العلامة الفأرية!وترجع بي الذاكرة إلى تلك الأيام، بل إلى تلك الأمسية تحديدًا...
الأستاذ يصرخ مثل المجانين يخبرني أنني أستحق القتل بالرصاص، ويده تغوص في حزامه...
ليرفع الأستاذ قميصه قليلًا، وهو يتمتم بمنتهى الضيق:
_ أف من التعب! جسمي كله عَرَق!
نظرتُ إليه بمزيج فريد من اللهفة والاشمئزاز، أولًا لأطمئن أنه لا يوجد مسدس، وثانيًا لأنني لا أتقبل فكرة أن يكشف أحد ما بطنه أمامي، ولكن الأستاذ لم يكن بانتظار مشاعري تجاهه، لا الإيجابية ولا السلبية، بل سألني بهدوء يتنافى وثورته العارمة قبل ثوان:
_ أخبرني الآن إن كنتَ تستطيع، ما هي علاماتك في السعي؟
لم أُجِبْ مباشرة، فما زلتُ أشعر بالتوتر لما يحصل، ولا أفهم سبب تقلب مزاج الأستاذ، ولكنني تمالكتُ نفسي، وحاولتُ السيطرة على أنفاسي المضطربة، لأجيب بمنتهى الثقة:
_ 18، ...
صرخ الأستاذ بغتة:
_ يخرب بيتها!
سألته بدهشة:
_ ما هذه؟ ال 18 علامة؟ كيف سـ(يُخْرَب بيت ال 18 علامة)؟
أجاب الأستاذ بهدوء:
_ بل الفأرة، كل ما (أقتلها) ترجع إلى الدكان مرة ثانية!
هتفت باشمئزاز:
_ فأرة!!
صرخ الأستاذ:
_ كم علاماتك في السعي؟
هتفتُ من دون وعي:
_ فأرة، فأرة، فأرة!
تمتم الأستاذ، وهو يُصِرُّ على أسنانه:
_ علاماتك فأرة!
أجبتُه بمنتهى القرف:
_ بل الفأرة هنا، في الدكان!
وثب الأستاذ من مكانه، صارخًا برعب:
_ فأرة؟؟ أين؟؟ أخبرني أين هي؟! أين ذهبَت؟؟ أين...
لم أنتظره ليتابع صراخه، بل أسرعت أولي فرارًا من دكانه التعيس، وقد فتح لي الأستاذ بحركاته هذه باب النجاة، والقرف يملأ كياني من الفأرة، رغم أنني لم أرها والحمد لله، ولكن الأستاذ لحق بي في ثوان معدودات، ليمسك بي هاتفًا:
_ إلى أين؟! لم تخبرني بعد، كم فأرة معك في السعي؟
سألتُه بسخرية لاذعة:
_ لماذا؟ هل يوزعون علينا الفئران في المدرسة؟؟
سألني بريبة:
_ من... من هؤلاء؟!
بدا لي أننا في حوار حقيقي للطرشان هنا، ولم يكن ينقصني التوتر، فهتفت بالأستاذ بحزم:
_ علاماتي: 18، 12، 13، 7...
صاح الأستاذ:
_ خطأ... خطأ شنيع، خطأ فظيع، خطأ...
قاطعتُه بضجر:
_ خطأ رهيب، خطأ شنيع، خطأ رهيب، خطأ فظيع، وماذا بعد؟
رد الأستاذ، كأنه اكتشف علوم الكون:
_ علاماتك 18، 12، 3، 7... أنت نلتَ 3 علامات، وهذه ال 3 تحولت 13 فجأة، وأمامك فرصة، إما أن تعترف وتنال صفرًا، وطردًا لمدة ثلاثة أيام من الثانوية، وإما أن تُنكِر وتنال صفرًا، وطردًا لمدة ثلاثة أيام من الثانوية!
