لمحة جنون!
_ ههههههاااا هياااااااااااااااااا هااااااااااااااا!!
شعرنا بأن رفيقنا يشتغل غيظًا، كانت إهانات أستاذ الجغرافيا حادة، لم يستطع تحملها، حتى يتمكن من تحمل لمحة الجنون هذه!
والغريب المستنكر فعلًا، أن هذا الرجل الذي اقتحم الصف، هتف بوجه حسن معترضًا: (شيء لا يُحتَمَل)!
صاح حسن، وقد انفجر كالديناميت: (نعم؟ نعم؟ من الذي اصطدم بالآخر و"جعر" في وجهه؟ أنا أم أنت؟ من الذي سيحتمل الآخر إذًا)؟
ردَّ الرجل ببرود تام: (اسكت، أنت لا تفهم شيئًا! أنا لم أَنَمْ كل الليل، تِضْرَب بهذا الرأس اليابس)!
انطلقت ضحكاتنا مجددًا، وقد بدا لنا الأمر كوميديا مجنونة فعلًا، بينما ظل أستاذ الجغرافيا صامتًا، ربما لأنه لا يعرف ما يحصل، وربما لسبب آخر لا نعرفه نحن، أما حسن فقد انتفض جسمه مع هذه الكلمات الجارحة، وكاد يرفع يده على الرجل الغريب، لولا أن الأخير تابع غاضبًا: (يخرب بيتها! لم تتركني أذهب حتى بعد أذان الفجر! تِضْرَب بهذا الرأس اليابس الذي فوق أكتافها)!
هدأ حسن قليلًا، وقد أدرك أن الرجل يقصد بكلامه ضمير الغائب المؤنث (هي) لا ضمير المخاطَب المذكر (أنتَ)، وبالتالي الرجل لا يهينه، وهنا (أفاق) أستاذ الجغرافيا فجأة، ليصرخ بوجه الرجل الغريب هذا: (من أنت؟ وماذا تريد)؟
نظر إليه الرجل لحظة، و... (هيهههههاااااااااااهااااا ااهااااااااا) ليَجْفَل الأستاذ، وتدوي ضحكاتنا مرة ثالثة، أما حسن فقد تراجع مشمئزًا، بعد أن كاد الرجل يقضم أنفه بفتح فمه بهذا الشكل، على أننا قد حللنا لغزًا واحدًا مما يحصل أمامنا، الأخ كان يتثاءب!
وبعد انتهاء هذه النغمة الموسيقية، صرخ الرجل بدوره بوجه أستاذ الجغرافيا: (بل ماذا تفعل أنت هنا يا أستاذ...؟ هذه ليست حصتك، بل حصتي أنا)!
وكانت المفاجأة الساحقة للجميع! هذا المهرج يعرف أستاذ الجغرافيا! بل ويناديه باسمه! والأغرب أنه يعرف أن هذه ليست حصته! لكن، ماذا يقصد بأنها حصته هو؟ نحن لم نَرَ مثل هذا الرجل من قبل، ولم يُدَرِّسنا أستاذ يأتي إلى المدرسة بقميص متجعد وشعر منفوش، و...
_ ماذا تنتظرون؟ هيا، ضعوا دفاتر الفيزياء أمامكم!
