الحلقة الخامسة عشرة (بعض الألغاز)

أنار القمر تلك الليلة بنوره الفضي الذي يبعث الراحة في النفوس المرهقة، ويدفع بأصحاب الأماني إلى السهر للتمتع بهذا المنظر الساحر، وعمَّ الهدوء مناطق العاصمة بأكملها، عدا مبنى واحد، كان يبدو من الخارج من دون حياة، إذ لا ينبعث منه ضوء واحد، ولكن أعماقه كانت تشهد وجوهًا محتقنة تكاد تتفجر غضبًا وكمدًا!
هنالك، حيث وقف العقيد فريد، بعد أن تم الاعتناء بجرح وجهه الغائر، ولم يجد من يداوي كرامته الجريحة في مواجهة مدير المخابرات الغاضب، متحفزًا لسماع كلمات التأنيب والتوبيخ، مستعدًا لتوضيح وجهة نظره، ولإثبات أنه كان على حق منذ البداية.
ولكن، وللحق يقال، كان مدير المخابرات في حالة جنونية من الغضب، بعدما ضاع تعب سنين في التحري والتقصي، ولقد بدا صوته مثل رعد هدار، إذ يصرخ في وجه فريد:
_ من الذي أَذِنَ لك بارتكاب هذه الحماقة؟ ما عملك هنا؟ أنت مسؤول عن التحري في الجرائم الغامضة، وذلك حينما نطلب منك ذلك، لا أكثر ولا أقل، ولكنك _ أيها الأبله الأحمق _ أضعتَ منا كل ما قمنا به خلال عدة سنوات ماضية، وكله لأنك تريد أن تتصرف مثل الأغبياء، تتسلل إلى المدرسة مثل اللصوص لتسرق بيانات التلاميذ وتقوم بتصويرها! كأنك لا تعلم مدى الخطأ في التسلل إلى مبنى حكومي، واستهلاك الأوراق لمصلحتك الشخصية! وبعد ذلك تنصب كمينًا محكمًا للتلاميذ! من الذي علَّمَك العبقرية يا هذا؟ أجب!
صاح فريد بغضب يكاد يعصف بنفسه:
_ ألم تخرجوا بأي درس مما حدث الليلة؟ ألم تفهموا بعد أن هؤلاء الأولاد أفراد عصابة خطيرة؟ ألم تسمعوا من ينادي بأسمائهم الكودية، ألم...
قاطعه نائب المدير هذه المرة، بسخرية لاذعة:
_ نسمع من ينادي؟! نحن من فعل هذا يا رجل! وذلك لننقذهم من هذا الفخ من جهة، ولنصرف أنظار الفريق الذي خرج لتصفيتهم وتصفية رجالك معًا عنكم، ولقد مَكَّنَّا ذلك من قتلهم جميعًا في تلك المعركة!
تبلبلت أفكار فريد، ولم يَعُدْ يفهم ما يحصل حقيقة!!
ولم يمهله نائب المدير حتى يتمالك نفسه، بل تابع بقسوة شديدة:
_ ولم يَمُرَّ ذلك من دون خسائر للأسف، قُتِل ثلاثة من رجالك، واثنين من رجالنا، والخسارة الأخرى في الموضوع أننا كنا نتابع هؤلاء الأولاد في محاولة منا للإمساك بطرف الخيط الذي يقودنا إلى الكبار، لنلقي القبض عليهم، وتمكَّنَّا من تحديد اثنين من هؤلاء الكبار بالفعل، لكننا اضطررنا إلى قتلهما وقتل كل رفاقهما، لننقذك ومن معك، أرأيتَ كم كلفتنا حماقتك أيها الأبله!
هتف فريد مستنكرًا، والغضب يعمي عينيه تقريبًا:
_ ولماذا لم تخبروني من قبل بهذا؟
أجابه المدير، ونغمة صوته ترتفع بين التهكم والحزم الغاضب:
_ ولماذا نخبرك؟ من تكون أنت كي نخبرك؟ أنسيتَ القواعد في مهنتنا؟ لا يحق لك أن تعرف ولا معلومة صغيرة عن أية عملية لا تخصك ولست بطرف فيها، وحينما أعفيناك من مهمتك، بعد أن رأيناك قد اتجهت بها اتجاهًا خاطئًا، كنا نعرف ماذا نفعل جيدًا، ويا للأسف! ظننا أنك ستدرك معنا أنها قضية مخابراتية جاسوسية بامتياز، لكنك أخذت تتصرف بمنتهى الحماقة، وما هي المحصلة يا رجل؟؟ مقتل خمسة من أفراد جهازنا، ومقتل ثمانية من عصابة سبَّبَت لنا الكثير من المشاكل، ونحن نحاول الوصول إليهم وإلى زعيمهم، ورجعنا إلى البداية تمامًا، من المؤكد أن الزعيم لم يأتِ بنفسه ليطلق النار عليكم، معرضًا حياته إلى الخطر!
وتابع النائب، وهو ينظر إلى فريد بكل الحقد:
_ وكل هذا بغبائك يا رجل! أخبرنا الآن كيف نخرج من هذه المصيبة التي أوقعتنا بها!
غمغم فريد، وهو يكاد يختنق:
_ مروان!
صرخ المدير ونائبه في وجهه، في صوت واحد:
_ ماذا قلت؟
رفع فريد صوته قليلًا، وهو يتمتم بكلمات متقطعة:
_ مروان، حميد، الملعب، الزعيم، الـ...
صرخ المدير مجددًا، وقد فقد أعصابه نهائيًا:
_ ألا تفهم أيها الغبي؟ ألم تسأل نفسك من أين أتى ذلك الحجر في وجهك؟ مروان هو من ألقاه عليك، وأمام أعيننا، وحينما سقطت إثر الضربة مرت رصاصة تستهدف رأسك، لقد أنقذ حياتك بهذا التصرف، ونحن ندين لمروان هذا في إنقاذكم جميعًا!
دارت الأرض تحت قدمي فريد، وهو يقول بصوت مرتجف:
_ ولكنْ، كيف؟ كيف؟
سأله النائب متهكمًا:
_ أما زلتَ تعتقد أنه من حقك الحصول على الإجابات ومعرفة المعلومات؟
ولم يسمع فريد ما قاله النائب بعدها...
بل لم يعلم هل قال شيئًا آخر أم لم يفعل...
فلقد هوى فريد أرضًا...
في غيبوبة عميقة جدًا.
***

