حكايتي مع العوعو!
أقدمها إليكم إن شاء الله تعالى
في الغد مساء
بعد دوام المدرسة
حياكم الله جميعًا
أ. عمر قزيحة
9 _ 11_ 2018م.
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة الأخيرة
حكايتي مع العوعو!
أقدمها إليكم إن شاء الله تعالى
في الغد مساء
بعد دوام المدرسة
حياكم الله جميعًا
أ. عمر قزيحة
9 _ 11_ 2018م.
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة الأخيرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الأولى
الكلب، ذلك الكائن المخيف المرعب!
لا أعرف حقيقة سبب إصرار نساء قريتنا _ سامحهن الله _ على أن يجعلن في ما بيننا وبين الكلاب عداوة كبيرة، منذ طفولتنا، فالكلب وفق آرائهن يهوى أن يعض الناس، وإذا ما عض الكلب أحدًا، فإن هذا المسكين يجب أن يتلقى إحدى وعشرين إبرة في بطنه، ولكنه؛ رغم ذلك سيصير (مُكْلِبًا)!
وهذا المصطلح يعني أن المعضوض سيعيش باقي أيام حياته القليلة يحبو؛ في الشارع؛ على أربع، وينبح! وسينظر إليه الناس بإشفاق، ولكن ذلك لن يستمر طويلًا، فالمعضوض لا يعيش طويلًا، وقبل وفاته بثلاثة أيام سيهجم على الناس في الشوارع، وفي المحلات والدكاكين، ليعضهم! ومن يتلقى العض من هذا المعضوض يصبح (مُكْلِبًا) هو الآخر، ليتلقى بدوره إحدى وعشرين إبرة في بطنه، ويحبو _ في الشارع _ وينبح، وينظر إليه الناس بإشفاق، إلخ، أي بمسلسل رعب لا ينتهي عند حد، فالعض سينتشر بين الناس، إلى ما لا نهاية.
لكنني، رغم أنني كنت طفلًا، لم أصدق هذا الكلام إطلاقًا، وذلك لأنني كنت أسأل بكل الشك، كيف يتلقى المعضوض من الكلب إحدى وعشرين إبرة، ولكنه ينبح ويعض ويموت سريعًا؟ ما نفع كل هذه الإبر في بطنه إذًا؟ أم أن هذه الإبر عقاب له لأنه سمح للكلب أن يعضه، وليست بعلاج؟!
وتتسع الأعين استنكارًا لهذا السؤال، ثم تأتي محاولات التعليل التي تزيدني عنادًا ضد التصديق، فهذه الإبر (ربما) تساعد المعضوض كي لا يعض الناس، لكنه سيحبو على الأربع في الشارع، وسينبح لا محالة، وسيموت سريعًا، وإذ أتساءل هنا لماذا الإصرار على أنه سيحبو على الأربع (في الشارع) تحديدًا؟ هل يمشي في بيته على قدميه، ولا يحلو له إلا أن يحبو في الشارع؟ أم أنه يحبو في البيت كذلك؟ وفي هذه الحالة كيف يفتح باب البيت؟ أم أن حالة (الكلبنة) هذه تسمح له بالوثوب من شرفة المنزل مثلًا، لينزل على الأربع يحبو وينبح؟ وترتفع أصوات الاستنكار هنا، وأنني لن أصدق ماذا سيحصل إلى أن يعضني الكلب (إن شاء الله)، وحينها أصدق، فأهتف بالمرأة العجوز مستنكرًا (لا سمح الله) وليس (إن شاء الله)!
على أنني على عدم تصديقي كل هذه الأعراض المخيفة التي سيتعرض إليها من يعضه الكلب، لم أكن مستعدًا، طبعًا، للمرور بهذه التجربة، فأسنان الكلب حادة مخيفة، ومن المؤكد أن عضته ستسبب أذى فادحًا ليس بالهين، فكنت أتفادى الكلاب طبعًا، وبكل تأكيد، على أنني لم أكن قد اكتسبت ذلك الخوف الكبير منها بعد، بل كنت أرى أن في يدي سلاحًا كبيرًا في وجه أي كلب أراه، وهو ألا أفعل شيئًا أبدًا!
