حكاية اللوح والطبشور والتابوت! بقلمي: عمر قزيحة

[ منتدى قلم الأعضاء ]


النتائج 21 إلى 40 من 42

مشاهدة المواضيع

  1. #27


    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المـشـــاركــات
    1,360
    الــــدولــــــــة
    لبنان
    الــجـــــنــــــس
    ذكر
    الـتـــقـــــيـيــم:
    كاتب الموضوع

    افتراضي رد: حكاية اللوح والطبشور والتابوت! بقلمي: عمر قزيحة

    لحظات التكسير والدم!

    كان منظر زميلتنا مرعبًا فعلًا، وهي ترتجف بغضب شديد، وتتَّجه نحو الأستاذ، بوجه محتقن لفرط شعورها بالإهانة، مغمغمة بكلمات لم نفهمها، وإن وقر في أنفسنا أنها سباب وشتائم بحق الأستاذ، وقد ضَمَّت الزميلة قبضتها، والأستاذ ينظر إليها بجمود تام، وكأنه غير معني بالموضوع كله، ونحن نترقب بإثارة اللحظات المقبلة، ونسأل أنفسنا: هل حقًا ستضرب زميلتنا أستاذها في الصف؟ وهل سيتحمل الضربة من قبضة يدها؟
    وتوقفت زميلتنا فجأة، حينما صرخ الأستاذ في وجهها من دون سابق إنذار: (نعم، أحسنتِ الإجابة)!
    أخذنا ننظر في الهواء حائرين، أي إجابة خفية هذه! بل أي سؤال خفي سبق هذه الإجابة الخفية! وفوجئنا كلنا بالأستاذ يشير إلى زميلتنا، هاتفًا بانبهار: (انظروا إليها انظروا، هل رأيتم حياء أشد من هذا)؟
    حياء؟! يبدو أن غمغمتها غير المفهومة كانت قصائد في المديح، ونحن لا نعرف! هل يُعقَل أن تشبه رأسها بكرة القدم، وتطلب إليَّ أن أركلها بقدمي، ثم تمدحك؟ شعرنا بأن زميلتنا أصيبت بارتباك شديد، ولم تَعُدْ تعرف ماذا ستفعل مع الأستاذ، وتمتم سامح بانبهار: (الأستاذ داهية فعلًا)!
    إذ ظن الأخير، وظننا مع كلماته، أن الأستاذ يفعل ذلك عامدًا ليُنْسِيَ زميلتنا إهاناته بحقها، ولكن الأستاذ كان داهية فعلًا، رغم أن ظننا هذا كان خطأ بخطأ! وتجلى لنا (دهاء) الأستاذ الدولي، بمتابعته، وكلماته ترتجف انبهارًا: (إن وجهها محتقن، ويدها ترتجف، هل تعرفون معنى هذا؟ معناه أنها تستحي من إخباري بأنها تريد دخول الحمام)!
    جمدنا جميعًا لحظات، ثم أخذنا بالضحك، فيما تجمدت زميلتنا المسكينة تمامًا، ونظر إليها الأستاذ هامسًا بمنتهى التقدير: (أنتِ رائعة فعلًا، اذهبي إلى الحمَّام، اذهبي حالًا، ولا تضايقي نفسكِ أكثر من ذلك)!
    وقع سامح أرضًا مع ارتفاع نبرة الضحك، وكلنا أغرقنا في الضحك الشديد حقيقة، وبدأت دموع زميلتنا تسيل على خديها، ثم أخذت تصرخ وتبكي، وتضرب وجهها، قبل أن تغادر الصف فعلًا، والأستاذ يهتف من خلفها: (أرأيتم! لقد بكت متأثرة حينما طلبتُ إليها دخول الحمَّام، ربما لو لم أطلب إليها ذلك، لما تجرأت؛ لشدة حيائها؛ على الطلب، ولـ...)
    لم نعرف ماذا كان يريد الأستاذ هنا، ولا مغزاه، فلقد صمت مبهوتًا، لأن ضحكاتنا كادت تَرُجُّ الثانوية كلها... ولم يبق الأستاذ صامتًا سوى لحظات، ثم أشار إليَّ صارخًا بكلمات لم أفهمها مع صوت الضحك، فاضطر إلى إعادة صراخه عدة مرات، وبعد ذلك اتَّجه نحوي، ومد فمه ليهمس في أذني، أقصد (ليجعر) في أذني، حتى ظننتُ أنها أصيبت بمس كهربائي: (أين هي؟ آه)؟ قربتُ فمي من أذنه، لأصرخ بأعلى صوتي: (في الحمَّام)!