مرة أخرى نؤكد أن نادرًا لم يكن شابًا كسواه من الشباب...
لم يكن مميزًا في القتال اليدوي رغم قوته البدنية، ورغم أنه كان يفوز في بعض مباريات الملاكمة في النادي الرياضي، لكنه كان يخسر أكثر مما يفوز...
ولكن تميزه بعشقه البنادق والمسدسات، ومقدرته المذهلة على التصويب بمنتهى الدقة، ومن دون أن يخسر هدفًا واحدًا، والأكثر أهمية أنه كان سريعًا في التصويب، يستطيع التركيز على الهدف وإطلاق الرصاص مباشرة من دون إضاعة ثانية واحدة...
وهذه الموهبة أنقذت حياة نادر هذه الليلة، ورصاصته تخترق رأس خصمه، ورصاصة الأخير تنطلق لتخترق ذراع نادر وتواصل طريقها إلى الحائط، ونادر يسقط أرضًا مطلقًا صرخة ألم عنيفة...
ولكنْ، لم يكن هناك أي وقت للألم والصراخ! ونادر يدرك هذا جيدًا، ولا بد من أن هذين القاتِلَين يجب عليهما أن يبلغا من أرسلهما بنجاح مهمتهما، وإذا تأخرا في ذلك، فمن المؤكد أن قاتِلَين آخرين سيجيئان لإتمام المهمة، وربما عدد من القتلة، ولن يستطيع نادر النجاة من بين أيديهم أبدًا.
ورغم آلامه، ضَمَّد نادر جراحه بسرعة بعدما مزَّق قطعة من قميصه، وهو يشكر الله تعالى على أن الرصاصة لم تستقر في ذراعه، وأسرع يشغل جهاز الكومبيوتر عنده، استعدادًا منه لينسف كل بيانات العصابة منه، ولكنه تجمد في ذهول تام، وعقله يصرخ بدهشة تامة:
_ ما هذا الذي يحصل؟؟ كيف حصل هذا؟؟
فلقد دار الكومبيوتر مثل عادته، لم يكن هناك أية مشكلة في هذا، ولكن الغريب أن ملف بيانات العصابة لم يكن له أدنى أثر في الجهاز، وكأنه اختفى بطريقة سحرية على سبيل المثال!
ولم يفهم نادر ما الذي يحصل من حوله، ولكنه لم يُضِعْ وقته، بل أسرع يغادر بيته، ويجري في الشارع بأقصى سرعة، وفجأة، ارتطم نادر بشخص ما ارتطامًا عنيفًا، وصكَّ أذنيه صوت يقول بصرامة:
_ إلى أين تظن نفسك ذاهبًا؟
وأُسْقِط في يد نادر...
وأيقن أنها النهاية هذه المرة، وبكل تأكيد!


عمر قزيحة
في 24_8_2019م
الساعة: 2:54 بعد منتصف الليل.