ولا تستغربوا ذلك، فلقد سمعنا من بعض أساتذتنا أن الكلب يركض تلقائيًا خلف أي شخص يركض، فإذا أدركه قام بعضه، عقابًا له لأنه كان يركض أمامه! أما من يبقى واقفًا فإن الكلب لا يقترب منه إطلاقًا، وإذ يسألهم بعض رفاقنا هل من الصحيح أن من يعضه الكلب، يتلقى إحدى وعشرين إبرة ويصبح مثل الكلب يحبو وينبح ويعض، كان الرد أنكم لن تعرفوا ذلك إلا بالتجربة إن أحببتم!
حتى الآن الأمور على حالها، أنا وعالم الكلاب في حالة سلام، لا نصطدم ببعضنا نهائيًا، لا أصدق أن من يعضه الكلب سيصبح كلبًا هو الآخر، لكني لست مستعدًا للتجربة، بل لا أعلم من هذا الذي يحب المرور بهذه التجربة السعيدة، إلى أن حان ذلك اليوم...
كنت خارج بناية أهلي، وهناك طلعة صغيرة، لا تستغرق منا سوى ربع دقيقة تقريبًا لنصل إلى أعلاها حيث (الأوتوستراد)، وكنا نسميه كذلك، ولا نرى له اسمًا آخر، رغم أنه كان أرضًا ترابية متسعة الحجم بشكل غريب، وتصلح للعب كرة القدم، ولمرور بعض السيارات، ولمن يريد التنزه، وأحيانًا كنا نرى شخصًا ما يعبرها وخلفه قطيع من الأبقار، أي أنها كانت تصلح لكل شيء تقريبًا، على أنها كانت، تقريبًا، خالية ذلك اليوم، إلا من ولد يكبرني سنًا، ولد أحمق بكل ما في الكلمة من معنى، كان متجهًا نحوي يحيط به ثلاثة من الكلاب...
وفجأة، من دون مقدمات...
هتف الولد بكلابه، مشيرًا إليَّ: (هيا، أحضروه)!
وانطلقت الكلاب نحوي، بسرعة فائقة...
وكانت المواجهة الأولى في ما بيني وبين الكلاب...
في ما بيني وبين عالم الرعب.
تابعونا
(10 _ 11 _ 2018: الساعة: 23:04 ليلًا)
الحلقة الثانية
انطلقت الكلاب نحوي، وأنا لا أكاد أصدق ما يحصل!
لم أتخيل أن الحماقة يمكن أن تبلغ هذا المبلغ في رأس أحد!
ومن دون أن أنتظر لحظة واحدة أخذت أجري بأقصى سرعتي، لعلي ألحق الدخول من بناية أهلي لأقطع مسافة بسيطة، ثم أصعد الدرج، ولا أظن أن الكلاب تستطيع صعود الدرج بأي حال من الأحوال.
غير أن هذه الأمنية كانت مستحيلة تمامًا، فسرعة الكلاب لا يُستهان بها، وأنا أشعر بأنيابها تكاد تمزق ساقي، ولم يكن أمامي سوى حل واحد، رغم أنه لم يكن مضمونًا بالنسبة إليَّ، لكنما الغريق يتعلق بقشة كما يقولون.
إنه الحائط متوسط الارتفاع الذي يفصل حديقة بيت أهلي عن الطريق العام، وهذا الحائط كنت أتسلقه ببعض الصعوبة من قبل، ونادرًا ما أنجح في تسلقه من المرة الأولى.
شعرت هنا أنني أمام اختبار رهيب، فإما أن أنجح به، وإما أن تنالني أنياب الكلاب المخيفة، ووجدت نفسي أثب نحو الحائط حتى أكاد أرتطم به ارتطامًا، متجاهلًا الآلام الحادة التي انبعثت في صدري، ويدي تمسك بحافة الحائط في أعلاها بصعوبة، قبل أن أرتفع بجسمي كله، متشبثًا بيدي الثانية، لأنتقل من الحائط إلى شجرة قريبة، متجاهلًا وخزات أغصانها الحادة، قبل أن أستطيع الاستقرار على الشجرة، وقلبي يخفق بعنف شديد، والمرئيات تكاد تتلاشى أمامي من هذا العدو الرهيب الذي وجدتُ نفسي مجبرًا عليه بغتة، من دون مقدمات، والدم يملأ كف يدي اليمنى، وأعلى ذراعي اليسرى، والكلاب تنبح بجنون لإفلات فريستها _ أنا ولا فخر _ من بين أنيابها!