    صرخ الأستاذ في أذني، دهشًا: (كيف)؟ شعرتُ بأن أذني أصيبت بالصمم فعلًا، فصرختُ في أذنه، دهشًا أنا الآخر: (لقد خرجت أمامك)، ليصرخ في أذني المسكينة مرة ثالثة، متشككًا: (لم أرها)!
    جمد الصف كله هنا، مع هذا الإعلان الرهيب! كيف لم يرها، وفوجئت بالأستاذ ينظر إليَّ كأنه يريد أن يلتهمني! والحمد لله أنه لم يصرخ هذه المرة، بل سألني بصوت هادئ (هو صرخ، لكن صراخه كان هادئًا نسبة إلى ما كان من قبل): (أين ركلتها)؟ وصلني صوته كأنه صدى بعيد، لشدة الألم في أذني، ولكن عقلي انطلق هنا يستعيد كل المشاهد والكلمات والحروف التي حصلت وقيلت قبل طلبه إليَّ أن (أحملها وأحضنها)... فمن المستحيل فعلًا أن يكون الأستاذ يقصد زميلتنا، لا بد أنه يقصد أمرًا آخر، أها! هذا هو! لقد حللتُ اللغز فعلًا، وفهمتُ عمَّ يتكلم الأستاذ، ولكني لم أفصح عن ذلك، بل سألتُه بحذر، محاولًا تأكيد استنتاجي: (هل تظنها كرة قدم لأركلها)؟ فصاح بي غاضبًا، ليؤكد لي استنتاجي بما لا يدع مجالًا للشك: (نعم، إنها كرة قدم)...
    نظر إليه رفاقي دَهِشِين، ونظرتُ إليه محتارًا من أي كوكب قد أتى! وتابع هو ليزيل غموض الأحداث من أذهان الرفاق: (تلك الكرة التي مررتَها لمحمد، لقد رأيتُك وأنت تفعل ذلك، لا تنكر)!
    سألتُه متهكمًا: (وماذا بعد؟ هل اختفت الكرة وحدها)؟ فصرخ غاضبًا: (أتعتقد أنني فقدتُ ذاكرتي؟ لقد أخبرتَني بنفسك أنها في الحمَّام، لقد ركلتَها إلى هناك، كي لا أراها)!
    يا سلام يا سلام! كيف أستطيع، أن أركل الكرة من الصف إلى الحمام؟ سنفترض أن الكرة اخترقت الباب، ستصطدم؛ إذًا؛ بالجدار المقابل بين صفنا وغرفة الإدارة، ولنفترض أنها اصطدمت وانحرفت بزاوية مستحيلة، فربما تصدم البوابة الداخلية، ولنفترض أنها لم تصدمها، فستتابع بخط مستقيم نحو البوابة الخارجية، كيف ستغيِّر اتجاهها لتذهب إلى الحمَّام؟!
    نظرتُ إلى الأستاذ، وأنا أشعر بالشفقة تجاهه، هو من تكلم عن الكرة! وقال لي إنني أحسنت، ومررتُ الكرة إلى محمد ليسجل هدفًا، ثم ظن أنني أمرر كرة حقيقية إلى محمد؟! والكرة، رأسها يشبه كرة القدم؟ وهل لكرة القدم رأس يشبهها؟ ماذا عن جسمها إذًا؟!
    صرخ الأستاذ بي: (ما ردك)؟ أجبتُه مبتسمًا: (كنتُ أقصد زميلتي)، ليضرب طاولتي بقبضته، صارخًا بتوحش: (هل تقول إن زميلتك كرة قدم)؟! وقبل أن أحاول الرد على هذا الاتهام الجديد، فوجئتُ بزميلتي، وقد دخلت الصف، لتنظر إليَّ بجنون، صارخة بدورها: (أنا كرة قدم يا عمر)!
    هممتُ أن أوضح لها الأمر، ولكنها لم تمهلني لحظة واحدة، بل رفعت قبضتها وأهوت بها على طاولتي، لترتجف الطاولة حتى ظنناها ستتشقق قطعًا متناثرة، ورفعت زميلتي قبضتها ثانية، لأجد نفسي أثب من المقعد، دافعًا الأستاذ بيدي، هاربًا بأقصى ما أستطيعه، لأخرج إلى الحرية وأنجو بروحي المسكينة، ولكم كنتُ مخطئًا!
    أخذتُ ألتقط أنفاسي في الملعب، لأشعر بأن شيئًا ما يأتي خلفي، ويحجب الهواء كله، نظرتُ بدهشة، ثم اتسعت عيناي رعبًا! كانت زميلتي قد لحقت بي! لا داعي أن أذكركم بقوتها الرهيبة، ماذا سأفعل؟ هل ستتكسر عظامي الآن؟ رفعتُ يديَّ مستسلمًا، قائلًا بتوسل: (تمهلي لحظة، أمهليني دقيقة لأشرح لكِ) كانت نظراتها مرعبة فعلًا، وتَشِي بحب الانتقام، وخرج صوتها غليظًا جدًا، وهي تصرخ: (لقد أخبرني الأستاذ بأنك تقول إن رأسي مثل كرة القدم)! هتفتُ برعب: (هو من قال ذلك، لا أنا، وقد سمعتِه بنفسك).