صاح بها الرجل الغريب، وأتبع صيحته بـــ(هيهااااهااااهوهااااا ) ليهتف به حسن ساخرًا: (ما رأيك، لو تذهب إلى بيتك وتنام؟ أليس هذا أفضل لك)؟
صرخ الرجل الغريب هذا: (ماذا أصابكم؟ أنا الذي لم أَنَمْ كل الليل أحتفظ بتركيزي كاملًا، وأنتم كأنكم قادمون من كوكب المريخ؟ أنا أستاذ الفيزياء، أنا الأستاذ... هل نسيتم من أكون)؟
أخذنا نحدق به جميعًا، نحن وأستاذ الجغرافيا، ولقد أخذ الأخير بالمبادرة، ليهتف بزميله مستنكرًا: (وهل هذا منظر تأتي به إلى المدرسة يا رجل؟؟ هل مَرَّت سيارة فوق جسمك؟ مثل السيارة التي ألقى عمر بنفسه أمامها من أيام قليلة، وكادت تصدمه)؟
نظرتُ إليه مستنكرًا هذه (المعلومات القيمة) التي يتحفني بها! أنا من ألقى بنفسي أمام السيارة؟ أنا الذي فقدتُ فردة من الحذاء ولم أعرف أين أصبحت، بسبب إلقائك إياي أمام السيارة يا...، ولكن الموقف كان يحمل اهتمامًا أكبر مني ومن مشاعري هذه، فأستاذ الفيزياء رَدَّ صارخًا بغضب شديد: (وماذا أفعل لمخطوبتي هذه؟ إنها لا تتركني أنام، لقد تركت السهرة تمتد إلى بعد الفجر، هي وأمها وأختها وأخوها وأبوها، كلهم لا ينامون)!
تمتم أستاذ الجغرافيا ساخرًا، وهو يغادر مقعده متجهًا نحوه: (نعم صحيح، يجب أن تسهر "القبيلة" كلها لأجل سعادتكم)!
نظر إليه أستاذ الفيزياء غاضبًا، وفتح فمه لِيَرد، وقد أصبح زميله أمامه تمامًا، و... (هيهاااااااا هااااااا هااااااااااا هاااااااااااااااااااااااا اااا) ليتراجع أستاذ الجغرافيا باشمئزاز كبير، صارخًا بغضب هادر: (ما رأيك أن أضع أنفي داخل فمك لتأكله؟ هل أَرُشُّ لك فوقه بعض الزيت والملح ليكون أطيب وأَلَذ)؟!
سأله أستاذ الفيزياء بدهشة: (ما هذا؟ منقوشة بزعتر)؟!
تحسس أستاذ الجغرافيا أنفه بحركة غريزية، ولم يستطع ملك الكوميديا سامح منع نفسه من التدخل هنا، فهتف متهكمًا كعادته: (طبعًا طبعًا، أنف الأستاذ صار منقوشة بزعتر، ورأسه بيتزا من الحجم الوسط، وأذناه سندويش شيش طاووق، كُلْ يا أستاذ الفيزياء كما يحلو لك)!
هتف به أستاذ الفيزياء متحمسًا: (وأين أجد هذه الكافيتريا)؟
صرخ أستاذ الجغرافيا مستنكرًا: (كافيتريا؟ أنا)؟
رَدَّ أستاذ الفيزياء متحسرًا: (أنت تعلم أنه لا يوجد في منطقتنا كلها سوى محل واحد لبيع الفلافل، ولا يفتح إلا مساء، وأفران المناقيش، لكنك لا تجد سندويشة واحدة من الشيش طاووق، لا ليلًا ولا نهارًا)!
لا نعلم هل أراد أستاذ الجغرافيا الرد هنا أم لا، لكننا نعلم أن الحصة انتهت، إذ ارتفع رنين الجرس، لنفرح بانتهاء الحصة من دون درس، ونحزن لأننا لم نشهد مزيدًا من الحوار الطريف في ما بين الزميلين، الأستاذين العزيزين، وإن كنا نرثي لأستاذ الفيزياء أنه كان يمتلك عقلًا مدهشًا، حتى خطب! ومن كان يتصور أن أستاذًا رصينًا مثله يأتي إلى الصف بهذا المنظر الفج؟ بل إننا ظللنا غير مصدقين أن هذا الرجل هو نفسه أستاذ الفيزياء، ظننا أنه شخص آخر يدعي ذلك، حتى تكرر هذا الموقف منه في حصة لاحقة، لا؛ بل في حصص كثيرة لاحقة، كل مرة يصل آخر الحصة متأخرًا يتثاءب، بوجهه المحمر وشعره المنفوش وملابسه المتجعدة هذه، حتى أن بعض البنات في الصف كُنَّ يَدْعِينَ له بأن يتخانق ومخطوبته، وتحزن الأخيرة، وتمنعه من زيارتها حتى آخر السنة، وليس هذا حبًا بالفيزياء لا سمح الله! بل لأن حضرته شَرَّفَنا مرة، قبل انتهاء وقت الحصة بعشر دقائق تقريبًا، ليوزع لنا أوراقًا مملوءة بتمارين وأسئلة لم نسمع بها من قبل قط، ليعلن أن هذه هي مسابقة الفصل الأول!