كان عرضًا مغريًا فعلًا، لكن (الخيارات) فيه تدهش العقول وترهق الأذهان، وكدتُ أدخل بجدال عقيم مع الأستاذ، لولا أنني رأيتُها... أقصد الفأرة طبعًا، تخرج من الدكان بسرعة، فوجدتُ نفسي أجري، وأنا أهتف:
_ لم أفعل شيئًا، افعل ما بدا لك.
وقد كان ذلك! لقد فعل الأستاذ ما بدا له، رغم أن والدي والإدارة كلها قد تدخلوا بالموضوع، إلا أن الأستاذ كان قد استبق الأمر بتقرير مطول من خمس صفحات، يكرر من خلاله أن عملي (فظيع شنيع رهيب) مرات لا حصر لها، ويعتبر أن سكوت الإدارة عن (جريمتي) جريمة كبرى، ويطالب بطردي طردًا نهائيًا... ورغم أن والدي قد أفحمه أمام الإدارة كلها، بمراجعته دفتر علاماته، فوالدي خطاط كبير، وخط الأستاذ كان واضحًا للجميع، هو من كتب كل العلامات بخطه، والأستاذ نفسه أقرَّ بذلك، لكنه قال إن لديه دفترَي علامات آخرين للاحتياط، حتى سأله أحد النظار متهكمًا إن كان دفتر علاماته منتخب لبنان الوطني لكرة القدم!!
وإذ طالب والدي الأستاذ بهذه الدفاتر، أجاب الأستاذ إنها غير موجودة! ثم اعتذر لخطئه بحقي، وأكد أنه كانت (غمامة صيف عابرة)، ولكن... حينما وزعوا لنا العلامات بعد ذلك، وجدتُ أنه قد وضع لي صفرًا في السعي، وغضب والدي غضبًا شديدًا، واستوقف الأستاذ قرب الإدارة ليخبره بأنه إنسان جبان غدار يطعن في الظهر، وهنا اعترف الأستاذ بالحقيقة أخيرًا! لقد فعل كل ما فعله بناء على طلب سامح! سامح ذهب مع الأستاذ إلى المنطقة المجاورة ذات مرة، وحمل له كل صناديق الخضار والفاكهة على كتفيه، مقابل أن يمنحني صفرًا، وقد استجاب له الأستاذ، لكنه؛ بدايةً؛ لم يكن يعرف ما عليه أن يفعل؛ ثم خطر له هذا المخطط، أن يتهمني بتغيير العلامة!
وهنا قال والدي إنه سيطلب إلى التفتيش التربوي التدخل بالأمر، وانهار الأستاذ يعتذر ويطلب السماح، ويتعهد بأنه لن يعيدها في حياته مرة أخرى!
ومن بعدها تحولت إلى (بطل) ندر مثيله! كل يوم يعرض الأستاذ به أمام الإدارة بطولاتي وإنجازاتي الفذة بمادة الجغرافيا، سواء أكان خارجًا من صفنا أم صف آخر، سواء أكان لدينا مادته ذلك اليوم أم لا، علمًا بأنني كنت قد أهملته وتوقفت عن الكتابة خلفه، بل وأتيت بكتاب الجغرافيا إلى الصف، أفتحه أمامي، لأرى مدى التطابق الحرفي بين الجغرافيا التي يقرأها الأستاذ عن دفتره، وتلك المكتوبة في الكتاب المدرسي... وإذ سمَّع لي الأستاذ ذات مرة بعدها، أجبتُه بقرف ومن دون اهتمام، ليمنحني 14 علامة كاملة، وبتسميع آخر لم يكن أفضل من سابقه منحني 20 علامة!