وبكل برود، وقلة أدب وفهم، اتجه صاحبها نحوها يزجرها ويأمرها بالهدوء، ثم ينظر إليَّ مقهقهًا كالمجانين، هاتفًا بي من بين ضحكاته:
_ هل صدقتَ؟ أنا أرسل كلابي خلفك؟ كنت أمزح معك، كنت أمزااااااح هيهاااااااااا
ورغم أنني نشأت في بيت يلتزم الآداب والأخلاق بشكل كبير، ولم نسمع كلمة جارحة واحدة من قبل قط، كما أننا لم نلفظ كلمة جارحة واحدة كذلك، وجدت نفسي أصرخ في وجهه، ملحقًا به كل صفات النجاسات البشرية، والفضلات الحيوانية، على حدٍّ سواء!
واحتقن وجهه، كأنه هو المظلوم هنا، ليصرخ بدوره مهددًا إياي بأنه يأتي إلى منطقتنا كثيرًا، وسيطلق كلابه خلفي كلما رآني، لأهتف به مخبرًا إياه أنه ينتمي إلى فصائل غير حيوانية حتى، إذ إن رأسه لا يساوي قفا كلب أجرب، وأنني سأنادي عمي الآن، ليطلق النار على رؤوس كلابه جميعًا، ثم ينهال عليه ببندقية الصيد، جزاء الدم الذي يملأ يدي وذراعي، وإذ سمع هذا التهديد، انصرف متمتمًا بالشتائم، وأنا أرفع صوتي خلفه مذكرًا إياه بأنه أتى حتمًا من بقايا معدة إحدى الكلاب!
نزلت من مخبئي، وما كدت أصل إلى الأرض، حتى دار رأسي كأنني قد بذلت جهدًا خارقًا في عملية النزول، حاولت التماسك لكن الدوار كان شديدًا، والرعب لا يزال يملأ نفسي الصغيرة لما مررتُ به من ثوانٍ قاتلة... عجزت ساقاي عن حملي، فانهرتُ على ركبتيَّ رغمًا عني، ثم لم أعد أشعر بشيء بعدها على الإطلاق مدة لا بأس بها، وقطعًا لم أعرف أنني فقدت الوعي لحظتها، إلا أنني علمت ذلك حينما أحسست بحرارة الشمس الحادة، وفتحت عينيَّ لأجد نفسي متمددًا على وجهي على الحشائش، نهضت ببطء وألم، لأصعد إلى البيت، وأخذ والدي يطهر لي جراحي، ولا أعلم لم بقيت صامتًا آنذاك، ولم أحكِ هذه القصة لأحد! ربما _ أقول ربما _ لأن أسطورة من يتعرض إلى عض الكلاب ستلاحقني وقتها، رغم أن الكلاب لم تعضني، لكن ربما كان هناك أسطورة ثانية لمن تطارده الكلاب، حتى لو تلمس من عظامه شيئًا! وأيًا كان السبب، لقد بقيتُ وقتها صامتًا لا أجيب عن أسئلة إخوتي، ولا أبالي بخوف أمي (رحمها الله) لما أصابني، لا أبالي ظاهريًا، أما ما في باطني من حبها والخوف عليها أن تدمع عينها، فلا يعلم به سوى الله عز وجل فحسب.
لقد وضعت هذه الحكاية بصمة تعيسة جدًا في نظرتي إلى الكلاب، وشعرتُ من بعدها أن قلبي يخفق بعنف خوفًا إذ أسمع صوت النباح، مهما كان بعيدًا!