    كانت تلك اللحظات رهيبة فعلًا وما تزال زميلتي تنظر إليَّ بمقت شديد، وها هي تضم قبضتها، قائلة بغلظة: (وأنت ما دورك إذًا)؟ هتفتُ مجددًا بمنتهى الشجاعة (الارتجاف كان بسبب البرد، رغم سطوع الشمس)!! (أمهليني أرجوكِ، سأخبركِ بكل شيء، وبعدها أنا هنا بأمركِ)!
    تجمد الموقف، وقلبي معه، وزميلتي تقف أمامي كأنها حد المقصلة الذي سيهوي فوق عنقي، وأنا أحاول ابتلاع ريقي بمنتهى التوتر... عفوًا أقصد بمنتهى الشجاعة، أستطيع أن أبادر بضربها، هنا الضرورات تبيح المحظورات، لكني لن أفعل ذلك أبدًا، لا لشهامتي، ولكن لأن ضربتي لن تزحزحها من مكانها لأنجو بنفسي، وستردها حتمًا بأقصى قوتها، لأقضي ما تبقى من السنة الدراسية في قسم الكسور بالمستشفى حتمًا.
    أخذتُ أدعو على الأستاذ، فيما بيني وبين نفسي بادئ الأمر، ثم ارتفع صوتي قليلًا، وأنا أقول كلمات (رقيقة) على غرار: (تضرب، يخرب بيتك، العمى بقلبك، الله لا يوفقك، يخرب بيتك وبيت بيتك، العمى شو تيس يللي عَيَّنَك أستاذ)... وشعرتُ بسعادة غامرة كأنني سجين تَمَّ الإفراج عنه، بعد سجن طويل، مع كلمات زميلتي بنبرتها الجافة: (هيا، تكلم، سأستمع إليك قبل أن...) قاطعتُها قبل أن تخبرني ما تنوي أن تفعل، لأخبرها بسرعة بالحقيقة كلها، وأن الأستاذ كان يتحدث من البداية عن كرة القدم حقيقة لا عنها، وأعدتُ لها الحوار بيني وبين الأستاذ، وجمدت زميلتي قليلًا، ثم ابتسمَت بخجل، ومدَّت يدها قائلة لي: (اعذرني، لم أكن أعرف، فهمتُ من كلامك مع الأستاذ أمرًا آخر)...
    انصرفتُ في طريقي إلى الحرية، وعدنا إلى الصف أخيرًا، لنفاجأ بأن الأستاذ يتكلم بسرعة خيالية، والتلاميذ يكتبون خلفه، لقد انتهت حصص (الذكاء) بالنسبة إليه، أو (العبقرية والألمعية) بالنسبة إلينا، كيف لا، وقد كدتَ تذهب بنا إلى المستشفى يا رجل، بعبقريتك ودهائك النادرين!
    كان الأستاذ يعطينا درس (الأرض)، وقد نسي كل شيء عن التفتيش عنه بين حقائبنا ودفاترنا المرة المقبلة! ولم أكتب شيئًا وقتَها، كنتُ ما أزال ألتقط أنفاسي، وأحاول السيطرة على دقات قلبي العنيفة، من موقف الرعب هذا، ولكني؛ ويا للعجب؛ حفظتُ كل كلمة قالها الأستاذ بوقتها!
    وبعد ذلك بأسبوع واحد، دخل الأستاذ ليسمِّع لنا الدرس، طالبًا بل صارخًا فور دخوله: (قزيحة! إلى التسميع، هيا)!
    قمتُ إلى التسميع واثقًا بنفسي كل الثقة، ونظر إليَّ الأستاذ قائلًا: (الأرض)، وجدتُ نفسي أعيد كل ما قاله من أول دخولي الصف في حصته الماضية، ليهتف بي أنني أحسنت، ولم أخطئ بحرف واحد، و(علامتان) من (عشرين علامة)، و(تكرم عينك)!
    هتفتُ به مغتاظًا: (لا أريد لعيني أن تكرم، كل هذا التسميع وعلامتان فحسب)! لِيَرُدَّ الأستاذ، بل ليغرقنا بكرمه الحاتمي في الردود: (المرة الماضية 18، واليوم 2، أصبحت العلامة 20)! شعرتُ بأن الشعب يجب أن يخرج في (مظاهرة) عارمة، للمطالبة بتغيير علم الرياضيات بأكمله، وهتفتُ بالأستاذ مرة أخرى: (يا حبيبي! 18 و2 يساوي 20، وهذه ال 20 سيتم قسمتها على 2، أي أن العلامة ستصبح 10)، فصرخ الأستاذ متحمسًا: (ألف مبروك يا عمر! 10! المعدل تمامًا)! وشعرتُ بإرهاق شديد، وأنا أحاول إفهامه، ولكن عبثًا!