ولم نعترض لأن الأسئلة تحتاج حصة كاملة لحلها، فما كنا لنحل منها شيئًا، ونحن لا نعرف ما تكون، لم ندرك سوى شيء بسيط من هذه الأسئلة، مما كان يشرحه حضرته خلال الدقائق القليلة التي يُشَرِّف بها، ولقد أخبرنا؛ بكل حزم؛ أنه يُحضِّر حصة كاملة من خمسين دقيقة لا من عشر دقائق، وما شرحه فيها نحن مسؤولون عنه، وما لم يشرحه فيها نحن مسؤولون عنه كذلك! وكأنه يجب أن نتحمل سماجته وسماجة مخطوبته مثلًا!
ونرجع إلى أستاذ الجغرافيا، ملك المواقف الكوميدية والتراجيدية، لقد أخذ يُبَشِّرنا أنه حذف الصفر لكل من نال صفرًا، وحذف كل علامة تحت المعدل لكل من نالها، وهذا في السعي الأول فحسب، ولن يكرر ذلك في السعي الثاني إطلاقًا، والحق علينا أننا صدقناه! فما كاد يُنهِي هذه البشارة الرائعة، حتى أخذ يخبرنا بعلاماتنا:
(رولا: 3 _ 11 _ 15 _ 6): اجمعي علاماتكِ، واقسميها على أربع!
(سمر: 2 _ 12 _ 22 _ 7): اجمعي... هيهااااااااا
(هذه الـ... هيهاااااا منا نحن الطلاب طبعًا، فالأخت سمر نالت 22 علامة في تسميع ما، والمادة علامتها القصوى 20، لكن يبدو أن سمر سبقت عصرها لتنال علامتين أعلى مما هو فوق المعدل النهائي)!
المهم أن الدور وصل إليَّ أنا: (18 _ 2 _ 13 _ 7 _ صفر _ صفر)، وأخذ الأستاذ يعطيني حِكْمَتَه في الحياة: (اجمع علاماتك واقسمها على ثمانية)! لأهتف به متهكمًا: (هذه ست علامات، فكيف أقسمها على ثمانية يا أستاذ)؟ لينطلق الأستاذ بحكمة أخرى لا تقل أهمية عن حِكَمِه السابقة: (إن لم تستطع ذلك بأصابعك، استخدم الآلة الحاسبة)!
وضعتُ يدي على قلبي هاتفًا بامتنان: (شكرًا لك، معلومات رائعة، لم يخطر لي؛ إطلاقًا وأبدًا؛ أن الآلة الحاسبة تُستَخدَم لإجراء عمليات القسمة يا أستاذ)!
وتدخل سامح متهكمًا: (الأستاذ ألغى الصفر الأول لعمر لأنه كان مريضًا، وبَرَّر والده الغياب للإدارة، ثم سمَّع له ومنحه صفرًا ثانيًا، ليصبح المجموع صفرًا ملغى لعملية تسميع لم تَتِم، وصفرًا محتسبًا لعملية تسميع، لم يخطئ بها عمر إطلاقًا، والصفر المحتسب والصفر الملغى يساويان صفرين اثنين، والصفرين الاثنين يساويان أربعة أصفار، وذلك لأنه...)
قاطعه الأستاذ مستغربًا: (ما هذا؟ هل تأكل البيض المسلوق في الصف)؟
ودَوَّت الضحكات الحادة، وسامح فقد القدرة على الرد! لقد فهم الأستاذ أن (الأصفار) لها علاقة بالبيض المسلوق، إذ إننا نسمي الأبيض به (البَيَاض) والأصفر (الصَفَار)، ولم يفهم أن زميلنا يسخر منه ومن علاماته الدولية هذه!