وأدرك الكل من بداية هذا التحول في شخصية الأستاذ معي، أنه يخافني، خاصة أن (بهدلة) والدي لهذا الأستاذ بلغت الكل، وهكذا استجار بي محمد! لقد سمَّع له الأستاذ، وأبدع محمد، فمنحه الأستاذ 8 علامات فحسب، وسمَّع بعدها مباشرة لزميلة أخرى، زميلة لم تدرس، وهي تقول كلمتين، والأستاذ يتابع بسطرين، ومنحها 14 علامة، واعترض محمد، وأراد الأستاذ أن يضع له صفرًا، لكني قلتُ له إن هذا ممنوع! فنجا محمد من الصفر! بل ومرة أخرى، بانتهاء الوقت ورنين الجرس، طلبت بنفسي من محمد أن يقوم للتسميع، بل وحملت دفتره وفتحتُه له ليقرأ عن الحاضر، أمام عيني الأستاذ المغتاظ، ولم يكد محمد يقرأ عدة أسطر، حتى أخذت الدفتر منه، مباركًا له بال 20 علامة، فمنحه إياها الأستاذ، وهو يكاد ينفجر غضبًا!
لا نعرف كيف انتهت تلك السنة التعيسة، لكننا تابعنا، أنا ومحمد وسامح، إلى الصف الثانوي الثاني (كنا نسميه القسم الأول في أيامنا)، وترك حسن المدرسة، ليكون لنا زميل رابع، يعيد صفه ويفكر بترك الثانوية... وأول يوم في تلك السنة وقفت في الملعب أنتظر قدومه... أتكلم عن محمد، رفيقي العزيز، ورن الجرس، ومحمد لم يأتِ بعد، ولا أعرف السبب ب(اللعنة) ببرنامج الدروس في الثانوية، أول يوم، أول حصة، لغة فرنسية!
ولكم كان هذا الأستاذ مسكينًا! فوجئ بأننا، وكان عددنا 14 تلميذًا هذه المرة، لا نعرف شيئًا من أبجديات اللغة الفرنسية، وبينما الأستاذ محتار في ما يمكنه فعله إزاء هذا الجهل والضعف، فوجئنا برفيقنا محمد، وقد وصل إلى الصف، إذًا فقد تسجل في ثانويتنا مرة أخرى، الحمد لله، ويبدو أن هذا الفتى لم ينتبه إلى نظرات الأستاذ النارية التي يصوبها إليه، لقد كان الأستاذ يكره التأخر كرهًا كبيرًا، ولكنه تمالك أعصابه، ليدور بينه وبين محمد حوار طريف:
_ الأستاذ: ما اسمك؟
_ محمد: اسمي محمد.
_ الأستاذ: هل كنتَ هنا السنة الماضية؟
_ محمد: لا.
_ الأستاذ: أين كنت؟
_ محمد: في الثانوية!
_ الأستاذ: أي ثانوية؟
_ محمد: هذه!
ارتفعت الضحكات، وبدا الغضب واضحًا في صوت الأستاذ، وهو يقول:
_ إذًا، فقد كنتَ هنا؟
_ محمد (بتوكيد): لا، أبدًا.
_ الأستاذ: (يكاد يقفز من النافذة): أين كنت إذًا؟
_ محمد: في صف ال seconde!
_ الأستاذ (يضرب نفسه): أين؟
_ محمد (مذهولًا لغباء الأستاذ): في صف ال seconde!
_ الأستاذ (بجنون تام): أين؟ أين؟ أين؟
_ محمد (بتوكيد): في الثانوية!
_ الأستاذ (يشد شعره): أي ثانوية!
_ محمد (مذهولًا لغباء الأستاذ وبلادة تفكيره): هنا، هذه الثانوية!
ووثب الأستاذ من مكانه، صارخًا مثل الوحوش الضارية:
_ Mon Ami Mon Ami!!
