الحلقة السادسة عشرة (نحو النهاية)

في زاوية بعيدة ضيقة، جلس العقيد فريد واضعًا رأسه بين كفَّيَّه بعد أن استعاد وعيه...
كان يشعر بألم نفسي عميق، وبجراح في كرامته غائرة، تفوق آلام جراحه الجسدية المتمثلة في جرح وجهه، بعد الحجر الضخم الذي أصابه به مروان...

لم يكن متعودًا مثل هذا الموقف المخزي، وهو الذي سَطَّر بذكائه نجاحاتٍ باهرة، نقلته من الخدمة في الجيش، إلى الخدمة في المخابرات العامة، وبترقية استثنائية.
وهناك، في عمله الجديد، نال ترقية استثنائية ثانية نظرًا لما أبدع به في حل الألغاز الغامضة، وكشف جرائم يندر أن يستطيع غيره الكشف عنها...

ومن غير أن يتعمد ذلك، بل رغم أنه حاول أن يخرج بذهنه من هذه القضية التي جعلته يفكر في اتخاذ قرار الاعتزال، وجد ذهنه يغوص فيها أكثر وأكثر...

ولقد حاول فريد جاهدًا أن يخرج من هذه الحالة، إلا أنه، وبعد وقت قليل، وجد نفسه ينهمك فيها كل الانهماك، وذهنه يسترجع كل حدث، وكل كلمة قِيْلَت وكل حرف...

وانتفض فريد هاتفًا بغتة، بلهجة تفوح بالانتصار:
_ وجدتها! لقد فهمْتُ كل شيء أخيرًا.

وبأقصى سرعته انطلق نحو مكتب مدير المخابرات يقتحمه كالإعصار، صارخًا بصوت مرعب، متجاهلًا رجلًا يمسك به نائب المدير بحزم:
_ أسرع يا سيادة اللواء، ضع حراسة قوية على غرفة السيدة ليلى، سيقتلونها حتمًا!

انتفض المدير ونائبه، والرجل المعتقَل، بمنتهى العنف، لهذا الاقتحام الذي يتنافى والذوق، عدا عن كونه يتنافى والمبادئ العسكرية، ولكن فريدًا تابع صراخه:

_ سيقتلونها، سينتحل أحدهم شخصية طبيب ليتمكن من تجاوز الحراس ويصل إليها، ويقتلها، وذلك مؤكد، أسرعوا بحراستها!

هتف به المدير متهكمًا:

_ صباح الخير!

نظر فريد خلفه ليرى هل دخل شخص بعده ولم يَرَه مثلًا، والمدير يرحب به؟ ولكنْ، الوقت الآن ليلًا، ما تزال ليلة الدم مستمرة لم تنتهِ بعد!
وفطن فريد أخيرًا إلى أن المدير يسخر منه، فقال متضايقًا:

_ ألا تصدقني حضرة المدير؟

رد نائب المدير ساخرًا:

_ بلى، لقد قال لك "صباح الخير"، أي أنك أفَقْتَ أخيرًا، وبدأ عقلك يشتغل!

وأشار إلى الرجل الذي يقف بجانبه، متابعًا بحزم:

_ وهذا هو القاتل! لم نستطع منع الجريمة، لكننا تتبعنا القاتل، وأمسكنا به في المطار، ولكنك استرجعْتَ ذكاءك، ننتظر أن تخبرنا باسمه ومتى وُلِدَ بالتحديد، و...

قاطعه فريد متوترًا:

_ وهناك ضحية أخرى، بل ضحيتان اثنتان، نادر ومروان، كلاهما سيُقْتَل، أسرعوا بحمايتهما!
وتبادل المدير ونائبه نظرة تفيض بالتوتر... وفي ذهن كلٍّ منهما يتردد السؤال الجوهري: ترى، هل استعاد فريد مقدرته الفذة مرة أخرى، أم أنه سيتابع التخبيص كما بدأ به؟
وبتعبير آخر، أكثر دقة وإخافة، هل يتعرض كلٌّ من نادر ومروان إلى عملية تصفية عاجلة بالفعل، أم لا؟

وكان ترجيح أيٍّ من الإجابتين على الأخرى أمرًا عسيرًا جدًا...

وإلى أقصى حد.
***
كانت الدماء تسيل من ذراع نادر، وهو يجري بأقصى سرعته، قبل أن يرتطم بشخص ما، ويندفع جسده إلى الخلف مرغمًا، وصوت صارم يسأله:
_ إلى أين تظن نفسك ذاهبًا؟
شعر نادر بأنه يحيا آخر أنفاس حياته، ولم يكن في نفسه المقدرة على المقاومة بعد كل ما عاناه تلك الليلة، واستسلم تمامًا إلى اليد القوية التي أمسكت بذراعه الأخرى التي لم تُصَبْ، وهَزَّ رأسه يائسًا، و(خصمه) يقول له برفق:
_ تعال معي، بيتي أمان لك الآن!
أومأ نادر برأسه موافقًا، وسار بضع خطوات، قبل أن يسترجع ذهنه آخر الكلمات، فهتف بحيرة:
_ ولكنْ، هل تعرفني أنت أم أنك فخ لجذبي إلى...

قاطعه الفتى باستنكار:

_ هل فقدتَ ذاكرتك يا نادر؟ أنا مروان!

صاح نادر بفرحة طاغية:

_ مروان؟ الحمد لله، لن ألقى نحبي هذه الليلة، ولن...

وضع مروان يده على فمه قائلًا بتوتر:

_ اسكت! ما هذا؟ أتريد أن توقظ الناس مرة أخرى بعد كل ما أُطْلِق من الرصاص في الحي المجاور؟
كاد نادر يعترض، ويقول شيئًا ما...
لكن الأرض مادت به، لفرط آلامه وما فقده من الدماء...

حاول أن يتماسك، ولكن أظلمت الدنيا في عينيه تمامًا.
***

لم يَكَدِ العقيد فريد يتَّجه نحو سيارته، وقد اتخذ في نفسه قرارًا حازمًا بحماية مروان ونادر، مهما كلَّفَه الأمر ذلك، حتى اندفع أحد الضباط إليه هاتفًا به:
_ فريد، انتظر! المدير يريدك الآن!
عاد فريد أدراجه ليرى ما الذي يريده المدير منه، وهو الذي فارقه من لحظات معدودات...

ولكنه وقف مكانه ذاهلًا، وهو يحدِّق في الضيف الذي يجلس في غرفة المدير...

فلم يتخيل إطلاقًا أنه سيلتقي به هنا، في مبنى المخابرات العامة...

على الإطلاق.

عمر قزيحة _ في:
28 _ 10_ 2019م، الساعة: 1:23 ليلًا.