وهنا، أردتُ التدخل بحزم، فقد آن أوانه، وقفتُ قائلًا للأستاذ: (أنا خارج من الصف، لأرى أين أبي الآن، وفي أي صف، أنت تمنحني صفرًا وأنا كنت متغيبًا عدة أيام، ووالدي أخبرك بذلك، والمدير أخبرك بذلك، فوضعت لي صفرًا ثانيًا بتسميع لم أخطئ به بحرف، وأنا أستحق العشرين علامة، سأذهب إلى والدي وأخبره، ولتتفاهما معًا)!
صرخ الأستاذ بي: (اهدأ، اهدأ، ألا تتقبل المزاح؟ أنا أمزح يا أخي! وهذا الدفتر ليس الدفتر الحقيقي، بل هو دفتر احتياط، الدفتر الحقيقي في البيت، وعلاماتك: 18 _12_ 13_7 اجمعها واقسمها على أربع)!
ترددتُ هنا، هل أصدقه أم لا؟ وحسمتُ أمري، لأجلس قائلًا: (نعم، لن أخرج الآن، لكني سأخبر والدي ليتابع الموضوع معك، ويتأكد من كل شيء)!
هتف سامح هنا، وقد انتبه إلى أمر ما: (أستاذ، من قليل قلتَ لعمر إن علامته هي 2، والآن 12، كيف ذلك)؟
صرخ الأستاذ بوجهه، بصوت هادر: (اخرس، قبل أن أضعك في السجن)!
رَدَّ سامح متهكمًا: (وتحكم عليَّ بالشنق، أليس كذلك)؟!
رَدَّ الأستاذ مؤكدًا: (نعم، نعم)!
مرت الأيام سريعة، وحان وقت امتحان نصف السنة، وما أجمل هذا الامتحان! خاصة بمادة الجغرافيا، أسئلة تحتاج إلى خمس ساعات متلاحقة، والمدة ساعة واحدة يتيمة، وارتفعت الصرخات المستنكرة، لِيَتِمَّ استدعاء الأستاذ، الذي دخل صارخًا بوجوهنا: (اسكتوا! يا للدلال! الإجابات تستغرق 12 صفحة فحسب! وكل صفحة يلزمها 5 دقائق لكتابتها فحسب! وهذا للتلميذ المجتهد الذي درس دروسه، أما الذي لم يدرس، فليتحمل مسؤوليته)!
لم نعرف عن أي سرعة صاروخية يتحدث هذا الرجل! أولًا هذه الأسئلة تحتاج أكثر من عشرين صفحة لكتابتها، وحتى لو كنا نكتب عن الحاضر، لا من الذاكرة، فلا يمكن نسخ 12 صفحة خلال ستين دقيقة، ولكن الأستاذ لم يبالِ بنا وباعتراضاتنا، وكاد يخرج من الصف، لولا أن استوقفه تلميذ من صف آخر، هاتفًا به: (أستاذ، هناك خطأ بمجموع علامات مسابقتنا، لقد جمعتُ علامات الأسئلة ووجدتُها 21 علامة لا 20، و...)
قاطعه الأستاذ ساخرًا: (هناك علامة للخط والسلوك يا ذكي)!
ردَّ التلميذ بلهجة أشد سخرية: (في هذه الحالة يجب أن يكون مجموع العلامات 19، لا 21)!
صرخ الأستاذ بوجه محتقن: (يا للحماقة! كيف وصلتم إلى المرحلة الثانوية وأنتم لا تجيدون الحساب؟ 20 علامة للمسابقة، و1علامة للخط، المجموع 19)؟؟
ارتفعت ضحكاتنا جميعًا، والأساتذة المراقبون قبلنا، وخرج الأستاذ من الصف، لنسرع نحن بالكتابة نسابق الوقت، ثم انتبهنا إلى أمر غريب جدًا، هناك سؤال: (عَرِّف الرياح: ثلاث علامات)، وسؤال آخر: (عَرِّف الرياح، واذكر أنواعها واتجاهاتها، وقوة كلٍّ منها: نصف علامة)! لذا؛ قام معظم الزملاء، بكتابة إجابة السؤال (عَرِّف الرياح) ثلاث مرات، وتجاهلنا جميعًا: (عَرِّف الرياح، واذكر أنواعها واتجاهاتها، وقوة كلٍّ منها) بالتأكيد، فلا مصلحة لنا بمثل هذا السؤال (الناعم)!