غير أن الأيام تمضي، والجراح يمكن لها أن تندمل ولو قليلًا، لولا أننا إذ كنا نلعب يومًا ما مساءً، أنا وإخوتي وأولاد أعمامي وعماتي في البناية، فوجئنا بكلب يندفع نحو مدخلها نابحًا بصوت أثار الرعب في القلوب، انطلقنا نجري، لكن الكلب _ لسبب ما _ لم يلحق بنا! ترى هل شعر بفرحة الانتصار، ولم يَعُدْ يبالي بالمزيد، أم ماذا بالضبط؟
عدنا لنلعب بعد انصراف الكلب، لكنه فاجأنا باندفاعه مجددًا، وهو ينبح، ومرة أخرى نركض لنتفرق بعيدًا عنه، ومرة أخرى لا يلحق بنا! لكن من بقي يلعب، كان عددهم أقل ممن صعدوا إلى بيوتهم! ومن المؤكد أنني كنت من الطرف الثاني وقتها! لا أشعر أنني مستعد لأية مواجهة أخرى مع الكلاب، أيًا كان نوعها، وبالتالي لن أبقى حينما يأتي أي كلب، بمجرد أن أراه من بعيد سأنصرف في دربي بأمان، ولكنْ...
لقد كنت واهمًا في هذا!
فالأولاد شعروا بأن الكلب جبان! واستعدوا له بالحجارة، وإذ أتى مرة أخرى قذفوه بها، فانطلق لا يلوي على شيء، ولكنه _ ويا للعجب _ عاد! ويبدو أنه كان كلبًا أحمق لا يتربَّى بأخطائه! كل مرة يُقذَف بالحجارة، ثم يرجع، يومًا تلو الآخر، حتى شعرنا أن الأمر ليس طبيعيًا، وأن هذا الكلب لا يمكن أن يكون مؤذيًا لنا، ولكن...
دنا مني أحد الأولاد من أقاربنا، هامسًا:
_ أشعر بأن هذا الكلب... وراءه سر كبير!
لفظ كلمة (كبير) بمد الياء قليلًا، ملوحًا بيديه، دلالة على اهتمامه وتأكيده هذا الاعتقاد، فأجبته ساخرًا منه:
_ بالتأكيد! لا شك أنه يخفي في حنجرته خريطة الكنز، وليس عليك إلا أن تمد يدك في فمه لانتزاعها من هناك!
صرخ بي غاضبًا:
_ هل تسخر مني؟
أجبته بكل السخرية:
_ أعوذ بالله! لكن أي سر تعتقد أنه يخفيه؟ إما أنه يأتي إلى هنا لأنه يحبك ويريد أن يراك كل يوم قبل أن ينام، ويغني لك (يللا ينام، هالبوبو، يللا ينام، لأدبح له طير الحمام)، وإما أنه جائع، فأيهما تختار؟
فوجئت بأعين أقاربي كلها تحدق بي، ثم هتاف مشترك كاد يدوي في عقلي نفسه لقوته:
_ صحيح!
ما شاء الله حولي! لم أكن أعلم مدى ذكائي وعبقريتي قبل ذلك! لقد فهم الأولاد جميعًا أن الكلب جائع، ولم يكذبوا خبرًا، أسرع بعضهم إلى بيوتهم ليعودوا ببعض الطعام، ويلقوا به إلى الكلب، ولقد انقض الأخير على الطعام كالوحوش الثائرة، يلتهمه في ضراوة، كأنما لم يأكل من شهر مثلًا!
وما سمعناه من صفة الوفاء عند الكلاب، كان صحيحًا...
لقد لازم الكلب بنايتنا، ليحرس البوابة الداخلية مستلقيًا قرب درجاتها، وويل لأي غريب يأتي، يثب الكلب أمامه نابحًا في عنف، إلى أن يصرخ به أحد أهالي البناية، عندها يسكت، ويبتعد، ليمر الغريب بأمان، وبدا لي أن رعبي المرضي من الكلاب قد اقترب من الزوال، ولكن امرأة عجوز أعادت إليَّ هذا الرعب أضعافًا مضاعفة...
رغم أنني لا أعرفها ولا تعرفني، ولم أكلمها ولم تكلمني!
وكل ما في الأمر أنها كانت قادمة مع زميلات لها لزيارة جدتي (رحمها الله)...
ثم حدث ما لا يستطيع العقل أن يصدقه بسهولة...
على الإطلاق!