    ثم حان دور سامح المشاغب، ليسأله الأستاذ باهتمام: (الأرض)؟ انطلق سامح يسمِّع مثلما فعلتُ أنا، فاستوقفه الأستاذ قائلًا بازدراء: (هس، اسكت، صفر)! صاح سامح في ذهول تام: (صفر؟ كيف؟ أنا المرة الماضية أخذتُ...) قاطعه الأستاذ، قائلًا بجدية: (يا أحمق! لقد وردت كلمة الأرض خمس مرات في الدرس، وأنا حينما أقول لك كلمة الأرض، ربما أقصد أن تتابع من المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة أو السابعة... وإن لم تتابع من حيث أقصد، تنال صفرًا، هل فهمت)؟
    صرخ سامح كالمصعوق: (لا، لم أفهم)، فقال له الأستاذ بازدراء: (عمرك وزمانك لا تفهم)! ونادى باسم إحدى الزميلات، ليتكرر لها ما حصل لسامح، لقد قال الأستاذ كلمة (الأرض)، وأتت إجابتها وفق ما لا يريده، وكأنه يجب أن يشتغل الطلاب بالتنجيم ليعرفوا ما في عقل الأستاذ!
    وقت الاستراحة هرب سامح، وهرب رفيقنا الرابع، وبقيتُ أنا ومحمد وحدنا من ضمن الشباب، وكانت الحصة الرابعة حصة رياضة، وذهبت البنات للعب مع أستاذتهن، أما أستاذ الرياضة الخاص بالشباب فلم يعرف ما يفعل، فطلب إلينا أن نفعل ما نشاء، وأحضر لنا كرة قدم، وانصرف.
    قررنا أن نلعب ضربات الجزاء الترجيحية، وللعلم، كنتُ حارسًا بارعًا فعلًا أيامها، وابتدأ محمد بالتسديد، وتعثرتُ أنا بحجر صغير، لتأتي تسديدته هدفًا، وحان دوري، فهتفتُ بمحمد فجأة: (إلى اليمييييييين)، تحرك محمد إلى الجهة اليمنى، فسددتُ الكرة في الجهة اليسرى مسجلًا التعادل، سددتُها كأنها تمريرة ضعيفة إلى لاعب وهمي يقف هناك، مفتخرًا بذكائي الشديد هنا.
    طبعًا كان المرمى أحد جدران الملعب، واخترنا أن يكون المرمى خمسة أمتار تقريبًا (خمس خطوات كبيرة)، لأن ارتفاعه لا يكاد يبلغ مترًا ونصف، ووضعنا خشبتين كبيرتين على سبيل القوائم، وحاول محمد من بعدها التسجيل، ولكن عبثًا، كل كراته صددتُها ببراعتي، وحاولتُ بعدها التسجيل، ولكن عبثًا، كل كراتي صدها، بضربة حظ!
    وحان دور الكرة الأخيرة، وانطلق محمد كالعاصفة، يسدد الكرة، صارخًا: (كوووووول)، لكني صددتُها بِيَدٍ واحدة، على قوتها، وقررتُ أن أحسم ركلات الجزاء لمصلحتي الآن، فهتفتُ به مقلدًا خدعتي في الركلة الأولى: (إلى الشمااااااااااال)، وسددتُ الكرة بمنتهى البساطة، مثل التمريرة الأرضية الضعيفة إلى يمينه، ولكنه لم يُخدَع هنا، بل مشى بتمهل شديد، وانحنى ليلتقط الكرة من خط المرمى تمامًا، ولكن... يا للهول! يا للهول! لقد اصطدمت الكرة بالعارضة الخشبية الهزيلة، وتحركت الخشبة، وهوت فوق أم رأس محمد، وعلى منتصف ظهره، وسقط الأخير أرضًا، و... هناك دم! دم يسيل من محمد! وهو ساكن تمامًا على الأرض، هل انكسر ظهره؟ بل... ترى هل فارق الحياة؟!
    تابعوا معنا




    التعديل الأخير تم بواسطة أ. عمر ; 10-3-2018 الساعة 02:49 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Loading...