابة من بضع كلمات، ولا أعلم هل كان الأخ ينوي التعقيب، ولكني قلتُ له ساخرًا: "هذا أفضل من أن أتسلل تحت البيوت وأنظر إلى النوافذ، و...".
    قاطعني العبقري هنا، مؤكدًا أننا أبناء آدم من لحم ودم، وبالتالي إن الحب أمر طبيعي وبديهي، بل إن مجرد التسلل لإلقاء النظرة عبر النوافذ ربما لا يُعتَبر خطأ، لأنه من الصدف والنوادر أن تطل الفتاة التي يحبها الشخص من النافذة، حتى لو مرت بجوار النافذة، فإنها ستبدو أشبه بطيف غير واضح! وقد جعلتني هذه المحاضرة اللطيفة عن الحب أسأل نفسي هل هذا العبقري الذي يستنكر سؤالي عن المقرر الملخص يحترف التسلل تحت نوافذ البيوت؟ يا لي من داهية، وأنا لا أعلم!!
    العبقريات النادرة تكاد تجعلنا نتساءل أحيانًا عن أصحابها، هل يستحقون كوكبًا آخر خاصًا بهم ليعيشوا فيه؟ ربما بعضهم يشعر بأنه مظلوم لأنه مضطر إلى التعامل مع أمثالنا ممن يفتقر إلى العبقرية، ولا تظنوا في كلامي أي مبالغة، ففي بدايتي بالتدريس فوجئتُ بوجود ما يسمى المرشد الصحي في المدرسة، أذكر أن أحد النظار حين كنا نحن تلاميذًا، يقوم بإسعاف أي تلميذ يتعرض للوقوع أو الجرح، وقلتُ لنفسي هذه فرصة نادرة لي لأزيد معلوماتي، وقررتُ في كل أوقات فراغي أن أذهب إلى غرفة المرشد الصحي لعلي أعرف المزيد من المعلومات الطبية الأولية، ولكن قراري هذا جعلني أعلم أنني أفتقر إلى العبقرية فعلًا، فالمرشد الصحي هذا لم يكن له غرفة أصلًا! بل كان يجلس بغرفة أي ناظر كان، في أي وقت كان، ثم إنه يمتلك وصفة طبية واحدة لا ثاني لها، وهي "كباية الشاي مع نقطتين أو ثلاث من الحامض"، وهذا العلاج؛ وفق خبرته بل وفق عبقريته الفذة؛ لكل الأمراض من أولها لآخرها، سواء أكان انفلونزا أم وجع رأس أم آلام في الظهر أم تشنجات في الساقين، أم وقوع مؤلم كاد يمزق أوتار ساق صاحبه أو ذراعه، ما جعلني أدرك أنه عبقري، ولكنه لا يظهر عبقريته كي لا يسرق أفكاره العالمية أحد!
    وأذكر مرة كنا في أحد محلات الأشرطة، وأخبرتني البائعة عن وجود فلم فيديو لمنشد صوته رائع، ولم تعد لديها سوى نسخة واحدة، لكثرة الطلب عليها، وأنا أعرف بمفردات البيع هذه، ولكني اشتريت تلك النسخة لأن عندي صديقًا لا يطيق أن يستمع لأحد سوى هذا المنشد بالتحديد... ولقد انفجر الأخير غيظًا وغضبًا! لا تستغربوا، فالأخ لا يقدر العبقريات الفذة في التصوير، وقد جعلني أرى رأي العين، تبدأ الكاميرا بنقطة صفراء غامضة وترتجف الصورة وترتجف وتثبت ثم ترتجف والنقطة تأتي وتذهب وتكبر وتصغر، حتى يتضح شكلها النهائي، قرعة رجل من الحضور!!

    تابعونا في الجزء القادم إن شاء الله تعالى
    عمر رياض قزيحة
    31/10/2017: الساعة 7:16 دقيقة صباحًا
    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 31-10-2017 الساعة 08:55 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...