كان الامتحان أيامها، موزعًا في أيامه، أحيانًا صباحًا، وأخرى ظهرًا، بمعنى أن عددًا من الصفوف تجري الامتحان يوم الاثنين من التاسعة للحادية عشرة صباحًا، وصفوف أخرى من الحادية عشرة والربع إلى الواحدة والربع، واليوم الثاني بالعكس، وهكذا... لذا؛ حصل ذلك اللقاء الغريب!
ركبتُ أنا وأختي مع والدي في السيارة بعد ما أنهينا الامتحان الساعة الحادية عشرة، ليصل أستاذ الجغرافيا، وقد كان دوره بالمراقبة بعد الظهر، ولقد أوقف الأخير سيارته، وغادرها مسرعًا، لِيَمُدَّ رأسه من نافذة سيارتنا، حيث أجلس، محدقًا بي، كأنه يراني أول مرة في حياته، وتضايق والدي من هذا التصرف، لكنه تمالك أعصابه، ليسأل الأستاذ: (خير يا أستاذ، ماذا تريد)؟
هَزَّ الأستاذ برأسه، قائلًا: (تؤ... تؤ... تؤ)!
لم أتمالك نفسي، فقلتُ بسخرية لاذعة: (تريد تؤ...تؤ...تؤ يا أستاذ)!
سأله أبي السؤال ذاته مرة ثانية، ليكرر الأستاذ إجابته ذاتها مرة ثانية، ثم ثالثة ورابعة وخامسة، حتى أصابنا الضجر والضيق، غدًا لدينا امتحان آخر، ونريد الذهاب إلى البيت لندرس، وأخيرًا (تَكَرَّم) الأستاذ لينطلق بالثناء بحقي، ما أصابني بدهشة كبيرة، إذ إن الأستاذ ليس متعودًا ذلك من جهة، إضافة إلى طريقته هذه بهز الرأس وال(تؤ، تؤ، تؤ)!
ولكن الحقيقة أن ما سمعته من هذا الأستاذ من كلمات الثناء لم يسبق لي أن سمعته من أحد من قبل: (عمر تلميذ مدهش، رائع، ذكي، عبقري، داهية، يدرك ما بين السطور، يجمع الأمور ببراعة، إن تعمق بدراسة الجغرافيا سيكتشف نظريات جديدة فيها، سيكون عالِمًا كبيرًا لا مثيل له، عمر رائع، عبقري، ذكي، داهية، مدهش)...
التكرار ليس من عندي، بل من الأستاذ، ولقد كَرَّر الصفات عددًا كبيرًا من المرات، ثم ختم كل ذلك بقوله: (ولكن، هناك شيء بسيط جدًا جدًا جدًا، أمر تافه، لا يستحق الحديث عنه، جعلني أحزن منه، وسأخبرك به يا أستاذ في ما بعد)!
قالها، وانصرف مباشرة، تاركًا إيانا خلفه ننظر إليه بدهشة، الأمر تافه ولا يستحق الحديث عنه، لماذا استوقفنا إذًا؟ إما أنه يريد الكلام فليتكلم الآن، وإما أنه لا يريد ذلك، ويرى تأجيله ل"ما بعد"، فليتكلم إذًا في "ما بعد"!
وسألني والدي عن هذا الأمر التافه كما يصفه الأستاذ، لكني حقيقة لم أكن أعلم، ولم أستطع التخيل، وحاول والدي وضع أكثر من افتراض: (هل سخرتَ منه في الصف؟ هل أخطأ وضحكت؟ هل جادلته بشيء؟ هل...) وكل الإجابات كانت مني: (لا، أبدًا).