تابعوا معنا
11_ 11_ 2018م الساعة: 9:05 ليلًا
(الكاتب: أ. عمر قزيحة)
الحلقة الثالثة
ما حدث؛ آنذاك؛ كان يتخطى حدود المنطق فعلًا، وإن أثار فينا الضحك بشكل كبير!
كان الكلب، كعادته، مرابضًا قرب درج البناية، وويل لأي غريب يتقدم محاولًا الدخول، ولكن، ليس دائمًا، فالكلب كان يتمتع بـ(التنبلة) أحيانًا، فيغفو معظم وقته، لِيَمُرَّ به من يَمُرُّ، من دون أن يشعر الكلب بالدنيا بما فيها!
وإذ كان الكلب نائمًا في وضح النهار، توقف جمع النساء أمامه، لتهتف إحداهن بانبهار:
_ ما أجمل ممسحة الأحذية هذه!
نظرنا إلى بعضنا، ثم في الهواء، ثم في الأرض، نبحث عن هذه الممسحة الوهمية، ثم خفقت القلوب انبهارًا لما يحصل، خوفًا على المرأة المسكينة مما سيحصل...
فلقد رفعت ساقها وأولجتها في رقبة الكلب بعنف لتفركها من دون شفقة، محاولة مسح حذائها برقبة الكلب الذي تحول، بنظرها، ممسحة أحذية!
وهَبَّ الأخير نابحًا برعب شديد قبل أن يهرب بسرعة فائقة من تلك المقصلة ذات الكعب العالي التي تكاد (تفك رقبته) من موضعها!!
والحمد لله أن إحدى رفيقات هذه المرأة التي ظنت الكلب ممسحة أحذية، كانت خلفها فأمسكت بها في اللحظة المناسبة قبل أن تسقط على ظهرها.
والحمد لله أن الشهقة التي صدرت من فم المسكينة، أو من أعماقها، لم تذهب كذلك بروحها!
ولكن، لا زلت من وقتها، وإلى الآن، لا زلت من حوالي ثلاثين عامًا لم أستطع أن أفك غموض هذا اللغز... ما الرابط بين الكلب وممسحة الأحذية؟؟
أم أن تلك المرأة قد أتت بما لم يأتِ به الأولون ولا الآخرون!!
غير أن وثبة الكلب هذه، ونباحه الرهيب، أعادا إلى ذهني، رغم الضحك، مشهد الكلاب التي كانت تركض خلفي، وتكاد تنال مني، وأحسست بمشاعر الخوف من الكلاب تتجدد في نفسي مرة أخرى، ولكنها لم تَعُدْ بتلك القوة كما كانت سابقًا.
غير أن أحد الأولاد في البناية قرر إجراء تجربة (علمية) فريدة من نوعها!
فلقد أثار انتباهه وفضوله، وجود قط ينام تحت إحدى الشجرات، على مسافة قريبة من مدخل البناية حيث يجلس الكلب، ترى ألا تخاف القطط من الكلاب كما كنا نسمع دائمًا؟
وبكل الفضول، اقترب الولد من القط النائم، لينفِّذ ما كان يفكر به، فكان أن انحنى بهدوء شديد فوق القط، محاذرًا إيقاظه قبل اكتمال التجربة، ليصرخ في أذن هذا المسكين بأعلى صوته:
_ عَوْ... عَوْ... عَوْ!
فلقد أحب الولد أن يعرف هل تخاف القطط الخوف الفجائي، مثل الأطفال، أم لا!
وكانت الإجابة عملية وقاسية! صرخ القط المسكين (ميااااااو)، وهو (يطير) في الهواء بغتة، لشدة الرعب، ما أوقع الولد على ظهره من خوفه من هذه الحركة الفجائية!
ولكم دعا الولد كثيرًا بعدها أن يغفر الله له ما تسبب به لهذا القط من الرعب، لكنه لم يكن يتخيل أن ذلك سيحصل، وإلا لما قام به طبعًا، ولقد شكر الولد ربه كثيرًا، إذ إن القط لم يقفز على وجهه، أو يقتلع عينيه، وقفز بالاتجاه المعاكس، والحمد لله تعالى.
(ملحوظة: أول حرف من اسم هذا الولد، حرف العين! لا تخبروا أحدًا)!