ويوم الخميس تحديدًا، كان لدينا حصتان متتاليتان، الرابعة والخامسة، أما السادسة فكانت حصة رياضيات، ومرة أراد أستاذ الرياضيات أن يُجْرِي لنا مسابقة فصلية، وجلس محمد بجواري الحصة الرابعة، يسألني عن أمور لم يفهمها بالمادة، وشرحتها له (رغم اهتماماتي الأدبية، أيامها كنتُ متميزًا بمادة الرياضيات، ولا أقصد علم الجيومتري طبعًا)، وبعد ذلك أخذت أكتب ما يقوله الأستاذ، لنفاجأ به، بعد أن توقفنا عن تحليل تمارين الرياضيات، بحوالي عشر دقائق، يسألنا ماذا نفعل، لأرد أنا بلامبالاة تامة:
_ نحن نكتب ما تقول!
لم يصدقنا الأستاذ، وترك مقعده ليرى ما نكتب، وكم كانت دهشته كبيرة، حينما رأى أننا كتبنا معظم ما قاله بالفعل، وبعدها؛ بعد أن اطمأننا إلى أن هذا الأستاذ قد أعطانا الثقة؛ عدتُ أمرن صديقي محمد على تمرين إضافي، وبعدما انتهينا، ومَرَّ وقت لا بأس به، سألنا الأستاذ ماذا نفعل، لأكرر إجابتي السابقة:
_ نحن نكتب ما تقول!
ومرة أخرى يأتي الأستاذ ليرى ما كتبنا، ومرة أخرى يقف مصعوقًا، لقد كتبنا معظم ما قاله، ولكن الأستاذ لم يرضَ بالهزيمة هنا، فأخذ يقلب صفحات دفتري، ولم يجد شيئًا سوى مادته، أما محمد، فكان دفتره مثل محطة تلفزيونية، يحتوي كل شيء تقريبًا! نشرات الأخبار، أحوال الطقس، مباريات كرة القدم المحلية، والعالمية، والنتائج ما بين الذهاب والإياب في كل دوري، والهدافون في كل فريق محلي، وفي كل منتخب، و... ليصرخ بنا الأستاذ مطالبًا إيانا بمغادرة الصف، فهتف سامح باستنكار:
_ وحدهما؟!
هتف به الأستاذ مغتاظًا:
_ رافقهما!
فخرج سامح معنا، ولسانه يلهج بالشكر والثناء للأستاذ الرائع، صاحب القلب الحنون، الذي لم يكسر نفسيته، والأستاذ يصرخ:
_ Mon Ami Mon Ami
نزلنا الدرج إلى الطابق الأرضي، وإذ بالناظر الصارم في وجهنا، يسأل بنتًا من صف آخر بلهجة تشكك:
_ إلى أين يا دموازيل؟
ردت البنت بهدوء:
_ ذاهبة لأشرب!
قال لها الناظر بصرامة:
_ اذهبي، لكن لا تتأخري عن صفك.
وما إن انتبه الناظر إلينا حتى هتف مستنكرًا:
_ نعم، نعم؟ ثلاثتكم أصابكم العطش فجأة، وخرجتم من الصف لتشربوا؟!
صرخ سامح من دون أدنى داعٍ للصراخ:
_ لِهْ!
(المقصود لا، لكنه صرخ بها بالعامية المحلية، وحتى نحن بالعامية نقولها بطريقة أرقى، نقول لأْ، بالهمزة الساكنة، أما "لِهْ" هذه، فنادرة الاستعمال لدينا، ومن هنا ارتفعت ضحكاتنا).
وأضفتُ أنا، محاولًا تمالك نفسي من الضحك:
_ ومن يحب أن يشرب من مياه كلها ميكروبات مثل هذه؟
وصرخ محمد، بشكل غريب جدًا، ليخبر الناظر بأننا مطرودون، لكنه أخبره بذلك بصرخة كفيلة بإسماع كل تلاميذ الثانوية... هذا من جهة، ومن جهة أخرى صرخ بها محمد، كما ننطقها بالعامية، وبلغتنا المحلية التي نعتز بها، مع أنه ليس من منطقتنا...
وجُنَّ الناظر نهائيًا!

رد مع اقتباس

المفضلات