غير أن الأمر (التافه) الذي (لا يستحق الحديث عنه) لم يكن كذلك، بل كان خراب بيوت! رغم أن والدي التقى بالأستاذ يومين آخرين بعدها، وسأله ما الذي يغضبه مني، فكان رد الأستاذ المرة الأولى أن الأمر تافه، ولا يستحق الحديث عنه، ورده المرة الثانية أنه لا يوجد شيء إطلاقًا، بل وبدا كأنه لم يَرَ والدي في حياته، ولم يسمع باسمي إطلاقًا!
ومن هنا، كان أثر المفاجأة (السعيدة) فوق رأسي! كنت أمشي أنا وسامح بعد العصر، حتى اقترب المغرب، وإذ بأستاذ الجغرافيا يظهر لنا فجأة بسيارته، وما كاد يرانا حتى أشار إليَّ بِيَدِه لأتبعه، مشيتُ وسامح خلف سيارته، ولقد أوقفها الأستاذ قرب دكانه (لم تكن المسافة بعيدة، حوالي نصف دقيقة مشي فقط، والحمد لله)، اتجهنا نحو الأستاذ نسأله ماذا يأمر؟ فنظر إلينا صارخًا: (سامح، اغرب عن وجهي، أريد عمر وحده).
ذهب سامح، وأدخلني الأستاذ دكانه الذي لا يوجد فيه أحد، أما كيف ترك الأستاذ دكانه مفتوحًا ومشى، فذلك لأن الدكان لم يكن له زبون واحد، أو حتى لص واحد يشتهي أن يجد فيه ما يُسرَق، بل أعتقد أنه حتى لو أتينا بلص، ودفعنا له ليسرق، لرفض عرضنا السخي هذا!
فالأستاذ كان يأتي بصناديق كبيرة من الخضار والفاكهة، ويضعها داخل الدكان قرب دفوف الشوكولا، والحق على حشرات زاحفة وطائرة بعد ذلك! لذا؛ كان بإمكانه ترك الدكان مفتوحًا، وقلبه مرتاح!
وبعيدًا عن تحليل دكان الأستاذ ومحتوياته، لقد كان الموقف رهيبًا فعلًا، الإضاءة خافتة بلمبة تعيسة جدًا، وأنا والأستاذ نحدق ببعضنا، والأستاذ يبدو مثل وحش هائج يتأهب لافتراس فريسته الضعيفة، وقررت أنني لن أكون ضعيفًا، وسأواجهه بحزم، لكن ليتكلم أولًا، ولقد فعل، وليته ما فعل! صرخ بوجهي، كعادته المعتادة التي لا يستطيع تغييرها: (لقد قمتَ بعمل رهيب، عمل شنيع، عمل فظيع، عمل خطير، عمل رهيب، عمل فظيع، عمل خطير، عمل شنيع، عمل خطير، عمل رهيب، عمل فظيع)...
لقد كرَّر الأستاذ هذه الصفات عدة مرات، ثم وضع يده على خصره، ليرفع قميصه قليلًا، مادًا يده نحو حزامه، صارخًا بجنون: (وتستحق أن أطلق الرصاص عليك، لأقتلك بأرضك)!
اتَّسَعَت عيناي عن آخرهما، وقد بدا لي أنها نهاية حياتي من دون سبب واضح...
تمنَّيْتُ لو أن الأستاذ يُفْهِمُني لماذا يريد قتلي!
وأخذتُ أنظر في كل اتجاهات الدكان باحثًا عما أدافع به عن نفسي، ولكن لا يوجد شيء إطلاقًا!
صناديق الفاكهة والخضار خلف الأستاذ، وحتى لو كانت أمامي مباشرة، فلن أسبق الرصاصة حتمًا، عدا عن أنني لا أستطيع حمل أي صندوق لأضرب به الأستاذ، ولن أضربه بدفوف الشوكولا مثلًا!
توترت أعصابي فعلًا، ويد الأستاذ تغوص في حزامه أكثر...
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله!!
تابعوا معنا!!

رد مع اقتباس

المفضلات