2_ هل ستأتي ماما؟
أخذتُ أنظر وقتها إلى الناظر بحسرة
وانتبه الأخير إلى نظراتي هذه، فسألني بلهفة:
_ هل وجدتَ شيئًا آخر كذلك؟
هتفتُ مستنكرًا:
_ أعوذ بالله!
وانصرفتُ من أمامه غاضبًا، مفكرًا بمعنى سؤاله هذا
ماذا لو قلتُ له إنني وجدتُ حقيبة مدرسية وناولتُه حقيبتي فماذا سيفعل؟
سيقول لي "يسلمووو" ويأخذها له!
وفي الصف جلستُ شاردًا أنظر إلى الباب، متوقعًا؛ أو متمنيًا؛ أن يدق الناظر الباب
في أي لحظة، ليسألنا (من أضاع قلم الحبر الأحمر)؟
فأجيبه بسعادة: (أنا) وأستعيد هذا الكنز النادر
ويبدو أن الأستاذ قد انتبه إلى نظراتي هذه ووجهي الشاحب
فظن أنني مريض، أنتظر قدوم أحد ليأخذني إلى البيت
فسألني في اهتمام: (أبوك أم أمك)؟
أجبتُه متحمسًا: (أمي)
ذلك لأنني أعرف الحديث الشريف (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك)!
سألني الأستاذ: (متى)؟
فأجبتُه بالحماسة ذاتها: (دائمًا)!
الأستاذ (بشيء من الغيظ): (متى ستأتي)؟
أنا (بدهشة، لا أفهم عمن يتكلم): (من هذه)؟
الأستاذ (وقد كاد ينفجر): (أمك)!
أنا (بالأسلوب ذاته): (ما بها)؟!
الأستاذ (يصرخ في جنون): (متى ستأتي)؟
أنا (بدهشة شديدة): (إلى أين)؟
الأستاذ (يضرب نفسه): (إلى هنا بالطبع)!
أنا (مستنكرًا): (ولماذا تأتي أمي إلى هنا، وبالطبع)؟
الأستاذ (يحتقن وجهه): (لتأخذك إلى البيت)!
أنا (وقد ظننتُ أن الأستاذ يخرف): (ولماذا تأخذني إلى البيت)؟!
وثب الأستاذ من مكانه، صارخًا: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا ابني، يا أنت، يا أنا، يا هو، أمك ستأخذك إلى البيت لأنك مريض، مرييييض)!!
هتفتُ به، بدهشة عميقة: (أنا مريض؟؟ لم يخبرني أحد)!
كاد الأستاذ يقول شيئًا ما، أو يصرخ في وجهي، لكني تابعتُ، بدهشة أكبر:
(وستأتي أمي لتأخذني إلى البيت؟؟ متى ستأتي أمي يا أستاذ)!!
أخذ الأستاذ يضرب يديه ببعضهما، وهو يتمتم بمنتهى اليأس:
(لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين)!!
وأعتقد بأن الأستاذ بطل بحق، لأنه تمالك أعصابه، حينما أخذت أتحسس جبهتي لأتأكد
إن كانت حرارتي مرتفعة أم لا، بعد ما (أخبرني) بأنني مريض من دون أن أعرف أنني مريض!
والحمد لله أن الأستاذ لم يُلْقِ بنفسه من النافذة وقتها!
طارت الآمال أدراج الرياح
لم يأتِ الناظر قط، وفكرتُ بأن أسأله هل سأل عن القلم الأحمر
لكني خفتُ أن يضربني لو سألتُه هذا السؤال
ولم أصدق نفسي حينما وجدتُ ورقة مالية (ليرة لبنانية كاملة) في أرض الملعب اليوم التالي
فأسرعتُ بها إلى الناظر لأناوله إياها، قائلًا بابتسامة سعيدة: (لقد وجدتُ هذه، مثلما وجدتُ القلـ...)
تناول الناظر الليرة مني، هاتفًا بحماسة: (يسلمووو)!!
يبدو أنه سيضعها في جيبه كذلك!
لا، لا، لقد ظلمتُه فعلًا!
فلدهشتي الشديدة، نادى الناظر تلميذًا آخر، وناوله الليرة طالبًا إليه أن يشتري له كعكة بجبنة وتنكة بيبسي!!
(كانت هذه أسعارهما تلك الأيام)!
هممتُ بالانصراف يائسًا، فاستوقفني الناظر قائلًا بابتسامة عريضة:
(قلتَ لي إنك وجدتَ شيئًا آخر، فما هو)؟
رددتُ مستنكرًا: (أعوذ بالله، لم أجد شيئًا ولا أريد أن أجد شيئًا)!
ومضيتُ من أمامه، وفي ذهني فكرة ما
وهكذا، تسللتُ إلى صفي، رغم أن ذلك كان ممنوعًا
لا يُسمَح لأي تلميذ بالذهاب إلى الصف خارج أوقات الحصص التعليمية
ولكني فعلتُ ذلك من دون مبالاة بالعواقب
وأخرجتُ دفتري من حقيبتي وأخذتُ أكتب قصة
كانت تلك أول قصة أكتبها في حياتي
ومع انهماكي في الكتابة نسيتُ الدنيا بما فيها
وما كدتُ أنظر إلى قصتي بفخر شديد، بعد ما انتهيتُ منها
حتى أحسستُ بشخص ما يقف قرب مقعدي وينظر من خلفي في دفتري
استدرتُ لأرى أن الناظر كان يقرأ ما أكتب
وأن وجهه محمر عن آخره
مثل الدجاج المشوي
تقريبًا
تابعوا معنا